قبل أبريل 2023، رعت السعودية علاقات حميمة بالطرفين البرهان وحميدتي في آنٍ واحد، وكلاهما كان يزور الرياض ويتلقى الدعم الدبلوماسي والمالي السعودي منذ انقلاب 2021. لم تستثمر الرياض في هذا الوقت أي رأس مال دبلوماسي لمنع التصادم المحتوم بين جنرالين يتنازعان الثروة والسلطة في بلد واحد، بينما كانت التحذيرات من المراقبين الدوليين تتراكم. حين اندلعت الحرب في أبريل 2023، وجد صانع القرار السعودي نفسه مفاجأً بصراع قام بتمويل طرفيه. هذا وحده كافٍ لوصف غياب الاستخبارات الاستراتيجية وضعف التقييم الميداني.
أُطلقت محادثات جدة في مايو 2023 بضجيج إعلامي واسع وبرعاية سعودية-أمريكية مشتركة. النتيجة كانت فاضحة: هدنة لم تصمد أسبوعاً واحداً، ثم تعليق كامل للمفاوضات في نهاية 2023. الأكاديميون في المركز العربي بواشنطن خلصوا إلى أن الفشل الجوهري يعود إلى أن الوسيط لم يكن محايداً؛ فالسعودية لم تمارس أي ضغط حقيقي على البرهان لأنها بحاجة إليه في أمن البحر الأحمر ومشاريعها الزراعية بمليارات الدولارات. وسيط يخشى إغضاب أحد الطرفين لا يستطيع إيقاف حرب هذا ليس رأياً، بل مبدأ راسخ في نظرية الوساطة الدولية.
في فبراير 2026، كُشف أن السعودية تموّل صفقة أسلحة باكستانية-سودانية بقيمة 1.5 مليار دولار لصالح الجيش السوداني. ثم في مارس 2026، جمّدت الرياض الصفقة بنفسها بسبب مخاوف من نفوذ الإسلاميين داخل الجيش. ثم في أبريل 2026، استُدعي البرهان إلى جدة للتفاوض مع محمد بن سلمان على شروط إحياء الصفقة مجدداً. هذا التسلسل يختصر نمط صناعة القرار السعودي في السودان: تحديد الشروط بعد تقديم الدعم وليس قبله، وتغيير المواقف استجابةً للانتقاد لا بناءً على تخطيط مسبق.
الحرب السودانية وصفتها لجنة الإنقاذ الدولية بأنها «أسوأ أزمة إنسانية في العالم عام 2025». وفق الأمم المتحدة: أكثر من 14 مليون نازح، وما بين 40 ألف و250 ألف قتيل، و24.6 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، ومجاعة رسمية معلنة في مناطق واسعة. وسط هذه الكارثة الإنسانية، مازالت السعودية تُوقّع بيانات جماعية «مُرعوبة» من الأوضاع وهي الوصف الذي يُثير السؤال المحرج: لماذا لم يأتِ الرعب قبل إشعال الوضع؟
الملف السوداني يكشف عن نمط واحد متكرر في السياسة الإقليمية السعودية: عقلية قصيرة المدى في غياب الاستراتيجية الكبرى بعيدة المدى. دعم جميع الأطراف في وقت واحد، ووساطة من موقع متورط، واستثمارات ضخمة دون إدارة سياسية للمخاطر، وقرارات تُتخذ ثم تُعلَّق ثم تُحيى هذا لا يصنع قوة إقليمية مستقرة؛ بل يصنع لاعباً يُنفق كثيراً ليكسب القليل، ويخسر المصداقية في كل جولة.