أمريكا لم تكن غبية، بل كانت براغماتية لدرجة الخبث، فهي من فتحت الأبواب لهذا التغول الإيراني. ما نراه ليس غباءً من الساسة - كما قد يبدو لك - وإنما هو تطبيق لسياسة "إدارة الأزمات لا حلها".طيب هل هذا غباء الساسه الجدد بامريكا وعدم عمل توازن بين الحلفاء ووضع خطوط حمراء
اتوقع ضعف اوربا وعدم استقلالها ولو نسبي
فبقراءة تاريخية دقيقة لما يُعرف في العلوم السياسية، تبنت واشنطن في عهد إدارة كلينتون في منتصف التسعينيات "سياسة الاحتواء المزدوج" (Dual Containment) التي صاغها السياسي الأميركي مارتن إنديك، والاحتواء كان لدولتين شرق أوسطيتين: العراق وإيران، [[ مارتن إنديك كم من مرة خلال السنوات 2018 - 2022م تكلمت هنا بالمنتدى عن السياسات التي صاغها في التسعينيات في عهد كلينتون وحتى العقد الأول من الألفية في عهد جورج بوش الإبن وتجدها في مشاركاتي القديمة ]]،
وسياسة الاحتواء المزدوج لـ "مارتن إنديك" استهدفت تحجيم العراق وإيران معاً. وعندما أسقطت أمريكا العراق في 2003، أخلّت بميزان القوى عمداً لتجعل من إيران بعبعاً يُبقي المنطقة في حالة استقطاب مذهبي (سنة وشيعة).
واشنطن احتاجت لإيران كشريك ميداني في غزو أفغانستان والعراق، واستخدمتها كأداة لتطبيق سياسة "فرق تسد" والتي كان عرابها أيضاً "مارتن إنديك"، وذلك لإضعاف الكتلة العربية الموحدة (وبالأخص دول الخليج العربي وعلى رأسها السعودية معقل الإسلام والسنة في العالم)، لضمان تبعية المنطقة وبقاء جبهاتها مستنزفة. واليوم فقط، بدأ السحر ينقلب على الساحر بعد دخول الصين على الخط، حيث تحولت إيران من مجرد "أداة لإشغال المنطقة" إلى قاعدة استراتيجية لبكين تهدد هيمنة الدولار والبترودولار ونفوذ واشنطن العالمي وتهدد الممرات المائية.
وما يراه البعض "غباءً" هو في الحقيقة "استثمار في الفوضى"، واشنطن أرادت إدارة إيران كخطر دائم لا إنهاءها، وجود إيران مخيفة هو المبرر الأمثل لاستمرار الوجود العسكري الأميركي، وضمان تدفق صفقات السلاح بالمليارات، وإبقاء المنطقة في احتياج دائم لأميركا.
وبإسقاط النظام في العراق في 2003م تم كسر الميزان وقدمت واشنطن أكبر هدية استراتيجية لطهران بإزالة العائق الوحيد الذي كان يلجم طموحها، وسلمت العراق لنفوذ الأحزاب الموالية لإيران على طبق من ذهب. لم يكن هذا خطأً تقنياً، بل جزءاً من رؤية "الشرق الأوسط الجديد" القائم على تفتيت المكونات السنية الكبرى.
وأصبحت إيران كشريك سري في الحرب على الإرهاب، منذ أحداث 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب وحتى 2015 (وكان يُقصد بالإرهاب السني) أميركا كانت بحاجة لإيران، احتاجتها لغزو أفغانستان وغزو العراق، ثم احتاجتها لتثبيت استقرار العراق بعد الغزو عبر أذرع إيران الميدانية في العراق. كانت هناك مقايضة غير مكتوبة تقول: "ساعدينا في الميدان، وسنغض الطرف عن تمددكِ الإقليمي". هذا "الغض" أو الصمت الأميركي المتعمد هو الذي سمح للمليشيات الإيرانية بالنمو في اليمن وسوريا ولبنان (وكذلك في البحرين عبر العصابة ممن يسمون بـ "المعارضة البحرينية") وكل هذا كان تحت سمع وبصر الأقمار الصناعية الأميركية ترى وتسمع وتشاهد إرهاب إيران في سوريا ولبنان واليمن وحتى إلى حدٍ ما في البحرين.


