لماذا غضب الخليج؟
بشجاعة يحسد عليها، أدار الرئيس السيسي جولتين للأشقاء في بلدان الخليج، مخترقا الظرف الدقيق الذي تمر به المنطقة من قصف صاروخي وجيوش مسيرات تلبد سماء نطاق الصراع.
بدا أن مصر الرسمية تريد طمأنة الأشقاء ومؤازرتهم، في ظل ما بدا وأنه حالة ارتباك شعبي خليجي مما فُهم أنه الموقف الشعبي المصري. وهو فهم لم يكن دقيقا بقدر ما كان متوترا وغير قادر على فك شفرة موقف مركب تتنازعه محددات كثيرة. بما دفع أقلاما وأصواتا غير منضبطة للنهش في مصر والتشكيك فيها والتساؤل عن دعهما.
ومن العجيب هنا أن دولة كلبنان، تمارس إسرائيل ضدها عدوانا وحشيا منذ بدء الحرب الأخيرة، وتتكبد خسائر هائلة بشريا وإنشائيا، لكن لبنان لم يسأل مصر ولم يساءلها ولم يتوجه إليها بلوم ولا عتاب ولا استفسار عن موقفها الشعبي.
وكذا السودان في محنته الدائرة منذ سنين، ولا اليمن ولا ليبيا، فلماذا أراد المواطن الخليجي دعما معنويا "بعينه" من مصر الشعبية وغضب حين لم يجده؟
ولماذا حزن الخليج إلى هذا الحد، وقد سخر في بداية الحرب من موجة أعلن فيها عدد من العاملين المصريين بالخليج قابليتهم للانخراط في جيوش البلدان التي يعملون بها للدفاع عنها؟ فلماذا تتساءل لماذا لا يتضامن معك المواطن المصري على ضفاف وادي النيل وقد أحرجت المصري الذي أعلن تضامنه معك في نفس الشارع الذي تسكن فيه؟
ولماذا تتشكك في موقف مصر من دعمك إذا كانت واحدة من أعرق دول وحضارات الخليج وهي سلطنة عمان، قد استنكرت العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، وهنأت مجتبى خامنئي اختياره مرشدا أعلى للثورة، وكتب وزير خارجيتها بدر البوسعيدي مقالا في مجلة الإيكونوميست جاء فيه "كان الرد الإيراني على ما تدعي أنها أهداف أمريكية على أراضي جيرانها نتيحة حتمية وإن كانت مؤسفة للغاية وغير مقبولة تماما".
لقد كان موقف سلطنة عمان واضحا وحازما في تفهم بواعث إيران حتى وهي تقصف أهدافا في قلب الخليج، وهو على خلاف موقف مصر الرافض والمستنكر منذ البداية. فلماذا الإصرار على ملاحقة الموقف المصري والتشهير به والانتقاص منه؟
ولفهم الموقف المصري الشعبي الذي بدا ملغزا للبعض، لربما كنا بحاجة لاستعارة واحدة من حقائق البيولوجيا. فإذا كان الإنسان يتألم ويتأوه إذا ما انغرس في قدمه مسمار أو جسم زجاجي حاد، فإن ذات الإنسان لن يتألم ولن يلتفت لمثل هذا الجرح إذا حدث بينما يلاحقه أسد يريد التهامه!
من الناحية العلمية يرتب المخ أولويات الجسم، فينحي جانبا الألم من المسمار رغم حقيقيته، لصالح شحذ كامل طاقة الجسم للهرب وعدم تشتيته عن الدفاع عن الوجود والحياة نفسها.
وأحسب أن الموقف الشعبي المصري يمكن فهمه على هذا النحو، فالألم العام للخليج والشفقة على أهله وعلى الجاليات المصرية هناك كان حاضرا غير خاف، لكن ربما كان متواريا خلف الغضب من إسرائيل والرغبة في أن تدكها إيران دكا. فكراهية تل أبيب أحضر عند المصريين من حيث الفكرة، مما سواها من المشاعر.
خاصة مع ما أعلنته دول الخليج مرارا من كفاءة أنظمة دفاعها الجوي وقدرتها على التعامل مع التهديدات الإيرانية، وهو ما طمأننا عليها كثير الطمأنة.
كما أنه ليس من المنطقي تماما استبعاد تأثير حرب غزة التي امتدت لعامين وكان فيها القتل والدمار الإسرائيلي حاضرا يوميا بصورة مكثفة، عانى منها الشعب المصري كأشد ما يكون وعانى منها كل إنسان حر سوي.
هذه المشاهد غيرّت معنى الكلفة النفسية لدى المواطن العربي الذي كان يشاهد محارق الأطفال وقصف المشافي ونسف النطاقات السكنية، والذي لن يتألم أو يلتفت لضرب مول هنا أو إصابة عابرة في مبنى هناك في الخليج ينتج عنه إصابة مواطن بنغالي!
(مع كامل الاحترام لروح الإنسان البنغالي وكل إنسان، لكن أتحدث من نسبية الأحداث والمشاعر تبعا للظرف)
لا نهون ولا نستهين بألم الأشقاء في الخليج ونرفض أي استهداف لهم، لكن الاعتياد النفسي، بما جرى في غ، أطاح بتعريف كلمتي "ألم" و"تعاطف" ومعاييرهما.
وإذا كان من المفهوم أنه في أوقات الغضب قد يعاد تدوير طاقة الغضب في اتجاهات غير اتجاهها المستحق والمفترض، فمن البديهي أن يتحول الغضب ضد مصر على ما لم ترتكب، بل ضد ما تفعل لصالح الخليج نفسه. فمصر في نهاية المطاف، حتى بالنيل منها ومساءلتها بصلافة أحيانا، تثبت أنها وجهة العرب ومظلتهم الجامعة وقوتهم الأخيرة التي يتعلق الجميع بها ويساءلها بحق وبغير حق.
فلم يساءل أحدا أيا من دول العرب عن موقفه مما يجري ولا طلب دعمه ولا علق على خطبة عيده!
الاستنفار الخليجي تأول في دعاء خطبة العيد في مصر مدلولا سياسيا غير سليم، نبع من قراءة مذهبية غير صحيحة. فمصر ليست شيعية، بل الشيعة يتمركزون في الخليج ويشكلون قوام بعض بلدانه وبعض نطاقاته الجغرافية.
والتشيع لا يعني بالضرورة مبايعة إيران على الهوية، وحب آل البيت لا يعني التشيع، والخصوصية الثقافية لبلد ليست المناكفة المذهبية ولا المغازلة السياسية بالضرورة.
وهي جملة من المغالطات سيقت وتعاظمت بفعل فاعل أو أكثر من فاعل يريد للعلاقات بين الأشقاء أن تتدهور، وللنزعات الشعوبية أن تعلو، وللفرقة أن تسود.
ومن ثم على العاقلين في الخليج، وهم كثر، مراجعة المشهد ومعاودة النظر لما جرى فيه، ولربما تغيير اللغة التي قد تبدو استعلائية وتطلبية. فمحبتي كمصري للخليجي من ذات جنس محبتي للجزائري والسوداني واليمني والفلسطيني، وكلهم يقينا أقرب لي من الإيراني الفارسي. والحق والحكمة أقرب إلينا من الجميع.