عصمان الشامي

إنضم
15 يونيو 2008
المشاركات
342
التفاعل
243 0 0
الشيخ المجاهد عصمان الشامي
الفارس الذي مثل فلسطين . .في ملحمة الجهاد

نجم فرج

الحديث عن رفاق عمر المختار حديث يطول ويعرض ،
فقد جاهد في ليبيا مع عمر المختار قادة آخرون كثر من العرب والمسلمين واللافت للنظر أن هؤلاء الرجال كان لهم شأن عظيم فيما بعد .
ومن بين هؤلاء كان جعفر العسكري العراقي الذي أصبح وزيراً للدفاع وأسس الجيش العراقي وعرف بأبي الجيش العراقي ومن ثم رئيساً للوزراء 2 ، كذلك عبدالرحمن عزام المصري الذي شارك المجاهدين في الجهة الغربية وتزوج بامرأة من غريان وأجبت له بنتاً ، وأصبح أول أمينٍ عامٍ للجامعة العربية 3 ، علماً بأن السلطات الإيطالية حكمت عليه بالإعدام غيابياً .

ومن الأتراك أنور باشا وأخيه نوري ، وكذلك مصطفى كمال اتاتورك الذي أسس تركيا الحديثة ، وكانوا جميعهم تحت قيادة السيد أحمد الشريف وعمر المختار في برقة ولايزال الأتراك يقدرون دور المجاهدين الليبيين الذي قاتلوا الإنجليز في مصر دفاعاً عن الخلافة العثمانية بقيادة السيد أحمد الشريف من 1915 إلى 1917 م في الصحراء الغربية .

وكذلك الشهيد نجيب الحوراني ، من عجلون بالأردن الذي استشهد في 12 الربيع / مارس 1915 م 4 . ومن كثرة حب الليبيين لهذا الفارس استنوا سنّة لم تكن معروفة لدى الليبيين في برقة وذلك بتسمية أبنائهم على اسمه النجيب ولازال هنالك إلى يومنا هذا تقاطع طرق في ضواحي مدينة بنغازي يسمى بنقطة نجيب حيث كان معسكره الذي تجمّع فيه المجاهدين 5 ، وقال الشاعر البدوي فيه :

إنعد غلاهم كيف نجيب اللي ما عاز فيه طيب

وكذلك قجه عبدالله ذاك البطل الشجاع الذي أتى من تشاد ليرد الجميل لإخوانه الليبيين الذين قاتلوا الفرنسيين دفاعاً عن بيضة الإسلام فيها من 1898 إلى 1913 ، والمجاهد علي امبارك اليمني من اليمن مهد العروبة ، كذلك الأمير شكيب أرسلان الذي كان لقلمه اللاذع الدور الأكبر في فضح الطليان وكشف جرائمهم ومناصرة إخوانه الليبيين في المهجر وأخوه نسيب أرسلان الذي بشعره سجل الليبيين البطولة والمفخرة وللطليان الخزي والعار ، وغيرهم كثيرين لا نعلمهم ولكن يعلمهم الله عز وجل .

ولكنني في هذه المرة سأتناول رجلاً من هؤلاء الرجال الذي كان ظلاً لعمر المختار ولولا فضل الله تعالى ، وإيمانه الراسخ بقضية الشعب الليبي العربي المسلم واستبساله في ذلك ودعمه والمنقطع النظير لحركة الجهاد في تظافر مع بقية مجاهدي الداخل بما آلت ليبيا إلى ما آلت إليه من نصر وظفر في نهاية المسير الشاق .

