
الاقتصاد
الحساب الجاري السعودي: لماذا ظهر العجز؟ وما هي خيارات المعالجة؟
صباح نعوش 27 يناير 2026انشر
لتحميل الملف بصيغة pdf يرجى الضغط على الرابطتنزيل
ملخص تنفيذي
خلال الفترة بين 2000 و2023 لم يسجل الميزان الجاري السعودي عجزاً إلا في ثلاث سنوات: في 2015 و2016 بسبب انخفاض أسعار النفط نتيجة الأزمة المالية الآسيوية، وفي 2020 تأثرت هذه الأسعار بسبب تداعيات جائحة كورونا. وعليه، كان الفائض السمة الأساسية لهذا الميزان فبلغ أوج عظمته عندما وصل إلى 173.6 مليار دولار في 2012.منذ 2024 أصبح الميزان الجاري السعودي في حالة عجز. وتتمخض عن هذا العجز نتائج خطيرة إذ أن تمويله يتم عن طريق القروض الخارجية ما يتسبب في ارتفاع المديونية العامة. لذلك، يتعين تحليل الأسباب التي أفضت إلى هذا العجز.
لا شك أن هبوط أسعار النفط في الآونة الأخيرة أدى إلى تراجع الصادرات الذي انعكس مباشرة على الميزان التجاري وبالتالي على الميزان الجاري. لكن هذا الهبوط حدث كذلك في دول الخليج الأخرى دون أن تسجل عجزاً.
يعود انخفاض الفائض التجاري نتيجة تفاعل ثلاثة عوامل: استيراد المعدات والمواد اللازمة لتنفيذ المشاريع الكبرى، الاستجابة لضغوط الولايات المتحدة وتردي مفردات التبادل التجاري. وإلى جانب انخفاض الفائض التجاري هنالك فجوة عميقة في حساب الخدمات رغم تحسن حصيلة السياحة.
أما حساب الدخل الأولي الذي يهتم بدخول رأس المال فقد سجل فائضاً نظراً لأهمية الاستثمارات السعودية بالخارج مقارنة بالاستثمارات الأجنبية بالداخل. لكن هذا الفائض ضئيل ويتجه نحو التناقص.
تكمن المشكلة الكبرى في حساب الدخل الثانوي لا سيما في تحويلات الوافدين حيث بلغ عجز هذا الحساب 54 مليار دولار في 2024. ومن المتوقع أن يستمر بالتصاعد في السنوات المقبلة.
عند جمع هذه الحسابات يتبين بأن فائض الميزان الجاري انتقل من 145 مليار دولار في 2022 إلى 25 مليار دولار في 2023. ثم سجل عجزاً قدره 16 مليار دولار في 2024 الذي تضاعف في 2025. وسوف يستمر ليصل إلى 51 مليار دولار في 2030.
يتطلب التصدي لعجز الميزان الجاري إجراء تعديلات جوهرية على السياسة الاقتصادية السعودية. لابد من زيادة الصادرات غير النفطية. وتقليص الواردات الاستهلاكية، كذلك اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من عجز الميزانية العامة بسبب علاقته القوية بعجز الميزان الجاري.
مقدمة
اعتباراً من 2024 حدث تطور خطير في المالية الخارجية السعودية. أصبح العجز السمة الأساسية للميزان الجاري. لكن لم يعد هبوط أسعار النفط السبب الوحيد لهذا العجز. ففي دول الخليج الأخرى التي تعتمد كالسعودية على العوائد النفطية لم تسجل موازينها الجارية أي عجز، بل بالعكس، فهي في حالة فائض وستستمر كذلك للسنوات الخمس القادمة.يتعين إذن تحليل أسباب هذا العجز بتتبع العناصر الأربعة للميزان الجاري، وهي الميزان التجاري والخدمات وحساب الدخل الأولي وحساب الدخل الثانوي.
ستبدأ هذه الدراسة بمبحث تمهيدي وستفصل تلك العناصر الأربعة للميزان الجاري. ثم تناقش الطريقة المعتمدة لتمويل عجز هذا الميزان. وستخصص فقرتها الأخيرة للمقترحات.
أولاً: توطئة
الميزان الجاري يمثل إيرادات (دائن) ونفقات (مدين) الدولة مع العالم الخارجي كالصادرات السلعية وترحيل أرباح الاستثمارات الأجنبية. وهو يعكس العمليات المالية بين المقيمين وغير المقيمين (بالمفهوم المتعارف عليه دولياُ).لهذا الميزان علاقة وطيدة بالميزانية العامة. في السعودية تتكون إيرادات الميزانية من عدة مصادر لا سيما العوائد النفطية التي تتأتى من الصادرات النفطية للميزان التجاري. وعلى هذا الأساس ترتفع إيرادات الميزانية وتنخفض بارتفاع وانخفاض هذه الصادرات.
وللسعودية صندوق سيادي عملاق (صندوق الاستثمارات العامة) تدرج دخوله ضمن حسابات دخل رأس المال (الدخل الأولي) التابع للميزان الجاري. وهذه الدخول مصدر من مصادر الإيراد العام غير النفطي للميزانية. وهنا كذلك عندما ترتفع دخول الصندوق يتحسن المركز المالي للميزانية وللميزان الجاري، والعكس صحيح.
أما نفقات الميزانية فتنقسم إلى جارية واستثمارية. يتطلب قسط من هذه النفقات استيراد المعدات من الخارج الأمر الذي يؤثر على الميزان التجاري.
رصدت الميزانية العامة اعتمادات قدرها 72 مليار دولار للقطاع العسكري، يتضمن هذا الإنفاق عدة أبواب من بينها الأموال المخصصة لاستيراد الأسلحة. كما تستوجب التنمية الاقتصادية استيراد الأدوات والخبرات والمواد. ازدادت هذه الواردات خاصة في 2023 و2024 و2025 للقيام بالمشاريع المختلفة.
