كيف تضخ السعودية مليارات اللترات من مياه البحر عبر أنابيب عملاقة إلى أراضيها الصحراوية

ابو مهند الزهراني

صقور الدفاع
إنضم
8 يونيو 2015
المشاركات
25,065
التفاعل
85,023 2,758 6
الدولة
Saudi Arabia

كيف تضخ المملكة العربية السعودية مليارات اللترات من مياه البحر عبر أنابيب عملاقة إلى أراضيها الصحراوية

1767324724211.png




تخيل بلداً كاملاً يعيش من دون نهر واحد يجري على سطحه
ثم ينجح رغم ذلك في نقل مليارات الأمتار المكعبة من المياه من البحر إلى قلب الصحراء
عبر شبكة أنابيب تمتد لآلاف الكيلومترات تحت الأرض.

هذا ليس مشهداً من رواية خيال علمي
بل هو واقع تشكله اليوم أنهار اصطناعية في السعودية، تصنع الفارق بين العطش والحياة في واحدة من أكثر البيئات جفافاً على الكوكب.

أنهار اصطناعية في السعودية
تحلية البحر إلى الصحراء
شبكات عملاقة تحت الأرض
تحديات بيئية واقتصادية قائمة
دروس لدول عربية عطشى


الاهتمام الشعبي بهذه المشاريع ازداد بعد انتشار تقارير إعلامية مثيرة، من بينها تقرير صحفي لموقع قدّم الصورة بعنوان لافت:
السعودية تخلق ‘أنهاراً اصطناعية
تتفوق على النيل بضعفين وتتحدى الجاذبية الأرضية

معجزة هندسية تشق الجبال في محاولة لتقريب الفكرة للقارئ العام عبر تشبيه شبكات الأنابيب بالأنهار السطحية المعروفة.
أنهار اصطناعية في السعودية وراء العنوان الجذاب حقيقة رقمية موثقة دولياً
فموسوعة غينيس للأرقام القياسية
سجّلت للمؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة في السعودية أكبر شبكة أنابيب لنقل المياه في العالم، بطول يصل إلى 14,217 كيلومتراً
وبطاقة نقل تقارب 19.4 مليون متر مكعب من المياه يومياً.

هذه الأرقام تفسر لماذا يصف البعض هذه الشبكة بأنها أنهار اصطناعية في السعودية
فهي تقوم عملياً بوظيفة الأنهار:
تنقل الحياة من نقطة إلى أخرى
لكنها تعمل في صمت تحت الأرض، وتخضع لإدارة هندسية معقدة بدلاً من قوانين الجغرافيا الطبيعية.

التقرير تناول هذه الحقائق بلغة مكثفة ومشحونة بالدهشة
وربط بينها وبين تجربة الناس اليومية مع الماء في المدن السعودية، من محطات التحلية إلى خزانات التوزيع العملاقة في الرياض وغيرها.

لكن لفهم الصورة كاملة
من المفيد النظر إلى هذه “الأنهار” كجزء من منظومة أشمل لإدارة المياه
لا كمعجزة منفصلة عن سياق التخطيط والاستثمار طويل الأمد.
تحلية البحر إلى الصحراء
قلب هذه المنظومة هو التحلية. السعودية تستثمر منذ عقود في تحويل مياه البحر إلى مياه عذبة يمكن شربها واستخدامها في الصناعة والزراعة.
مشروع محطة “رأس الخير” يُعد من أبرز الأمثلة؛ فهو واحد من أكبر محطات التحلية في العالم
بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو ثلاثة ملايين متر مكعب يومياً وفق بيانات رسمية سعودية، كما يوصف بأنه أكبر مشروع تحلية هجيني يجمع بين تقنيات متعددة.

المياه التي تخرج من رأس الخير ومحطات أخرى لا تبقى على الساحل، بل تشق طريقها مئات الكيلومترات باتجاه الداخل
خصوصاً نحو مدينة الرياض والمناطق المجاورة.


هنا تتكامل وظيفة محطات التحلية مع أنهار اصطناعية في السعودية من الأنابيب والخزانات ومحطات الضخ
لتشكّل سلسلة مترابطة تبدأ من مياه البحر المالحة وتنتهي بكوب ماء بارد على مائدة أسرة داخل عمق الصحراء.

شبكات عملاقة تحت الأرض
1767325350784.png

وصف “الأنهار” ليس مبالغة كاملة؛ فشبكات توزيع المياه في السعودية توسعت إلى درجة أن مسؤولين في قطاع المياه
يشبهونها اليوم بشبكات تمتد آلاف الكيلومترات عبر البلاد
حتى أن بعض التقارير الصحفية تشير إلى أن مجموع شبكات الجمع والتوزيع، لو مُدّت في خط واحد، لامتدت إلى مسافات تقارن بعبور قارات كاملة.

هذه الشبكات لا تقتصر على أنابيب رئيسية ضخمة تنقل المياه بين المدن
بل تشمل أيضاً أنفاقاً مائية عملاقة، بعضها سُجِّل كأطول أنفاق لنقل المياه في العالم، إلى جانب خطوط فرعية تغذي القرى الصغيرة والمناطق الجبلية.

وهكذا تصبح أنهار اصطناعية في السعودية جزءاً من صورة أوسع لبنية تحتية مائية مترامية، تُدار بأنظمة تحكم ومراقبة متقدمة لضمان وصول المياه دون انقطاع تقريباً للمستهلك النهائي.


دروس لدول عربية عطشى
1767325578235.png

تجربة السعودية لا تعني أن كل دولة يمكنها نسخ نموذج أنهار اصطناعية في السعودية كما هو
فالمشروع قائم على استثمارات ضخمة وقدرة مالية وتقنية كبيرة.

لكن الدرس الأهم للدول العربية الأخرى، ومنها اليمن، يتمثل في أن أزمة المياه يمكن التعامل معها بمنطق التخطيط العلمي طويل الأمد
وتنويع المصادر بين المياه الجوفية، والسدود، والتحلية، وإعادة استخدام المياه المعالجة، وتقليل الفاقد في الشبكات.

كما أن التركيز الإعلامي على “المعجزة” لا يجب أن يُخفي حقيقة أخرى:
الحلول التقنية مهما كانت متقدمة لن تغني عن سياسة رشيدة في ترشيد الاستهلاك
وحماية الموارد الطبيعية، وتوعية المجتمع.

فالمواطن الذي يفتح الصنبور في الرياض أو جدة ولا يشعر بالقلق من انقطاع الماء
يعتمد في الواقع على سلسلة طويلة من القرارات والاستثمارات التي جعلت من الأنابيب المدفونة تحت الرمال
أنهاراً اصطناعية في السعودية تحافظ على إيقاع الحياة اليومية.

وفي النهاية

يمكن القول إن المملكة نجحت في تحويل غياب الأنهار الطبيعية إلى دافع لبناء شبكة مائية تُعد اليوم من الأكبر والأكثر تعقيداً في العالم
لكن استمرار هذا النجاح مرهون بقدرتها على موازنة الأمن المائي مع حماية البيئة
واستثمار الخبرة المتراكمة لمشاركة المعرفة مع دول المنطقة التي تواجه العطش نفسه بدرجات مختلفة.
 
عودة
أعلى