تحليل رسالة السادات الى كيسنجر يوم 7 اكتوبر 1973

الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.

عاشق وطنى

عضو جديد
إنضم
2 يوليو 2019
المشاركات
15
التفاعلات
30 0 0
الدولة
Egypt
يعتقد البعض ان رسالة السادات الى كيسنجر يوم 7 اكتوبر 1973 تمثل افشاء للنوايا العسكرية المصرية وهو ما أتاح لإسرائيل اعادة ترتيب اولوياتها واتخاذ قرارات عسكرية هامة لصالحها بعد ان عرفت بهدف مصر الحقيقى من الحرب وبالتالى فإن السؤال المهم الذى يطرح نفسه هل فعلا كانت رسالة السادات الى كيسنجر يوم 7 اكتوبر 1973 والتى وعد فيها السادات امريكا بأنه لن يقوم بتعميق الإشتباكات او توسيع نطاق المواجهة هل تعتبر هذه الرسالة افشاء للنوايا العسكرية لخطة الجيش المصرى فى حرب اكتوبر؟ وماذا كان هدف السادات من ارسال هذه الرسالة فى هذا التوقيت بالذات؟ وما تأثير هذه الرسالة على سير المعارك خلال حرب اكتوبر ؟ فى الواقع أن تفسير هذه الرسالة لابد ان يشمل كل ما جاء فيها وليس فقط عبارة " عدم تعميق الاشتباكات" أو عبارة " عدم توسيع نطاق المواجهة " ولابد ان يكون تفسير هذه الرسالة بما يتفق مع الواقع والظروف والاوضاع السائدة فى هذا التوقيت .
وقبل ان نفسر ونحلل محتوى هذه الرسالة لابد أن نستعرض أولا ما جاء فى هذه الرسالة ، فالرسالة تضمنت اربع نقاط اساسية وهى :
1- ان هدف مصر هو تحقيق سلام فى الشرق الاوسط وليس تحقيق تسويات جزئية .
2- ان مصر لا تعتزم تعميق الاشتباكات او توسيع نطاق المواجهة .
3- على اسرائيل الانسحاب من الاراضى المحتلة فى 1967
5- ان مصر توافق على حرية الملاحة فى مضيق تيران .
والواقع ان هذه الرسالة بما تضمنته من اربع نقاط اساسية لا تمثل افشاء للنوايا العسكرية المصرية فى حرب اكتوبر ولم تؤدى الى تأثير سلبى على اوضاع القوات المصرية والسورية خلال الحرب ولم يستفد منها الجيش الاسرائيلى فى شىء .
فرسالة السادات والتى ذكر فيها أنه لا ينوى تعميق الاشتباكات إلا انه لم يذكر الى اى مدى سيقف فلم يذكر عدد محدد من الكيلومترات فلم يكن واضحا للادارة الامريكية هل سيقف السادات عند الخطوط التى وصل اليها يوم 7 اكتوبر ام سيواصل التقدم حتى 15 كم مثلا او 30 كم ام سيواصل التقدم حتى المضايق مثلا كما ان السادات لم يفى بوعده لكيسنجر بعدم تعميق الاشتباكات فيوم 7 اكتوبر لم تقف الوقت المصرية ساكنة بل كانت تتقدم داخل سيناء وتوسع رؤوس الكبارى وكانت الاسلحة والمعدات الثقيلة تتدفق عبر الجسور والمعابر المصرية .
كما ان السادات استقبل بعد ذلك اسلحة الجسر الجوى السوفيتى وتم ادخال سلاح النفط العربى فى الحرب
أضف الى ذلك أن السادات ذكر فى الرسالة أن هدفه هو العودة الى حدود 1967وهذا معناه أنه سوف يحارب حتى العودة لهذه الحدود مادامت المفاوضات السلمية قبل الحرب لم تسفر عن أى انسحاب اسرائيلى من حدود1967وهومايعنى أن الحرب أصبحت الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك
واذا كان البعض يعتقد أن رسالة السادات الى كيسنجر قد دفع اسرائيل الى التركيز على الجبهة السورية اولا وهى مطمئنة ومتأكدة ان المصريين لن يتقدموا كثيرا عن الخطوط التى وصلوا اليها يوم 7 اكتوبر لتعود بعد الانتهاء من الجبهة السورية الى التركيز على الجبهة المصرية لحسم الموقف لصالحها فى الجبهة المصرية أى انها قامت بتثبيت الجبهة المصرية مؤقتا وركزت على الجبهة السورية وبذلك نجحت فى التعامل مع كل جبهة على حدة .
وفى الواقع ان هذا اعتقاد خاطىء لأن الأسباب التى دفعت اسرائيل الى التركيز اولا على الجبهة السورية هى اسباب لا علاقة لها برسالة السادات وهذه الاسباب هى :
1- اختراق القوات السورية لهضبة الجولان اختراقا عميق حتى اصبحت عند مشارف بحيرة طبرية وتهديدها لقلب اسرائيل ولمراكز الكثافة السكانية الاسرائيلية وقد وجدت القيادات العسكرية الاسرائيلية أن سوريا تستخدم حشود ضخمة من المدرعات فى هجومها واسع النطاق فى الجولان ولو لم يتم التعامل أولا وفورا مع الجبهة السورية فلن تتمكن اسرائيل من ايقاف المدرعات السورية واسترداد الجولان .
2- كان عمق الجولان 20كم بينما عمق سيناء 200كم وهو معناه ان الجولان هى الجبهة الاقرب لقلب اسرائيل والاكثر خطورة نسبيا من جبهة سيناء والتى بسبب عمقها الكبير نسبيا يتيح للقوات الاسرائيلية فرصة من الوقت للتعامل معها
3- اضف الى ذلك ان الجبهة المصرية لم تكن مثبتة او ساكنة فيوم 8 اكتوبر وهو اليوم الذى مثل بداية التراجع السورى فى الجولان كان على الجبهة المصرية قوات اسرائيلية ضخمة تقدر ب960 دبابة وشنت هجوم مضاد كبير ضد القوات المصرية وهو يدل على ان الجبهة المصرية والقوات المصرية ليست مسئولة عن التراجع السورى فى الجولان وان المعارك كانت محتدمة على الجهة المصرية مثلما هى محتدمة على الجبهة السورية .
ومن هنا يتبين أن العوامل التى كانت تحكم رد الفعل الاسرائيلى هى مدى خطورة كل جبهة وقربها من العمق الاسرائيلى دون الإلتفات الى أى رسائل أو خطابات .

