مصائر الخليج
الرابحون والخاسرون من حرب ترامب في الشرق الأوسط
جوناثان أيتكن( وزير المشتريات الدفاعية البريطاني الأسبق)
منذ ستين عاماً، ألقيت نظرتي الأولى على مضيق هرمز من شبه جزيرة مسندم في عمان. كنت هناك بصفتي سكرتيراً خاصاً لعرابي، سيلوين لويد، الذي كان وزيراً لخارجية بريطانيا خلال أزمة السويس.
في الليلة السابقة، علق مضيفنا السلطان سعيد بن تيمور، حاكم عمان لنحو 40 عاماً، قائلاً بتجهم: «عندما تتقاتل سمكتان في هذه المياه، فإن البريطانيين يقفون وراء ذلك». أقدر أنني قمت بـ 250 زيارة على الأقل لدول الخليج خلال العقود الستة الفاصلة. والسؤال الجوهري الذي كانت ستطرحه بالتأكيد أشباح محاوريَّ السابقين في الشرق الأوسط – من ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر إلى الملك فهد ملك السعودية، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أول رئيس لدولة الإمارات، والسلطان قابوس صاحب الرؤية في عمان – هو: من سيبرز كالرابح والخاسر الحقيقي من أزمة هرمز الحالية؟
الأميركيون خاسرون كبار بالفعل من حيث هيبة الوجه والحماقة. فالتعرجات في التصريحات الاستراتيجية لدونالد ترامب لا تجعل لها معنى من يوم لآخر. كما أن المفاخرات المنفوخة لوزير الحرب، بيت هيغسيث، حولته إلى "الصحاف" (علي الكوميدي) لهذا الصراع. ويقول المتحدث باسم البنتاغون الآن إن «الوضع مائع»، وهي صرخة نصر لا تبدو مقنعة بعد ثلاثة أسابيع من القتال العنيف.
ورغم أخطاء أميركا، فإن الإيرانيين خاسرون كبار. لقد كان المقال الافتتاحي لمجلة "ذا سبيكتاتور" الأسبوع الماضي محقاً في إدانته الشديدة لآثام استراتيجية آية الله الشريرة، لكنه أخطأ في تفاؤله بشأن ما قد يتبعها.
النتيجة الأكثر احتمالاً هي أن إيران ستدمر عسكرياً واقتصادياً لعقود. وهذا يعد نصراً للإسرائيليين، لكنه يمثل مشكلة للجميع تقريباً. إيران نفسها ستشهد تغييراً في النظام، ولكن ربما دون تغيير حقيقي للنظام. ولكن عاجلاً أم آجلاً، سيتعين على من يتولى السلطة في طهران أن يتعلم العيش مع الجيران – دول الخليج، حيث لا تزال مصالح بريطانيا كبيرة.
هنا، من المؤكد أن لوحة نتائج الرابحين والخاسرين ستثبت تعقيدها. فالبحرين الصغيرة الفقيرة وقطر الغنية بغطرسة سوف تنحدران كثمن لتبعيتهم لأميركا ترامب.
أما السعودية التي تعاني من نقص السيولة رغم غناها بالنفط («الإنشيلادا الكبيرة» كما أسماها نيكسون)، فسوف تظل قوية داخلياً ولكنها أكثر حذراً في الخارج. لقد تشوهت وضعفت علاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة – والتي تقتصر هذه الأيام فعلياً على عائلة ترامب. أصدقائي السعوديون غاضبون لكنهم عاجزون؛ إنهم يمقتون الإيرانيين لكنهم لن يفعلوا أكثر من التلويح بالسيوف في وجههم.
لقد تضررت الإمارات العربية المتحدة بشكل أقسى مما تعترف به. فقد كانت هدفاً لأكثر من 2000 صاروخ وطائرة مسيرة إيرانية، تسبب حطامها في إتلاف مستودعات تخزين النفط والفنادق والبنوك. وتعاني دبي، إمارة المغتربين، من أزمة ثقة. ورغم تراجع "فرقة البهرجة"، إلا أنها ستترنح بتباهٍ مع تراجع مكانتها لتصبح "موناكو" صغرى في الشرق الأوسط – مكاناً مشمساً لأشخاص مريبين.
