الدعم الإداري

من معركة الصفراء إلى الدولة الفلسطينية: كيف تفرق "واشنطن" بين شرعية الدم وشرعية الورق؟

بن شفلوت

عضو جديد
إنضم
17 يونيو 2025
المشاركات
370
التفاعل
925 12 0
الدولة
Saudi Arabia
تدرك الولايات المتحدة الأمريكية —باعتبارها القوة العظمى الأكثر دراسة ودراية بجينات المنطقة— أن الوزن الجيوسياسي لا يُقاس بالحدود الجاهزة، بل بالعمق التاريخي؛ فالأمريكيون هم أكثر الأمم إنشاءً لـ "مراكز الفكر والأبحاث" (Think Tanks) والمؤسسات المتخصصة في الدراسة الاجتماعية والأنثروبولوجية العميقة للسعودية تحديداً وتفكيك جيناتها التاريخية منذ بداية التحالف المشترك مع التأسيس. وخبراء واشنطن وصناع القرار هناك قد وصلوا حتماً بناءً على هذه الدراسات المستفيضة إلى نفس النتيجة: وهي أن الندّية والوزن الجيوسياسي لا تُصنع بالاتفاقيات الرسمية بل تُعمد بالصروح والتاريخ والدم.

ومن هنا، ينعكس هذا الوعي المعرفي في الفارق الشاسع بالتعامل الأمريكي مع الرياض كشريك استراتيجي ندّي راسخ يملك شرعية الإجماع الجمعي وقراراً سيادياً مستقلاً، مقارنةً بالكيانات الخليجية الصغيرة اجتماعيّاً وعدديّاً، والتي يُنظر إليها عبر عدسة الحماية الإدارية والترتيبات الطارئة؛ ومِن الحكمة الدبلوماسية لهذه الكيانات أن تدرك هذه التراتبية التاريخية التي تحكم جغرافيا المنطقة، حتى في لحظات الاختلاف أو التنافس الإقليمي.


وهنا يجب على القارئ الكريم أن يتوقف ملياً ليدرك فارقاً استراتيجياً وبنيوياً شاسعاً؛ إن تاريخ الدولة السعودية هو تاريخ "توحيد ذاتي" وليس تاريخ "استقلال طارئ"، والفارق بينهما يمثل جوهر السيادة وميزان القوى. فالكيانات الصغيرة عدديّاً واجتماعيّاً التي نالت "استقلالها" في قوالب سياسية جاهزة —بفعل توازنات دولية أو ضغوط خارجية في حقبة السبعينيات— نالت حدودها وعلمها دون أن تبذل في سبيل ذلك قطرة دم واحدة، أو تخوض مخاض البناء والتمحيص. أما الدولة السعودية، فقد شقّت طريقها نحو الوجود عبر مسيرة "توحيد" شاقة، قدمت خلالها عشرات الآلاف من الشهداء، وتجرعت أجيال متعاقبة مرارة الهدم والصمود والعودة مراراً وتكراراً لتحقيق الحلم الجامع.


إن هذا الإجماع التاريخي النادر لولاء القبائل العربية الكبرى والحواضر في الجزيرة لهذه الدولة وهذه الأسرة —لأول مرة منذ ألف عام— يضع (ابن سعود)، في أي حقبة كانت (الأولى أو الثانية أو الثالثة)، في مقام الملك التاريخي والشرعي للقبائل العربية والمدن المقدسة كافة، مما يجعل شيوخ وأمراء الدول الخليجية المستقلة بقرار خارجي في موقع مختلف تماماً عن ملك الدرعية والرياض.


