تُعدّ العلاقات بين المغرب والجزائر من أكثر العلاقات تعقيدًا في الفضاء المغاربي، إذ تجمعها وشائج التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك، بقدر ما طبعتها فترات من التوتر والخلاف. غير أنّ المؤشرات الراهنة، وإن كانت غير معلنة رسميًا، توحي بإمكانية فتح صفحة جديدة قوامها التهدئة التدريجية، وربما السلام السياسي، بما يعيد الاعتبار لمنطق التعاون بدل الصراع.
منذ استقلال البلدين، لم تكن العلاقات الثنائية بمنأى عن التوترات. وقد بلغت هذه الخلافات ذروتها في ستينيات القرن الماضي، عندما تحولت الإشكالات الحدودية والسياسية إلى مواجهة عسكرية مباشرة عُرفت بـ حرب الرمال.
ورغم خطورة تلك المرحلة، فإن الحرب لم تستمر طويلًا، وانتهت بوقف القتال وعودة قنوات التواصل، ما يؤكد أن القطيعة لم تكن قدرًا محتومًا، بل حالة ظرفية تجاوزها الطرفان آنذاك حفاظًا على الاستقرار الإقليمي.
ورغم خطورة تلك المرحلة، فإن الحرب لم تستمر طويلًا، وانتهت بوقف القتال وعودة قنوات التواصل، ما يؤكد أن القطيعة لم تكن قدرًا محتومًا، بل حالة ظرفية تجاوزها الطرفان آنذاك حفاظًا على الاستقرار الإقليمي.
بعد حرب الرمال، عرفت العلاقات المغربية الجزائرية مدًّا وجزرًا، تخللته مراحل تعاون نسبي وأخرى من الجمود السياسي.
غير أن اللافت تاريخيًا هو أن الخلافات، مهما بلغت حدّتها، لم تُلغِ إدراك الطرفين لأهمية التعايش والتنسيق، خاصة في القضايا الكبرى مثل الأمن الإقليمي، ومواجهة التحديات الاقتصادية، والحفاظ على توازنات المغرب العربي.
غير أن اللافت تاريخيًا هو أن الخلافات، مهما بلغت حدّتها، لم تُلغِ إدراك الطرفين لأهمية التعايش والتنسيق، خاصة في القضايا الكبرى مثل الأمن الإقليمي، ومواجهة التحديات الاقتصادية، والحفاظ على توازنات المغرب العربي.
التفاوض غير المعلن: منطق السياسة الهادئة
في السياق الراهن، تشير تحليلات دبلوماسية إلى وجود قنوات تواصل غير مباشرة برعاية دولية وعربية، أو ما يمكن تسميته بـ«التفاوض الهادئ»، حيث تُدار الرسائل السياسية بعيدًا عن الأضواء.
هذا الأسلوب ليس جديدًا في العلاقات الدولية، وغالبًا ما يُستخدم لتهيئة الرأي العام والدوائر الرسمية لانتقالات سياسية حساسة، دون إحداث صدمات إعلامية أو تصعيد غير محسوب.
ويُفهم من هذا المسار أن الطرفين قد يكونان بصدد اختبار نوايا متبادلة، تقوم على خفض التوتر، وتجنب الخطاب التصعيدي، وفتح المجال أمام خطوات تدريجية لبناء الثقة، بدل القفز مباشرة إلى تسويات كبرى.
هذا الأسلوب ليس جديدًا في العلاقات الدولية، وغالبًا ما يُستخدم لتهيئة الرأي العام والدوائر الرسمية لانتقالات سياسية حساسة، دون إحداث صدمات إعلامية أو تصعيد غير محسوب.
ويُفهم من هذا المسار أن الطرفين قد يكونان بصدد اختبار نوايا متبادلة، تقوم على خفض التوتر، وتجنب الخطاب التصعيدي، وفتح المجال أمام خطوات تدريجية لبناء الثقة، بدل القفز مباشرة إلى تسويات كبرى.
عوامل دولية وإقليمية وجغرافية وثقافية وبشرية تدفع نحو التقارب:
تتعدد العوامل التي قد تفسر هذا الميل نحو التهدئة، من بينها:
التحولات الإقليمية والدولية التي تفرض على دول المنطقة إعادة ترتيب أولوياتها.
الكلفة السياسية والاقتصادية لاستمرار القطيعة، خاصة في ظل أزمات عالمية متسارعة.
الحاجة إلى تفعيل العمل المغاربي المشترك، الذي ظل معطّلًا لسنوات بسبب الخلافات الثنائية.
التحولات الإقليمية والدولية التي تفرض على دول المنطقة إعادة ترتيب أولوياتها.
