كما فعل الاسرائيليون حينما سربوا أدق التفاصيل حول الدور الإماراتي في الحرب الإيرانية للابتزاز والضغط.

الان جاء الدور على قطر؛ من خلال تسريب جديد في واشنطن بوست، يكشف بوضوح أن التجسس الإسرائيلي يطال أعلى المستويات في الخليج.

أقوى جملة في التقرير حول مصدر المعلومة القول إن الـCIA وكبار مسؤولي الإدارة الأميركية كانوا مطلعين على استخبارات أجنبية “foreign intelligence” بشأن التواصل القطري.

أي أن المادة، وفق صياغة الصحيفة، لم تنشأ داخل الاستخبارات الأميركية. بل جُمعت عبر مراقبة اتصالات قيادات إيرانية، ثم تحدث بشأنها مسؤولون أمنيون شرق أوسطيون ومسؤولون غربيون اطلعوا عليها.

من بين أجهزة المنطقة، إسرائيل هي صاحبة الدافع والقدرة الأوضح على اختراق ومراقبة دوائر القيادة الإيرانية مع أن المعلومة قد يكون اصلها الحقيقي تجسس على مسؤولين قطريين.

هذا أهم ما ورد في التقرير الذي استنفر الأوساط الدبلوماسية

المصدر هو تحقيق في The Washington Post بقلم Greg Miller، ويستند إلى مسؤولين أمنيين في الشرق الأوسط ومسؤولين غربيين اطّلعوا على معلومات استخبارية، قيل إن جزءاً منها جاء من اعتراض اتصالات مسؤولين إيرانيين، إلى جانب تحليل صور أقمار صناعية وردود رسمية قطرية.

طبيعة المادة تحقيق استخباري ـ سياسي عالي الحساسية، وليس رواية مثبتة بوثائق علنية كاملة: الصحيفة تعرض اتهاماً محدداً بوجود تفاوض سري قطري ـ إيراني، بينما تنفي الدوحة بصورة قاطعة وجود أي صفقة أو تنسيق في قرارات إنتاج الغاز.

الادعاء المركزي في التحقيق أن قطر فتحت، منذ بداية الحرب، قناة سرية مع إيران لحماية مجمع رأس لفان، أكبر منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في العالم وأهم أصل اقتصادي للدولة.

الصيغة التي ينسبها المسؤولون الأمنيون إلى الدوحة كانت تقوم على تبادل منفعة غير معلن: إيران لا تضرب رأس لفان، وقطر توقف إنتاج الغاز من جانب واحد.

وقف الإنتاج القطري كان سيؤدي إلى قفزة في أسعار الطاقة واضطراب في الأسواق العالمية، ما يضع ضغطاً اقتصادياً على الولايات المتحدة وإسرائيل لتقصير أمد الحرب.

أحد المسؤولين الإقليميين وصف المقترح بأنه “صفقة سرية”، تلزم قطر باستخدام نفوذها في سوق الغاز للمساعدة على إنهاء القتال، مقابل شرط أساسي هو ألا تستهدفها إيران.

مسؤول ثانٍ لخّص الرسالة القطرية لطهران بأنها تستطيع تحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية من دون قصف قطر، لأن توقف الغاز القطري سيخلق بنفسه جزءاً من الفوضى التي تريدها إيران.

التحقيق لا يقول إن إيران وافقت رسمياً على العرض. المسؤولون قالوا إن قطر لم تحصل على تعهد إيراني واضح، لكن تسلسل الأحداث أوحى لهم بأن تفاهمًا ضمنياً ربما بقي ممكناً لفترة قصيرة.

قطر أوقفت رأس لفان في اليوم الثالث من الحرب، الدوحة قالت آنذاك إن الإغلاق جاء بسبب هجمات عسكرية على منشآت تشغيلية، لكن تحليل واشنطن بوست لصور الأقمار الصناعية بين 27 فبراير و6 مارس لم يظهر أضراراً واضحة في المدينة الصناعية.

هذه الفجوة بين تصريحات الضرر وغياب الأثر المرئي هي جزء مهم من حجة التحقيق، لأنها تفتح احتمال أن الإغلاق كان وقائياً، أو مرتبطاً بالقناة السرية، لا نتيجة تدمير واسع في تلك المرحلة.

مسؤول قطري قال إن قبول مثل هذه المعادلة سيؤسس لسابقة خطيرة، مفادها أن على قطر إغلاق منشآتها كلما غضبت إيران أو دخلت أزمة جيوسياسية.

مسؤولون أميركيون قالوا إن CIA ومسؤولين كباراً في إدارة ترامب كانوا على علم بالمعلومات الاستخبارية المتعلقة بالاتصال القطري.

مع ذلك، لا يذكر التحقيق مؤشراً على حصول قطيعة بين واشنطن والدوحة، رغم أن العرض المزعوم كان يمكن النظر إليه كتحرك يعرقل أهداف الحملة الأميركية ـ الإسرائيلية.

المسؤولون الأمنيون قالوا إن الاتصالات القطرية رُصدت عبر مراقبة اتصالات مسؤولين إيرانيين، لكنهم رفضوا الكشف عن أسماء المشاركين أو طبيعة وسائل الاعتراض لحماية القدرات الاستخبارية.

بعض المسؤولين الذين تحدثوا للصحيفة فسّروا موقف الدوحة على أنه استعداد لحماية رأس لفان حتى لو تعارض ذلك مع المصالح الأميركية والإسرائيلية، لأن تدمير المجمع قد يحتاج عقداً للتعافي وفق تقدير أحدهم.

مسؤول أميركي سابق، السفير Timmy Davis، استبعد أن تكون قطر قدمت مقايضة صريحة، لكنه رأى أنها قد تشرح للإيرانيين كيف يمكن لإجراءات الطوارئ القطرية أن تفيدهم اقتصادياً وتسرع إنهاء الحرب.

التحقيق يضع التصرف القطري ضمن نمط خليجي أوسع من التحوط السري. السعودية والكويت ودول أخرى حاولت أيضاً، بحسب المسؤولين، إيجاد وسائل للحد من الانتقام الإيراني، لكن المبادرة القطرية بدت أكثر وضوحاً وتحديداً.