تمرد العسكر على العسكر في السودان ,,, ماهو التفسير؟

عيّن «مجلس السيادة» الانتقالي في السودان مديرا جديدا لجهاز المخابرات العامة إثر إعلان «استقالة» المدير السابق وذلك بعد أحداث جرت قبل أيام في أربعة مواقع للجهاز المذكور في العاصمة الخرطوم ومدينة الأبيض غرب البلاد حين قامت وحدات أمنيّة بإغلاق طرق وإطلاق نار احتجاجا على تعويضات إخراجهم من الخدمة، أغلقت السلطات إثرها المجال الجوّي البلاد وهاجمت الجنود المحتجين بطائرات حوّامة فوقع تسعة قتلى بين عسكري ومدني واستسلم عشرات العناصر الباقين.

يتعلّق الأمر بقرار «مجلس السيادة» بتصفية وحدة قتاليّة كبيرة تابعة لجهاز المخابرات المذكور يقدر عديدها بـ15 ألف جنديّ، وتسريح أعضائها ومنحهم «التعويضات المالية المناسبة»، وهو أمر كان الجنود سيرضخون له بطبيعة الحال رغم أن القرار، بحسابات الدول الريعيّة، يعني إحالتهم إلى البطالة، وربما كان الاحتجاج، بالطريقة التي حصل فيها، أمرا طبيعيا أيضاً فالاحتجاج من طبائع الإنسان، حتى لو كانت خسارة المعركة فيه مؤكدة.

يتعلّق الأمر، من ناحية أخرى، باتجاه لمركزة القوى العسكرية السودانية، وبعد إخراج صلاح قوش، مؤسس تلك الوحدة العسكرية لـ«هيئة المعلومات»، من توازنات القوى العسكرية في السودان، وصار مصير تلك القوة العسكرية، بالتالي، محتوما.

بعد تلك الحادثة اتهم نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، وقائد «قوات الدعم السريع»، الفريق محمد حمدان دقلو (المشهور بـ«حميدتي»)، صلاح قوش بالمسؤولية عن التمرد، مشيرا أيضا إلى ضلوع قيادات «النظام البائد» في الأحداث بغرض خلق حالة تهدف لزعزعة الاستقرار والفوضى.


يثير هذا الاتهام والتحليل الجدل، فجهاز المخابرات خلال قيادة قوش المذكور، كان مسؤولا أيضا عن «قوات الدعم السريع»، كما أنه لولا تعاونه مع «حميدتي» و«قيادة الجيش» السوداني، لما نجحت عملية خلع أحمد عمر البشير، الرئيس السوداني السابق، وإذا كانت «هيئة المعلومات» من قيادات «النظام البائد»، فإن ذلك ينطبق بالتأكيد على «قوات الدعم السريع»، وأخيرا فإن إعادة هيكلة القوات النظامية السودانية، وهو فعل ضروري لقيام سلطة مدنية سودانية حقيقية، لا يقتضي حل الوحدة القتالية لجهاز المخابرات، بل يقتضي، وبالدرجة الأولى، حل «قوات الدعم السريع»، التي كان لها اليد الطولى في محاولة إنجاح الثورة المضادة، وتنفيذ المجازر ضد المحتجين السودانيين.

من الضروري هنا التأكيد على أن القوى العسكرية عموما، و«قوات الدعم السريع» خصوصا، سعت للانفراد بالسلطة بعد سقوط حكم البشير، بحيث يتم استبدال حكم عسكري بحكم عسكري، وما زال هذا الطموح معبرا عنه بتمسكهم بوزارتي الدفاع والداخلية وجهاز المخابرات، ومعلوم أن منطق العسكر لا ينسجم مع منطق إدارة الدولة المدنية، وهذا التناقض الحاصل ينعكس في طرق المعالجة العسكرية والأمنية التي جرت في بورتسودان والجنينة، وكذلك في ما يسمى بظاهرة «النيقرز»، وهي عصابات تقوم بزرع الرعب في البلاد.

ما حصل في التمرّد الأخير كان تصفية قادة العسكر للبقيّة الباقية المسلحة المحسوبة على أحد شركائهم، أما التفسيرات الأخرى ذات الطبيعة الأيديولوجية، والتي تعتبر تصفية اتجاهات سياسية وحزبيّة سودانية ضمانة للثورة، فهو أمر مضادّ للديمقراطية، ويحرف البوصلة الحقيقية للسودان، فالخطر الحقيقي على الثورة مرتبط بالعقلية العسكريّة، وهذه العقلية تتراكب مع كل الأيديولوجيات، وتبيع كافة أشكال البضائع.

السودان: لماذا تمرد العسكر على العسكر؟