الكلفة السياسية والاقتصادية لاستمرار القطيعة، خاصة في ظل أزمات عالمية متسارعة.
الحاجة إلى تفعيل العمل المغاربي المشترك، الذي ظل معطّلًا لسنوات بسبب الخلافات الثنائية.
أفق العلاقات التاريخية:
إن العودة إلى العلاقات الطبيعية بين المغرب والجزائر لا تعني بالضرورة حلّ جميع الخلافات دفعة واحدة، بل تعني قبل كل شيء إحياء منطق الحوار، والاعتراف بأن التاريخ المشترك – رغم ما شهده من صدام – أثبت قابلية الطرفين لتجاوز الأزمات. فكما انتهت حرب الرمال وعادت العلاقات بعدها، يمكن للواقع الراهن أن يشهد مسارًا مشابهًا، أكثر نضجًا وواقعية.
إن اقتراب السلام بين المغرب والجزائر، إن تحقق، لن يكون حدثًا عابرًا، بل تحوّلًا استراتيجيًا في تاريخ المنطقة المغاربية. وهو مسار، وإن بدأ بخطوات «بدائية» وغير معلنة، قد يفتح الباب أمام إعادة بناء الثقة، واستعادة العلاقات التاريخية على أسس جديدة، تُقدّم منطق الاستقرار والتعاون على حساب منطق الصراع والقطيعة.
من منظور استراتيجي، يمكن لكل طرف أن يتمسك بموقفه من قضية الصحراء دون أن يجعلها سببًا لحرب مباشرة أو قطيعة شاملة. فالتاريخ السياسي المعاصر يبيّن أن دولًا عديدة احتفظت بخلافات عميقة، لكنها في المقابل طوّرت آليات للتعايش السياسي، إدراكًا منها أن كلفة الحرب تفوق بكثير أي مكاسب محتملة.
إن الدعوة إلى عدم تحويل الخلاف حول الصحراء إلى مواجهة مفتوحة تعكس فهمًا عقلانيًا لموازين القوة وللمخاطر الجيوسياسية، خصوصًا في منطقة تواجه تحديات أمنية واقتصادية مشتركة.
من منظور استراتيجي، يمكن لكل طرف أن يتمسك بموقفه من قضية الصحراء دون أن يجعلها سببًا لحرب مباشرة أو قطيعة شاملة. فالتاريخ السياسي المعاصر يبيّن أن دولًا عديدة احتفظت بخلافات عميقة، لكنها في المقابل طوّرت آليات للتعايش السياسي، إدراكًا منها أن كلفة الحرب تفوق بكثير أي مكاسب محتملة.
إن الدعوة إلى عدم تحويل الخلاف حول الصحراء إلى مواجهة مفتوحة تعكس فهمًا عقلانيًا لموازين القوة وللمخاطر الجيوسياسية، خصوصًا في منطقة تواجه تحديات أمنية واقتصادية مشتركة.
ثانيًا: لماذا لا تخدم الحرب مصالح البلدين؟
أي تصعيد عسكري بين الجزائر والمغرب سيؤدي حتمًا إلى:
استنزاف اقتصادي طويل الأمد.
إضعاف الموقفين إقليميًا ودوليًا.
فتح المجال لتدخلات خارجية تُعقّد النزاع بدل حله.
تعطيل مشاريع التنمية والاستقرار في كامل الفضاء المغاربي.
وعليه، فإن تجنب الحرب لا يُعدّ تنازلًا سياسيًا، بل خيارًا استراتيجيًا لحماية الدولة والمجتمع.
ثالثًا: المصالح الكبرى للجزائر من عودة العلاقات
حتى مع استمرار الخلافات، تحقق الجزائر مكاسب معتبرة من تطبيع العلاقات، من بينها:
تعزيز الأمن الإقليمي: التنسيق الحدودي يقلل من مخاطر التهريب والجريمة المنظمة والإرهاب.
تخفيف الأعباء الاقتصادية: خفض الإنفاق المرتبط بالتوتر الدائم وتوجيه الموارد نحو التنمية.
تقوية الدور الإقليمي: الجزائر المستقرة والمنفتحة تعزز مكانتها كفاعل محوري في شمال إفريقيا.
إحياء الفضاء المغاربي: استعادة الحد الأدنى من التعاون داخل اتحاد المغرب العربي بما يخدم المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى.
رابعًا: المصالح الكبرى للمغرب من عودة العلاقات
في المقابل، يجني المغرب فوائد لا تقل أهمية، منها:
الاستقرار الحدودي: بيئة إقليمية أقل توترًا تُسهم في استدامة الأمن.