إن القلب الحقيقي والقوة والروح لدولة الإمارات تكمن في أبو ظبي، التي تشكل أكثر من 80% من مساحة البلاد، وأكثر من 90% من احتياطياتها النفطية الهائلة، و40% من سكانها المحليين.
طوال فترة الأعمال العدائية، كان ابني وليام، الذي يعيش ويعمل في أبو ظبي، يتردد على مجالس عائلات الشيوخ والتجار. وهو ينقل تقارير عن مرونة قوية بين أبناء وأحفاد مقاتلي البادية الأصليين في المنطقة.
إن نجل الشيخ زايد، الشيخ محمد بن زايد، الذي أعرفه جيداً، هو السبب الرئيسي للاستقرار النسبي في البلاد. فعندما سقطت الصواريخ الإيرانية الأولى، أدلى بمقابلة بليغة، جمعت بين الوعيد للإيرانيين، والتعاطف مع الجرحى، والطمأنة للمغتربين، والامتنان لمواطنيه الإماراتيين، والأمل في المستقبل. وقال: «الإمارات نموذج يحتذى به، وأعد الجميع بأننا سنخرج أقوى من ذي قبل». وإذا تمكن الشيخ محمد بن زايد من تحقيق هدفه في جعل أبو ظبي الولاية القضائية الأكثر أماناً وجاذبية في المنطقة، فإن إمارته الغنية للغاية قد تصبح المستفيد الأول من عدم الاستقرار العالمي أو الإقليمي.
وهناك "حصان أسود" آخر تجب مراقبته في سباق النجاح ما بعد الحرب في الخليج، وهو عمان.
لعل المقال الأكثر بصيرة لكاتب عربي منذ بدء الحرب هو ما نُشر في مجلة "إيكونوميست" الأسبوع الماضي تحت عنوان: «يجب على أصدقاء أميركا مساعدتها في الخروج من حرب غير قانونية». كان المقال بقلم بدر البوسعيدي، وزير خارجية عمان، الذي توسط في الجولة الأخيرة من المحادثات النووية التي كانت تبدو واعدة بين أميركا وإيران.
آل بوسعيد هم "آل كينيدي" في بلادهم، حيث يشغلون سبعة مناصب وزارية. ولكن على عكس عائلة كينيدي، يتبع آل بوسعيد التقليد العماني في عدم إظهار رؤوسهم فوق الساتر إلا نادراً. لماذا التدخل الآن؟ لأنه لأسباب استراتيجية ودبلوماسية وجغرافية وسياسية واقتصادية، من المرجح أن تبرز عمان كجوهرة التاج الجديدة في خليج الغد.
لقد آتى حيادها على الطريقة السويسرية لسنوات طويلة ثماره. فخلال الأسابيع القليلة الماضية، لم تطلق إيران سوى صاروخين أو ثلاثة صواريخ رمزية في اتجاهها. وهناك طفرة اقتصادية عمانية قادمة على أي حال بفضل الانتهاء الوشيك من روابط البنية التحتية للسكك الحديدية وخطوط الأنابيب المخطط لها منذ فترة طويلة مع السعودية والإمارات. وقد شجع على ذلك الحاكم الجديد السلطان هيثم، واضع مخطط الحكومة «رؤية عمان 2040»، التي تهدف إلى جلب 50 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر.
وللقيام بذلك، يحتاج السلطان إلى المساعدة. قد يحتاج الشيخ محمد بن زايد وقادة الخليج الآخرون إلى ابتلاع انزعاجهم من تاريخ عمان في "الوقوف على الحياد". ولكن إذا قررت أبو ظبي ومجلس التعاون الخليجي الشروع في برنامج إعادة إعمار اقتصادي عند توقف الأعمال العدائية، فإن عمان – بالتعاون مع أبو ظبي – ستمنح خليج الغد مستقبلاً عظيماً. ولكن يجب الحذر من مثل هذه التوقعات؛ فالمسافرون المتمرسون في هذه الرمال الصحراوية يتذكرون ما قاله اللورد كرزون عندما كان وزيراً للخارجية في عام 1923: «العالم العربي جامعة لا يحصل الطالب فيها أبداً على شهادته».