وهذا الرجل - قليل في هذه الأزمنة الغابرة - هو الشيخ عصمان الشامي أحد زعماء المقاومة والجهاد في سبيل الله ، ومن المؤسف ، أن هذا الفارس ، مطموس الصيبت بين العامة لأسباب استحال تعليلها ، وهو ليس الوحيد في ذلك بل يشاركه ي ذلك كثر لانستطيع حصرهم بقدر ما تعذّر علينا حصر المعارك التي خاضوها ، والشيء يذكر فإنني عجزت عن حصر المعارك التي خاضها الشيخ عصمان ، ولكنني أكاد أجزم أنها بالمئات لذلك تعذّر حصرها ودليلي هو ما قاله السفاح غرانسياني في كتابه ( برقة الهادلة ) عندما حصر لنا عدد المعارك التي خاضتها قواته مع رجال الشيخ عمر المختار ،والشيخ عصمان الشامي أحد القيادات الميدانية بأنها قاربت 277 فقط في ما بين الربيع / مارس 1930 إلى الكانون/ ديسمبر 1931 أي خلال 21 شهراً من المرحلة الأخيرة من الجهاد ، وبذلك استنتج وببداهة ن الشيخ عصمان الشامي هو في نظري المتواضع ونقد من أوتاد الجهاد 6 في ساحة القتال والشرف على أرض الواقع التي كان سلاحهم فيها الإيمان والبندقية وزادهم التمر والشعير ، ورابطوا وصبروا وما بدلوا تبديلا لعدة أسباب سترُى في سياق الحديث عنه .

الشيخ عصمان (عثمان ) بن عبدالرحيم الحاج الشامي .. ذلك الفارس العربي الطل ، ولد ببيسان في فلسطين الحبيبة سنة 1883 م ، وتحديداً بقرية ببيسان قرب الحدود الأردنية الفلسطينية وفي المغرب الكبير اعتاد أنْ يسمُّوا كل من يأتي من بلاد الشام (سوريا فلسطين ، الأردن ، لبنان ) بالشامي ، كما هو الحال في تسمية المغربي لكل ن أتى من المغرب الكبير ( ليبيا، تونس ، الجزائر،المغرب ) إلى الشام : زوجته أمه وهو صغير أهلاً منها إن يتجنّب التجنيد ، فرزق بابنة تركيا وعمرها لم يتجاوز الشهر ولاتزال على قيد الحياة تعيش لاجئة في الأردن ، فانخرط عصمان الشاب اليافع في جند الترك بين صفوف العساكر العرب العثمانيين ، وأرسل إلى واحتي أوجله وجالو في جوف الصحراء الليبية كجزء من الحامية التركية ، ولكن عندما السحب الضباط والجنود العثمانيين من حركة الجهاد عقب اتفاقية أوشي - لوزان ومعاهدة الصلح بين تركيا وإيطاليا في 18 الكانون / ديسمبر سنة 1912 م 7 . أبي الشيخ عصمان أنْ يترك إخوانه الليبيين يواجهون الطلبان وحدهم فانضم إلى حركة الجهاد الليبية في الجبل الأخضر ، وبادله المجاهدون الليبيون التحية فزوجوه امرأتين من قبائل ورقة البدوية قبيلتي الدرسة والبراعصة 8 ، حتى يمتزج دمه بدمهم فكانت زوجته الأولى من قبيلة الدرسة ، والتي أنجبت له محمداً ، أما زوجته الثانية من قبلية البراعصة فانجبت له علياً وكلاهما لا يزالان يعيشان في مدينة بنغازي حيث زودني الحاج علي بمعظم معلومات هذا البحث وترك الشيخ عصمان ذرية مازالت في ليبيا إلى يومنا هذا وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من لحمة المجتمع الليبي في مدينتي البيضاء وبنغازي ، ويتمتع جميعهم باحترام وتقدير لصيت والدهم المجاهد البطل .

وعندما انحسرت حركة المقاومة وضيق الخناق على المجاهدين بمجيء الفاشستي موسوليني للحكم في إيطاليا عام 1923 م في برقة البيضاء لجأ شق من المجاهدين إلى واحات الدواخل والبقية إلى الجبل الأخضر المنيع فأعادوا ترتيب القيادة في شكل هيئة الجبل برئاسة الشيخ عمر المختار الذي ذاع صيته وأصبح قائداً للجهاد مسموع الكلمة .