تكامل اقتصادي مغاربي: فتح آفاق التجارة والاستثمار مع عمق جغرافي طبيعي.
تقليص المخاطر السياسية: العلاقات الطبيعية تُخفف من منسوب الاستقطاب الإقليمي.
تعزيز التنمية المشتركة: مشاريع بنى تحتية وطاقة وسياحة ذات مردود مشترك.
خامسًا: نحو معادلة واقعية
المعادلة الممكنة تقوم على مبدأ: الخلاف قائم، لكن الصراع مرفوض.
أي أن تبقى قضية الصحراء ضمن الأطر السياسية والدبلوماسية، دون أن تُستخدم ذريعة لنسف كل أشكال التعاون.
هذا النهج لا يُنهي الخلاف، لكنه يمنع تحوله إلى صدام مُكلف للطرفين.
إن تجاوز توظيف قضية الصحراء في العلاقات الجزائرية المغربية لا يعني تجاهلها أو التنازل عنها، بل يعني تحييدها عن منطق الحرب والقطيعة. فعودة العلاقات – حتى مع بقاء الخلافات – تُمثّل خيارًا استراتيجيًا عقلانيًا، يحفظ مصالح البلدين الكبرى، ويضع أسس استقرار إقليمي طال انتظاره.
الجهود الأمريكية غير المعلنة: مقاربة براغماتية نحو تهدئة دائمة بين الجزائر والمغرب
تشير قراءات تحليلية في مسار العلاقات الإقليمية إلى وجود تحرّك دبلوماسي أمريكي هادئ يهدف إلى خفض منسوب التوتر بين الجزائر والمغرب، والسعي إلى بلورة أرضية تفاهم لا تُلزم الأطراف بتنازلات معلنة، لكنها تفتح الباب أمام سلام مستدام يخدم الاستقرار الإقليمي.
وتندرج هذه الجهود ضمن تقاليد السياسة الخارجية لـ الولايات المتحدة الأمريكية القائمة على إدارة النزاعات عبر قنوات خلفية، بعيدًا عن الضغط الإعلامي.
الجهود الأمريكية غير المعلنة: مقاربة براغماتية نحو تهدئة دائمة بين الجزائر والمغرب
تشير قراءات تحليلية في مسار العلاقات الإقليمية إلى وجود تحرّك دبلوماسي أمريكي هادئ يهدف إلى خفض منسوب التوتر بين الجزائر والمغرب، والسعي إلى بلورة أرضية تفاهم لا تُلزم الأطراف بتنازلات معلنة، لكنها تفتح الباب أمام سلام مستدام يخدم الاستقرار الإقليمي.
وتندرج هذه الجهود ضمن تقاليد السياسة الخارجية لـ الولايات المتحدة الأمريكية القائمة على إدارة النزاعات عبر قنوات خلفية، بعيدًا عن الضغط الإعلامي.
طبيعة المقاربة الأمريكية:
تعتمد المقاربة الأمريكية – وفق ما يُستشف من سلوكها الدبلوماسي – على مبدأ إدارة الخلاف لا فرض الحل.
فالهدف ليس إملاء تسوية نهائية بقدر ما هو:
تثبيت قنوات تواصل آمنة وغير معلنة.
تقليل مخاطر سوء التقدير والتصعيد.
تشجيع خطوات بناء الثقة المتبادلة.
ويُلاحظ أن هذا النمط من التحرك غالبًا ما يُدار عبر وسطاء دبلوماسيين رفيعي المستوى، وبالتنسيق مع مؤسسات مثل وزارة الخارجية الأمريكية، دون بيانات رسمية صريحة.
لماذا الولايات المتحدة؟
تنطلق واشنطن في اهتمامها بالملف من اعتبارات استراتيجية أوسع، من بينها:
استقرار شمال إفريقيا كعامل حاسم للأمن الإقليمي والدولي.
منع التصعيد العسكري بين دولتين محوريتين في المنطقة.
تقليص نفوذ الفوضى والتدخلات المنافسة في فضاء جيوسياسي حساس.
تهيئة بيئة تعاون اقتصادي وأمني تخدم المصالح المشتركة مع الشركاء الإقليميين.
المغرب حليف للغرب والجزائر محايد حتى اللحظة في إطار عدم خسارة الجزائر كدولة كبرى وقة إقليمية رسميا لصالح الشرق مثل روسيا والصين
نحو حل يرضي جميع الأطراف:
لا يُفهم من الجهود الأمريكية السعي إلى حسم الخلافات الجوهرية دفعة واحدة، بل إلى صياغة معادلة توازن تسمح لكل طرف بالتمسك بثوابته السياسية، مع تحييد هذه الخلافات عن منطق القطيعة أو المواجهة. ويقوم هذا التصور على:
قبول واقع التباين في الملفات الحساسة دون تحويله إلى صراع.
