أعلنت الجزائر، عبر لسان وزير خارجيتها أحمد عطاف، ترحيبها بما وصفه بـ"المسار التفاوضي" الذي انطلق مطلع هذا العام لحل نزاع الصحراء تحت إشراف مشترك بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، في تصريح جزائري رسمي جديد يؤكد مرة أخرى وجود تحول في تعاطي الجزائر مع قضية الصحراء، بعد سنوات من التشدد السياسي والدبلوماسي في مواجهة المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
وجاء تصريح عطاف، أمس الأحد، في وقت تعرف فيه مبادرة الحكم الذاتي المغربية زخما دوليا متصاعدا، خاصة بعد القرار الأممي رقم 2797 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 31 أكتوبر 2025، والذي دعا الأطراف الأربعة المعنية بالنزاع، وهي المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا، إلى الانخراط في مفاوضات مباشرة على أساس مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل سياسي نهائي للنزاع.
وقال وزير الخارجية الجزائري إن بلاده "ترحب أيما ترحيب بالمسار التفاوضي الذي تم إطلاقه مطلع هذا العام تحت إشراف مشترك من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية"، مضيفا أن الجزائر شاركت في هذا المسار "بصفتها بلدا مجاورا وطرفا ملاحظا"، إلى جانب موريتانيا.
ورغم أن عطاف حاول الإبقاء على الرواية الجزائرية التقليدية التي تعتبر أن النزاع يهم "المغرب والبوليساريو فقط"، عبر حديثه عن "طرفي النزاع"، إلا أن مضمون تصريحه أظهر اعترافا ضمنيا بالمسار الجديد الذي تبلور بعد القرار الأممي الأخير، والذي بات يضع الجزائر في قلب العملية السياسية باعتبارها أحد الأطراف الأساسية المعنية بالنزاع.
ويعتبر مهتمون بقضية الصحراء أن مجرد حديث الجزائر عن "مسار تفاوضي" تشرف عليه واشنطن إلى جانب الأمم المتحدة، يمثل تغيرا مهما مقارنة بالمواقف السابقة التي كانت ترفض بشكل قاطع أي مقاربة ترتبط بمبادرة الحكم الذاتي المغربية، أو أي دور أمريكي مباشر في الدفع نحو حل سياسي للنزاع.
كما أن تصريحات عطاف جاءت بعد أسابيع قليلة من الخرجة الإعلامية للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي بدا هو الآخر أكثر حذرا في حديثه عن قضية الصحراء، عندما سُئل عن الملف واكتفى بالقول إن هناك "مسارا أمميا يشق طريقه"، دون اللجوء إلى اللغة التصعيدية المعتادة التي دأب عليها في السنوات الأخيرة ضد المغرب ومبادرة الحكم الذاتي.
وكان تبون قد اعتاد في تصريحات سابقة مهاجمة الطرح المغربي والسخرية من مبادرة الحكم الذاتي، في خطاب تزامن حينها مع توتر غير مسبوق في العلاقات المغربية الجزائرية، غير أن النبرة الجديدة الصادرة من أعلى هرم السلطة في الجزائر توحي بوجود مراجعة تدريجية للموقف الرسمي الجزائري.
ويأتي هذا التحول الظاهر في الخطاب الجزائري في سياق دولي متغير، يتميز بارتفاع غير مسبوق في الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، التي أصبحت تحظى بتأييد أكثر من 130 دولة حول العالم، من ضمنها قوى دولية كبرى وأعضاء دائمون في مجلس الأمن الدولي.
كما أن عددا متزايدا من الدول بات يعتبر المبادرة المغربية الحل الوحيد الواقعي والعملي لإنهاء النزاع، وهو ما انعكس في سلسلة المواقف الرسمية التي دعمت بشكل صريح سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مقابل تراجع الاعتراف الدولي بجبهة البوليساريو وما يسمى "الجمهورية الصحراوية"، ولا سيما في الشهور الأخيرة.
ويبدو أن الجزائر، التي وجدت نفسها خلال في الفترة الأخيرة في موقع دبلوماسي صعب بسبب تمسكها بمواقف متشددة لم تعد تحظى بنفس الزخم الدولي السابق، تحاول اليوم إعادة التموضع سياسيا، عبر تبني خطاب أقل حدة وأكثر انسجاما مع التحولات التي يعرفها الملف داخل مجلس الأمن والأوساط الدولية المؤثرة.
وكانت الإدانة الأمريكية الصريحة وغير المسبوقة لجبهة "البوليساريو" بعد هجومها على السمارة هذا الشهر، إحدى المنعطفات البارزة في مسار التعامل الدولي مع ملف الصحراء، إذ وجهت واشنطن تحذيرا من عرقلة مسار المفاوضات، مشددة على أنها تقف ضد إطالة أمد النزاع، وهو ما دفع دولا أخرى لإدانة الهجوم، من بينها فرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا.
وقالت بعثة الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة إن "مثل هذا العنف يهدد الاستقرار الإقليمي والتقدم الذي تم إحرازه نحو السلام"، الأمر الذي فُهم منه أنه موجه أيضا للجزائر، البلد الذي تنطلق منه هجمات "البوليساريو"، كما جددت التأكيد على أن الحل في الصحراء يمر عبر خيار الحكم الذاتي المغربي بالضرورة.
ويقرأ متابعون تصريحات عطاف على أنها محاولة جزائرية للخروج من حالة العزلة السياسية التي بدأت تتعمق مع توالي الاعترافات الدولية بوجاهة المقترح المغربي، خاصة في ظل تنامي القناعة داخل عدد من العواصم الغربية بأن استمرار النزاع يشكل تهديدا للاستقرار الإقليمي في منطقة الساحل والمغرب الكبير.
وفي الوقت الذي شدد فيه وزير الخارجية الجزائري على ضرورة التوصل إلى "حل عادل ودائم ونهائي"، فإنه استند في حديثه إلى القرار الأممي 2797، وهو القرار نفسه الذي يكرس لأول مرة بشكل أوضح مركزية مبادرة الحكم الذاتي المغربية داخل المسار السياسي الأممي.
ويرى مهتمون بالقضية أن الجزائر باتت تدرك أن التطورات الجيوسياسية الإقليمية والدولية لم تعد تسمح باستمرار الجمود السابق، خاصة مع تنامي الرهانات الأمنية والاقتصادية في منطقة الساحل، والحاجة إلى بناء فضاء مغاربي أكثر استقرارا وقدرة على مواجهة التحديات المشتركة.
أعلنت الجزائر، عبر لسان وزير خارجيتها أحمد عطاف، ترحيبها بما وصفه بـ
www.assahifa.com