حتى تسقط الأقنعة...!!

ما أشبه الليلة بالبارحة ، كان مشهدًا كابوسيًا رهيبًا ، سيغير شكل الحياة فعليًا في الشرق الأوسط ، هبطت الطائرة القادمة من باريس في مطار طهران وسط أجواء سياسية مشتعلة ، نزل منها ببطء ذلك الرجل الغامض ذو الملامح المخيفة، في ملابسه السوداء القاتمة ، لقد عاد الخميني

وثب الخميني القادم من باريس إلى سدة الحكم في إيران بعد تفاصيل مخابراتية مذهلة لا مجال لذكرها الآن ، تحدث الرجل في أول خطاباته وسط حشود مريديه، عن محاربة الفساد الداخلي ومحاربة الشيطان الأعظم في واشنطن ، كشف عن هدف الثورة الإيرانية الإسلامية الوحيد، وهو تحرير القدس وتدمير الدولة التوراتية وإزالتها من الوجود خلال أقل من عامين.

من جهتها، لم تصمت واشنطن ، فأصدرت الخارجية الأمريكية بيانًا رسميًا تاريخيًا اعتبرت فيه الخميني العدو الأول للولايات المتحدة الأمريكية، وصنفت تلميذ كاشاني بأنه أخطر رجل يهدد المصالح الأمريكية في العالم، وطالبت دول العالم بعدم الاعتراف به على خلفية أزمة الرهائن الشهيرة.

بعدها انتشرت صور الخميني وهو يقرأ القرآن الكريم في صحف العالم الإسلامي ، وبالطبع في الصحف المصرية، واكتملت الخلطة السحرية ، فانبهرت به الشعوب العربية من السائرين نيامًا كما جرت العادة ، دعا له الشيوخ المصريون على منابر مصر ، وعلقوا صوره في المحلات، خصوصًا في صعيد مصر ، وسبّوا وشتموا الرئيس البطل الشهيد محمد أنور السادات من أجله.

ظهرت بوسترات الخميني في شوارع بغداد وبيروت ودمشق والقاهرة ، كان السادات قارئًا عبقريًا للمشهد السياسي، وحذر في أحد خطبه المشهورة من ذلك النظام الإيراني المصنوع لأهداف عدة، أهمها صناعة الطائفية، فلم يصدقه أحد ، هوجم السادات بشدة؛ فكيف يهاجم خليفة المسلمين الجديد القادم من بلاد فارس؟ ،كيف يهاجم الرجل الذي يحمل سيف آمال المسلمين في وجه مؤامرات الغرب؟!

عندما حانت ساعة الصفر، لم يحرر الرجل القدس، ولم يدمر الدولة التوراتية، بل افتعل الأزمة الكبرى مع الجار العراقي العربي ، وكان النجاح الأول للرجل هو إشعال فتيل الحرب العراقية الإيرانية في بداية حقبة الثمانينيات، وهي الحرب التي ارتدت رداء الطائفية البيّن، كما حذر العملاق الراحل السادات.

كانت الحرب الحلم – كما وصفها كيسنجر في مذكراته – نموذجًا مصغرًا للمخطط القادم في الطريق ، فأُطلق عليها في العراق حرب قادسية صدام، وأُطلق عليها في إيران حرب الدفاع المقدس ، والحرب التي اندلعت من سبتمبر 1980 حتى أغسطس 1988 خلفت ما يزيد على مليون قتيل، وخسائر مادية تزيد على 400 مليار دولار أمريكي.

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، كشفت وثائق المخابرات السوفيتية عن صفقات سلاح مجانية من تل أبيب للجيش الإيراني بلغت قيمتها حوالي 7 مليارات دولار خلال فترة الحرب مع العراق ، وهو ما كشفه الصحفي الأمريكي ذو الأصول الإيرانية تريتا بارسي في كتابه الصادم (التحالف الغادر) عن حلف المصالح السرية بين واشنطن وتل أبيب وطهران.

كان دور الخميني محددًا واضحًا من البداية: إشعال وإدارة محرك الطائفية في الشرق الأوسط ، وتهديد دول الخليج العربي ليسهل استنزاف مواردها ، وتحدث الخميني صراحة عن حلمه ، حلم الإمبراطورية الفارسية المسلمة.

لم يفهم المصريون رؤية رئيسهم، وصدقوا أكاذيب مجلة الدعوة وصحيفة الشعب ، ومقالات إبراهيم شكري وعادل حسين، وكتب وتخاريف فهمي هويدي.

للأسف ما زلنا نعيش قصة الانبهار الكاذب، والحكم العاطفي الساذج الأحمق للشعوب والعامة، ربما بتأثير قدرة الآخرين على قراءة خرائط الفكر العربي منذ لورانس العرب وكتابه أعمدة الحكمة السبعة.

إنها لعبة الشعارات الدينية، حتى تسقط الأقنعة، وتظهر الحقيقة واضحة جلية كما حدث مع القرامطة والحشاشين وأتاتورك والخميني وأردوغان.

إنها لعبة الأبالسة المفضلة على مر العصور ، المرض العضال المزمن الذي يصيبنا في تناولنا لقضايانا المصيرية ، نحن نعيد كوابيس الماضي دومًا في أحلام الحاضر ، للأسف، كما قال الفيلسوف الأندلسي ابن رشد:"إذا أردت أن تتحكم في جاهل ، فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني."

لم ولن يحرر الخميني القدس ، بل دمر بيروت وصنعاء وبغداد ودمشق ، وصنع فتنة في الكويت والبحرين ومنطقة الإحساء في أرض الحرمين.

حين كنت صغيرًا في المرحلة الإعدادية ، قرأت عن المسيخ الدجال لأول مرة في كتاب الشيخ عبد اللطيف عاشور ، كانت معلومات جديدة دسمة مذهلة ، تصنع مزيجًا من الإثارة والرهبة بداخلك ، وكنت دومًا أتساءل في براءة: كيف سيسير الناس خلف الدجال رغم كل تلك التحذيرات النبوية؟! ،الآن فقط... عرفت الإجابة.
للأسف فعلا الشعوب العربية بسهوله جدا اقنعها بغير الحقيقه