الدعم الإداري

عذاب العصاة في حياة البرزخ

إنضم
28 أبريل 2026
المشاركات
251
التفاعل
82 8 0
الدولة
Egypt
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد؛ حياةُ البَرْزَخِ: هي الفترة الزَّمنية التي تكون بعد الموت إلى حين البعث من القبور. وعقيدةُ أهلِ السُّنة والجماعة: أنَّ البرزخَ حَقٌّ دلَّ عليه الكتابُ والسُّنةُ، وإجماعُ السَّلف، قال الله تعالى: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 46]، ذهب جمهور العلماء أنَّ هذا العَرْض هو في البرزخ.



قال ابنُ أبي العِزِّ الحنفي رحمه الله: (تَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثُبُوتِ عَذَابِ القَبْرِ وَنَعِيمِه لِمَنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا، وَسُؤَالِ المَلَكَيْنِ، فَيَجِبُ اعْتِقَادُ ثُبُوتِ ذَلِكَ وَالإِيمَانُ بِهِ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِي كَيْفِيَّتِه، إِذْ لَيْسَ لِلْعَقْلِ وُقُوفٌ عَلَى كَيْفِيَّتِه؛ لِكَوْنِه لَا عَهْدَ لَهُ بِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَالشَّرْعُ لَا يَأْتِي بِمَا تُحِيلُه العُقُولُ، وَلَكِنَّه قَدْ يَأْتِي بِمَا تَحَارُ فِيهِ العُقُولُ).


عباد الله.. إنَّ رُوح المؤمن من حين قَبْضِها، وهي في حفاوةٍ واستقبالٍ من الملائكة، وأمَّا روحُ الكافر أو المنافق فهي في حسرةٍ وندم، وتوبيخٍ وزجر لها، من حين قبضِها، فلا تُفتح لها أبوابُ السماء، ولا تحتفي به الملائكة؛ بل لا يُسْتَبْشَر بهذه الرُّوح.



وأخبرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم – عن حال الكافر أو المنافق عند خُروجِ رُوحِه
، ووضْعِها في تلك المُسوح من النار، فقال: «ثُمَّ يَعْرُجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْتَفْتِحُ لَهَا فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلاَنٌ، فَيُقَالُ: لاَ مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الخَبِيثَةِ، كَانَتْ فِي الجَسَدِ الخَبِيثِ، ارْجِعِي ذَمِيمَةً؛ فَإِنَّهُ لاَ يُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَتُرْسَلُ مِنَ السَّمَاءِ، ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى القَبْرِ» صحيح – رواه أحمد وابن ماجه.



وجاء في حديث البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه - مرفوعًا: «حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ المُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلاَ يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلإٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ إِلاَّ قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ، بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلاَ يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ﴾ [الأعراف: 40]. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ، فِي الأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ [الحج: 31]» صحيح – رواه أحمد.



قال الخازِنُ رحمه الله - في تفسيره: (﴿ لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ﴾ يعني: لا تُفْتَحُ لأرواحِهم إذا خرجتْ من أجسادهم، ولا يَصْعَدُ لهم إلى الله عز وجل - في وقت حياتهم - قولٌ ولا عمل؛ لأنَّ أرواحَهم وأقوالَهم وأعمالَهم كُلَّها خبيثةٌ، وإنما يَصْعَدُ إلى الله تعالى الكَلِمُ الطَّيِّبُ، والعملُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه).



وقال ابنُ القيمِ رحمه الله: (وأعمالُ الفُجورِ تَهْوِي به وتَجْذِبُه إلى الهاوِية، وتَجُرُّه إلى أسفلِ سافلين، وبِحَسَبِ قُوَّةِ تَعَلُّقِه بها؛ يكون هبوطُه معها، ونزوله إلى حيثُ تَسْتَقِرُّ به). وقال أيضًا: (وأمَّا الكافِرُ: فلا تُفْتَحُ لِروحِه أبوابُ السماء، ولا تُفْتَحُ لِجسَدِه أبوابُ الجنة).