يمثل الجدول التالي (1) مفردات الميزان الجاري وتطورها. يتبين بأن هذا الميزان انتقل من فائض إلى عجز من جهة وبأن حجم هذا العجز يرتفع بصورة متواصلة من جهة أخرى.
| 2030 | 2025 | 2024 | 2023 | 2022 | المؤشر |
| 346.5 | 287.4 | 305.7 | 320.0 | 411.2 | 1- الصادرات السلعية |
| 322.8 | 230.7 | 213.7 | 189.9 | 174.0 | 2- الواردات السلعية |
| 23.7 | 56.7 | 92.0 | 130.1 | 237.2 | 3- الميزان التجاري |
| 28.0- | 44.7- | 62.2- | 60.6- | 54.6- | 4- الخدمات |
| 6.0 | 8.2 | 8.7 | 7.7 | 8.6 | 5- الدخل الأولي |
| 53.2- | 52.7- | 54.7- | 51.3- | 45.7- | 6- الدخل الثانوي |
| 51.5- | 32.5- | 16.2- | 25.9 | 145.5 | 7- الميزان الجاري |
والميزان الجاري = الميزان التجاري + الخدمات + الدخل الأولي + الدخل الثانوي.
ميزان المدفوعات = الميزان الجاري + الحساب المالي + الحساب الرأسمالي + الخطأ والسهو.
في هذا الجدول وفي الجدول التالي المبالغ بمليار دولار. وعلامة الناقص تشير إلى العجز.
أما الجدول الثاني (2) فيوضح حالة الميزان الجاري وخصوصيات السعودية مقارنة بدول مجلس التعاون الأخرى. نلاحظ أن السعودية هي الدولة الوحيدة التي تعاني من عجز هذا الميزان.
| 2030 | 2026 | 2025 | 2024 | 2023 | الدولة |
| 44.8 | 49.6 | 50.0 | 49.2 | 54.8 | الإمارات |
| 1.6 | 1.8 | 2.5 | 2.8 | 2.7 | البحرين |
| 51.5- | 39.0- | 32.5- | 16.2- | 25.9 | السعودية |
| 2.7 | 0.9 | 1.3 | 2.5 | 2.6 | عمان |
| 42.0 | 35.9 | 35.2 | 37.0 | 36.5 | قطر |
| 23.9 | 32.1 | 35.7 | 43.3 | 51.4 | الكويت |
ثانياً: الميزان التجاري
وهو أكبر عناصر الميزان الجاري. ويتناول جميع السلع المصدرة والمستوردة. يتسم بالفائض الذي يتجه نحو التناقص المستمر سنوياً بسبب تراجع الصادرات وارتفاع الواردات.1- تراجع الصادرات
تملك السعودية ثاني أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم بعد فنزويلا. وهي ثاني أكبر بلد منتج للخام في العالم بعد الولايات المتحدة. لذلك، تلعب الصادرات النفطية الدور الأول في الميزان التجاري. وغالباً ما يؤدي انخفاض أسعارها إلى تراجع حصيلتها.
في نهاية يوليو 2022 كان سعر سلة أوبك 110.8 دولاراً للبرميل (3). فوصلت حصيلة الصادرات النفطية إلى 327.0 مليار دولار. ثم انخفض السعر في يوليو 2023 إلى 86.4 دولاراً فهبطت الحصيلة إلى 247.3 مليار دولار. ومرة أخرى تراجع إلى 79.4 دولاراً في يوليو 2024 فانخفضت الحصيلة إلى 223.3 مليار دولار. ثم هبط في يوليو 2025 إلى 70.9 دولاراً. ولا توجد مؤشرات على تحسنه في 2026.
لكن السعودية على خلاف الكويت تعتمد في صادراتها كذلك على مواد غير نفطية كالأدوات الكهربائية ومنتجات الصناعات الكيماوية ومعدات النقل والألمنيوم والذهب والأسلحة. علماً بأن قسطاً من هذه المواد عبارة عن بضائع مستوردة أُعيد تصديرها. في 2024 بلغت حصيلة الصادرات غير النفطية 82.4 مليار دولار.
بكيفية عامة هبطت الصادرات الكلية بصورة كبيرة طيلة الفترة ما بين 2022 و2025. الأمر الذي انعكس مباشرة على الميزان الجاري.
2- ارتفاع الواردات
تستورد السعودية مختلف أنواع السلع المدنية والعسكرية لتلبية حاجاتها المحلية المتزايدة. الأجهزة الكهربائية تقع في المرتبة الأولى حيث تشكل أكثر من ربع الواردات السلعية الإجمالية. ثم تأتي بالمرتبة الثانية وسائل النقل خاصة السيارات. وكذلك منتجات الصناعات الكيماوية والأسلحة والذهب.
وتعتبر الصين أكبر مصدر للسعودية تليها الولايات المتحدة ثم الإمارات فالهند. علماً بأن الصين أيضاً أكبر مستورد للسلع السعودية.
أما من حيث الاستخدامات فقد بلغت الواردات الوسيطة 42.2%. تليها الواردات الاستهلاكية بنسبة 32.0%. ثم الواردات الرأسمالية بنسبة 25.8% (4).
في 2023 بلغت الواردات الكلية 189.9 مليار دولار. وارتفعت إلى 213.7 مليار دولار في 2024 أي بنسبة 12.4%. وبسبب تقهقر الصادرات وتصاعد الواردات انخفض فائض الميزان التجاري فأصبح الميزان الجاري في حالة عجز.
3- مشاكل الميزان التجاري
يعاني هذا الميزان من ثلاث مشاكل:
المشكلة الأولى: المشاريع العملاقة. يعتبر مشروع ذا لاين من أهم المشاريع الاستثمارية في العالم. سيكلف ثمناً باهظاً قُدر بأكثر من 500 مليار دولار لغاية الانتهاء منه في 2030.