The Spectator
28/03/2026
الرابحون والخاسرون من حرب ترامب في الشرق الأوسط
جوناثان أيتكن( وزير المشتريات الدفاعية البريطاني الأسبق)
منذ ستين عاماً، ألقيت نظرتي الأولى على مضيق هرمز من شبه جزيرة مسندم في عمان. كنت هناك بصفتي سكرتيراً خاصاً لعرابي، سيلوين لويد، الذي كان وزيراً لخارجية بريطانيا خلال أزمة السويس.
في الليلة السابقة، علق مضيفنا السلطان سعيد بن تيمور، حاكم عمان لنحو 40 عاماً، قائلاً بتجهم: «عندما تتقاتل سمكتان في هذه المياه، فإن البريطانيين يقفون وراء ذلك». أقدر أنني قمت بـ 250 زيارة على الأقل لدول الخليج خلال العقود الستة الفاصلة. والسؤال الجوهري الذي كانت ستطرحه بالتأكيد أشباح محاوريَّ السابقين في الشرق الأوسط – من ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر إلى الملك فهد ملك السعودية، والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أول رئيس لدولة الإمارات، والسلطان قابوس صاحب الرؤية في عمان – هو: من سيبرز كالرابح والخاسر الحقيقي من أزمة هرمز الحالية؟
الأميركيون خاسرون كبار بالفعل من حيث هيبة الوجه والحماقة. فالتعرجات في التصريحات الاستراتيجية لدونالد ترامب لا تجعل لها معنى من يوم لآخر. كما أن المفاخرات المنفوخة لوزير الحرب، بيت هيغسيث، حولته إلى "الصحاف" (علي الكوميدي) لهذا الصراع. ويقول المتحدث باسم البنتاغون الآن إن «الوضع مائع»، وهي صرخة نصر لا تبدو مقنعة بعد ثلاثة أسابيع من القتال العنيف.
ورغم أخطاء أميركا، فإن الإيرانيين خاسرون كبار. لقد كان المقال الافتتاحي لمجلة "ذا سبيكتاتور" الأسبوع الماضي محقاً في إدانته الشديدة لآثام استراتيجية آية الله الشريرة، لكنه أخطأ في تفاؤله بشأن ما قد يتبعها.
النتيجة الأكثر احتمالاً هي أن إيران ستدمر عسكرياً واقتصادياً لعقود. وهذا يعد نصراً للإسرائيليين، لكنه يمثل مشكلة للجميع تقريباً. إيران نفسها ستشهد تغييراً في النظام، ولكن ربما دون تغيير حقيقي للنظام. ولكن عاجلاً أم آجلاً، سيتعين على من يتولى السلطة في طهران أن يتعلم العيش مع الجيران – دول الخليج، حيث لا تزال مصالح بريطانيا كبيرة.
هنا، من المؤكد أن لوحة نتائج الرابحين والخاسرين ستثبت تعقيدها. فالبحرين الصغيرة الفقيرة وقطر الغنية بغطرسة سوف تنحدران كثمن لتبعيتهم لأميركا ترامب.
أما السعودية التي تعاني من نقص السيولة رغم غناها بالنفط («الإنشيلادا الكبيرة» كما أسماها نيكسون)، فسوف تظل قوية داخلياً ولكنها أكثر حذراً في الخارج. لقد تشوهت وضعفت علاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة – والتي تقتصر هذه الأيام فعلياً على عائلة ترامب. أصدقائي السعوديون غاضبون لكنهم عاجزون؛ إنهم يمقتون الإيرانيين لكنهم لن يفعلوا أكثر من التلويح بالسيوف في وجههم.
لقد تضررت الإمارات العربية المتحدة بشكل أقسى مما تعترف به. فقد كانت هدفاً لأكثر من 2000 صاروخ وطائرة مسيرة إيرانية، تسبب حطامها في إتلاف مستودعات تخزين النفط والفنادق والبنوك. وتعاني دبي، إمارة المغتربين، من أزمة ثقة. ورغم تراجع "فرقة البهرجة"، إلا أنها ستترنح بتباهٍ مع تراجع مكانتها لتصبح "موناكو" صغرى في الشرق الأوسط – مكاناً مشمساً لأشخاص مريبين.