فكان نائب عمر المختار الشيخ يوسف بو رحيل المسماري من قبائل المرابطين ، والشيخ عبدالحميد العبار ، عن قبائل المعادي ، والفضيل بوعمر الأوجلي عن العمق الليبي ممثلاً واحات الإمداد والصمود في جوف الصحراء والشيخ عصمان الشامي مضيفاً البعد العربي الإسلامي كونه ضابطاً عثمانياً من أبناء فلسطين ، مهد الرباط ورحم الأبطال .

في صيف 1930م أعُيد تنظيم الأدوار (معكسرات المجاهدين ) فأصبح الشيخ عبدالحميد العبار على قرابة 300 مقاتل وعصمان الشامي قائداً لحوالي 380 مقاتل والفضيل بوعمر على رأس 380 مقاتل ، أما الشيخ عمر المختار فكان القائد العام لجميع الأدوار ويلازمه نائبه الشيخ يوسف بور حيل في الإشراف العام على مسيرة الجهاد .

ولكن سرعان ما بدت ترتقي أرواح إخوانه القادة إلى باريها ، ففي 20 الفاتح / سبتمبر 1929 استشهد الفضيل بوعمر ، وذلك نتيجة كمين أطبقه الطليان على المجاهدين بما فيهم عمر المختار ف وادي سقيه قرب قرية أثرون بالجبل الأخضر وكان فراق المجاهد الفضيل بوعمر ضربة مؤلمة للمجاهدين فضم الشيخ عصمان دور الفضيل بوعمر إلى قيادته واستمر في عطائه ولكن كانت الطامة الأكبر أسر الشيخ عمر المختار بعد معركة ( عين لافو ) في وادي الطاقة قرب سلنطة يوم 11 الفاتح / سبتمبر 1931 .

وكان حينها الشيخ عصمان في رفقة عمر المختار عندما ويقع في الأسر ، وعندما وقع الشيخ عمر المختار على الأرض جريحاً وجاءه كل من عصمان الشامي والتواتي عبد الجليل المنفى ، وحمد المختار ، ابن أخ الشيخ عمر المختار ، وهم الرجال للقتال دونه ولكن الشيخ عمر المختار أيقن أنه لا مفر فأمر الرجال بالإفلات وقال لهم " افلتوا يا ولادي فأنا عاجز عن الوقوف" 9 . وأخُذ الشيخ عمر المختار أسيراً إلى سوسه تحت حراسة مشددة تمهيداً انتقله إلى بنغازي عن طريق البحر10.

وأحبط الشيخ عمر المختار مشاعر ستجوبيه وأفسد على الطليان نشوة النصر عندما أخبر داودتشي متصرف الجبل أنه غير منزعج كثيراً لوقوعه في الأسر لأنه أخذ التدابير اللازمة لانتقال القيادة من بعده إلى أحد الأربعة وهم : حمد بوموسي وعصمان الشامي وعبد الحميد العبار ويوسف بورحيل .

شنق شيخ المجاهدين في قرية سلوق صبيحة يوم 16 الفاتح / سبتمبر 1931 م وبعد استشهاد الشيخ عمر المختار كتب السيد أحمد الشريف رسالة إلى الشيخ عبدالحميد العبار بتعيين الشيخ يوسف بورحيل قائداً للجهاد خلفاً للشهيد عمر المختار فتقبل المشايخ من بينهم الشيخ عصمان الشامي ، ذلك برحابة الصدر واستمروا في قتالهم للإيطاليين .

