لمن يدخل الموضوع لاول مرة ساسرد لكم ما يحدث في السودان في اخر 5 سنوات واسباب الحرب الاهلية السودانية وهي إن الكارثة لم تبدأ في أبريل 2023، بل بدأت في أكتوبر 2021 حين أطاح البرهان بالحكومة المدنية الانتقالية وحلّ مجلس السيادة المشترك، ممزقاً بذلك أكثر معاهدة هشة في تاريخ السودان الحديث. كانت المعادلة التي رعتها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تقوم على شراكة عسكرية-مدنية توطئةً لانتخابات 2023 فأسقطها البرهان بجرة قلم معتقداً أن بيده ورقة ضغط، وهو في الحقيقة كان يقطع الغصن الذي يجلس عليه. الانقلاب أفقد الجيش شرعيته الدولية، وجفّف مصادر تمويله الغربية، وزادت مخاوف الجمهور الداخلي من حكم العسكر وكل ذلك جعله أضعف حين جاءت الحرب الحقيقية بعد عامين.
المفارقة المؤلمة هي أن الجيش السوداني هو نفسه الذي سمح بتضخم قوات الدعم السريع وتسليحها ومدّها بالمال طوال سنوات، كأداة قمع لحماية النظام في دارفور ثم كشريك في انقلاب 2019 ثم في انقلاب 2021. حين جاءت مفاوضات دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي عام 2022، رفض البرهان وفريقه القبول بالجداول الزمنية التي طرحها حميدتي، ولم يضع بديلاً عسكرياً لاحتواء قوة باتت تفوق الجيش في بعض التجهيزات والانتشار الميداني. استمرت المفاوضات لأشهر حتى انهارت في أبريل 2023 والنتيجة أن الجيش السوداني دخل حرباً ضد خصم صنعه بنفسه.
حين اندلعت الحرب في أبريل 2023، وقعت اللحظة الأكثر إذلالاً في تاريخ الجيش السوداني الحديث: خسارة المقر العام للجيش في الخرطوم في الأيام الأولى، وخسارة مطار الخرطوم الدولي، وسقوط معظم مدن دارفور الكبرى في غضون أسابيع. الخبير الاستراتيجي أمين مجذوب أكد صراحةً أن «البرهان وطاقمه العسكري فشلا في توقع الحرب والتنبؤ بحدوثها ضمن سياق العمل الأمني الوقائي» وهذا الفشل الاستخباراتي في حد ذاته يعني أن قيادة الجيش كانت تنام على بركان وهي لا تعلم. في أغسطس 2023، اضطر البرهان نفسه للفرار من مقره المحاصر في الخرطوم بمساعدة القوات الخاصة الأوكرانية مشهد لا يحتاج تعليقاً.
حين ضاق الخناق العسكري، لجأ البرهان إلى أخطر قراراته المصيرية: فتح باب الشراكة مجدداً مع حركة الإسلاميين السياسيين المرتبطين بنظام عمر البشير، وهم من تنكّر لهم رسمياً عقب ثورة 2019. هذا التحالف المصلحي أعطى الجيش بعض العدد البشري على الأرض، لكنه حوّله دولياً إلى «نظام بشير الثاني» وقطع الطريق أمام أي دعم غربي أو خليجي بذريعة «التطرف»، وهو بالضبط ما جعل السعودية تُجمّد صفقة الأسلحة الباكستانية لاحقاً. البرهان اختار البقاء في السلطة على حساب الشرعية الدولية.
بعد 500 يوم من الحصار، سقطت الفاشر آخر كبريات مدن دارفور المتبقية بيد الجيش في نوفمبر 2025 بيد قوات الدعم السريع. قبلها بأسابيع سقطت «بارا» عاصمة شمال كردفان في أكتوبر، ثم «بابنوسة» الرابط الاستراتيجي في غرب كردفان. الصورة الإجمالية واضحة: الجيش السوداني يخسر الجغرافيا بالجملة بينما قيادته في بورسودان ترفع شعار «النصر أو النصر». وبدلاً من مراجعة الاستراتيجية العسكرية، ردّ البرهان بالإعلان أن الحرب لن تنتهي إلا باستسلام قوات الدعم السريع كاملاً وهو موقف يرفضه كل وسطاء العالم لأنه يساوي إطالة الحرب إلى أجل غير مسمى.
في سبتمبر 2025، رفض البرهان خارطة الطريق الرباعية التي قدّمتها كل من السعودية والولايات المتحدة وبريطانيا وسويسرا. قبلها رفض المشاركة في محادثات سويسرا عام 2024 ولم يحضر أصلاً. وفي ديسمبر 2023، وافق على اجتماع مع حميدتي تحت رعاية إيغاد ثم تراجع في اللحظة الأخيرة بذرائع بروتوكولية. هذا الموقف المتصلب لم يُفضِ إلى نصر عسكري بل أفضى إلى عزلة دولية متصاعدة، وخسارة أرض ميدانية، وحصار إنساني خانق لمناطق بقيت تحت سيطرة الجيش.