يتطلب هذا المشروع استيراد المعدات والمواد، وهو يسهم في زيادة الواردات وبالتالي في تقليص فائض الميزان التجاري لكنه إنتاجي يهدف بالدرجة الأولى إلى تحسين حصيلة السياحة وتوفير فرص عمل إضافية.
المشكلة الثانية: الضغوط الأمريكية. انخفاض فائض الميزان التجاري السعودي لعام 2025 الذي أسهم في عجز الميزان الجاري يتزامن مع السياسة الاقتصادية الأمريكية الحالية التي تهدف إلى معالجة العجز التجاري الأمريكي الهائل. مارست واشنطن ضغوطاً على جميع دول العالم لتحقيق هذا الهدف. رضخت دول الخليج لهذه الضغوط. ووافقت السعودية على زيادة استثماراتها في الولايات المتحدة ووارداتها منها. ستصل قيمة هذه الاستثمارات والواردات إلى ترليون دولار خلال أربع سنوات. مقابل هذه الامتيازات السخية التي تقدمها السعودية لم تمنح واشنطن أي امتياز تجاري للرياض. بل فرضت على الصادرات السعودية للولايات المتحدة رسوماً جمركية إضافية.
الميزان التجاري السعودي مع الولايات المتحدة في حالة عجز منذ عدة سنوات. في 2024 (5) بلغت الصادرات السعودية إلى الولايات المتحدة (السلع والخدمات) 15.0 مليار دولار في حين بلغت الصادرات الأمريكية إلى السعودية 24.4 مليار دولار. ولولا هذا العجز لتعاظم ارتفاع تلك الرسوم.
المشكلة الثالثة: تراجع مفردات التبادل. المشكلة الأساسية في الميزان التجاري لجميع بلدان مجلس التعاون خاصة السعودية تكمن في تراجع مفردات التبادل المتمثلة في العلاقة بين تغير أسعار السلع المصدرة وتغير أسعار السلع المستوردة. فهذه ترتفع وتلك تنخفض.
في السعودية تنخفض أسعار النفط وكذلك أسعار المواد المصدرة المرتبطة به. في حين ترتفع أسعار المواد المستوردة خاصة من البلدان الصناعية. أدى هذا الوضع إلى هبوط مفردات التبادل. قدر صندوق النقد الدولي هذا الهبوط بنسبة 6% في 2024.
بمعنى أن ارتفاع مبالغ الواردات لا يتأتى فقط من كمياتها بل كذلك من أسعارها. يترتب على ذلك تردي القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم والمساهمة في عجز الميزان الجاري.
وفيما يلي نبذة عن تجارة الأسلحة والذهب غير النقدي بسبب خصوصيات هاتين السلعتين.
4- تجارة الأسلحة
تهدف رؤية السعودية إلى “توطين ما يزيد على 50% من الإنفاق العسكري بحلول عام 2030” (6). ويقصد بذلك تقليص الإنفاق المخصص لاستيراد الأسلحة والذخائر. ويتحقق هذا الهدف بالتصنيع العسكري المحلي.
أحرزت السعودية تقدماً في صناعتها العسكرية رغم صعوبة تنفيذ هدف الرؤية. وتتولى التصنيع شركة سامي المملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة. من زاوية أخرى توقفت العمليات العسكرية واسعة النطاق للسعودية في اليمن. أثر هذا التطور الصناعي والعسكري تأثيراً كبيراً على التجارة العسكرية السعودية، انخفضت واردات الأسلحة من 3346 مليون دولار في 2021 إلى 2329 مليون دولار في 2024، كما ارتفعت صادرات الأسلحة خلال هذه الفترة من 94 مليون دولار إلى 337 مليون دولار (7).
انخفضت إذن واردات الأسلحة وارتفعت صادراتها. الأمر الذي أدى إلى هبوط عجز الميزان التجاري العسكري فقد تراجع هذا العجز في تلك الفترة من 3252 مليون دولار إلى 1992 مليون دولار. لكن هذا التراجع لا يلغي أهمية العجز التجاري العسكري الذي يؤثر بشدة على الميزان الجاري. ولا تزال السعودية في قائمة الدول الأكثر استيراداً للأسلحة في العالم.
5- تجارة الذهب غير النقدي
السعودية هي الدولة الخليجية الوحيدة المنتجة للذهب. تستخرج سنوياً نحو 12 طناً من مناجمها خاصة منجم الدويحي. يجدر التفريق بين الذهب النقدي والذهب غير النقدي (يسمى كذلك السلعي أو التجاري).
الذهب النقدي عبارة عن سبائك عالية النقاوة مملوكة للسلطات العامة، وهو بهذا المعنى جزء من الاحتياطي النقدي للبنك المركزي، ولم تزدد كميته منذ عدة سنوات.
أما الذهب غير النقدي الذي يهمنا هنا فهو المملوك للأفراد ويباع ويشترى في المحلات التجارية بغض النظر عن نقاوته.
بسبب التقاليد الاجتماعية الخليجية والتطورات العسكرية في العالم خاصة الحرب الروسية الأوكرانية والعوامل الاقتصادية كانخفاض معدلات الفائدة على العملات الرئيسية كالدولار ارتفع الطلب على الذهب فازداد سعره على نحو غير مسبوق. تصاعد سعر الأونصة من 1792 دولاراً في منتصف ديسمبر 2022 إلى 4343 دولاراً في منتصف ديسمبر 2025. أدى هذا الارتفاع إلى التأثير على تجارة الذهب غير النقدي في السعودية وبالتالي على الميزان التجاري.
في 2022 كانت حصيلة صادرات الذهب السعودي 979 مليون دولار ثم ارتفعت في 2024 إلى 1775 مليون دولار، بالتوازي، ارتفعت واردات هذا المعدن بصورة أكبر فقد انتقلت خلال هذه الفترة من 5119 مليون دولار إلى 7434 مليون دولار (8). وهكذا تسجل تجارة الذهب غير النقدي عجزاً مزمناً أسهم في انتقال الميزان الجاري من فائض إلى عجز.
