أولاً: محاولتك إسقاط فكرة "العودة للبر الأم" وتشبيه البحرين بنماذج مثل هونغ كونغ أو ماكاو، تكشف عن أمية تاريخية وسياسية وجغرافية مزدوجة؛ فهذه الأقاليم الصينية كانت أراضٍ مؤجرة للاستعمار بموجب معاهدات إذعان محددة بمدد زمنية وانتهت وعادت بشروطها، بينما في جغرافيتنا الخليجية المعادلة التاريخية مقلوبة تماماً عما تهذي به.
تاريخياً وعلمياً، منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد وجزر البحرين (مملكة البحرين الحالية) هي العاصمة المركزية ومقر الحكم لـ "مملكة وحضارة ديلمون" العريقة، وكانت تتبع لسيادتها وإدارتها الجغرافية والسياسية جزيرة تاروت والقطيف بالمنطقة الشرقية وجزيرة فيلكا الكويتية وكانت "قلعة البحرين" مركز حكم الديلمونيين. واستمرت جزر البحرين كمركز للثقل والسيادة عبر العصور؛ على سبيل المثال: في الفترة ما بين القرن الثالث عشر والسادس عشر قبل الغزو البرتغالي كانت البحرين الجزيرة هي مركز الحكم للإقليم بأكمله وكانت "قلعة البحرين" هي المقر الرئيسي للسلطة. وأحد أبرز الأدلة القاطعة أنه إبان الغزو البرتغالي عام 1521م، كانت قلعة البحرين على شاطئ المنامة هي مقر الحكم المركزي للإقليم بأكمله بقيادة الحاكم العربي البطل "مقرن بن زامل الجبري"، والذي استشهد في معركة طاحنة دفاعاً عن الأرض والسيادة وقعت على أسوار القلعة، واستشهد بداخلها بعد أن حطم البرتغاليين بوابة القلعة واقتحموها، ووثقوا ذلك في سجلاتهم الرسمية من خلال رسم للرأس المقطوع للشهيد مقرن.
ثم تأسس كيانها السياسي الحديث بشرعية الفتح العربي المستقل عام 1783م تحت راية آل خليفة الكرام الذين كانوا حكاماً لقطر منذ عام 1760م وجعلوا "الزبارة" عاصمتهم وعُرفت الدولة رسمياً بـ "البحرين وتوابعها" قبل الاستعمار البريطاني الذي دخل المنطقة عام 1820م بستة عقود (أي 60 سنة كاملة). فالبحرين تاريخياً وجغرافياً هي المركز وليست تابعاً لأحد، وعلاقة قيادتها بنجد والقبائل العربية هي فخر بالعمق والأصل والجذور والشرعية، وليست مبرراً لعقلية الوصاية والتبعية التي تتوهمها.
ثانياً: محاولتك تزييف واقع حركة جسر الملك فهد لتثبت فرية "البلد الطارد"، فتكشف عن تدليس مضحك؛ فالجميع في المنطقة يرى ويتابع يومياً عبر المقاطع والصور تذمر مستخدمي الجسر من حجم الطوابير والجحافل البشرية المتدفقة من السعودية باتجاه البحرين وليس العكس، نظراً لحبهم للبحرين وحب البحرين لهم، وأيضاً لما تتمتع به البحرين من جودة حياة وبيئة سكنية واجتماعية جاذبة.
وإذا كنت ترى لوحات مركبات بحرينية في السعودية، فمن المحتمل أن من بين هذه المركبات مركبات تعود لكبار الكوادر والمهندسين والخبراء الأجانب (أميركان، إنجليز، أوروبيين، بعض الجنسيات العربية التي تحمل جنسيات أجنبية) من العاملين في الشركات العالمية الكبرى بالسعودية وبالشرقية، وهؤلاء يفضلون بقرار شخصي وعائلي الإقامة والعيش في البحرين والتنقل اليومي للعمل في السعودية. بل إن كبار المدربين الأجانب لمنتخبكم (مثل هيرفي رينارد) وكوادرهم الفنية الدولية كانوا يقيمون في البحرين ويذهبون للتدريب ثم يعودون لمقار سكنهم في البحرين.
مرونة تنقل الكفاءات والتبادل التجاري والاستثماري هي ميزة أصيلة للنظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي، ولكن عقدة الفوقية الواهمة لديك جعلتك تعكس واقع الجسر الجغرافي بطريقة مضحكة وفاضحة.
ثالثاً: التناقض الجيوسياسي والاعتراف غير المقصود؛ في قمة تناقض وسخافة الطرح، هذا الشخص يعترف بلسانه بـ الأهمية الجيوسياسية للبحرين التي حاول إنكارها طوال الوقت. فحين يقول في نهاية كلامه: "أهمية البحرين أننا لا نريد حكومة موالية للملالي تنصب صواريخ قرب رأس تنورة والسفانية وبقيق"، فهو يؤكد ويصادق تماماً على صحة كلامنا في ردنا عليه يوم أمس من أن استقرار البحرين هو خط الدفاع الأول والحيوي لحماية منشآت الطاقة الإستراتيجية في السعودية. لقد نسف نظريته "الكنتونية" الفاشلة بيده وثبت أن العلاقة هي علاقة أمن قومي وتكامل ومصير مشترك بين دول ذات سيادة، وليست هبة أو صدقة أو منّة.
رابعاً: لغة "شكراً" المغلوطة؛ مطالبتك بكلمة "شكراً للسعودية أمنا الكبرى" بأسلوب الطقطقة تعكس عقلية المراهقة الرقمية؛ فالدول لا تدار بمنطق الصدقات والشكر الشخصي، بل بموجب مواثيق تعاون ومصالح حيوية متبادلة واتفاقيات ثنائية تحترمها القيادات الحكيمة في المملكتين. التعاون العسكري والأمني والسياسي بين المنامة والرياض هو واجب قومي لردع الأطماع الخارجية الشاملة، والتقليل من كفاءة ومكانة دولة مستقلة هو خدمة مجانية تقدم للبروبغندا الإيرانية التي تسعى لتصوير دول الخليج العربي ككيانات مفككة تابعة لا قوة ولا حيلة لها، ويجب أن تتوقف هذه البروبغندا المجانية التي يقدمها البعض لإيران.