والسؤال الذى يطرح نفسه هنا هل كانت ردود الافعال والقرارات العسكرية الاسرائيلية سوف تتغير لو لم يتم ارسال هذه الرسالة ؟ الاجابة بالطبع لا لأنه كما أوضحنا ان تركيز اسرائيل على الجبهة السورية فى الايام الاولى من الحرب لا علاقة له برسالة السادات كما ان اسرائيل كانت تتحرك فى اطار رد فعل سواء على الجبهة المصرية او على الجبهة السورية يوم 7 اكتوبر وهو يوم وصول رسالة السادات الى كيسنجر وحتى لو افترضنا ان الرسلة تمثل افشاء للنوايا العسكرية المصرية فإن اسرائيل ما كانت لتتصرف بطريقة مختلفة حتى لو لم يرسل السادات هذه الرسالة الى هنرى كيسنجر فعلى الجبهة السورية كان عل اسرائيل ان تركز اولا على الجبهة السورية للاسباب التى ذكرناها وعلى الجبهة المصرية كانت القوات الاسرائيلية مجبرة على اتخاذ ردود افعال خاطئة كلها تصب فى مصلحة الجيش المصرى وهى إما ان تهاجم رؤوس الكبارى فتفشل هجماتها وتتكبد القوات الاسرائيلية خسائر فادحة وإما ان تتوقف القوات الاسرائيلية وتظل ساكنة فى اماكنها وهذا ايضا يصب فى مصلحة مصر لأنه يجبرها على البقاء فى حالة تأهب وتعبئة مستمرة الى اجل غير معلوم وهو مالا يتحمله الاقتصاد السرائيلى فتضطر الى الانسحاب من سيناء إن عاجلا أو آجلا

