• لقد تم أنشاء هذا الموقع في عام 2007، ومنذ ذلك الحين وهو المكان العربي الأبرز والأمثل للمهتمين في صناعة الدفاع ومتابعة شؤون التقنية والعسكرية . الكثيرون من أعضاء ومرتادي هذا المكان تناقشوا وتبادلوا العديد من الآراء و وجهات النظر حول الانظمة العسكرية وتقنياتها حتى صنعوا أرشيفاً مليء بالمعلومات، يُعتز به ويٌفتخر. الكثيرون قدموا أفكاراً وأعمالاً ناجحة ، واستمر به الأمر ان يكون الآن أحد أفضل وأكبر المواقع العربية على خريطة الانترنت . يدين الدفاع لأعضاءه ومرتاديه الكثير، ولهذا فهو على الدوم محل تقدير واعتزاز عندهم. يعتبر الدفاع مصدراً رئيساً للمعلومة التقنية ذات العلاقة بالانظمة العسكرية على مستوى العالم العربي، وتتميز موضوعاته التي تفضل بطرحها أعضاءه الكرام بمهنية وحرفية عالية في التقديم وفي التحقق من صحة المعلومة وفي النقاش حولها. لذلك نرجو الالتزام عزيزي زائر بعدم خرق قوانينه

Nabil

مــراقب عـــام
طاقم الإدارة
مـراقــب عـــام
إنضم
19 أبريل 2008
المشاركات
13,289
الإعجابات
1,702
النقاط
20,196
#1
تشرشل و جعفر العسكري .. اعترف بإنجازاته العسكرية البطولية






ومن هذا المدخل البسيط، فان جعفر العسكري كتب عنه كشخصية عراقية ، لعبت دورا مهما في تاسيس الجيش العراقي ،حتى اطلق عليه لقب (أبو الجيش العراقي ) ...



في اشارة الى انه اول وزير دفاع في الدولة العراقية ،وكانت وزارته في حينها (بلا جيش)، فسارع الى جمع شمل الضباط والمراتب في الكاظمية ،ليؤسس اول فوج كان النواة الاولى للجيش العراقي ، واطلق على ذلك الفوج اسم فوج موسى الكاظم.



على ان مثل هذا السرد التاريخي لا يروي ولا يغني عن شيء، فالجميع يبحث عن اسرار ما خلف الحدث ، وخفايا مابعد الخبر، فجعفر العسكرى والذي نحن بصدده، كانت له شخصية عجيبة لها القابلية على جمع الاضداد ، ولم شمل المتناقضات بشكل فريد ،فهو يتألف مع الشيء ونقيضه ويتعامل مع الاصدقاء ويتعاطى مع الاعداء ، ولكي نقرب الصورة اكثر، بمثال صارخ تفرد به العسكري ، وهو كونه الضابط الوحيد على وجه الارض ، الذي حصل على وسام من المانيا وف الوقت نفسه حصل على وسام من بريطانيا ، في لحظة تاريخية كانت فيها بريطانيا تحارب المانيا ، والاكثر من ذلك انه حصل على وسام من الدولة العثمانية وهو نفسه خاض حربا "ضروسا" ضدها في ليبيا والجزيرة العربية.



مؤتمر القاهرة/ 1921..الجالسون ـ تشرشل رئيس وزراء بريطانيا ـ ..الواقفون/ جعفر باشا العسكري وساسون حسقيل ومسز بيل وأخرون..

هذا المشهد المؤثر في حياة جعفر العسكري حوله وكانه (جندى عالمي) فتارة يحارب في البلقان واخرى في عمان والجزيرة وسوريا الى العراق ، ولا ننسى قيادته لجيش السنوسي وما فيها من تفاصيل كثيرة ،غمطها الكتاب ولم يلتفت اليها احد بالرغم من اهميتها ،بل لم تذكر احداثها لا في العراق ولا في ليبيا ـ مع الاسف الشديد ـ ولربما هي اليوم في طور النسيان او في طريقها الى ذلك ، لان تفاصيلها لا يعرفها الاقلة قليلة في العراق.

وضمن هذا السياق في كشف الغموض عن التفاصيل المهمة في شخصية العسكري ، وعلاقته بوينستن تشرشل رئيس وزراء بريطانيا العظمى المنتصر في الحرب العالمية الاولى ،وامتداد سطوته العسكرية والسياسية على الارض ،من الهند الى استراليا الى العرب ، في هذه الحقبة التاريخية لم يكن تشرشل شخصية عادية بل رمز كبير من رموز الدول العظمى.



