40 دقيقة قلبت تاريخ افغانستان

الحاج سليمان 

خـــــبراء المنتـــــدى
إنضم
5 سبتمبر 2007
المشاركات
7,901
التفاعل
22,007 331 38
الدولة
Algeria
40 دقيقة غيرت وجه أفغانستان

في مساء 27 ديسمبر 1979، لم يكن شيء في كابُل يوحي بأن البلاد تقف على بُعد دقائق ليس إلا من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخها الحديث. كانت الشوارع هادئة كعادتها بعد أن أغلقت المتاجر أبوابها وعاد الموظفون إلى منازلهم، لكن وراء هذا الهدوء أخذت عاصفة كبرى تتشكَّل قبل أن تضرب البلاد وتغيِّر مسارها لعقود قادمة.



على بُعد نحو 16 كيلومترا من وسط العاصمة الأفغانية كابُل، وفي قصر تاج بيغ، الذي لم يكن قد مضى على اعتماده مقرا رئاسيا إلا بضعة أسابيع؛ كان الرئيس الأفغاني آنذاك حفيظ الله أمين في سريره، نتيجة السُّم الذي وُضِع له في مشروب الصودا بواسطة طباخ روسي كان يعمل في جهاز المخابرات السوفياتية من داخل القصر، مما استلزم محاولة إفاقة وغسيل معدة والبقاء في المشفى 4 ساعات قبل العودة للقصر، وذلك بحسب ما رواه نائب رئيس الأركان حينها دولت وزيري في مقابلة خاصة مع الجزيرة نت.



في تلك الليلة، كان الإعداد جاريا لمأدبة رسمية كي يحضرها أعضاء من الحكومة وكبار المسؤولين، لكن قبل أن تبدأ المأدبة، بدأت عملية "العاصفة 333″، إذ تقدَّم مقاتلون من وحدة ألفا من قوات النخبة التابعة للاستخبارات السوفياتية وقوات سبيتسناز الخاصة، وكانوا مُتنكرين في زي الجيش الأفغاني، وفتحوا نيرانهم على القصر ومَن فيه، وفي غضون دقائق انقطعت الاتصالات وتحوَّل المكان إلى ساحة قتال.



لم يكُن النظام الحاكم في كابُل مُعاديا للشيوعية أو لموسكو بحال، كما توحي تلك الوقائع لأول وهلة، بل في الحقيقة كان حليفا وثيقا للروس. بيد أن الشكوك الروسية في التزام الرئيس أمين بالتحالف مع السوفيات فتحت الباب أمام رغبتهم في التدخُّل العسكري، على غرار ما جرى في المجر 1956 وتشيكوسلوفاكيا 1968، حين اجتاح السوفيات بلدانا اشتراكية للتأكُّد من أن الأمور تسري وفقا لإرادة موسكو، وإقصاء أي اتجاهات تحاول موازنة العلاقات مع الغرب.

أقل من ساعة

"وقفتُ وحملتُ بندقية الكلاشينكوف خاصتي وفتحت النافذة، اتجهت نحو مكتب محمد يعقوب (رئيس الأركان)، حيث قتله مترجم سوفياتي بالرصاص. ثم هرولت إلى الباب، وما إنْ رأيت جنديا سوفياتيا حتى اختبأت سريعا، وقبل أن أنجح في إطلاق الرصاص، كان قد أصابني في مِعصمي برصاصة، فوقعت بندقيتي من يدي. وسرعان ما أُصِبت برصاصتين أخريين في بطني وقدمي اليمنى. ولكنني تساءلت حينها: لماذا يُمكن أن يطلق الروس النار عليّ؟".



بتلك الكلمات، تحدَّث دولت وزيري، نائب رئيس الأركان حينها، عن وقائع الهجوم على قصر تاج بيغ، الذي لم يُسعِفه الوقت للجواب عن سؤاله الذي دار في ذهنه حينذاك، إذ سقطت إلى جانبه قنبلة يدوية أجبرته على القفز من الطابق الثاني حفاظا على حياته، حتى أفاق بين عشرات الجثث، ظنًّا من السوفيات أنه قد مات، قبل أن يؤخذ إلى المشفى، وينضم لاحقا إلى الجيش الأفغاني المدعوم من موسكو بعد الاجتياح، في مفارقة تعكس ولاء رجال كثيرين داخل النظام للسوفيات، على عكس ما تصوَّر الروس أنفسهم.

يروي ببري أمين، نجل حفيظ الله أمين، الذي نجا من الهجوم، في حوار مع الجزيرة نت "أن والده لم يكن يتوقع أن الهجوم حين بدأ كان هجوما سوفياتيا، بل ظن في البداية أنه اضطراب داخلي، وعندما حاول استخدام جهاز اللاسلكي، اكتشف أن مركز الاتصالات قد دُمِّر بالفعل، ولم يكن يعتقد حتى تلك اللحظة أيضا أن السوفيات هم الذين يهاجمون قصره ويطلقون عليه النيران".