تثبيت مبدأ عدم اللجوء إلى القوة أو التهديد بها.
فتح مجالات تعاون عملية (أمنية، اقتصادية، إنسانية) منفصلة عن القضايا الخلافية.
السلام الدائم: مفهوم تدريجي لا لحظة واحدة
في هذا الإطار، يُطرح السلام الدائم ليس كاتفاق مفاجئ، بل كمسار تراكمي يبدأ بالتهدئة، ثم التطبيع الوظيفي، وصولًا إلى شراكات أوسع إن نضجت الظروف.
وهو تصور ينسجم مع الخبرة الأمريكية في إدارة النزاعات المعقدة، حيث يُعطى الوقت والدبلوماسية الهادئة دورًا مركزيًا.
إن الحديث عن جهود أمريكية سرية لا يعني الجزم بنتائجها، لكنه يعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا بأن استمرار القطيعة بين الجزائر والمغرب لا يخدم أحدًا.
وفي حال نجحت هذه المقاربة الهادئة في تثبيت قواعد عدم التصعيد وفتح قنوات الحوار، فإنها قد تشكّل لبنة أساسية في بناء سلام واقعي ومستدام، يراعي مصالح جميع الأطراف، حتى مع بقاء الخلافات قائمة.
الخلاف واضح: هي قضية الصحراء
لكن منطق المصالح أوضح: لماذا يبقى التعاون بين الجزائر والمغرب ضرورة لا خيارًا؟
لا جدال في أن جوهر الخلاف بين الجزائر والمغرب معروف ويتمحور حول الصحراء الغربية.
فهذا الملف شكّل، منذ عقود، العقدة السياسية المركزية التي عطّلت مسار العلاقات الثنائية، وأثقلت كاهل البناء المغاربي المشترك.
غير أن وضوح الخلاف لا يُلغي وضوحًا أكبر في المقابل: أسباب إقامة العلاقات والتعاون بين البلدين أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لأن خسارة المصالح باتت كلفتها أعلى من كلفة استمرار الخلاف نفسه.
أولًا: الاعتراف بالخلاف دون تحويله إلى صراع شامل
من منظور واقعي، لا يمكن إنكار أن الصحراء الغربية تمثل نقطة تباين حاد في الرؤى والمواقف.
لكن التجربة الدولية تُظهر أن الخلافات السيادية، مهما بلغت حدّتها، لا تُدار بالضرورة عبر القطيعة أو التهديد، بل عبر تحييد النزاع عن باقي الملفات.
فالإشكال ليس في وجود الخلاف، بل في طريقة إدارته وتأثيره على بقية المصالح الحيوية.
ثانيًا: لماذا تُعدّ المصالح المشتركة أولوية؟
إقامة علاقات طبيعية، حتى في ظل الخلاف، تنطلق من مبدأ بسيط: الدولة لا تُضحي بمصالحها الاستراتيجية بسبب ملف واحد، مهما كان حساسًا.
وفي الحالة الجزائرية المغربية، تتجلى هذه المصالح في مستويات متعددة:
1. الأمن والاستقرار الإقليمي
التنسيق الأمني بين بلدين يشتركان في حدود طويلة يُعدّ ضرورة حيوية لمواجهة:
الإرهاب العابر للحدود.
الجريمة المنظمة والتهريب.
الهجرة غير النظامية.
وغياب هذا التنسيق لا يضر طرفًا دون آخر، بل يخلق فراغًا أمنيًا يهدد الجميع.
2. الكلفة الاقتصادية للقطيعة
استمرار التوتر يعني:
تعطيل فرص التجارة والاستثمار.
خسارة مشاريع بنية تحتية وطاقة مشتركة.
إهدار موارد مالية تُصرف على إدارة التوتر بدل التنمية.
في المقابل، التعاون— المحدود—يفتح آفاقًا واقعية لنمو اقتصادي متبادل.
3. الدور الإقليمي والدولي
إن بلدين بحجم الجزائر والمغرب، وهما ركيزتان أساسيتان في شمال إفريقيا، يخسران الكثير حين يظهران في حالة صراع دائم. بينما تُعزز العلاقات الطبيعية موقعهما التفاوضي، وتمنحهما وزنًا أكبر في القضايا الإقليمية والدولية.
ثالثًا: منطق «عدم خسارة المصالح» كقاعدة حاكمة
القاعدة العقلانية في العلاقات الدولية تقول:
الخلاف يُدار، لكن المصالح تُحمى.