ثالثاً: عجز حساب الخدمات
يحتوي هذا الحساب على عدة فروع في مقدمتها السياحة والنقل والتشييد. ويعاني الحساب من عجز مزمن وصل إلى أكثر من ستين مليار دولار. بلغ هذا العجز درجة من الأهمية والخطورة بحيث بات يمتص أكثر من ربع الصادرات النفطية.1- السياحة
في السابق كانت خدمات السياحة تعاني من عجز لأن الأموال التي ينفقها السعوديون في الخارج تفوق إيرادات الحج والعمرة. لكن الوضع تغير حالياً بسبب زيادة عدد الحجاج والمعتمرين من جهة والاهتمام المتزايد بالسياحة غير الدينية من جهة أخرى.
ارتفع عدد السياح الأجانب إلى السعودية على نحو كبير خلال السنوات الأخيرة. فقد انتقل عددهم من 18 مليون سائح في 2015 إلى 29 مليون سائح في 2024 (9). وبذلك تسجل السعودية المرتبة العربية الثانية بعد الإمارات من حيث عدد السياح.
وتعد مكة المكرمة المدينة الأكثر زيارة من قبل الأجانب من العرب والمسلمين وبلغ عددهم حوالي عشرة ملايين شخص، في حين لم تستقطب الرياض سوى ثلاثة ملايين شخص. يشير هذا الأمر إلى مدى أهمية الحج والعمرة في السياحة السعودية مع ملاحظة أن السياحة باتت تهم أيضاً معالم أخرى غير دينية. في 2024 بلغت نسبة الزائرين الأجانب لأغراض دينية 41% من مجموع السياح الأجانب أما الأغراض الترفيهية وزيارات الأقارب فتشكل 45%.
يحتل المصريون المرتبة الأولى في السياحة السعودية: 3.2 مليون مصري زاروا السعودية في 2024 ويأتي الباكستانيون في المرتبة الثانية. ينتمي أغلب السياح الأجانب إذن إلى بلدان ذات دخل فردي ضعيف. وبالنتيجة، يجري الاهتمام بجلب سياح لديهم مقدرة مالية عالية، ومشروع ذا لاين مخصص لهذه الغاية تحديدًا.
في 2024 بلغت إيرادات السياحة 40963 مليون دولار، أما الأموال التي أنفقها السعوديون في الخارج فتساوي 27562 مليون دولار، أي أن حساب السفر التابع للخدمات يسجل فائضاً قدره 13401 مليون دولار.
2- النقل
على عكس السياحة يعاني النقل البري والبحري والجوي من عجز كبير. ففي 2024 بلغت حصيلة هذا القطاع 8033 مليون دولار في حين وصلت نفقاته إلى 33002 مليون دولار. أي أن عجز النقل يفوق بكثير فائض السياحة.
3- التشييد
يتعلق بالأموال المخصصة لخدمات تشييد الأبنية والطرق والجسور وغيرها. ازداد الرصيد الدائن لهذه الخدمات من 1654 مليون دولار في 2023 إلى 1874 مليون دولار في 2024. في حين انتقل جانب المدين من 16208 مليون دولار إلى 16097 مليون دولار. هذا البند من الخدمات يعاني من عجز مستمر.
بالنتيجة الإجمالية يسجل حساب الخدمات عجزاً مزمناً يؤثر بشدة على الميزان الجاري. والسعودية من هذه الزاوية تشبه قطر والكويت وعمان، وذلك خلاف حساب الخدمات في الإمارات والبحرين فيسجل فائضاً نظراً للأهمية القصوى للسياحة في اقتصاد هذين البلدين.
رابعاً: تقهقر فائض حساب الدخل الأولي
يتكون هذا الحساب من دخول الاستثمارات السعودية بالخارج المحولة إلى الداخل (الدائن) ودخول الاستثمارات الأجنبية بالداخل المحولة إلى الخارج (المدين). سواء تعلق الأمر بالاستثمارات المباشرة أم باستثمارات المحفظة.1- دخول الاستثمارات السعودية
وهي الموارد التي تحققها المؤسسات السعودية التي لها استثمارات خارجية، وفي مقدمتها صندوق الاستثمارات العامة وأرامكو.
الصندوق السيادي: يتأتى قسط كبير من دخول الاستثمارات السعودية بالخارج من صندوق الاستثمارات العامة. علماً بأن أغلب أنشطته داخلية. بلغت أصول الصندوق 925 مليار دولار (10)، وهو يستحوذ على المركز العالمي السادس والمركز الخليجي الثالث بعد صندوق أبو ظبي والصندوق الكويتي.
ويحصل الصندوق السعودي على أصوله من التحويلات الحكومية وأرباحه وكذلك من القروض.
تعتمد الرياض اعتماداً كبيراً على صندوقها في تنمية إيراداتها وصادراتها وأنشطتها غير النفطية. ولذلك، ينال مكانة كبيرة في رؤية السعودية 2030 ويشكل أحد أبرز برامجها. تستهدف الرؤية وصول أصول الصندوق إلى أكثر من 7 ترليون ريال (11) أي ضعف حجم الأصول الحالية ليصبح (حسب الرؤية) أكبر صندوق سيادي في العالم.
من بين استثمارات الصندوق الخارجية لعام 2024 (12) حصوله على 15% من شركة أن جي بي توبكو وهي الشركة القابضة لمطار هيثرو، استثمار حوالي ثلاثة مليارات دولار في شركة لوسد للسيارات واستثمار في مجموعة سيلفريدجز التجارية.
وتعد الولايات المتحدة أكبر سوق خارجي للصندوق السعودي. ومن المتوقع أن تزداد أهميته بفعل الاتفاقات المبرمة مؤخراً والناجمة عن ضغوط أمريكية.