خطاب تشرشل

بتاريخ 14 حزيران 1921م وقف وينستن تشرشل رئيس وزراء بريطانيا امام مجلس العموم البريطاني وعلى مسامع البريطانيين والقى خطابا ذكر فيه تفاصيل مهمة عن جعفر العسكري قال فيه:

(لقد تم تأسيس الجيش العربي بادارة جعفر باشا العسكري وزير الدفاع الحالي في العراق،ولا أعلم فيما اذا كانت اللجنة تتذكر السيرة الرومانتيكية لهذا الرجل ،ولاشك عندي ان زميلي الشهم عضو مجلس العموم السر سي تاونسند على معرفة جيدة بها ، لقد بدأ الحرب يقاتل ضدنا فى الدردنيل وحصل على الصليب الحديدي الالماني ، ثم جاء الى الصحراء الغربية حيث تولى قيادة جيش السنوسي ضدنا ، وخاض فيما اعتقد ، ثلاث معارك انتصر في اثنتين منها ، ولكن الثالثة لم تكن موفقة من وجهة نظره)..

الى هنا من خطاب تشرشل نلاحظ انه كان يشيد بجعفر العسكري الا انه اخطأ في تقدير عدد المعارك ، ونحن نجهل تماما السبب وراء ذلك ، فجعفر خاض اربع معارك انتصر في ثلاث منها وكبد القوات البريطانية خسائر ، وخسر في واحدة لفرق العدد والعديد بين جيش القبائل الذي قاده العسكري والقوات البريطانية المدعمة بالطائرات والمدرعات، ثم يكمل تشرشل خطابه قائلا :(فجرح في المعركة ولاحقته كتيبة دوستشاير يومانري ، واخيرا قبض عليه في ساحة المعركة )..



الصحيح ان جعفر العسكري جرح جرحا بليغا بالسلاح الابيض، وبدأ ينزف بغزارة ، فاغشي عليه بسبب النزيف ، وعندما افاق من غيبوبته وجد نفسه اسيرا ، ويكمل تشرشل خطابه :

( ونقل الى القاهرة اسيرا وأحتجز في القلعة ، وقد حاول ان يهرب ولكن نظرا لضخامة جسمه نوعا ما انقطع به الحبل الذي كان يتدلى به من جدار القلعة ، فوقع في حفرة وكسرت رجله )..



والصحيح ان جعفر العسكري تدلى بالبطانيات بعد ان شد الواحدة بالاخرى، الا انه تمزقت احداها بسبب ضخامته ، واضاف تشرشل:

(وبينما كانت جروحه تلتئم في المستشفى قرأ في الصحف ان الملك حسين شريف مكة قد اعلن الحرب على الاتراك ، ووجد نفسه فورا في الجانب المعاكس للجانب الذي كان يحارب معه حتى الان)..

الوصف الصحيح غير ذلك ، فموقف جعفر العسكري تبدل عندما قرأ بالصحف خبر اعدام صديقه سليم الجزائري في دمشق من قبل جمال باشا والي الشام ،والذي يلقب بجمال السفاح، بعد اعدامه الثوار على اثر ذلك قرر محاربة الدولة العثمانية، المهم يكمل لنا تشرشل خطابه امام مجلس العموم البريطاني يقول :

(ولذلك اجرى اتصالات بزعماء العرب في مكة ، وبعد شيء من التردد انيطت به قيادة الجيش ، وسرعان ما حصل على ثقة عالية ، وبرز كثيرا فى القتال الذي دار خلال السنتين التاليتين،وأخيرا منح وسام القديسين مايكل وجوج من قبل اللورد اللنبي محاطا بدائرة من القوات البريطانية التي كان معظمها ينتمي الى كتيبة دو ستشاير يومانري التي اسرته ، هذه هي شخصية وزير الدفاع العراقي ، وهو بطبيعة الحال من رجال شريف مكة المخلصين)..



انتهى خطاب تشرشل بالرغم من ان فقرته الاخيرة تحتاج الى تعديل لان جعفر العسكري كان من رجال فيصل وليس من رجال والده الحسين شريف مكة ، على ان هذا الخطاب في كل الاحوال يعكس مكانة جعفر العسكري الدولية .


