أولًا: مكانة العلم في القرآن والسنة
من يتأمل نصوص الوحي يدرك أن العلم في الإسلام ليس ترفًا فكريًا، بل هو أساس الاستخلاف في الأرض وعماد العبادة الصحيحة.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)
وهذا في كل باب علم
وقال سبحانه:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة:
وأول ما نزل من القرآن كان أمرًا بالقراءة:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1)
وفي السنة قال ﷺ:
«طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلم»
وقال ﷺ:
«من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»
وهذا يشمل — بإجماع أهل العلم — العلم الشرعي، وما تحتاجه الأمة من علوم الدنيا النافعة.
ثانيًا: موقف أئمة السلف من العلوم النافعة
قول الإمام الشافعي
قال:
"لا أعلم بعد الحلال والحرام أنبل من الطب"
فهو يرى أن الطب من أشرف العلوم بعد علم الشريعة، لأنه يحفظ الأبدان كما يحفظ الفقه الأديان.
قول الإمام أحمد
كان يحث على التداوي، ويقول:
"التداوي سنة"
قول ابن تيمية
ذكر أن العلوم نوعان:
- علوم دينية
- علوم دنيوية تحتاجها الأمة (كالطب والحساب والهندسة)
وبيّن أن هذه العلوم قد تكون فرض كفاية إذا احتاجها المسلمون.
قول الإمام الغزالي
في إحياء علوم الدين قسّم العلوم إلى:
- فرض عين (كأصول العقيدة والعبادات)
- فرض كفاية (كالطب والحساب والصناعات)
وقال:
" الطب والحساب من فروض الكفايات"
أي أن الأمة تأثم إن تركتهما.
ثالثًا: نماذج عملية من الحضارة الإسلامية
الطب في الحضارة الإسلامية
- صاحب كتاب القانون في الطب الذي دُرِّس في أوروبا لقرون.
- الذي ميّز بين الحصبة والجدري.
- إنشاء البيمارستانات (المستشفيات) بنظام إداري متقدم.
الهندسة والعلوم التطبيقية
- رائد الهندسة الميكانيكية وصاحب كتاب الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل.
- مؤسس علم الجبر.
- تطور علم الفلك لحساب المواقيت والقبلة.
هذه الشواهد التاريخية تثبت أن المسلمين فهموا نصوص الدين على أنها دعوة للبحث والاكتشاف، لا الانغلاق والجمود.
رابعًا: أقوال العلماء المعاصرين
الشيخ ابن باز
أكد أن العلوم الحديثة النافعة — كالطب والهندسة — من الأمور المشروعة بل المطلوبة إذا كانت تخدم الأمة.
الشيخ ابن عثيمين
قال إن تعلم الصناعات والعلوم التي يحتاجها المسلمون واجب كفائي.
خامسًا: هل الإسلام ضد الطب أو الهندسة أو علوم الدنيا؟
هذا الادعاء لا يصمد أمام:
- نصوص القرآن والسنة الحاثة على العلم.
- إجماع العلماء على فرضية العلوم النافعة.
- التاريخ الإسلامي المليء بالإنجازات العلمية.
- القاعدة الشرعية:
فحفظ النفس واجب، ولا يتم إلا بالطب.
وقوة الأمة واجبة، ولا تتم إلا بالعلوم التقنية والهندسية.
الخلاصة
الإسلام:
- لم يعادِ العلم قط.
- لم يحصر المعرفة في جانب تعبدي ضيق.
- بل جمع بين عبادة الله وعمارة الأرض.
قال تعالى:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61)
أي طلب منكم إعمارها.
فالهندسة، والطب، والفيزياء، والتقنية — إذا قصد بها نفع الناس وخدمة الأمة — فهي عبادة يؤجر عليها صاحبها.