آرامكو: لهذه الشركة العملاقة استثمارات خارجية في مختلف أنحاء المعمورة، لديها نحو 17.6 ألف محطة وقود خاصة في اليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية (13). وتمتلك الشركة أسهمًا في عدة شركات خاصة تلك التي تهتم بتكرير النفط، فهي تملك كامل حصص مصفاة بورت آرثر الأمريكية التي تعالج النفط السعودي، و61% من أسهم اس اويل الكورية الجنوبية التي تهتم بالبتروكيماويات، و40% من أسهم نفط وغاز باكستان، و22% من أسهم بترورابغ اليابانية التي تختص بالبتروكيماويات (14).
وتقود هذه الاستثمارات إلى تحقيق أرباح تدخل في الرصيد الدائن لحساب الدخل الأولي التابع للميزان الجاري.
2- دخول الاستثمارات الأجنبية
في عام 2025 بلغ المجموع الكلي لأصول الاستثمارات الأجنبية في السعودية 1087 مليار دولار، موزعة على قسمين هما الاستثمارات المباشرة وقدرها 273 مليار دولار واستثمارات المحفظة بمبلغ 814 مليار دولار (15).
الاستثمارات المباشرة: تهتم بالصناعات التحويلية بالمقام الأول، وتأتي الاستثمارات في التجارة بالمرتبة الثانية ثم الأنشطة المالية فالنقل، ومن حيث توزيعها الجغرافي تستحوذ المنطقة الشرقية على 41% من الاستثمارات المباشرة ثم تأتي الرياض في المرتبة الثانية ثم مكة المكرمة فالمدينة المنورة.
يتولى تنظيم هذه الاستثمارات نظام الاستثمار لعام 2024 الذي ينص (16) على المساواة بين المستثمر السعودي والمستثمر الأجنبي في المعاملات الإدارية، وعلى عدم جواز مصادرة أموال الأجنبي إلا بحكم قضائي مقابل تعويض عادل. كما يقضي بحرية تحويل رأس المال والأرباح إلى الخارج دون تأخير.
لكن حرية الأجنبي في اختيار النشاط الاستثماري مقيدة. لأن هنالك ميادين لا يجوز له مزاولتها ومنها ما يلي: صناعة الأسلحة والقطاع العقاري في مكة المكرمة والمدينة المنورة وخدمات الحج والعمرة.
ترتبط هذه الاستثناءات بالدين والأمن القومي لكن هذا المنع غير مطلق. إذ يمكن للأجنبي أن يقدم طلباً إلى هذه اللجنة المختصة للسماح له بمزاولة النشاط المستثنى (17).
بلغت دخول الاستثمارات الأجنبية المباشرة المحولة إلى الخارج 8362 مليون دولار في 2023 وهبطت إلى 7755 مليون دولار في 2024.
استثمارات المحفظة: بلغتأرباح الاستثمارات الأجنبية في الأسهم والسندات 9810 مليون دولار في 2023 و13126 مليون دولار في 2024. بمعنى أن مبالغ الأرباح المحولة للخارج من قبل هذه الاستثمارات تعادل حوالي ضعف أرباح الاستثمارات المباشرة المحولة للخارج.
انتقلت دخول الاستثمارات السعودية في الخارج المحولة إلى الداخل من 25938 مليون دولار في 2022 إلى 39567 مليون دولار في 2024 نتيجة توسيع أنشطة الصندوق السيادي. كما انتقلت خلال هذه الفترة دخول الاستثمارات الأجنبية في السعودية المحولة للخارج من 17337 مليون دولار إلى 30857 مليون دولار، بمعنى أن الدخل الأولي في حالة فائض. وحسب توقعات صندوق النقد الدولي سوف يستمر الفائض في السنوات القادمة لكن حجمه سينخفض إلى ستة مليارات دولار في 2030 (18). مما يؤثر سلبياً على الميزان الجاري.
خامساً: عجز حساب الدخل الثانوي
على عكس الدخل الأولي يتسم الدخل الثانوي بالعجز. ويضم هذا الحساب نفقات الحكومة في الخارج وتحويلات العمال الأجانب المقيمين بالسعودية.النفقات الحكومية: وهي مصروفات الحكومة في الخارج، ومنها نفقات البعثات الدبلوماسية والمساهمات المالية في المنظمات الدولية. خلال العام 2024 أنفقت الحكومة 3985 مليون دولار.
ضخامة تحويلات العمالة الوافدة: يقدرالعدد الكلي للعمال في السعودية بنحو 14.2 مليون شخص موزعين على 4.1 مليون سعودي و10.1 مليون أجنبي.
يعمل الوافدون في مختلف ميادين السلع وقطاع الخدمات كالبناء والطاقة والصحة والتعليم وغيرها. وتعد السعودية ثاني أكبر بلد في العالم بعد الولايات المتحدة في حجم الأموال التي يحولها الأجانب إلى بلدانهم الأصلية. ارتفعت هذه التحويلات من 38056 مليون دولار في 2023 إلى 45682 مليون دولار في 2024 أي بنسبة عالية قدرها 20%. وتنجم عن عدة عوامل منها تحسن الحالة المعيشية للوافدين وتزايد الطلب عليهم بسبب الاستثمارات الداخلية في المشاريع العملاقة.
يتبين ثقل هذه التحويلات على الاقتصاد السعودي من خلال الملاحظات التالية:
في 2012 كان من اللازم رصد 9.0% من حصيلة الصادرات النفطية لتمويل تحويلات العمالة الوافدة، وهي نسبة عالية. أي أن من بين كل عشرة براميل مصدرة يتعين تخصيص حوالي برميل لدفع فاتورة تحويلات الوافدين. في 2024 تصاعدت النسبة إلى 20.4% وأصبحت هذه التحويلات تمتص حصيلة برميل من مجموع خمسة. وتمخضت هذه الزيادة عن تفاعل عاملين في آن واحد: ارتفاع حجم التحويلات وانخفاض حصيلة المبيعات النفطية.
كما يتبين بأن تحويلات العمال الوافدين لمدة ثلاثة أشهر فقط تعادل حصيلة الحج والعمرة لمدة سنة.
يتضح من هذه الملاحظات مدى ضخامة تحويلات الوافدين علماً بأنها تقتصر على الأموال التي يتم تحويلها عن طريق المؤسسات المصرفية كمكاتب الصرف. في حين هنالك قسط آخر من الأموال يُحول بطرق شخصية خارجة عن نطاق هذه المؤسسات.
أدت تحويلات العمال الوافدين إلى التأثير سلبياً وبصورة قوية على الميزان الجاري حيث أسهمت مساهمة فاعلة في انتقاله من فائض إلى عجز.
سادساً: تمويل العجز
العجز سواء في الميزانية العامة أم في الميزان الجاري يعني ببساطة أن الدولة تنفق أموالاً تفوق إمكاناتها وأن استهلاكها يتجاوز إنتاجها. عندئذ تظهر مشكلة التمويل.يتأتى الاحتياطي النقدي للبنك المركزي من فائض ميزان المدفوعات. يزداد هذا الاحتياطي بفعل الفائض وينخفض في حالة العجز. لكن هذا الانخفاض لا يحدث إذا قررت السلطات العامة تغطية العجز بمصدر آخر.
عمليًا، سجل ميزان المدفوعات السعودي عجزاً حتى عندما كان الميزان الجاري في حالة فائض. ومن باب أولى يرتفع عجز ميزان المدفوعات عندما يسجل الميزان الجاري عجزاً. رغم ذلك، لم ينخفض الاحتياطي النقدي السعودي في جميع الحالات وعلى مر السنوات الخمس الماضية. بل بقي على مستواه وهو 450 مليار دولار. هذا يعني أن الدولة تفضل اللجوء إلى الاقتراض الخارجي بدلاً من السحب من الاحتياطي النقدي.
ولكن لماذا يفضل السعوديون الاستدانة بدلاً من هذا السحب؟
كما هو الحال في دول مجلس التعاون تعتمد السياسة النقدية السعودية على نظام الصرف الثابت. أي لا يتغير سعر صرف الريال مقابل الدولار. يتطلب هذا النظام تدخل البنك المركزي للدفاع عن هذه القيمة التعادلية، والاحتياطي النقدي هو الوسيلة الدفاعية الأساسية، فعندما يزداد الطلب على الدولار يتولى البنك زيادة عرضه ليتوازن مع الطلب.
السحب من هذا الاحتياطي لغرض تمويل عجز ميزان المدفوعات يقود إلى انخفاض حجم هذا الاحتياطي وما يترتب على ذلك من صعوبة تطبيق نظام الصرف الثابت.
ومن زاوية أخرى السحب من الاحتياطي النقدي يقود بالضرورة إلى تقليص حجمه، وقد يصل إلى مستويات منخفضة خلال فترة قصيرة. والانخفاض على هذا النحو يعطي إشارة واضحة وصريحة وسريعة إلى المتعاملين التجاريين والمستثمرين بتراجع قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها المالية. عندئذ، يهبط التصنيف الائتماني للدولة.
اللجوء إلى الاقتراض الخارجي بدلاً من السحب من الاحتياطي أسهم في عدم هبوط تصنيف السعودية رغم تدهور حالة الميزانية العامة والميزان الجاري. حصلت الرياض على درجة (A+) من وكالة فيتش ووكالة ستاندرد اند بورز (19). وهي نفس الدرجة الممنوحة لليابان وأسبانيا والصين.
أمام هذا الوضع لم ينخفض الاحتياطي النقدي لكن الديون الخارجية تصاعدت بسرعة.
لا شك أن الديون قد تقود كذلك إلى تخفيض التصنيف الائتماني لكن الوكالات العالمية لا تتخذ قراراً بشأنها إلا إذا وصلت إلى نسبة عالية من الناتج المحلي الإجمالي. ولم تصل السعودية إلى هذه النسبة حتى الآن.
أدخلت المديونية مالية الدولة الخارجية في حلقة مفرغة: عجز ميزان المدفوعات متأثراً بالميزان الجاري أدى إلى اللجوء إلى القروض الخارجية. أفضت هذه القروض إلى تزايد المديونية الخارجية، فارتفعت الفوائد المترتبة عليها. هذا الارتفاع يعني زيادة نفقات حسابات ميزان المدفوعات وتؤدي هذه الزيادة إلى عجز جديد الذي يستوجب الاقتراض مرة أخرى. وهكذا تتراكم الديون.
لماذا تستدين الدولة؟ في حين تملك صندوقاً سيادياً عملاقاً تصل أصوله إلى حوالي ترليون دولار. لماذا لا تسحب من هذه الأصول؟ تختلف السعودية من هذه الزاوية عن الكويت كلياً. لا يجوز قانوناً للحكومة الكويتية السحب من الصندوق السيادي لتمويل العجز في حين لا يوجد مثل هذا المنع في السعودية.
رغم ذلك، لا تلجأ الرياض للسحب من أصول صندوقها لسببين:
السبب الأول: يتعارض هذا السحب صراحة مع رؤية السعودية 2030 التي تدعو إلى زيادة هذه الأصول ليصبح أكبر صندوق سيادي في العالم.
السبب الثاني: أن نسبة الأرباح في استثمارات الصندوق تفوق أسعار الفائدة في القروض.
ترتبط المشكلة الأساسية بتفاعل ثلاثة مؤشرات: مدة العجز الجاري وأسبابه وحجم الديون.
برز عجز الميزان الجاري في السعودية في 2024 وسوف يستمر لفترة طويلة، وهو يختلف عن العجز الطارئ الذي حدث في 2020 بسبب وباء كورونا، من المتوقع أن يرتفع العجز سنوياً من 16.2 مليار دولار في 2024 إلى 51.5 مليار دولار في 2030.