معلومات منقولة عن التعليقات على الموضوع الأصلي في موقع الكاردينيا :
* كان جعفر العسكري شخصية نادرة بين شخصيات العراق التي تسلمت مقاليد البلاد في بداية تأسيس الدولة العراقية الفتية. ويذكر معاصروه من العراقيين ما اتصف به من قوة الشخصية، وخفة الروح، وظرف الدعابة، فضلاً عن شجاعته المتناهية، ولباقته السياسية، وثقافته العسكرية والقانونية. ولم يكن لقب "العسكري" الذي يحمله "جعفر باشا" نسبة الى مسلكه، وان كانت نشأته عسكرية فعلاً، بل نسبة الى قرية تدعى "عسكر" قريبة من مدينة كركوك. وقد انتقل اليها جده الاكبر عبدالله المدني من المدينة المنورة في القرن
السادس عشر. وكان ينتسب الى هذه القرية ايضاً بكر صدقي العسكري الذي قاد اول انقلاب عسكري في العراق، بل في البلاد العربية، ذلك الانقلاب الذي كان من اوائل احداثه مقتل جعفر العسكري بيد رجال بكر صدقي العسكري.
رجل من اعظم رجالات العراق والوطن العربي في العصر الحديث وهو الرجل الذي يُعد مؤسس الجيش العراقي وأباه،

* .ان الفريق جعفر العسكري ( رحمه الله ) من اهالي ومواليد قرية ( عسكر ) الكردية الواقعة شمال شرق مدينة كركوك وهي معروفة بسكانها الكرد ومنهم ايضا الفريق ( بكر صدقي العسكري ) قائد الانقلاب المعروف في العراق وكذلك ( علي العسكري ) قائد منطقة بهدينان لقوات البيشمركة الكردية في عامي 1961 - 1963 والذي اعدم من قبل الحزب البارتي - القيادة المؤقتة اثر اسره في معركة ( حكاري ) جنوب شرق تركيا عام 1979 .
 

مخايل

الـقـائــد الأعـلـى للــقـوات الـمـسـلـحــة
إنضم
6 أغسطس 2008
المشاركات
2,476
الإعجابات
2,186
النقاط
1,087
#2
قرأة عنه في السابق ولم ارى قائد مثله في القرن ال20
جمع من المناقضات ما لم يجمعه اي احد في العالم ولم تبقى جبهه الا وترك بصمه مؤثرة بها
سبحان الله حياته عباره عن قتال وترحال فأينما يرتحل يقاتل
 
إنضم
15 يونيو 2008
المشاركات
339
الإعجابات
244
النقاط
520
#4
ومن لايعرف هدا القائد الفذ والدي ترك بصمة في كل مكان . لزيادة المعلومة فقد حارب جعفر العسكري الطليان في ليبيا والانجليز في مصر اثناء الحرب العالمية الاولى تحت قيادة احمد الشريف السنوسي قائد المجاهدين الليبين اثناء الحرب الليبية الانجليريه والتي تعنبر جزأ من الحرب العالمية
 

Nabil

مــراقب عـــام
طاقم الإدارة
مـراقــب عـــام
إنضم
19 أبريل 2008
المشاركات
13,289
الإعجابات
1,702
النقاط
20,196
#5




هذه الصوره لدى تخرجه من اكادمية فردرك في برلين وحصوله على الدبلوم في العلوم العسكرية.

جعفر العسكري شخصية عراقية ، لعبت دورا مهما في تاسيس الجيش العراقي ،حتى اطلق عليه لقب (أبو الجيش العراقي) ، في اشارة الى انه اول وزير دفاع في الدولة العراقية ،وكانت وزارته في حينها (بلا جيش)، فسارع الى جمع شمل الضباط والمراتب في الكاظمية ،ليؤسس اول فوج كان النواة الاولى للجيش العراقي ، واطلق على ذلك الفوج اسم فوج موسى الكاظم ، فجعفر العسكرى ، كانت له شخصية عجيبة لها القابلية على جمع الاضداد ، ولم شمل المتناقضات بشكل فريد ،فهو يتألف مع الشيء ونقيضه ويتعامل مع الاصدقاء ويتعاطى مع الاعداء ، ولكي نقرب الصورة اكثر، بمثال صارخ تفرد به العسكري ، وهو كونه الضابط الوحيد على وجه الارض ، الذي حصل على وسام من المانيا وفي الوقت نفسه حصل على وسام من بريطانيا ، في لحظة تاريخية كانت فيها بريطانيا تحارب المانيا ، والاكثر من ذلك انه حصل على وسام من الدولة العثمانية وهو نفسه خاض حربا "ضروسا" ضدها في ليبيا والجزيرة العربية . هذا المشهد المؤثر في حياة جعفر العسكري حوله وكانه (جندى عالمي ) فتارة يحارب في البلقان واخرى في عمان والجزيرة وسوريا الى العراق ، ولا ننسى قيادته لجيش السنوسي في ليبيا وما فيها من تفاصيل كثيرة . الحديث عن جعفر باشا طوبل ومتشعب ولا يمكن ان ناتي عليه في بضع سطور . هذه الدعامة العالمية الكبيرة خسرناه في لحظة قدر.