بمعنى أن كل طرف يمكنه التمسك بموقفه من الصحراء الغربية، دون أن يجعل هذا التمسك سببًا في:
تعطيل التعاون الأمني.
شلّ المبادلات الاقتصادية.
تجميد العلاقات الدبلوماسية بالكامل.
رابعًا: نحو تعاون وظيفي لا يُنهي الخلاف لكنه يحدّ من خسائره
التعاون بين الجزائر والمغرب لا يشترط حلّ الخلاف جذريًا، بل يمكن أن يقوم على:
علاقات دبلوماسية طبيعية.
قنوات حوار دائمة.
تعاون قطاعي (أمن، اقتصاد، طاقة، نقل).
وهو نموذج معمول به دوليًا بين دول تختلف حول قضايا سيادية، لكنها ترفض دفع ثمن القطيعة.
خلاصة التحليل والدراسة الإستراتيجية:
يُظهر هذا التحليل أن الخلاف بين الجزائر والمغرب واضح في جوهره ومحدد في ملف الصحراء الغربية، لكنه، في المقابل، ليس خلافًا وجوديًا ولا سببًا حتميًا للصدام أو القطيعة الدائمة.
فقد أثبتت التجربة التاريخية والسياسية أن البلدين، رغم مراحل التوتر الحاد، يمتلكان قدرة موضوعية على احتواء الخلاف والعودة إلى منطق العلاقات الطبيعية كلما فرضت المصالح العليا ذلك.
وتؤكد الدراسة أن استمرار القطيعة لا يخدم أيًّا من الطرفين، بل يُفضي إلى خسائر متبادلة في مجالات الأمن، والاقتصاد، والدور الإقليمي، في حين أن التعاون—في حدوده الدنيا—يُحقق مكاسب استراتيجية أكبر من كلفة إدارة الخلاف.
فالأمن الإقليمي لا يمكن ضمانه دون تنسيق، والتنمية لا يمكن تسريعها في ظل توتر دائم، كما أن تعطيل التعاون المغاربي يُضعف موقع البلدين في بيئة دولية متغيرة.
كما يبرز التحليل أن المقاربات الواقعية، بما فيها الجهود الدولية غير المعلنة، تقوم على تحييد ملف الصحراء الغربية عن منطق الحرب، دون فرض حلول قسرية أو تنازلات سياسية، وهو ما يفتح المجال أمام سلام تدريجي قائم على التهدئة وبناء الثقة.
وفي هذا الإطار، يصبح مبدأ «إدارة الخلاف بدل تصعيده» القاعدة الأكثر عقلانية واستدامة.
وخلاصة القول، إن إعادة بناء العلاقات بين الجزائر والمغرب ليست رهينة بحلّ نهائي للخلاف، بل مشروطة بإرادة سياسية تعي أن حماية المصالح الكبرى، وتفادي كلفة الصراع، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، أولى من استمرار القطيعة. فحتى مع بقاء الخلافات، يظل التعاون خيارًا استراتيجيًا ضروريًا، بينما تبقى القطيعة الخاسر الأكبر لكلا البلدين وللمنطقة ككل.
تشير المعطيات السياسية الراهنة خاصة الامريكية إلى أن إقتراب السلام بين المغرب والجزائر لم يعد طرحًا نظريًا، بل احتمالًا واقعيًا تدعمه مؤشرات على وجود قنوات تفاوض غير معلنة حتى لو غير مباشرة بين الطرفين تهدف إلى خفض التوتر وإعادة فتح مسار العلاقات التاريخية بين البلدين. ورغم بقاء الخلاف الجوهري حول الصحراء الغربية، فإن المقاربة الحالية تقوم على تحييد هذا الملف عن منطق التصعيد، وإدارته سياسيًا دون تحويله إلى سبب للقطيعة أو المواجهة.
وتُبرز هذه المجريات إدراكًا متبادلًا بأن كلفة استمرار الخلاف تفوق بكثير كلفة التعايش معه، خاصة في ظل تحديات أمنية واقتصادية إقليمية مشتركة.
وعليه، فإن السلام المحتمل يُفهم كمسار تدريجي قائم على التهدئة وبناء الثقة، لا كتسوية نهائية، بما يسمح بعودة العلاقات الطبيعية والتعاون الوظيفي، ويُعيد الاعتبار لمنطق المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي كأولوية استراتيجية للطرفين.


![-- :walw[1]: :walw[1]:](/vb/data/assets/smilies/c39c84e393dbca960a05b9f45e20e07203df7b3c.gif)