في نهاية المواجهة، قُتل حفيظ الله أمين وعدد من أفراد أسرته، ودخلت القوات السوفياتية قصر تاج بيغ، ومن ثمَّ بدأت رسميا مرحلة الاحتلال السوفياتي لأفغانستان. وبعد ساعات، بثَّت الإذاعة بيانا بصوت بَبرك كارمل، السياسي بجناح "برتشم" المناوئ لجناح "خلق" داخل الحزب الحاكم، وأعلن فيه الإطاحة بالرئيس واتهامه بالفاشية والعمالة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.



كانت الرسالة قد سُجِّلت مسبقا وبُثَّت من إذاعة طاجيكستان، في مشهد كشف أن تغيير السلطة كان جزءا من خطة مُحكمة، لا نتيجة تطورات مفاجئة.

ولكن ما يثير الانتباه دوما في وقائع ديسمبر/كانون الأول 1979 أن كثيرا من كبار المسؤولين الأفغان في ذلك الوقت لم يتوقَّعوا أي هجوم سوفياتي، حيث كتب فقير محمد فقيري، وزير الداخلية الأسبق، في مذكراته قائلا: "إن القيادة الأفغانية لم تكن تشُك مطلقا في نِيَّات موسكو، بل كانت تعتقد أن الوجود السوفياتي مرتبط بعقود تسليح ودعم عسكري".



وحتى في اللحظات التي سبقت الهجوم، كان هناك ضباط سوفيات في وزارة الدفاع يجلسون إلى جانب كبار القادة الأفغان، دون أن يُنظر إليهم على أنهم تهديد، بل إن بعض الضباط السوفيات المرافقين للرئيس أمين في قصره، ممن لم يعلموا بالخطة السوفياتية، شاركوا في محاولة إسعافه بعد تسميمه. هذه الثقة، أو ربما الغفلة، لا تزال حتى اليوم محل تساؤل تاريخي كبير.



على الجانب السوفياتي، تكشف مذكرات الجنرال بوريس غروموف، القائد السابق للقوات السوفياتية في أفغانستان، أن قرار إرسال الجيش كان قد اتُّخذ مسبقا، ففي ديسمبر/كانون الأول 1979، حيث جرى تشكيل اللواء الأربعين وتجهيزه في آسيا الوسطى، في أكبر تحرك عسكري شهدته المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية.



كانت المفارقة هي أن موسكو، وبينما بدأت تضع خطة لإسقاط أمين، أخذت تُطمئنه شفهيا في الوقت نفسه إلى أنه يحظى بالدعم والمساندة، بل وكانت تطلب من الجيش الأفغاني التعاون الكامل مع القوات السوفياتية القادمة.



ولكن بعد إقصاء أمين لرفيق دربه نور محمد تراكي وقتله إياه في صراع دموي داخل الحزب الحاكم، كانت علاقة أمين بموسكو قد دخلت مرحلة من الشك العميق، رغم كونه حليفا رسميا للاتحاد السوفياتي، إذ ارتابت موسكو في أن الرئيس الذي درس في الولايات المتحدة عازم على فتح قنوات للتواصل مع واشنطن.



بعد مقتل الرئيس أمين، روَّجت القيادة السوفياتية لرواية مفادها أن "قوى ثورية داخلية" هي التي أطاحت به بسبب "استبداده وانتهاكه المعايير القانونية وقمعه خصومه"، مُتجنِّبة الاعتراف بدور قواتها الخاصة في العملية. وقد روِّجَت هذه الرواية في صفوف الأحزاب الشيوعية حول العالم، في محاولة من موسكو لمنح الغزو غطاء أيديولوجيا وسياسيا.



لم تنتهِ القصة عند مقتل رئيس أو احتلال قصر. فما جرى في تلك الليلة سرعان ما أدخل أفغانستان في دوامة حرب استمرت أكثر من 4 عقود، قُتِل فيها مئات الآلاف من الأفغان، وتفكَّكت بنية المجتمع الأفغاني، وتعاقبت الصراعات من الغزو السوفياتي إلى الحرب الأهلية، ثم التدخُّلات الدولية اللاحقة.

وحتى الاتحاد السوفياتي ذاته لم يخرج سالما، فقد خسر نحو 15 ألف جندي، وكان الانسحاب عام 1989 أحد المؤشرات الكبرى على بداية تفكُّك النظام السوفياتي من الداخل، كما كشفت الأحداث اللاحقة على مدار عاميْن حتى إعلان حلِّ الاتحاد عام 1991.



40 دقيقة ليس إلا في قصر تاج بيغ كانت كافية لتغيير مصير أفغانستان وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، وترك جرحٍ مفتوحٍ لم يلتئم حتى اليوم.

المصدر موقع الحزيرة بتصرف
 
IMG_2544.jpeg
 
عودة
أعلى