قتل أعقاب إنقلاب بكر صدقي عام 1936،و دفن في المقبرة الملكية في الأعظمية عرفاناً بأعماله و إعتزازاً بشخصه و مكانته.
جمع وأعداد : خالد عوسي


عن موقع الكاردينيا
 

Nabil

مــراقب عـــام
طاقم الإدارة
مـراقــب عـــام
إنضم
19 أبريل 2008
المشاركات
13,289
الإعجابات
1,702
النقاط
20,196
#6

نوري السعيد وجعفر العسكري وصباح نوري السعيد
 

Nabil

مــراقب عـــام
طاقم الإدارة
مـراقــب عـــام
إنضم
19 أبريل 2008
المشاركات
13,289
الإعجابات
1,702
النقاط
20,196
#7
جعفر العسكري في مذكراته




في الاحتفال الذي اقامته «جمعية الصداقة الكويتية ـ البريطانية» في قاعة بروناي في معهد الدراسات الشرقية والافريقية ـ جامعة لندن، الشهر الماضي لتوزيع جوائز الجمعية على افضل الكتب الصادرة في السنة الماضية عن الشرق الاوسط كان بين الكتب التي ذكرت بالتقدير الترجمة الانكليزية لمذكرات جعفر العسكري التي حققها كاتب هذه السطور، ونشرت للمرة الاولى باللغة العربية في العام 1988، ثم باللغة الانكليزية في العام 2003.
وكانت تلك الاشادة تذكيراً بسيرة رجل من اعظم رجالات العراق والوطن العربي في العصر الحديث وهو الرجل الذي يُعد مؤسس الجيش العراقي وأباه، واستعادة لسيرة حافلة بالاحداث المثيرة، واحياناً بالمغامرات التي تصلح لأن تكون مادة لقصة سينمائية، انتهت فصولها نهاية روائية حزينة، لكنها، مع ذلك، تتسق بدرجة غريبة مع تلك السيرة التي كنت في كل مراحلها عبارة عن احداث ومفاجآت ومغامرات، لو شاء كاتب قصصي ان يكتب رواية عن شخصية خيالية، مرّ بها ما مرّ بجعفر العسكري من احداث، لما استطاع ان يجد لقصته نهاية تتسق مع بدايتها ولا خاتمة تكون ابلغ دلالة ولا اروع اشارة، ولا اكثر من مفاجأة من الخاتمة المؤلمة التي انتهت بها حياة ذلك الرجل.
كان جعفر العسكري شخصية نادرة بين شخصيات العراق التي تسلمت مقاليد البلاد في بداية تأسيس الدولة العراقية الفتية. ويذكر معاصروه من العراقيين ما اتصف به من قوة الشخصية، وخفة الروح، وظرف الدعابة، فضلاً عن شجاعته المتناهية، ولباقته السياسية، وثقافته العسكرية والقانونية.
ولم يكن لقب "العسكري" الذي يحمله "جعفر باشا" نسبة الى مسلكه، وان كانت نشأته عسكرية فعلاً، بل نسبة الى قرية تدعى "عسكر" قريبة من مدينة كركوك. وقد انتقل اليها جده الاكبر عبدالله المدني من المدينة المنورة في القرن السادس عشر. وكان ينتسب الى هذه القرية ايضاً بكر صدقي العسكري الذي قاد اول انقلاب عسكري في العراق، بل في البلاد العربية، ذلك الانقلاب الذي كان من اوائل احداثه مقتل جعفر العسكري بيد رجال بكر صدقي العسكري.
ولد جعفر العسكري في بغداد في 15 ايلول سبتمبر 1885 ونشأ في احيائها الشعبية، وكان والده مصطفى بن عبدالرحمن ضابطاً في الجيش العثماني، انجب خمسة اولاد كان جعفر رابعهم. وانتمى جعفر الى المدرسة العسكرية التحضيرية في بغداد، ثم تخرج في المدرسة الحربية التركية مع صديقه وزميله نوري السعيد وقد تزوج كل منهما شقيقة الآخر في ما بعد. وارسل جعفر في بعثة عسكرية للتدريب في المانيا، فأقام فيها ثلاث سنوات، ثم عاد واشترك في حرب البلقان وجرح فيها. ولما انتهت تلك الحرب وظهرت نيات الاتحاديين العنصرية، انضم جعفر الى "حزب العهد العربي" وكان من اعضائه.