وكان لسان الحال يردد ما قاله الشاعر أحمد الشارف في طرابلس الغرب :

رضينا بحتف النفوس رضينا
ولم نرضي أن يعرف الضيم فينا
ولن نرضى بالعيش إلا عزيزاً
ولانتقي الشربل يتقينا

ولكن ضاقت بهم برقه بما رحبت وقل الزاد والعتاد ، وهُجَّرت معظم قبائل برقة إلى معتقلات الآبيار وسلوق وقمينس والمقرون والعقيلة والبريقة 11 ، وقُتل خلق كثير ونُصبت الأسلاك المكهربة الشائكة للحيلولة بينهم وبين إخوانهم المهاجرين بمصر فانقطعت الإمدادات والأخبار ولم تسلم عائلة الشيخ عصمان الشامي من تلك الابتلاءات فاعتقلت زوجته الأولى واسمها مكاتيب امعيوف وابنهما محمد وسجنوا في معتقل العقيلة الوحشي ، وكان أقارب المجاهدين القادة يراقبون مراقبة شديدة وعلى جانب حاد من القسوة، ثم نفى اثنان من إخوانها وهم من قبيلة الدرسة كما أسلفنا من بيت عادل إلى أوستيكا ، وكانت تلك الجزيرة الثانية بالأرخبيل الإيطالي معروفة بجزيرة الموت البطيء المحتوم ، وبالفعل مات أخوال محمد في جزيرة الموت لا لشيء اقترفوه إلا دفاعاً عن أرضهم وزواج أختهم من الشيخ عصمان أحد قادة المقاومة ، أما الزوجة الثانية ، هويته محمد بريدان من بيت اليتامى في البراعصة ( 1891 - 1996 ) 12 ، وكانت حينها حبلى بابن الشيخ عصمان الشامي ، علي ، التي أسرع الشيخ عصمان في بعثها مع المهاجرين إلى مصر الشقيقة ، وقد توصى بعنايتها في الطريق الشاعر مجيد ، بوفحله من أبناء عمومتها في البراعصة بيت عريف ، وأنجبت ولدها علي في الطريق بمنطقة البطنان الصحراوية وكتب لها ولطفلها الحياة ودخلت مصر واهتم الليبيون في المهجر بعنايتهما في مدينة مربوط الحمام ومن ثم رجعوا إلى ليبيا فيما بعد .

بعد استشهاد القيادات انفرط عقد المقاومة الباسلة في جبل الأخضر وأيقن القادة الباقون بأن الحل يكمن في الاستسلام للجوع وبالتالي الموت . أو اللجوء إلى مصر فاجتمعت قيادات الجهاد بمن فيهم الشيخ عصمان الشامي في 9 ديسمبر 1931 م مع من تمكن من المجاهدين من الحضور ، وقرروا حل " الدور " وتسريح المجاهدين ، تاركين لكل فرد حرية الاختيار ممن أراد أن يلحق بأهله فله ، ذلك ومن أراد الاستمرار ولكن من جبهة أخرى ( مصر ) فعليه أن يلتحق بأحد القادة الثلاثة : عبدالحميد العبار ويوسف بورحيل وعصمان الشامي ، ولم يكن لهم خيارات فليس لهم ما يقاتلوا به ولم يكن لديهم حتى أزهد الطعام بل كانوا يقتاتون الحشائش مع خيولهم والعسل البري ولحم الجرابيع من أجل البقاء لكي يستمروا في التنقل من مكان إلى آخر حتى لا يظفر بهم العدو ، وخلت البلاد من العرب ، حيث جمعت وحبست مجمل قبائل برقة في الشبردق " المعتقلات " .

قرر القادة الثلاث الذين سماهم المجرم "غراسياني " في مذكراته "الفرسان الثلاثة " الهجرة إلى مصر لغرض تجنيد المهاجرين الليبيين والتزود بالعدة والعتاد والعودة بهم إلى أرض الوطن وإخراج الناس من " المعتقلات " وانقسموا إلى ثلاث فرق قادها الفرسان الثلاث .. فقد اشتبك الشيخ البطل " عصمان الشامي " مع الطليان ثم وقع في الأسر جريحاً في عين غزالة وكانت صحته خطرة للغاية وحالته يرثى لها كما يروي "غراسياني" ذلك في كتابه ( برقة الهادئة )، أما الشيخ عبدالحميد العبار والشيخ يوسف بورحيل فقد توجها إلى الحدود المصرية الليبية ، فالشيخ يوسف بورحيل حاصره الإيطاليون بعد ما فطنوا به ، ولجأ إلى مغارة ومعه ثلاثة من المجاهدين وقاتل إلى آخر رمق من حياته حتى لاقى ربه راضيا مرضيا في راضياً مرضيا في 19 ديسمبر 1931 م ، 13 فوصفهم الضابط الإيطالي الذي دخل عليهم في المغارة ووجد مأسورات بنادقهم لازالت ساخنة " إن هؤلاء الرجال قاتوا قتال الأبطال " .

أما الشيخ عبدالحميد فقد صبر واحتسب أمره عند الله تعالى ، ورابط قرب الحدود يتحين الفرصة ، في ذلك الشتاء القارص في العراء بلا غطاء ولا ونس ولا وقاء ، ومرت 6 أو 7 أيام بلا أكل ، حتى ساق الله تعالى إليهم أرنباً أصطادها هو ومن في معيته ، وأكل الشيخ منها ومساعدة أدلاء عيت بالضباع ، قبيلة العوامة ، 14 الذين كانوا عوناً للمجاهدين في قطع الصحراء ، نفذ الشيخ ومن معه بعد محاولات باغت بها الحراس الذين كانوا مدججين بأسلحة فتاكة وأضواء كاشفة لحراسة الحدود ، واستخدموا الأقمشة السميكة لتقليل من قوة التيار الكهربائي الصاعق ، وهشموا كماشة إيطاليا اللاإنسانية لدهشة وغيط الطليان ، ونجي الشيخ ومعه قرابة الخميس 15 من المجاهدين من بينهم قادة ميدانيين استبسلوا حتى نجوا أمثال صالح بو امطير العبيدي وحمد بوخير الله البرعصي ، ودخل هؤلاء الأبطال مصر وبنادقهم على ظهورهم وأمقاصهم بأيديهم ، وكانت تلك صفعة أخرى وجهها المجاهدون لوجه إيطاليا السافر ، وغضب المجرم غراتسياني لفداحة المصاب ، وذلك بخروج عدو لدود وقائد للجهاد وأكبر شهود العيان على بطش وجرائم الحرب المخزية التي ارتكبتها إيطاليا في حق هذا الشعب الأبي .

فخرجوا ودموعهم ساكبة على خدودهم لقتلاهم ومعتقليهم وفراقهم لوطنهم السليب ، وكان الشيخ عبدالحميد العبار في حالة صحية سيئة للغاية ، حيث فقد أكثر من نصف وزنه نتيجة المجاعة التي واجهها هو ورفاقه في الجهاد ، حتى أن أضلع قفصه الصدري السفلي كانت تحك حوض ساقيه ، حيث ملأ جوفه بألياف النخيل الجافة الرطبة التي يتمكن من الوقوف منتصباً ، وتستر بخرق بالية من خيش الخيم ، علماً بأن هذا الرجل الجوعان العريان كان من أثرى أثرياء برقة وأجوادها 16 .

كان وقد سبق أن عين الشيخ عصمان الشامي قائم مقام لدور قبيلتي الدرسة والبراعصة وهذا شرف ناله القليلون ، حيث تزعم رئاسة قبائل عُرف عنها التباهي بمشايخها وشبابها الأبطال ، ومن شمائل الشيخ عصمان شدة البأس ، وقوة الشكيمة ، لا يعرف اللين في التعامل مع الطليان لشدة عزته بإسلامه وعروبته ، مما أعطى مجال أفسح للشيخ عمر المختار في إناطته بالمهام 17 ، وكان أبرزها تصفيته للخونة ، فقد استفتى الشيخ عمر المختار مفتي الدور ، الشيخ محفوظ الورفلي، وكانت فتواه بأن يصفي كل الخونة والمتعاونين مع الطليان من باب درء المفاسد بأقل ثمن بحيث لا يثار رد عنيف من قبائلهم فوقعت المسؤولية على الشيخ عصمان الشامي لكونه عربي فلسطيني ولا ينتمي إلى قبيلة يدوية بعينها ، فهو بالتالي لن يجلب أي نوع من إشارات إذ ما ثارت القبائل ولا تترتب عليه ملاحقات وحروب قبلية كمحصلة وبالفعل قام بدوره على أحسن وجه في مقارعة الطليان وزبانيتهم حتى شهد له المجرم غراتسياني بذلك ، والفضل ما شهدت به العداء .

وقع الشيخ عصمان في الأسر في الكانون / ديسمبر 1931 م جائعاً مريضاً مثخناً بالجراح بعد جولات له مع الطليان أذاقهم فيها مرارة القتال، وأطلق سراحه لتدهور صحته في سنة 1933 م ، وبقى على قيد الحياة تحت مراقبة الإيطاليون حتى توفي في 1938م في ظروف غامضة مما يثير الشك وبأن موته كان مديراً ، لاسيما بعدما عرضت عليه إيطاليا أن يكون مستشاراً لها برتبة ضابط كما كان بين المجاهدين ، ومصاحبة حملتهم العسكرية على الحبشة ولكنه رفض كل الاغراءات المالية رغم كونه فقيراً معدماً ، كما رفض أي تعامل مع المغتصبين بأي شكل من الأشكال .

والشيخ عصمان الشامي استعمل كل ما أوتي من قوة في سبيل الجهاد على أرض ليبيا ، فوظف جاهه وأرضه وممتلكاته في فلسطين لدعم حركة الجهاد في ليبيا . واستغل الشيخ عصمان علاقات الشخصية لدعم المجاهدين وخاصة مع شقيق حزام ، من أبناء فلسطين المسيحيين الذي كانت له استثمارات وأملاك كثيرة في ليبيا في منطقة الحنية ومصنع شفيق الشهير ببنغازي ، علماً بأن هذا الرجل لم يتأتى في دعم المجاهدين بمنح الشيخ عصمان ما أراد ديناً وهو على علم بتصديه للجهاد، ونحيي بدورنا هذا الرجل لما قام به من مخاطرة في دعم الجهاد بطريقة أو بأخرى حتى لانغمط الناس حقوقهم ، فقد استدان ما أحتاجه بعض المجاهدين من شفيق خزام على ضمانة الشيخ عصمان الشامي كما أنه شغل ابنه محمد في مصنعه بعد خروجه من المعتقل .

بعدما أخُرج الشيخ عصمان من المعتقل سنة 1933 م لسوء صحته كان الجوع والحاجة في انتظاره فأعطاه " الشارف الغرياني " غرفة في مقدمة حوش في منطقة البركة في مدينة بنغازي تصلح أن تكون مخزناً أو حانوتاً ، علماً بأن جل الناس مازالوا مشردين . ولم يبخل وجهاء سكان بنغازي من الحضر بالتشرف بمساعدة هذا القاوس المكسور بما جادت به الأنفس ، علماً بأن الرجل مراقب ومعروف عنه كرهه للمستعمرين الطليان.

وعندما ورجعت زوجته هويته البرعصية التي كانت بالمهجر بأن يرتب لهم سكن يليق بالعائلة ، وبالفعل استطاعا أن يتحصلا على قطعة أرض في منطقة البركة بعدما باعت زوجته ما تمتلك من فضة بالإضافة إلى ما درته عليها بعض الأعمال الشريفة التي قامت بها ، وبنوا فيها بيتا صغيراً لضم شمل العائلة حتى يستأنفوا حياتهم في هدوء .

رجع شفيق خزام مطالبا بدينه وكان له شريك يهودي يدعى موخاس ، وخاصما الشيخ فيما أخذ عندما كان يرأس دور المجاهدين وابتزا ابنه محمد الذي كان يعمل في المصنع ، ولكن زوجة عصمان الشامي ، هوينه البرعصية ، ذهبت إلى الشارف الغرياني وأخبرته بالموضوع وأن ما أخذه زوجها لم يكن له ولكن للشهيد عمر المختار وبقية المجاهدين ، وأنها لا تنكر هذه الديون ، ولكن هذا البيت ملك يمينها وليس لزوجها . فاستدعى الشارف الغرياني شفيق خزام واستطلع منه الأمر، وعندما اخبره بأنه إذا أراد الاستمرار في دعواه هذه سيلف حبل المشنقة حول عقه لنه متواطئ مع المجاهدين تماشياً مع المناخ السياسي السائد وحسب قوانين الطليان المعمول بها في البلد.

وأصر شفيق في مخاصمة الشيخ عصمان ، ولعله من تأثير اليهودي ، حتى قايضه بأرضه في بيسان وقال له بإمكانكم دفع الديون بالأرض التي تملكونها في فلسطين . وبالفعل ذهب اليهودي موخاس إلى أبناء عمومة الشيخ عصمان وطلب منهم الأرض مقابل الدين ولكنهم رفضوا . وجاء من فلسطين سليمان الجاد إلى بنغازي ، أبن عم الشيخ عصمان ، وقال له لا تبيع الأرض إلى اليهود وإذا أردت بيعها فما عليك إلا أن تأتي وتبيعها بنفسك إلى العرب ،وأنا إمكاني أن أرتب لك المر عن طريق الإدارة الإنجليزية في فلسطين. وبالفعل تمت جميع الترتيبات اللازمة وسمحت له الإدارة الإيطالية بالسفر مع إجراء بعض الفحوصات الطبية والتطعيم ، ولكن عاجلته المنية ببيته بعد مرض شديد ، ووفاه الأجل في 12 ديسمبر من 1938 م .

وكان من رفاق الشيخ عصمان من المجاهدين الليبيين الذين لجأوا إلى مصر ، ومن سار على دربهم ، لم يهنأ لهم خاطر أو بال ، بل البعض منهم أراد استكمال مسيرته الجهادية طمعا في الشهادة فتطوع قسماً منهم للجهاد في فلسطين المباركة تلبية لصوت الجهاد ووفاءً منهم كما قام به المجاهد البطل عصمان الشامي في ليبيا ، فذهب المجاهد سعيد جربوع ، وكان من المقربين الشيخ عمر المختار ، كما كان من القلائل الذين كانوا بمعية الشيخ عمر المختار عند وقوعه في الأسر ، وجرح دونه وكلنه نجى من الأسر وكذلك المجاهد بلقاسم حفتر الفرجاني والمجاهد حمد بن شعيب ، من قبيلة المغاربة عيت بهيج ، الذي جرح في فلسطين عندما انضم إلى صفوف الفدائيين في جهادهم ضد الإنجليز والصهاينة في فلسطين وكلاهما من أجدابيا 18 والكثير من الليبيين الذين عرفوا في فلسطين الحبيبة بالمغاربة 19 ولم تترك عائلته بدون سند ولا مدد من قبل إخوانهم في ليبيا بل تسابقت القبائل في احتضان أبناءه وتذكيرهم بأن انتسابهم للشيخ عصمان الشامي شرف ما بعده شرف جسد ذلك الشيخ عبدالحميد العبار عام 1962 عندما جاءه علي ، الابن الأصغر للشيخ عصمان ، وكان حينها الشيخ عبدالحميد يرأس مكتب المجاهدين فدخل علي على الشيخ عبدالحميد بعدما أقلت جميع الأبواب في وجهه وكان الناس أن ينسوا جهاد أبيه ، فقال علي مخاطباً الشيخ " يا سيدي عبدالحميد يضيع حقنا ونحن بينكم وأنت ياسيدي عبدالحميد تعرف أبوي وأنا لا أعرفه " وعندما تبين الشيخ عبدالحميد بأن مخاطبه هو ابن ريقه الشيخ عصمان الشامي ، أملى على الفور على سكرتير مكتبه ، معتوق آدم الرقعي ، أن يكتب الآتي : " هذا ابن عصمان الشامي الغني عن التعريف .. والسلام " ثم وقعها وختمها بختمه فما كان على السلطات المعنية إلا أن توشح العائلة بشهادة تقدير وعرفان لجهاد والدهم ، وكذلك وسام شرف الجهاد المقدس اعترافاً لصنيع هذا الفارس البطل .

