بينما كان خير الدين بربروس يرسّخ سلطته في الجزائر سنة 1529، كان في الطرف الآخر أحد حكام مدينة تَنَس يعيش منفيًا في إسبانيا، ينتظر فرصة للعودة إلى أرضه.
تكشف هذه الوثيقة النادرة، المحفوظة في الأرشيف العام لسيمانكاس (Archivo General de Simancas)، رسالة بعث بها مولاي بوعبد الله (Muley Baudila / أبو عبد الله)، حاكم تنس المخلوع، إلى الإمبراطور شارل الخامس، بعدما بلغه خبر وفاة خصمه الذي استولى على حكم تنس، وأن أنصاره يدعونه للعودة لاستعادة سلطته.
لكن العودة لم تكن سهلة...
فقد كان أبو عبد الله يعيش مع زوجته وأولاده وأتباعه في المنفى بمدينة إستجة (Écija) بعد أن غادر وهران بأمر من الإمبراطور، ثم انتقل إلى مالقة استعدادًا للإبحار نحو تنس. غير أن رحلته توقفت بقرار من السلطات الإسبانية لأسباب عسكرية وسياسية.
وفي رسالته، يطلب من شارل الخامس أحد أمرين:
• أن يمنحه 300 إلى 400 جندي لمدة سنة لمرافقته واستعادة مملكته، مقابل التخلي عن الإعانة المالية السنوية التي كان يتقاضاها في المنفى.
• أو، إن تعذر ذلك، أن يسمح له على الأقل بالإبحار إلى تنس، لأن أهلها ـ كما يقول ـ يستدعونه، ولا سند له سوى الإمبراطور.
هذه الوثيقة لا تتحدث فقط عن رجل فقد عرشه، بل تكشف أيضًا عن طبيعة العلاقات المعقدة بين بعض حكام المغرب الأوسط والإمبراطورية الإسبانية في مرحلة شهدت صراعًا محتدمًا مع العثمانيين، وتُظهر كيف كانت إسبانيا تستقبل بعض الحكام المخلوعين وتوفر لهم الإقامة والإعانات أملاً في توظيفهم سياسيًا وعسكريًا.
إنها صفحة منسية من تاريخ مدينة تنس والجزائر في مطلع القرن السادس عشر، تبرز أن الصراع لم يكن عسكريًا فقط، بل كان أيضًا صراعًا على الشرعية والتحالفات والنفوذ.
الترجمة
جلالة الملك الكاثوليكي المقدس
مولاي بوديلة ملك تنس، يقبل الأيادي الملكية لجلالتكم، ويقول إنه بأمر من جلالتكم جاء من مدينته وهران إلى مدينة إستجة. وأثناء إقامته هناك، كتبوا له من مملكته يطلبون منه القدوم لاستلامها إثر وفاة نائبه فيها.
ولأجل ذلك، أرسل يطلب الإذن من جلالتكم، وقد منحتموه إياه.
وأمرتم خادم جلالتكم، كريستوبال ريسين، بأن يستأجر سفينة لنقله إلى مملكته وتزويده بكل ما يلزم للرحلة.
وبتريح من جلالتكم، توجه ملك تنس المذكور مع زوجته وأبنائه وحاشيته إلى مدينة مالقة.
وبعد فترة، جاء كريستوبال ريسين المذكور لترتيب سفره، ورغم وجود سفينة مستأجرة ومحملة وجاهزة للمغادرة، أخبره كريستوبال ريسين أنه لاعتبارات تتعلق بخدمة جلالتكم، لا يمكنه السفر في هذه السفينة حتى يبت مجلس الحرب في الأمر مع جلالتكم، بناءً على التماس قدمه كريستوبال ريسين بهذا الخصوص.
ومنذ ذلك الحين وسفره معطل لفترة طويلة.
وبسبب غيابه عن تنس، انقطع عن تحصيل إيراداته من المملكة، مما جعله مستنزفاً مالياً في سبيل إعالة زوجته وأبنائه ومرافقيه، واضطره للاستدانة، وهو يرفع هذا الأمر لعلم جلالتكم.
ويلتمس من جلالتكم التفضل عليه بمنحه ثلاثمائة أو أربعمائة دوكات كجزء من الألف دوبلا التي تُصرف له سنوياً طوال فترة بقائه في إسبانيا، تُدفع له مقدماً عن سنة. وعندما تتفضل جلالتكم بالسماح للرجال بمرافقته إلى مملكته تنس المذكورة مع أسطول مجهز بأفضل ما يمكن لدخول المملكة بدعم من جلالتكم، فإنه يتكفل بدفع رواتبهم كاملة عن كل فترة بقائهم الإضافية في مملكته من اليوم فصاعداً؛ لأنه بدون ذلك سيظل ضائعاً ومحروماً من مملكته تنس.
وإذا تعذر على جلالتكم في الوقت الحاضر توفير هؤلاء الرجال، فإنه يلتمس من جلالتكم الأمر بمنحه الإذن للعودة في سفينة إلى مملكته المذكورة استجابة لاستدعائهم له من هناك، إذ لا ملاذ له ولا حماية سوى جلالة الملك الكاثوليكي المقدس. حفظ الله ربنا جلالتكم ونصركم على هذا العدو التركي، وزادكم من الممالك كما ترغبون.
يقبل الأيادي الملكية لجلالتكم.
أبو عبد الله