ونشبت الحرب العالمية الاولى فعُيّن جعفر مرافقاً للاميرال الالماني فون سوشن ومنح وسام الصليب الحديدي الالماني. وكانت القيادة العثمانية خلال الحرب قد وضعت خطة للاستيلاء على مصر بمهاجمتها من الشرق والغرب في وقت واحد. فتولى الفريق جمال باشا السفاح قيادة الفيلق الرابع لمهاجمة مصر من الشرق عن طريق قناة السويس، وعهد الى جعفر بإثارة القبائل الطرابلسية في ليبيا للاغارة عليها من الغرب عن طريق "السلّوم".
ولكن كيف كان لجعفر ان يصل الى ليبيا والبحر المتوسط يزخر ببوارج الحلفاء؟
تقرر ارسال جعفر في غواصة المانية من الدردنيل الى برقة. وهو يصف في مذكراته هذه السفرة المحفوفة بالمخاطر، ووصوله الى مضارب السنوسي، ثم يتحدث عن السنوسيين وعاداتهم، وموقف السنوسي من الحرب، واصراره على تزويده بالمال والسلاح لمواصلة عملياته ضد الانكليز. ويروي كيف تطوّع للعودة الى مصر متخفياً بزيّ احد الاخوان السنوسيين، متظاهراً بالسفر الى الحج، ثم يصف بقاءه في الاسكندرية لمدة عشرة ايام، واتصالاته بالانكليز خلال هذه المدة من دون ان يعرفوا هويته الحقيقية، ثم مغادرته على ظهر باخرة ايطالية الى المياه العثمانية في يافا، ثم الى القدس لمقابلة جمال باشا، قائد الجيش الرابع، ثم تحميله الاسلحة الى السنوسي على سفينة شراعية، واقلاعه من بيروت مستصحباً معه ثمانية جنود من ابناء العرب في هذه الرحلة المحفوفة بالأهوال، ووصوله سالماً الى ميناء بورت سليمان، ومحاولاته لاثارة السنوسي على البريطانيين، وبدء المعارك والحركات العسكرية في ليبيا، بينها "واقعة وادي ماجد"، و"واقعة بئر تونس" واخيراً "واقعة العقاقير" التي سقط فيها جريحاً، فأسره الانكليز.
واعتقل جعفر العسكري في معتقل الاسرى في المعادي، وهناك فكر في طريقة للهرب من المعتقل، فتمكن من اقتلاع قضبان الحديد من احد شبابيك القلعة، ثم عقد "بطانيات" عدة ببعضها بعضاً، متخذاً منها حبلاً تدلى به ليلاً من الشباك ولكن "البطانيات" لم تحتمل ثقل جسمه لضخامته، فانفرط عقد احداها، وسقط جعفر على الارض واصيب برضوض وجروح، والقي القبض عليه في منتصف الليل، وأعيد الى المعتقل.
ولم تفارق جعفر خفة روحه حتى في هذه اللحظات، وكانت صلاته بآسريه قد اصبحت ودية بسبب شخصيته الظريفة. فلما جرى استجوابه عن محاولته للهرب، عرض ان يدفع قيمة البطانيات الممزقة، فأضحكهم، واستطاع ان يلطّف الجو ويخفف من غضبهم، فنقلوه الى المستشفى لمعالجته.
وفي هذه الفترة كانت "الثورة العربية" التي قامت في الحجاز في بدايتها، وكان الضباط العرب يلتحقون بها من كل حدب وصوب. فقرر جعفر الانضمام اليها، فسمح له بالسفر الى الحجاز بطريق البحر الاحمر، فلما وصلها أُلحق بالجيش العربي الذي كان مرابطاً حول المدينة المنورة بقيادة الشريف فيصل، وعيّن فيصل جعفراً قائداً عاماً لقواته من دون ان يستشير والده الشريف حسين، لما كان يعرفه من كفاءته العسكرية، لكن الشريف حسين غضب لذلك وامر بعزل جعفر، فأبرق فيصل الى والده قائلاً ان في ذلك اهانة له لا يقبلها وانه سيتخلى عن مسؤولياته في الثورة ويستقيل. فاضطر الحسين الى الموافقة على الغاء ذلك الامر وارسل برقية يسترضي بها ولده.