حزب الله يلوّح بالرد بعد مقتل خامنئي دون كشف التفاصيل
خطوة محسوبة في مشهد إقليمي شديد التعقيد
الأحد 2026/03/01
رد مؤجل أم تصعيد وشيك؟
بيروت- في أعقاب إعلان طهران مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي نتيجة الضربات التي استهدفت إيران، خرج حزب الله بموقف يحمل أبعاداً تتجاوز مجرد بيان نعي تقليدي، إذ لوّح بالرد من دون أن يكشف عن طبيعته أو توقيته، في خطوة تعكس مزيجاً من التضامن السياسي والحسابات الاستراتيجية الدقيقة.
وعبّر الأمين العام للحزب نعيم قاسم في بيان رسمي عن “قلب مثخن بالألم” واعتبر اغتيال خامنئي “قمة الإجرام” و”وصمة عار”، مؤكداً أن الحزب “سيقوم بواجبه في التصدي للعدوان”.
وحملت هذه العبارة، رغم عموميتها، رسالة واضحة بأن الحزب لا ينظر إلى الحدث كمسألة إيرانية داخلية فحسب، بل كاعتداء يستهدف محوراً سياسياً وعسكرياً كاملاً يرتبط به عضوياً.
لكن اللافت في البيان أنه خلا من أي تفاصيل عملياتية، فلم يتحدث عن خطوات عسكرية محددة، ولا عن جدول زمني، ولا عن طبيعة الرد المحتمل.
ويبدو هذا الغموض مقصوداً، إذ يمنح الحزب هامش مناورة واسعاً، ويُبقي خصومه في حالة ترقب دائم، من دون أن يقيّد نفسه بتعهدات علنية قد تفرض عليه تحركاً سريعاً في ظروف غير ملائمة.
ومن الناحية السياسية، يمثل مقتل خامنئي ضربة رمزية واستراتيجية لمحور المقاومة، نظراً إلى موقعه الديني والسياسي كمرجعية عليا.
وبالتالي، فإن رد فعل الحزب كان متوقعاً من حيث المبدأ، لكن طريقة التعبير عنه تكشف حرصاً على ضبط الإيقاع. فالحزب يدرك أن أي تحرك عسكري مباشر قد يفتح جبهة واسعة في لبنان، في وقت تعيش فيه البلاد ظروفاً اقتصادية وسياسية شديدة التعقيد.
وإقليمياً، يتزامن موقف الحزب مع تصعيد غير مسبوق بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، ما يضع المنطقة أمام احتمالات متعددة.
وفي هذا السياق، يبدو أن الحزب يوازن بين ضرورة إظهار الجاهزية والالتزام بتحالفاته، وبين تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تتجاوز قدرته على التحكم بمسارها.
وتحمل عبارة “سنقوم بواجبنا” في طياتها أكثر من احتمال. فقد تعني دعماً سياسياً وإعلامياً مكثفاً لإيران، أو انخراطاً ميدانياً محدوداً ومدروساً، أو حتى انتظار لحظة إقليمية مناسبة للرد ضمن سياق أوسع.
ويعكس ترك هذه العبارة من دون تحديد استراتيجية تقوم على الردع النفسي والسياسي بقدر ما تقوم على الاستعداد الميداني.
عبارة “سنقوم بواجبنا” تحمل في طياتها أكثر من احتمال. فقد تعني دعماً سياسياً وإعلامياً مكثفاً لإيران، أو انخراطاً ميدانياً محدوداً ومدروساً، أو حتى انتظار لحظة إقليمية مناسبة للرد ضمن سياق أوسع.
كما أن تأكيد قاسم على “الدفاع عن أرضنا وكرامتنا وخياراتنا المستقلة” يشير إلى أن الحزب يسعى لربط أي رد محتمل بسياق الدفاع عن لبنان أيضاً، وليس فقط التضامن مع إيران.
وهذا الربط يمنحه شرعية داخلية أوسع، في حال قرر الانخراط في تصعيد ما، ويعزز سردية أن المواجهة – إن حصلت – ستكون في إطار الدفاع لا المبادرة.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن لبنان يقف على حافة حساسة. ففتح جبهة واسعة قد يعرّض البلاد لتداعيات عسكرية واقتصادية جسيمة.
ولذلك، يبدو أن الحزب يفضّل في هذه المرحلة سياسة “التلويح من دون الإفصاح”، وهي سياسة تسمح بإبقاء عنصر المفاجأة قائماً، وفي الوقت نفسه تمنح المجال لتقييم التطورات الميدانية والإقليمية قبل اتخاذ قرار نهائي.
ومن جهة أخرى، يعكس البيان استمرار الاصطفاف الاستراتيجي بين الحزب وطهران، إذ لم يقتصر على النعي، بل تضمّن إشادة بدور خامنئي في “قيادة مسيرة الجهاد والمقاومة”، ما يعزز البعد الأيديولوجي في العلاقة بين الطرفين.
وهذا البعد يجعل من الصعب على الحزب تجاهل الحدث أو الاكتفاء برد رمزي، لكنه في الوقت ذاته يفرض عليه حسابات دقيقة لتحديد الشكل الأنسب للرد.
ويبدو أن حزب الله اختار مقاربة تقوم على إرسال رسالة قوية من دون كشف أوراقه. فهو أعلن بوضوح أن مقتل خامنئي لن يمر من دون موقف، لكنه تجنب تحديد طبيعة هذا الموقف، ما يترك الباب مفتوحاً أمام خيارات متعددة تتراوح بين الرد المحدود والتصعيد الأوسع، وفق ما ستفرضه التطورات.
وبينما تترقب العواصم الإقليمية والدولية الخطوة التالية، يبقى الغموض المقصود جزءاً من استراتيجية الحزب. فالتلويح بالرد، من دون الإفصاح عن تفاصيله، يمنحه قدرة على إدارة التوتر وفق إيقاعه الخاص، ويضع خصومه أمام معادلة عدم يقين، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الصراع الإقليمي.