يأتي هذا العجز المتزايد من ارتفاع الواردات التي لا تسهم في التنمية الاقتصادية كالسيارات والأسلحة والذهب، بمعنى أن قسطاً من القروض الخارجية يمول مصروفات غير إنتاجية.
أما الديون الحكومية الخارجية التي كانت هامشية قبل 2015 فقد ازداد حجمها من 27 مليار دولار في 2016 إلى 143 مليار دولار في نهاية سبتمبر 2025 (20).
تفاعل هذه المؤشرات الثلاثة يشكل أحد علامات أزمة مالية قادمة، خاصة وأن التمويل بالقروض لا يقتصر على ميزان المدفوعات بل يشمل أيضاً الميزانية العامة التي تسجل عجزاً منذ عدة سنوات. تمخض عن هذا العجز ارتفاع المديونية العامة الداخلية والخارجية حتى بلغت 391 مليار دولار في الربع الثاني من 2025.
الميزانية العامة حتى قبل ميزان المدفوعات تدور كذلك في حلقة مفرغة، يؤدي العجز إلى الاقتراض، والاقتراض يعني تزايد الفوائد المترتبة عليه. وهذه الفوائد صورة من صور تزايد الإنفاق العام، وهذه الصورة تسهم في تفاقم العجز وهكذا.
لغاية 2015 لم يؤثر العجز المالي من زاوية التمويل على مالية الدولة الخارجية. لسبب واحد وهو أن القروض كانت كلها داخلية، ولغاية ذلك التاريخ لم تكن على السعودية ديون خارجية تستحق الذكر. لكن الدولة لجأت إلى الاقتراض الخارجي منذ 2016 فارتفعت مديونيتها، وهذا التاريخ يمثل السنة الأولى لتطبيق رؤية السعودية 2030.
نستنتج من هذا التطور أن هذه الرؤية أجرت تعديلاً جوهرياً على السياسة المالية. لم يعد العجز يمول عن طريق السحب من الاحتياطي النقدي بل بواسطة القروض. لذلك، ارتفعت مديونية الدولة الداخلية والخارجية ولا توجد في برنامج “تحقيق التوازن المالي” وهو أحد أبرز برامج هذه الرؤية إشارة إلى ضرورة الحد من تفاقم الديون الخارجية.
سابعاً: ما العمل؟
لمعالجة عجز الميزان الجاري دون تفاقم الديون الخارجية والسحب من الاحتياطي النقدي أو من الصندوق السيادي يتعين العمل باتجاهين متلازمين: الميزان الجاري والميزانية العامة.1- الميزان الجاري
إن أفضل وسيلة لسد فجوة هذا الميزان هي الاهتمام بالصادرات غير النفطية. وفي هذا الصدد، بذلت الرياض جهوداً قيمة لابد من مواصلتها وتطويرها. ينبغي التركيز على رفع القدرة التنافسية للسلع السعودية أمام السلع الأجنبية المماثلة سواء في السوق المحلية أم في السوق الخارجية. ويتطلب هذا تقليص تكلفة الإنتاج باستخدام التكنولوجيا. كما يجب تقليص الواردات غير الضرورية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتي تعادل ثلث الواردات الكلية.
لتحقيق هذا التقليص يستحسن إعادة النظر في التعريفة الجمركية، إذ تبدو زيادة الرسوم الجمركية على السلع الاستهلاكية ضرورية لتشجيع التصنيع المحلي من جهة وللحصول على إيرادات عامة إضافية من جهة أخرى. بطبيعة الحال تستوجب هذه الزيادة موافقة الاتحاد الجمركي الخليجي.
وفي ميدان حساب الخدمات لابد من معالجة عجزه المزمن. يمكن الاستفادة من تجربة الإمارات التي حققت نتائج إيجابية حيث يسجل حساب الخدمات فيها فائضاً يزداد باستمرار بفعل حصيلة السياحة والنقل.
كما تستوجب معالجة العجز الجاري زيادة دخول استثمارات الدولة في الخارج لا سيما دخول صندوق الاستثمارات العامة.
وبالفعل ارتفعت أصول الصندوق بصورة كبيرة خلال فترة قصيرة لكن قسطاً من هذه الزيادة صوري فقط لا يتعدى نقل الأصول من مؤسسة تابعة للحكومة إلى مؤسسة أخرى تابعة لها أيضاً.
في السابق كانت السعودية تمتلك صندوقين: البنك المركزي السعودي وصندوق الاستثمارات العامة. في 2023 قررت دمج الاستثمارات الخارجية للبنك بأصول الصندوق.
وفي نفس السياق قررت الحكومة في 2024 نقل 8% من أسهم أرامكو إلى صندوق الاستثمارات العامة.
وهكذا ارتفعت أصول الصندوق دون أن ترتفع دخول الاستثمارات السعودية في الخارج.
وعلى هذا الأساس، يتعين ألا يقتصر هدف الرؤية على زيادة الأصول بل يجب أن يشمل أيضاً زيادة الدخول. عندئذ، يتحسن فائض حساب الدخل الأولي فينخفض عجز الميزان الجاري.
وفيما يخص تحويلات الوافدين ظهرت في السعودية مقترحات تدعو إلى استخدامها في التنمية الاقتصادية بدلاً من ترحيلها إلى الخارج. قد يقود هذا الاستخدام إلى نتائج إيجابية لكن على نطاق ضيق لأن الهدف الأساسي لغالبية العمال الأجانب تحويل قسط من دخولهم لمواجهة متطلبات الحياة اليومية لذويهم.
أما الضريبة فتؤدي إلى تقليص حجم تحويلات الوافدين فينخفض عجز حساب الدخل الثانوي، لكن هذه الضريبة تشجع على التحويل بطرق غير مصرفية. كما أن ضخامة مبالغ التحويل لا تبرر بذاتها مثل هذه الضريبة لأن مبادئ العدالة والإنصاف تتعارض معها خاصة وأن دخل الأجنبي الوافد على عكس دخل السعودي يخضع لضريبة الدخل بسعر نسبي مرتفع.