واستولى جيش فيصل المعروف بالجيش الشمالي على العقبة واتخذها قاعدة حربية، ثم سار شمالاً حتى فتح دمشق. وقبل انتهاء تلك الحملة كان القائد البريطاني الجنرال اللنبي قد منح جعفر باشا وساماً بريطانيا رفيعاً واحتفل بتقليده الوسام في مقر قيادته في بير سالم بفلسطين وسط حلقة من المنتمين الى الفرقة التي اسرته في مصر. وكان لاختيار هذه الحلقة لتكون "حرس شرف" في ذلك الاحتفال وقع جميل في نفس جعفر، وحافظ في هذه المناسبة ايضاً على روح الدعابة التي اتصف بها طيلة حياته، فأصر على ان يحمل الى جانب الوسام البريطاني، وسام "الصليب الحديدي" الذي سبق ان ناله من اصدقائه السابقين الالمان، الذين كانوا في حالة حرب مع الانكليز الذين يقلّدونه وسامهم الآن. وكان له ما أراد. وكان بذلك الشخص الوحيد الذي حمل هذين الوسامين معاً.
وبعد احتلال الجيش الشمالي سورية عُيّن جعفر العسكري حاكماً لمنطقة عمان ثم حاكماً لمنطقة حلب بعد سقوطها. ولما قامت الدولة العربية في سورية، وتوّج فيصل ملكاً عليها، عُيّن جعفر كبيراً لمرافقيه، فبقي في هذا المنصب الى ان وقعت معركة ميسلون التي غادر فيصل سورية على اثرها الى فلسطين ثم اوروبا. وكان جعفر في جملة مرافقيه، ولكنه لم يكد يصل الى بور سعيد حتى وصلته برقية تدعوه الى بغداد عاجلاً.
وفي هذا الوقت كانت "ثورة العشرين" التي قامت في العراق ضد الاحتلال قد اشتد أوارها وحملت البريطانيين على تغيير سياستهم في العراق وتشكيل حكومة وطنية، فتألفت حكومة موقتة برئاسة عبدالرحمن النقيب الذي طلب الى جعفر قطع سفره مع الملك فيصل والذهاب الى بغداد ليكون اول وزير للدفاع في اول وزارة عراقية.
وبهذه الصفة كانت المهمة الجديدة الثقيلة التي وجدها جعفر على عاتقه هي تأسيس جيش وطني عراقي. وبدأ عمله في المقر الجديد لوزارة الدفاع التي كانت تضم عشرة ضباط فقط، وكانت في الواقع وزارة دفاع بلا جيش. واستعان جعفر العسكري بالضباط العرب الذين خدموا في الجيش العثماني والذين كانوا بدأوا يعودون الى العراق بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى.
ووضع جعفر العسكري للجيش العراقي اسساً عصرية وتقاليد قويمة لا تزال باقية حتى الآن، وكانت جميع التوسعات والتطورات التالية امتداداً لها. وكان الجيش العراقي الذي اسسه جعفر العسكري اول جيش عربي يستعمل المصطلحات والرتب العسكرية باللغة العربية، فلا "طابور" ولا "صاغ" ولا "بكباشي"، بل "سريّة" و"فوج" و"عقيد" و"زعيم"...الخ. بينما احتفظت الجيوش العربية الاخرى بالمصطلحات التركية والاجنبية حتى اواسط الخمسينات. وأسس جعفر العسكري في وزارة الدفاع دائرة للترجمة ترأسها اديب ولغوي متضلّع في اللغتين العربية والانكليزية، هو عبد المسيح وزير، فوضع للجيش العراقي مصطلحات عسكرية عربية مستعيناً بما كانت الجيوش العربية القديمة تستعمله من الفاظ ومصطلحات، ومستحدثاً اسماء عربية للرتب العسكرية وقطع الاسلحة واجهزة الدبابات والسيارات وغيرها من المصطلحات.
