منقول..مقالين تحليليين عن الحرب الإيرانية الأمريكية....
1 ما يجري مع إيران ليس صراعا على تغيير نظام بقدر ما هو تفكيك لقدرة الدولة نفسها على الاستقلال.
هناك مدرسة تقول إن السيطرة الحديثة لا تكون بالاحتلال, بل بتدمير القدرة على الاستقلال.
الاستراتيجية الأوضح هي تدمير المقدرات الحيوية,اقتصادا وبنيةً ونفوذا, بحيث يصبح أي نظام حاكم (حالي أو قادم) عاجزا عن إعادة البناء دون الرضا الأمريكي.
من منظور الولايات المتحدة الأمريكية, سقوط النظام مكسب إضافي لا شرط للنجاح. فالنظام الضعيف المحاصر والمهدد دائما, يؤدي الغرض ذاته... دولة مكبلة بلا قدرة على المبادرة وبلا هامش سيادة حقيقي. نموذج قريب من النموذج اللبناني والعراقي, هذا التشبيه ليس مبالغة كاملة. ففكرة تحويل الدولة إلى ساحة مفتوحة للضغط والقصف والابتزاز (كما يحدث في لبنان والعراق) تعني أن الصراع لم يعد على الحكم, بل على منع قيام دولة قوية أصلا.
قد تصمد قليلا, لكن الاستنزاف طويل الأمد سيقود إلى النتيجة نفسها> دولة حيّة شكليا, معطلة فعليا.
اليوم نحن أمام نموذج جديد للهيمنة, لا هو احتلال ولا هو إعادة إعمار, بل تدمير القدرة على النهوض, وترك الداخل ينهك نفسه بنفسه.
إنه صراع على المستقبل, لا على السلطة فقط.
2 استراتيجية "الإنهاك الممنهج" وملامح الطريق الى التغيير في ايران والعراق.
تنبئ القراءة العميقة لمسار التحركات العسكرية والأمنية الحالية في المنطقة عن توجه أمريكي لتطبيق استراتيجية "الإنهاك المنظم" التي تتجاوز مفهوم الحرب التقليدية الشاملة نحو تحقيق أهداف تكتيكية ذات أبعاد استراتيجية بعيدة المدى في مواقع ايران الاستراتيجية في الخليج العربي، حيث تتركز هذه الرؤية على توجيه ضربات جراحية دقيقة تشل القدرة الاقتصادية والتقنية للنظام الإيراني على نحو بنيوي يمنعه تماماً من القدرة على إعادة إعمار ما دُمّر في ظل استمرار عقوبات خانقة، مما يحول الموارد المتبقية من مغامرات التوسع الإقليمي إلى محاولات يائسة لسد الفجوات الداخلية الأساسية. ومع بلوغ هذه الأهداف سيتم الانتقال إلى مرحلة إعلان وقف العمليات الكبرى مع الاحتفاظ بحق شن غارات نوعية متى دعت الحاجة، وهو ما يكرس واقعاً أمنياً جديداً يُفقد طهران هيبة الردع ويجعل منشآتها السيادية تحت رحمة "المطاردة الساخنة" الدائمة.
وفي خضم هذا المشهد، ستتجه الولايات المتحدة فوراً بعد ذلك للتفرغ الكامل للشأن العراقي بهدف القضاء على "اقتصاد الظل" الذي يمثل الرئة المالية الحيوية للنظام الإيراني، وذلك من خلال فرض رقابة تقنية ومالية صارمة تجفف منابع تمويل الميليشيات وتنهي قوتها العسكرية الاقتصادية والسياسية التي تغلغلت عبرها في مفاصل الدولة، مما سيؤدي تلقائياً إلى تجريد هذه الفصائل من قدرتها على التنظيم والحشد والولاء ويفتح الباب أمام استعادة سيادة الدولة العراقية بعيداً عن التبعية الإقليمية ونموذج دولة المليشيات، وبالطبع كما تقتضي مصالح امريكا ومشروعها الاقتصادي في المنطقة. وبالتوازي مع هذا الخنق المالي في بغداد، ستستمر إسرائيل في حربها داخل لبنان لاستنزاف "حزب الله" وتفكيك ترسانته، مما يقطع الجسر البري والمالي الواصل من المركز إلى الأطراف ويترك أذرع إيران معزولة تماماً ومنشغلة بجراحها الخاصة.
إن المحصلة النهائية لهذه الاستراتيجية تهدف إلى إضعاف النظام بنيوياً وهز صورته كقوة قادرة على الحماية أو التمويل، مما يضعه في مواجهة مباشرة مع حاضنته الشعبية والمعارضة الداخلية في بيئة اقتصادية منهارة وقبضة أمنية متآكلة، حيث يصبح سقوط النظام أو تحوله إلى كيان محاصر ومنكفئ على ذاته مجرد تحصيل حاصل لضغط خارجي مدروس أعاد رسم خارطة النفوذ في المنطقة، محولاً الطموحات الإقليمية الكبرى إلى أزمات بقاء محلية خانقة لا تملك طهران أدوات التعافي منها.