• سوف يخضع الموقع لعملية ترقية شاملة و قد لاتعمل بعض الخصائص الا بعد الانتهاء من الترقيه بشكل كامل

أبستين والحيلة القديمة.....شجرة الخلد وملك لايبلى.

إنضم
24 ديسمبر 2017
المشاركات
3,060
التفاعل
8,631 119 9
﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ﴾
بهاتين الكلمتين اختصر إبليس أقدم فتنة عرفها الإنسان: الخلود والملك الدائم.


وما بين آدم وآخر الزمان، لم تتغيّر الرغبة، إنما تغيّرت الوسائل.


1770556538530.jpeg

1) شجرة الخلد: هوس البقاء ومحاولات كسر الموت​


وعد إبليس آدم بما يمس أعمق خوف في النفس: الفناء. ومنذ ذلك اليوم، سعى البشر إلى الخلود بكل صورة:


  • الأساطير القديمة: جلجامش بحث عن عشبة الخلود، وملوك الشرق والغرب طاردوا “إكسير الحياة”.
  • الخيمياء: انشغل الخيميائيون قرونًا بمحاولة تحويل المعادن إلى ذهب، لا طلبًا للثروة فقط، بل أملًا في مادة تُطيل العمر أو تمنح خلودًا جسديًا.
  • الطقوس والقرابين: في حضارات متعددة، قُدِّمت تضحيات بشرية بزعم استرضاء قوى غيبية تمنح الحياة أو تؤخّر الموت.
  • العصر الحديث: تغيّر الاسم وبقي الوهم؛ صار الخلود يُسوَّق باسم “العلم المطلق” أو “الهندسة الحيوية” أو “إطالة العمر بلا نهاية”، مع أن الحقيقة لم تتبدّل: كل حيّ فانٍ وقد استغل أبستين ومن خلفه خوف الإنسان من الموت ورغبته في الحياة.


وجاء القرآن قاطعًا لكل ذلك:
﴿أفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾
سؤال استنكاري يهدم الأسطورة من أصلها. إن لم يُخلَّد محمد ﷺ—خير الخلق—فلن يُخلَّد بشر في هذه الدار.



2) ملك لا يبلى: حلم السلطان الدائم وخديعة السيطرة​


لم يكن الوعد بالخلود وحده، بل قرنه إبليس بـ ملك لا يبلى؛ سلطة لا تزول ولا تُحاسَب:


  • الملوك والطغاة: شُيّدت إمبراطوريات على وهم الدوام، وسُنّت قوانين لتأليه الحاكم أو تخليده، ثم سقط الجميع وبقيت العبرة.
  • الخيمياء والسياسة: امتزج حلم الخلود بحلم السيطرة؛ ذهبٌ لا ينفد يعني جيشًا لا يُقهَر، وعمرٌ طويل يعني حكمًا بلا نهاية.
  • الواقع المعاصر: تتبدّل الأدوات—اقتصاد، إعلام، تقنية—لكن الغاية واحدة: تثبيت ملكٍ لا يبلى. والنتيجة واحدة أيضًا: زوال.

والقرآن يردّ الردّ الحاسم:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾
فلا ملك يدوم، ولا سلطان يبقى، ولا جسد ينجو من النهاية.



شجرة الخلد وملك لا يبلى خديعتان متلازمتان؛ الأولى تغذّي خوف الموت، والثانية تُغري بالسيطرة وحب الملك.

حاول البشر عبر الأساطير والخيمياء والطقوس والتقنية كسر سنّة الفناء، فخاب المسعى وبقي الوعد الإلهي:

الخلود الحق ليس في الدنيا.

من وعى ذلك، سلِم من الخديعة الأولى، ووجّه شوقه إلى ما وُعِد به صدقًا، لا إلى وهمٍ يتكرر منذ فجر التاريخ.

الخلود في الدنيا—لو فُرض وقوعه—ليس نعمة، بل لعنة صِرفة. ولأجل ذلك لم يمنحه الله بشرًا، بل جعله عقوبة لإبليس؛ فكان خالدًا ليشهد الفناء، لا لينجو منه. عاصر موت كل قريب، واندثار كل جيل، وتبدّل كل زمان، حتى صار الخلود نفسه باب عذاب مفتوح لا يُغلق.

الخلود كلعنة: أن تبقى لتفقد

الموت—على قسوته—رحمة؛ يضع حدًّا للألم، ويُطفئ تراكم الفقد. أما الخلود الدنيوي فيحوّل الإنسان إلى شاهد أبدي على الانكسار:

يرى الأحبة يرحلون واحدًا واحدًا.

يرى المدن تُبنى ثم تُمحى.

يرى القيم تتبدّل، والعهود تُنقَض، ولا يملك نهاية تريحه.


لهذا كان إبليس خالدًا لا ليهنأ، بل ليُستنفَد في الحسرة؛ خلود بلا سكينة، وبقاء بلا معنى.

تمني الموت: حين يغدو الفناء أمانًا

من هنا نفهم صرخة الشعراء حين قال بعضهم:
«ألا موتٌ يُباعُ فأشتريه»
ليست نزوة يأس، بل إدراك فطري أن الفناء—عند انسداد الأفق—يصير أهون من بقاءٍ لا يُحتمل. الموت يساوي بين الناس، ويغلق حساب الألم، ويمنح نهاية عادلة لرحلة شاقة. أما الخلود في الدنيا فيُطيل الحساب بلا قفل، ويضاعف الوجع بلا خاتمة.

الحكمة الإلهية

حُرِم البشر الخلود في الدنيا رحمةً بهم، ووُعِدوا بخلودٍ آخر عدلاً لهم؛ خلود لا فناء فيه ولا فَقْد، حيث لا يُساق البقاء ليكون أداة عذاب. لذلك كان الوعد الإلهي قاطعًا: الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر. ومن طلب الخلود هنا، فقد أخطأ العنوان؛ ومن فهِم ذلك، استراح قلبه من وهمٍ قديم، وسلِم من لعنةٍ لو أُعطيت لكانت أشد من كل بلاء.
 
الموت....
الفناء....

تلك المطرقة الثقيلة التي تتحطم تحتها الآمال وزهوة الملك

إلا لمن أيقن

"وللآخرة خير لك من الأولى"

فاعمر تلك الدار "ولاتنس نصيبك من الدنيا"

البس الجديد
واملك ماشئت من الحلال
وقم ونم
وصم وافطر
واستطب عيشتك مع النساء.


ولاتنس الله
 
الواقع المعاصر: تتبدّل الأدوات—اقتصاد، إعلام، تقنية—لكن الغاية واحدة: تثبيت ملكٍ لا يبلى. والنتيجة واحدة أيضًا: زوال.
أنماط تتكرّر عبر التاريخ.. ولنا منها العِبر
بارك الله فيك وجزاك كل خير على الموضوع.
 
عودة
أعلى