واحتفظ جعفر العسكري بمنصب وزير الدفاع في وزارة النقيب الثانية وتولى هذه الوزارة ثلاث مرات اخرى في اوقات مختلفة. ولما عقد مؤتمر القاهرة الشهير في آذار مارس 1921 برئاسة وزير المستعمرات البريطاني ونستن تشرشل حضره جعفر العسكري مع السير برسي كوكس. وفي هذا المؤتمر تقرر ترشيح الملك فيصل، ملك سورية السابق، ملكاً للعراق.
ولما أسس التمثيل الديبلوماسي لدولة العراق المستقلة الجديدة، اختير جعفر العسكري اول وزير مفوض للعراق في بريطانيا ولكنه استدعي الى بغداد بعد سنة واحدة، وعهد اليه برئاسة الوزارة، فبقي فيها حتى شهر آب اغسطس سنة 1923 ثم استقال وخلفه ياسين الهاشمي، وعاد هو الى لندن وزيراً مفوضاً للمرة الثانية، وعاد الى بغداد مرة اخرى فألّف وزارته الثانية، ثم عاد الى لندن مرة اخرى فبقي فيها حتى سنة 1935.وانتمى جعفر العسكري خلال وجوده في لندن الى احدى كليات الحقوق، ودرس القانون واكمل دراسته ونال لقب "باريستر" من "غريزاين"، وكان ذلك بطبيعة الحال بدافع من رغبته في الاستزادة من العلم، اذ لم تكن به الى الشهادة حاجة بعدما وصل الى اعلى الرتب في الجيش، واعلى المناصب في الدولة، واصبح رئيساً للوزراء مرتين ووزيراً للدفاع خمس مرات.
ولعل اهم منجزات جعفر العسكري كان اصراره على مبدأ "التجنيد الاجباري" الذي اثار في البداية خلافات كبيرة ونقاشاً طويلاً في الاوساط العراقية والبريطانية. وكان جعفر العسكري قرر منذ توليه وزارة الدفاع للمرة الاولى عام 1923 وعند مناقشة الدستور بعد ذلك، ان يدخل فيه مادة تجعل الخدمة العسكرية إلزامية، لكن هذا الاقتراح قوبل باعتراضات بعض شيوخ العشائر فضلاً عن عدم ارتياح الجهات البريطانية.
وكانت المعارضة الداخلية قائمة على اعتبارات سياسية وتعكس الوضع الدقيق لكيان البلاد السياسي ـ الاجتماعي في تلك الفترة. اما بريطانيا فلم تكن لها في البداية سياسة معينة تجاه القضية، ولكن حينما تألفت في وزارة الدفاع لجنة لصياغة مشروع قانون التجنيد الاجباري، علّق احد موظفي وزارة المستعمرات ـ التي كانت ترعى شؤون العراق في ذلك الوقت ـ على الموضوع قائلاً: "ان فكرة التجنيد الإجباري تأتي مناقضة لجميع تقاليدنا...".
لكن المفتش البريطاني للجيش العراقي الجنرال وايلي أيد رئيس الوزراء جعفر العسكري في مشروعه، بل استقال من منصبه في العراق احتجاجاً على موقف حكومته، فاتسعت الهوة بين دار الاعتماد البريطاني والوزارة، ولما عرضت الوزارة مشروع "قانون الدفاع الوطني" على مجلس النواب، استقال بعض الوزراء المعارضين له، لأسباب متنوعة، صريحة وخفية، واشتدت معارضة المندوب السامي البريطاني، فاستقال جعفر العسكري من رئاسة الوزارة. ومع ذلك تبنت الحكومة العراقية مبدأ التجنيد الاجباري بعد ذلك، فبقي نافذ المفعول، وطبق بنجاح تام، بفضل الأسس السليمة التي وضعها جعفر العسكري.