الفاتورة الإنسانية والتي لا يمكن تبريرها
الأرقام الموثقة من الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي تضع البرهان في مواجهة مباشرة مع التاريخ:
المفارقة المؤلمة هي أن الجيش السوداني هو نفسه الذي سمح بتضخم قوات الدعم السريع وتسليحها ومدّها بالمال طوال سنوات، كأداة قمع لحماية النظام في دارفور ثم كشريك في انقلاب 2019 ثم في انقلاب 2021. حين جاءت مفاوضات دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي عام 2022، رفض البرهان وفريقه القبول بالجداول الزمنية التي طرحها حميدتي، ولم يضع بديلاً عسكرياً لاحتواء قوة باتت تفوق الجيش في بعض التجهيزات والانتشار الميداني. استمرت المفاوضات لأشهر حتى انهارت في أبريل 2023 والنتيجة أن الجيش السوداني دخل حرباً ضد خصم صنعه بنفسه.
حين اندلعت الحرب في أبريل 2023، وقعت اللحظة الأكثر إذلالاً في تاريخ الجيش السوداني الحديث: خسارة المقر العام للجيش في الخرطوم في الأيام الأولى، وخسارة مطار الخرطوم الدولي، وسقوط معظم مدن دارفور الكبرى في غضون أسابيع. الخبير الاستراتيجي أمين مجذوب أكد صراحةً أن «البرهان وطاقمه العسكري فشلا في توقع الحرب والتنبؤ بحدوثها ضمن سياق العمل الأمني الوقائي» وهذا الفشل الاستخباراتي في حد ذاته يعني أن قيادة الجيش كانت تنام على بركان وهي لا تعلم. في أغسطس 2023، اضطر البرهان نفسه للفرار من مقره المحاصر في الخرطوم بمساعدة القوات الخاصة الأوكرانية مشهد لا يحتاج تعليقاً.
حين ضاق الخناق العسكري، لجأ البرهان إلى أخطر قراراته المصيرية: فتح باب الشراكة مجدداً مع حركة الإسلاميين السياسيين المرتبطين بنظام عمر البشير، وهم من تنكّر لهم رسمياً عقب ثورة 2019. هذا التحالف المصلحي أعطى الجيش بعض العدد البشري على الأرض، لكنه حوّله دولياً إلى «نظام بشير الثاني» وقطع الطريق أمام أي دعم غربي أو خليجي بذريعة «التطرف»، وهو بالضبط ما جعل السعودية تُجمّد صفقة الأسلحة الباكستانية لاحقاً. البرهان اختار البقاء في السلطة على حساب الشرعية الدولية.
بعد 500 يوم من الحصار، سقطت الفاشر آخر كبريات مدن دارفور المتبقية بيد الجيش في نوفمبر 2025 بيد قوات الدعم السريع. قبلها بأسابيع سقطت «بارا» عاصمة شمال كردفان في أكتوبر، ثم «بابنوسة» الرابط الاستراتيجي في غرب كردفان. الصورة الإجمالية واضحة: الجيش السوداني يخسر الجغرافيا بالجملة بينما قيادته في بورسودان ترفع شعار «النصر أو النصر». وبدلاً من مراجعة الاستراتيجية العسكرية، ردّ البرهان بالإعلان أن الحرب لن تنتهي إلا باستسلام قوات الدعم السريع كاملاً وهو موقف يرفضه كل وسطاء العالم لأنه يساوي إطالة الحرب إلى أجل غير مسمى.
في سبتمبر 2025، رفض البرهان خارطة الطريق الرباعية التي قدّمتها كل من السعودية والولايات المتحدة وبريطانيا وسويسرا. قبلها رفض المشاركة في محادثات سويسرا عام 2024 ولم يحضر أصلاً. وفي ديسمبر 2023، وافق على اجتماع مع حميدتي تحت رعاية إيغاد ثم تراجع في اللحظة الأخيرة بذرائع بروتوكولية. هذا الموقف المتصلب لم يُفضِ إلى نصر عسكري بل أفضى إلى عزلة دولية متصاعدة، وخسارة أرض ميدانية، وحصار إنساني خانق لمناطق بقيت تحت سيطرة الجيش.
الفاتورة الإنسانية والتي لا يمكن تبريرها
الأرقام الموثقة من الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي تضع البرهان في مواجهة مباشرة مع التاريخ:
- أكثر من 14 مليون نازح — أكبر أزمة تهجير في العالم عام 2025
- مجاعة رسمية معلنة في خمس مناطق على الأقل من دارفور وكردفان
- 150 ألف قتيل وفق التقديرات الدنيا
- 30 مليون شخص يحتاجون مساعدة إنسانية عاجلة — أي ثلثا السكان
- تقارير موثقة عن استخدام أسلحة كيماوية في مناطق النزاع
البرهان دخل الحرب بلا خطة انتهاء، واعتقد أن بمقدور جيش متهالك النجاح في حرب مدن ضد قوة شبه نظامية تمتلك مناطق عمق واسعة وداعمين إقليميين. كل قراراته الكبرى الانقلاب، والمماطلة في دمج قوات الدعم السريع، والتحالف مع الإسلاميين، ورفض الوساطة الدوليةجاءت انتهازيةً تكتيكيةً في غياب استراتيجية دولة، والمحصلة الوحيدة الثابتة هي سودان يحترق بينما جنرالاه يتفاوضان على السلطة.