فلقد كان لرحيل فارس العرب الأثر الكبير وخاصة لعدم رؤياه النصر الذي حققه لاحقاً أبناء ليبيا على الطليان ولعدم رؤياه لفلسطين منذ أن غادرها للجهاد في ليبيا ولكن هكذا يُمكن للأبطال ، ولا تكتب لهم البطولة إلا بعد الابتلاء والتضحية وصدق أحمد شوفي أمير الشعراء في وصفهم عندما رثاهم في شخص الشيخ عمر المختار فقال :

خيرت فاخترت الميت على الطوى
لم تبن جاهاً أو تلم ثراء

فتحية لروح هذا البطل الطاهرة وهي تطل علينا صباحاً مساءً من عليائها لتشاهد قوافل الشهداء مزدحمة على الأقصى ، فرحم الله الشيخ عصمان الشامي ، ورفاقه المجاهدين الذي ألبس الجبل الأخضر حُلي من الكرامة والفخر ، وزين بفروسيته وشجاعته ليبيا وفلسطين بشرف الجهاد المقدس وأسكنه فسيخ الجنات بقدر الدماء التي سالت على أرض ليبيا الطاهرة ولازالت تسيل في فلسطين المقدسة .
هامش :
1. استقيت معظم هذه المعلومات عن الشيخ عصمان الشامي من أبنه الحاج علي عصمان الذي لم يبخل عليّ بأي شي كان بحوزته في عدة لقاءات أجريتها معه سنة 2000 و 2003 م بمكان اقامته في بنغازي .
2. راجع : نجدة فتحي صوفة - مذكرات جعفر العسكري .
3. راجع : جميل عارف - مذكرات عبدالرحمن عزام .
4. مناع ، محمد عبدالرزاق - نزهة بحرية ص 105 .
5. راجع : محمد عبدالسلام الشلماني - شي عن بعض رجال عمر المختار .
6. التليسي - معجم معارك الجهاد ص 14 .
7. مناع - مصدر سابق ص 24 .
8. راجع: انريكودي اغسطيني - سكان برقة (ترجمة وتعليق د. ابراهيم المهدوي ) .
9. نجم . د . فرج عبدالعزيز - شيخ الشهداء وأسد الصحراء عمر المختار ( بحث تحت الإنجاز ) 2001 م .
10. غراتسياني . ردوافو- برقية الهادلة - ص 275 .
11. راجع: د. يوسف سالم البرغثي - المعتقلات الفاشيتية بليبيا.
12. اخبرني المجاهد . سالم دهض بوصفين الدرسي من مواليد 1905 م في لقاء أجريته معه 30 أغسطس 2002 بمنطقة سيدي دخيل بالجبل الأخضر والذي كان أحد جند عصمان الشامي بأن هويته زفها 500 فارس مجاهد في عرس بهيج إلى القائم مقام عصمان وكانت من النساء اللاتي يحملن الراية ويضرن الطبل في ساحات القتال .
13. مناع - مصدر سابق ص 310 .
14. راجع- الشلماني - مصدر سابق .
15. مناع- مصدر سابق ص 310 .
16. نجم . د فرج عبدالعزيز - الشيخ المجاهد عبدالحميد العبار ( بحث تحت الإنجاز ) 2001 م .
17. انظر رسالة عمر المختار إلى عصمان الشامي التي وردت بنصها الكامل في كتاب غراتسياني - برقة الهادئة ص 300 .
18. نجم - مصدر سابق .
19. راجع : السنوسي محمد شلوف- صور من جهاد الليبيين بفلسطين . صالح سعود بويصير - جهاد شعب فلسطين
 
عودة
أعلى