وفي أواخر سنة 1936 فاجأ اللواء بكر صدقي العسكري، وكيل رئيس أركان الجيش، وزارة ياسين الهاشمي بانقلابه المعروف، فاستنكر جعفر ذلك، وقرر الخروج لمقابلة القطعات الزاحفة نحو بغداد، وكان واثقاً من أنه سيستطيع أن يثنيها عما تعتزم القيام به ويحبط محاولة بكر صدقي معتمداً على ما يكنه الضباط له من محبة واحترام. لكن بكر صدقي كان يعرف ذلك أيضا، فلما بلغه خروج جعفر العسكري ارسل أربعة ضباط اعترضوا سيارته وقتلوه في الصحراء قبل وصوله الى مقر القوات خارج بغداد. وهكذا انتهت، بصورة روائية محزنة مؤسفة، حياة جعفر العسكري بأيدي رجال الجيش الذي كان يعده أباه ومؤسسه. وكان عند مقتله في الحادية والخمسين من عمره.
كان جعفر العسكري شخصية ظريفة، وسياسياً مرحاً، وصاحب نكتة، وكان في الوقت نفسه واسع الاطلاع عميق الغور. وتروى عنه قصص ظريفة ومقالب متنوعة. وكان بديناً نوعاً ما، مكتنز الجسم، شأن معظم الظرفاء، ذكياً كثير القراءة. جاء في التقرير السري الذي كانت السفارة البريطانية في بغداد تعده سنوياً عن الشخصيات الرئيسية في العراق، لسنة 1935 والمحفوظ في دار الوثائق البريطانية في كيو الوصف الآتي لجعفر العسكري:
"... يتكلم العربية والتركية والكردية والأرمنية والفارسية والالمانية والفرنسية والانكليزية. ضخم الجسم، متقلب المزاج بطبيعته. نزيه. حسن النية ولطيف المعشر، وان كان خاملاً بدرجة لا يواجه معها الحقيقة حينما تكون مزعجة. ميال الى تبني موقف أقل مقاومة، منتظراً ما فيه الخير. ليست له قدرة على الدسائس، ويخدع بسهولة. متكلم جيد، وتكتيكي ممتاز، لكنه ليس استراتيجياً. شجاع ويقظ في المعارك...". خّلف جعفر العسكري مذكرات مخطوطة أعدها باللغتين العربية والانكليزية، لكن الأجل لم يمتد به لانجازها ونشرها، تاركاً مرحلة طويلة ومهمة من سيرته من دون أن تدون، فقد توقف في الفصل الذي تحدث فيه عن تعيينه حاكماً لحلب بعد احتلال سورية في سنة 1919. وكانت المذكرات ركاماً هائلاً من الأوراق باللغتين العربية والانكليزية، وبقيت عند نجله الأكبر طارق الذي كان ينوي اكمالها ونشرها، فلم يمهله الأجل ايضاً. فتفضل حفيده جعفر طارق العسكري، باطلاعي عليها، فعنيت بتحقيقها تمهيداً لنشرها. وقد رأيت من المفيد أن ألحقها بسرد موجز لسيرة جعفر العسكري من الفترة التي توقفت عندها المذكرات حتى مصرعه الأليم في سنة 1936، وهي فترة عمله في العراق. وقد نشرت المذكرات باللغة العربية في سنة 1988.
وفي السنة الماضية رأى أحفاد جعفر العسكري نشر مذكرات جدهم باللغة الانكليزية أيضاً، تحقيقاً لرغبته، وحرصاً على اطلاع القراء بتلك اللغة على نطاق أوسع. وعني حفيده مصطفى طارق العسكري بترجمتها الى اللغة الانكليزية مع الملحق الذي أضفته اليها، وأسهمت مرة أخرى في تحقيق الطبعة الانكليزية مع الباحث والناشر البريطاني وليام فيسي، وصدرت الطبعة الانكليزية بعنوان: "قصة عسكري: من الحكم العثماني الى العراق المستقل". وذكر الكتاب بالتقدير بين أهم الكتب الصادرة عن الشرق الأوسط خلال السنة الماضية. وكان ذلك تخليداً لذكرى شخصية مهمة بل فريدة في تاريخ العراق الحديث، ورجل قدّم لأمته وبلاده خدمات جليلة.


هذا المقال للراحل نجدة فتحي صفوت عن مذكرات جعفر العسكري نشر في صحيفة الشرق الاوسط 2010
 

" بناء على توجيهات الادارة لتحسين محتوى المنتدى. فنأمل منكم الالتزام بالقوانين و عدم نشر الصور الحساسة و الدموية.
أعلى