إن القلب الحقيقي والقوة والروح لدولة الإمارات تكمن في أبو ظبي، التي تشكل أكثر من 80% من مساحة البلاد، وأكثر من 90% من احتياطياتها النفطية الهائلة، و40% من سكانها المحليين.
طوال فترة الأعمال العدائية، كان ابني وليام، الذي يعيش ويعمل في أبو ظبي، يتردد على مجالس عائلات الشيوخ والتجار. وهو ينقل تقارير عن مرونة قوية بين أبناء وأحفاد مقاتلي البادية الأصليين في المنطقة.
إن نجل الشيخ زايد، الشيخ محمد بن زايد، الذي أعرفه جيداً، هو السبب الرئيسي للاستقرار النسبي في البلاد. فعندما سقطت الصواريخ الإيرانية الأولى، أدلى بمقابلة بليغة، جمعت بين الوعيد للإيرانيين، والتعاطف مع الجرحى، والطمأنة للمغتربين، والامتنان لمواطنيه الإماراتيين، والأمل في المستقبل. وقال: «الإمارات نموذج يحتذى به، وأعد الجميع بأننا سنخرج أقوى من ذي قبل». وإذا تمكن الشيخ محمد بن زايد من تحقيق هدفه في جعل أبو ظبي الولاية القضائية الأكثر أماناً وجاذبية في المنطقة، فإن إمارته الغنية للغاية قد تصبح المستفيد الأول من عدم الاستقرار العالمي أو الإقليمي.
وهناك "حصان أسود" آخر تجب مراقبته في سباق النجاح ما بعد الحرب في الخليج، وهو عمان.
لعل المقال الأكثر بصيرة لكاتب عربي منذ بدء الحرب هو ما نُشر في مجلة "إيكونوميست" الأسبوع الماضي تحت عنوان: «يجب على أصدقاء أميركا مساعدتها في الخروج من حرب غير قانونية». كان المقال بقلم بدر البوسعيدي، وزير خارجية عمان، الذي توسط في الجولة الأخيرة من المحادثات النووية التي كانت تبدو واعدة بين أميركا وإيران.
آل بوسعيد هم "آل كينيدي" في بلادهم، حيث يشغلون سبعة مناصب وزارية. ولكن على عكس عائلة كينيدي، يتبع آل بوسعيد التقليد العماني في عدم إظهار رؤوسهم فوق الساتر إلا نادراً. لماذا التدخل الآن؟ لأنه لأسباب استراتيجية ودبلوماسية وجغرافية وسياسية واقتصادية، من المرجح أن تبرز عمان كجوهرة التاج الجديدة في خليج الغد.
لقد آتى حيادها على الطريقة السويسرية لسنوات طويلة ثماره. فخلال الأسابيع القليلة الماضية، لم تطلق إيران سوى صاروخين أو ثلاثة صواريخ رمزية في اتجاهها. وهناك طفرة اقتصادية عمانية قادمة على أي حال بفضل الانتهاء الوشيك من روابط البنية التحتية للسكك الحديدية وخطوط الأنابيب المخطط لها منذ فترة طويلة مع السعودية والإمارات. وقد شجع على ذلك الحاكم الجديد السلطان هيثم، واضع مخطط الحكومة «رؤية عمان 2040»، التي تهدف إلى جلب 50 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر.
وللقيام بذلك، يحتاج السلطان إلى المساعدة. قد يحتاج الشيخ محمد بن زايد وقادة الخليج الآخرون إلى ابتلاع انزعاجهم من تاريخ عمان في "الوقوف على الحياد". ولكن إذا قررت أبو ظبي ومجلس التعاون الخليجي الشروع في برنامج إعادة إعمار اقتصادي عند توقف الأعمال العدائية، فإن عمان – بالتعاون مع أبو ظبي – ستمنح خليج الغد مستقبلاً عظيماً. ولكن يجب الحذر من مثل هذه التوقعات؛ فالمسافرون المتمرسون في هذه الرمال الصحراوية يتذكرون ما قاله اللورد كرزون عندما كان وزيراً للخارجية في عام 1923: «العالم العربي جامعة لا يحصل الطالب فيها أبداً على شهادته».
The Spectator
28/03/2026