وأما عن هدف السادات من ارسال هذه الرسالة الى هنرى كيسنجر فى هذا التوقيت هو الآتى :
1- وضع قواعد وشروط للحرب فالرسالة هدفها فتح حوار مع امريكا بصفتها دولة عظمى وبصفتها الحليف الاستراتيجى لإسرائيل فإن مضمون الرسالة هو تأكيد السادات ان هدف مصر من الحرب هو العودة الى حدود 1967 وليس تدمير اسرائل او محاولة ضرب العمق الاسرائيلى ولما كانت امريكا تعرف انه لدى مصر صواريخ سكود بعيدة المدى فإنه لن يبادر بضرب العمق الاسرائيلى وهذا يعنى بداهة الاتفاق مع الامريكان على عدم ضرب العمق بالنسبة لمصر واسرائيل ويعن ايضا ان مصر سوف تكون ملتزمة بذلك طالما التزمت اسرائيل بذلك .
2- كان السادات يهدف من هذه الرسالة الى ترغيب الاسرائيلين فى السلام بعدتأكيده على ان مصر لا تنوى تدمير اسرائيل وانما فقط العودة الى حدود 1967 وأنه يريد السلام مع اسرائيل وهو تفكير سليم لأن اسرائيل ربما تدرك ان مصر تريد من الحرب هو تدمير اسرائيل وبالتالى ستقاتل فى معركة حياة او موت ضد القوات المصرية وربما تلجأ الى استخدام الاسلحة النووية كحل يائس بعد فشلها فى هزيمة المصريين وفشل هجماتها المضادة والخسائر الفادحة التى ستتكبدها اسرائيل ولذلك فهذا التعهد من السادات بعدم تدمير اسرائيل وبالرغبة فى السلام سيدفع اسرائيل نتيجة خسائرها الفادحة وعدم قدرتها على تحمل المزيد من الخسائر وعدم قدرتها على مواصلة الحرب بسبب طول فترة التعبئة فإن هذا اليأس الاسرائيلى وضعف موقفها سيدفعها الى السلام والانسحاب من الاراضى التى احتلتها فى 1967 دون ان تخشى عواقب هذا الانسحاب ودون ان تحشى ان يؤدى هذا الانسحاب الى طمع العرب فى مزيد منن الاراضى او القضاء على اسرائيل وبذلك فرسالة السادات الى كيسنجر فى هذا التوقيت هدفه تشجيع امريكا لإقناع اسرائيل بذلك
3- كان السادت يهدف ايضا الى خداع امريكا وكسب الوقت وتأخير المساعدات الامريكية لإسرائيل وهذا يدل على دهاء السادات ودرايته باساليب الخداع فى الحروب حيث انه من ضمن اساليب الخداع فى الحروب هى محاولة تضليل الخصم عن طريق تقوية معتقداته وتثبيتها بما يجعله يتجاهل البدائل الاخرى وهذا يساعد على اخفاء نوايانا الحقيقية وبالتالى تعظيم مكاسبنا والاحتفاظ بزمام المبادأة وهذا ما استخدمه السادات بذكاء ومهارة حيث كانت الادارة الامريكية تعتقد ان اسرائيل سوف تستعيد زمام المبادأة على الجبهة المصرية وانها قادرة على انهاء الحرب لصالحها بحلول نهاية الاسبوع وكانت الادارة الامريكية لا تريد التدخل فى المعركة اعتقادا منها بأن اسرائيل قادرة على حسم الحرب لصالحها دون تدخل او مساعدة امريكية ولأن اسرائيل لم تطلب من امريكا التدخل وحتى لا يؤدى التدخل الامريكى فى الحرب الى دفع الاتحاد السوفيتى لدخول الحرب ولما كانت رسالة السادات تحمل تعهدا بعد توسيع نطاق المواجهة وهو ما يعنى ضمنا عدم تدخل الاتحاد السوفيتى فى الحرب فإن رسالته حملت تأكيدا للفكرة التى يريد الامريكيون حدوثها ويتوقعون حدوثها لذلك كانت رسالة السادات سببا فى تأخير الجسر الجوى الامريكى لاسرائيل فلم يبدأ الا بعد ان بدأ الجسر الجوى السوفيتى وبعد أن استنجدت جولدا مائير بأمريكا لفداحة خسائرها ولم يبدأ الجسر الجوى الأمريكى على نطاق واسع الا ابتداء من يوم 13 اكتوبر أى ان السادات قد كسب اسبوعا كاملا قبل بدء الجسر الجوى الامريكى فى تدعيم قواته فى سيناء أى أن ذلك كان جزء من أعمال الخداع الاستراتيجى اثناء الحرب مثلما قامت مصر بالخداع الاستراتيجى قبل الحرب

رد مع اقتباس رد مع اقتباس
 
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
أعلى