يجب أن تعتمد معالجة تحويلات الوافدين على التوفيق والربط بين المؤشرات التالية: طلب متزايد على العمالة بفعل المشاريع الجديدة، بطالة السعوديين خاصة الشباب وحملة الشهادات الجامعية والعادات الاجتماعية في ميدان العمل.
2- الميزانية العامة
لمعالجة عجز الميزان الجاري لابد من التصدي بحزم لعجز الميزانية العامة نظراً للعلاقة بينهما كما رأينا.
انخفاض النفقات العامة في الميزانية يقود إلى تقليص الواردات فيتحسن مركز الميزان التجاري.
أما من زاوية الإيرادات فيتعين هنا أيضاً زيادة الرسوم الجمركية. عندئذ ترتفع الإيرادات العامة فيتقلص عجز الميزانية وتنخفض الواردات فيرتفع فائض الميزان التجاري.
خاتمة
يتكون الميزان الجاري السعودي من أربعة حسابات: حسابان يسجلان فائضاً يتناقص تدريجياً وهما الميزان التجاري والدخل الأولي. وحسابان في حالة عجز يتزايد باستمرار ويفوق هذا الفائض وهما الخدمات والدخل الثانوي.وهكذا انتقل الميزان الجاري من الفائض إلى العجز اعتباراً من 2024، وهو انتقال سريع من جهة وسيستمر عدة سنوات من جهة أخرى.
دون شك، يلعب هبوط الصادرات النفطية لأسباب ترتبط بالسوق دوراً بارزاً في هذا الانتقال لكن هذا العامل الخارجي ليس الوحيد. هنالك حسابات في حالة عجز دون أن تكون لها علاقة مباشرة بالسوق النفطية، كما أن دول الخليج الأخرى التي تعتمد كالسعودية على الصادرات النفطية لم تشهد مثل هذا الانتقال بل لا تزال موازينها الجارية في حالة فائض.
يترتب على عجز الميزان الجاري السعودي تداعيات خطيرة، ومن أهمها ارتفاع غير مسبوق للديون الخارجية من حيث حجمها ومن حيث نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي، تباطؤ النمو، ركود الاحتياطي النقدي بل وانخفاضه، تزايد البطالة، تفاقم عجز الميزانية، تصاعد التضخم وهبوط التصنيف الائتماني للدولة.
لا شك ان الفائض الجاري لا يعني بالضرورة تراجع المديونية. في 2022 كان الفائض الجاري مرتفعاً ولم تنخفض المديونية لكن عجز الميزان الجاري الذي يؤثر سلبياً وبصورة مباشرة على ميزان المدفوعات يفضي حتماً إلى تزايد الديون.
لذلك لابد من التصدي لهذا العجز عن طريق التأثير على جميع حسابات الميزان الجاري دون إنقاص الاستثمارات.
كما يجب معالجة عجز الميزانية العامة عبر تقليص الإنفاق غير الإنتاجي كبعض المصروفات العسكرية وزيادة الإيرادات غير النفطية كفرض ضريبة تصاعدية على دخول السعوديين (المرتفعة وليس الطبقتين الفقيرة والمتوسطة). عندئذ، تصبح مالية الدولة الداخلية والخارجية سليمة ورشيدة، وينعكس ذلك على جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية فيتحسن مستوى معيشة المواطنين.
المراجع
1- أعد الباحث هذا الجدول لغرض هذه الدراسة انطلاقاً من النشرة الإحصائية الشهرية سبتمبر 2025 الصادرة عن البنك المركزي السعودي للسنوات 2022 و2023 و2024. الصفحتان 121 و122. وتقرير صندوق النقد الدولي رقم 223\25 الصادر في أغسطس 2025 للسنتين 2025 و2030.2- الجدول تركيب أعده الباحث لغرض هذه الدراسة. أرقام الجدول مذكورة في التقارير الأخيرة لصندوق النقد الدولي الخاصة بكل دولة والمتعلقة بمشاورات المادة الرابعة.
3- https://www.opec.org/opec-basket-price.html
4- الهيئة العامة للإحصاء. إحصاءات التجارة الدولية لعام 2024. الواردات حسب استخدام المواد.
5- Office of the United States Trade Representative. Saudi Arabia
6- وثيقة رؤية السعودية 2030. الصفحة 46.
7- الهيئة العامة للإحصاء. إحصاءات التجارة الدولية لعام 2024. الصادرات والواردات حسب الأقسام.
8- البنك المركزي السعودي. النشرة الإحصائية الشهرية. مرجع سابق. الجدول رقم 2.
9- https://datasaudi.sa/ar/sector/tourism#about
10- https ://www.swfinstitute.org/fund-rankings/sovereign-wealth-fund
11- وثيقة الرؤية. الصفحة 45.
12- التقرير السنوي لصندوق الاستثمارات العامة لعام 2024. الصفحات من 77 وإلى 80.
13- آرامكو السعودية. التقرير السنوي لعام 2024.الصفحات 51-53.
14- آرامكو السعودية. التقرير السابق.
15- البنك المركزي السعودي. النشرة الإحصائية الشهرية المذكورة أعلاه.
16- المادة الرابعة من نظام الاستثمار لعام 1446 ه 2024 م الذي حل محل نظام الاستثمار الأجنبي لعام 1421 ه.
17- المواد 16 وما بعدها من اللائحة التنفيذية لنظام الاستثمار. 7 فبراير 2025.
18- IMF. Saudi Arabia. 2025 Article IV consultation. August 2025. Page 46.
19- https://www.fitchratings.com/entity/saudi-arabia-81688867#ratings
20- هذه الأرقام مذكورة في موقع المركز الوطني لإدارة الدين. التقارير والإحصاءات.
#إيران