ولعل التشابه الفلسفي الأبرز يعود إلى القرن الثامن عشر؛ فبينما كان المهاجرون في قارة أمريكا الشمالية يصيغون ملامح "الحلم الأمريكي" الفتّي هرباً من صراعات أوروبا وطغيانها، كانت الدرعية في قلب الجزيرة العربية تطلق شرارة حلمها الخاص لتنهي مظلمة كبرى. فمنذ أن انتقلت عاصمة الخلافة الإسلامية من المدينة المنورة إلى الكوفة في منتصف القرن السابع الميلادي، دخلت الجزيرة العربية في "مظلمة تاريخية" وعزلة تامة دامت لأكثر من ألف ومائتي عام؛ نسيها العالم وتحولت واحاتها وهضابها إلى مسرح مهجور للفوضى الدامية، فلا تدوين للتاريخ إلا نتفاً، ولا سلطة تجمع الشتات، ولم يكن غير السيف فاصلاً، ولا غير الغزو والنهب سبيلاً للعيش. ومن قلب هذا الضياع الممتد لقرون، قامت الدولة السعودية بتخليق الأمل والسيادة من قلب العدم.
تشابهت جغرافيا التجربة في كلا الكيانين السعودي والأمريكي؛ فظروف الصحراء العربية وقسوتها وشح مواردها كانت تماثل تماماً وعورة التخوم الأمريكية القاسية (The Frontier). في هاتين البيئتين، قدم آل سعود نموذجاً عبقرياً لعقد اجتماعي يمثل النسخة العربية من "صناعة الفرصة والاستقرار". لقد تخلت القبائل العربية عن أعرافها المتصادمة وثاراتها الممتدة لصالح قانون الدولة الموحد وعدالتها المركزية، تماماً كما تخلت المجموعات المهاجرة في أمريكا عن هوياتها القومية لصالح الدستور الشامل.
ولم يكن هذا الولاء العابر للقبيلة مجرد شعار، بل عُمّد بالدم في اللحظات المصيرية للتاريخ؛ وتجلى ذلك بعبقرية في معركة الصفراء (1812م). في تلك الملحمة، تداعى المقاتلون العرب بوعي استراتيجي فذ، عابرين مسافات شاسعة تقارب الألف ميل من قمم الجنوب، وصحاري الشمال، وهضاب نجد. لم يتحركوا كأجراء أو مجبرين، بل زحفوا ذوداً عن "حلم مشترك" بنوه بأياديهم ودماء أبنائهم، رافضين عودة الجزيرة إلى غياهب التفتت والتبعية للقوى الخارجية.


إن هذا الإرث لم يندثر بسقوط الدرعية، بل ظل حياً في الذاكرة الوجدانية للمكان؛ وعلى صرح هؤلاء الأبطال، نهضت الدولة السعودية الثالثةبقوة وإصرار. لقد قاد الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن مسيرة التوحيد مستنداً إلى أحفاد نفس الرجال الذين استشهدوا في الدولة الأولى. هذا التلاحم العضوي الممتد عبر الأجيال أنتج أعظم وأكبر وحدة سياسية في التاريخ العربي المعاصر؛ حيث ذابت عشرات الإمارات المحلية والزعامات المتناحرة الممتدة من الخليج العربي حتى الحجاز، لتولد المملكة العربية السعودية كمملكة واحدة متماسكة الأركان.


ولم يكن هذا النجاح سياسياً أو اقتصادياً فحسب، بل توج بـأسمى شرف تاريخي وأخلاقي، وهو الخدمة السيادية والشرعية المطلقة لبيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف. لتثبت هذه الدولة —منذ فجر تأسيسها وحتى اليوم— أن شرعيتها وعقدها الاجتماعي هما النواة الصلبة التي حمت الإنسان، وصانت الأرض, ورفعت راية الحكمة والسيادة في قلب العالم.


ومن رحم هذه الشرعية التاريخية والأخلاقية المتراكمة، كأكثر زعماء العرب والمسلمين شرعية وثقلاً، يتبلور اليوم الموقف السعودي الصارم والثابت تجاه قضايا الأمة؛ فرغم تقدم المفاوضات الكبرى والمعقدة مع الولايات المتحدة حول الترتيبات الأمنية والاستراتيجية المستقبلية، إلا أن المملكة تقف حازمة في رفضها التام لإقامة علاقات أو الاعتراف بإسرائيل دون اشتراط التزام قاطع وواضح ومضمون بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. إن هذا الموقف لا ينبع من مناورات سياسية عابرة، بل هو قرار سيادي نابع من عمق العقد الاجتماعي والشرعية الوجدانية والتاريخية التي تمثلها عاصمة القرار العربي؛ فالملوك الذين تشرّفوا بخدمة المقدسات وبنوا عروشهم بالدم والصمود، لا يرهنون مواقفهم المبدئية لأي ضغوط عابرة، بل يقودون توازنات القوى العظمى لحفظ حقوق أمتهم وكرامتها.

خادمكم بن شفلوت
 

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى