عشرة سيناريوهات للضربات الأميركية المحتملة على إيران
الفارق بين عملية محدودة وحرب مفتوحة قد يكون تقديرًا خاطئًا أو ردًا غير محسوب
الاثنين 2026/02/23
كل السيناريوهات واردة
واشنطن- مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، وتزايد المؤشرات على احتمال توجيه ضربات أميركية لإيران، يدخل المشهد مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالاعتبارات السياسية، وتتشابك فيها رهانات الردع مع مخاطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ولم تعد الأزمة محصورة في سجالات دبلوماسية أو رسائل تحذيرية متبادلة، بل باتت تتحرك على إيقاع حشد عسكري وتصريحات تتحدث عن «خطوط حمراء» وضرورة فرض الهيبة والمصداقية.
و يقول الباحث ويليام ف. وكسلر في تقرير نشره المجلس الأطلسي إنه يمكن رسم عشرة سيناريوهات محتملة تشكل معًا خريطة طريق لما قد تؤول إليه الأمور إذا اتُخذ قرار الضربة.
وأول هذه السيناريوهات أن لا تقدم طهران أي تنازل جوهري في اللحظة الأخيرة. فالقيادة الإيرانية، التي تعتبر برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية جزءًا من منظومة الردع الاستراتيجي، قد ترى أن التراجع تحت الضغط سيُفسَّر داخليًا وخارجيًا كإقرار بالضعف، خصوصًا في ظل وضع اقتصادي هش واحتقان اجتماعي متكرر.
وبالتالي، فإن الرهان على «اتفاق إنقاذ» قبيل الضربة قد لا يكون واقعيًا إذا كانت الشروط الأميركية تمس جوهر هذه المنظومة.
وفي المقابل، يقوم السيناريو الثاني على أن واشنطن نفسها قد لا تكون مستعدة لقبول اتفاق جزئي أو غامض. فبعد جولات تفاوض مطولة واتهامات لإيران بالمماطلة، يصبح التراجع عن سقف المطالب مكلفًا سياسيًا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا سيما إذا كان قد أعلن مواقف حازمة أمام الرأي العام.
وهنا تتقاطع الاستراتيجية مع الاعتبارات الداخلية، ويصبح أي اتفاق ضعيف عرضة لانتقادات بأنه يكرر أخطاء الماضي بدل تصحيحها.
ويتعلق السيناريو الثالث بعامل إسرائيل، التي تنظر إلى الملف الإيراني من زاوية تهديد وجودي. فإذا بدا أن المسار التفاوضي يتجه نحو تسوية تعتبرها تل أبيب غير كافية، فقد تميل إلى التحرك الاستباقي أو الضغط على واشنطن لتبني خيار أكثر حدة.
وهذا العامل يمكن أن يسرّع وتيرة الأحداث أو يربك حسابات البيت الأبيض، إذ إن أي ضربة إسرائيلية قد تجر المنطقة إلى تصعيد أوسع يصعب احتواؤه.
وأما السيناريو الرابع فيتمثل في لجوء الولايات المتحدة إلى ضربة محدودة ومركزة تستهدف مواقع عسكرية أو أمنية بعينها، بهدف تنفيذ تهديد سابق من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
ويسمح هذا الخيار لواشنطن بإثبات مصداقيتها وفرض معادلة ردع، مع الإبقاء على هامش لاحتواء الرد الإيراني. غير أن نجاح هذا المسار يتوقف على طبيعة الرد المقابل.
وإذا جاء الرد الإيراني أقوى من المتوقع أو أدى إلى خسائر بشرية أميركية، فقد تنتقل الأمور إلى السيناريو الخامس، أي توسيع الضربات لتشمل البنية التحتية النووية والصاروخية ومخازن الطائرات المسيّرة وشبكات الدعم اللوجستي.
وعند هذه النقطة، تتحول العملية من رسالة محدودة إلى حملة عسكرية ذات أهداف استراتيجية، ما يرفع سقف المواجهة ويزيد احتمالات التمدد الزمني للصراع.
ويقوم السيناريو السادس، الأكثر خطورة، على استهداف مراكز القيادة والسيطرة أو شخصيات قيادية بارزة في النظام، في محاولة لإضعاف قدرته على إدارة المعركة. غير أن هذا الخيار لا يضمن سقوط النظام، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية، سواء عبر تعزيز التماسك الداخلي حول القيادة أو عبر فتح الباب لفوضى غير محسوبة.
المشهد يدخل مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالاعتبارات السياسية، وتتشابك فيها رهانات الردع مع مخاطر الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وفي المقابل، قد تختار طهران، وفق السيناريو السابع، ردًا رمزيًا ومحسوبًا يحقق معادلة «الرد مقابل الرد» من دون توسيع دائرة النار.
ويُظهر هجوم محدود على هدف عسكري أو منشأة في المنطقة، القدرة على الرد ويحفظ ماء الوجه، لكنه يتجنب ضرب أهداف قد تدفع واشنطن إلى تصعيد أكبر. هذا السيناريو يفترض وجود قنوات غير مباشرة لضبط الإيقاع ومنع الانفلات.
غير أن التاريخ القريب يُظهر أن سوء التقدير وارد دائمًا، وهو ما يقود إلى السيناريو الثامن: تصعيد متسلسل نتيجة خطأ في الحسابات. ضربة تصيب هدفًا حساسًا، أو سقوط قتلى بأعداد كبيرة، أو استهداف منشآت حيوية في الخليج، قد يدفع الطرف الآخر إلى رد أقسى، فتدخل الأزمة في حلقة تصاعدية يصعب كسرها. هنا لا يعود القرار بيد طرف واحد، بل يصبح كل رد سببًا لرد مضاد.
وعلى المستوى الداخلي الإيراني، يبرز السيناريو التاسع المتعلق بإمكانية تحرك الشارع. أي ضربة أميركية قد تُفسَّر من بعض الإيرانيين كفرصة لإعادة الضغط على النظام، أو بالعكس قد تثير موجة تعبئة وطنية خلفه. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن السلطة ستتعامل مع أي احتجاجات باعتبارها تهديدًا وجوديًا، ما يعني احتمال لجوئها إلى قمع واسع وسريع لتفادي اهتزاز السيطرة.
وأخيرًا، يتمثل السيناريو العاشر في تحول المواجهة إلى صراع أوسع يمتد إلى الملاحة في الخليج، وأسواق الطاقة، وربما استهداف مدن ومنشآت حيوية في المنطقة.
وفي هذا الوضع، لا تبقى الأزمة ثنائية، بل تصبح دولية بامتياز، مع انعكاسات مباشرة على أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية وأمن الحلفاء الإقليميين.
وقد تتحول أي إصابة لمنشأة نفطية أو هدف مدني إلى عامل ضغط اقتصادي وسياسي يتجاوز حدود ساحة المعركة.
وفي المحصلة، لا يتعلق الأمر بقرار ضربة أولى فحسب، بل بسلسلة قرارات متتابعة تُتخذ تحت ضغط اللحظة. الفارق بين عملية محدودة وحرب مفتوحة قد يكون تقديرًا خاطئًا أو ردًا غير محسوب.
وبين رغبة واشنطن في تثبيت الردع وحرص طهران على حفظ ماء الوجه، تقف المنطقة على حافة معادلة دقيقة، حيث يمكن لأي خطوة غير محسوبة أن تعيد رسم خريطة الصراع برمته.