عباد الله.. ومِنْ أشَدِّ العذابِ النَّفْسِي على الكافر والمنافق - في حياة البرزخ - رؤيةُ ما أعَدَّهُ اللهُ له من النَّار
، حتى إنه يقول: «رَبِّ لاَ تُقِمِ السَّاعَةَ» صحيح – رواه أحمد؛ لِهَولِ ما يَراهُ من الجَحِيم، مِمَّا أعدَّه اللهُ له. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَيُجْلَسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فِي قَبْرِهِ فَزِعًا مَشْعُوفًا [الشَّعَفُ: شدَّةُ الفَزَعِ، حَتَّى يذهَبَ بِالقَلْبِ]. فَيُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلاً فَقُلْتُهُ، فَيُفْرَجُ لَهُ قِبَلَ الجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا صَرَفَ اللَّهُ عَنْكَ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ، هَذَا مَقْعَدُكَ عَلَى الشَّكِّ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مُتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» صحيح – رواه ابن ماجه.



وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ إِلاَّ أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ لَوْ أَسَاءَ؛ لِيَزْدَادَ شُكْرًا. وَلاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ إِلاَّ أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أَحْسَنَ؛ لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً» رواه البخاري. وفي حديثٍ آخَرَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه البخاري ومسلم.



والأعمالُ التي يَعْمَلُها الإنسانُ في الدنيا تُجَسَّمُ وتُمَثَّلُ له في قَبرِه؛ فإنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر، فالمؤمِنُ المُطِيعُ تُمثَّلُ له
أعمالُه في صورةٍ حَسَنَةٍ يُسَرُّ بها، وأمَّا الكافر والمنافق فتُمثَّل له أعمالُه في صورةٍ قبيحةٍ سَيِّئَةٍ، يتألَّمُ ويتَحَسَّرُ في قبره، ويدعو اللهَ سبحانه ألاَّ يُقيمَ الساعة. ففي حديثِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ الطويل: «وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لاَ تُقِمِ السَّاعَةَ» صحيح – رواه أحمد.

فقوله: «أَنَا عَمَلُكَ الخَبِيثُ» أَي: المُرَكَّبُ مِنْ خُبْثِ عَقَائِدِكَ وَأَعْمَالِكَ وَأَخْلَاقِكَ، فَالمَعَانِي تَتَجَسَّدُ وَتَتَصَوَّرُ فِي قَوَالِبِ المَبَانِي. فهذا الرَّجُلُ الذي يأتي الكافرَ أو المنافقَ جَمَعَ القُبْحَ كُلَّه؛ فهو قبيحٌ في مَنْظَرِه، قبيحٌ في مَلْبَسِه، قبيحٌ في رائِحَتِه؛ وذلك زيادة في عذابِه، وآلامِهِ النَّفسية، وتَحَسُّرِه في قبرِه، والعياذ بالله.


قال ابنُ كثيرٍ رحمه الله: (هَذَا تَقْرِيعٌ مِنْ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَام لِقَوْمِهِ، لَمَّا أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ بِمُخَالَفَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَتَمَرُّدهمْ عَلَى اللَّه، وَإِبَائِهِمْ عَنْ قَبُول الحَقّ، وَإِعْرَاضهمْ عَنِ الهُدَى إِلَى العَمَى، قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ ذَلِكَ - بَعْد هَلَاكِهِمْ؛ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا، وَهُمْ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ).



وهذا نَبِيُّ اللهِ شُعَيبٌ عليه السلام يُخاطِبُ قومَه - مُوَبِّخًا لهم بعدَ هلاكِهم: ﴿ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾ [الأعراف: 93]. أَيْ: قَدْ أَدَّيْت إِلَيْكُمْ مَا أُرْسِلْت بِهِ، فَلَا آسَى عَلَيْكُمْ، وَقَدْ كَفَرْتُمْ بِمَا جِئْتُمْ بِهِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: ﴿ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾.



وهذا نَبِيُّ اللهِ محمدٌ صلى الله عليه وسلم – مُوَبِّخًا ومُقرِّعًا لِصَنادِيدِ قُرَيشٍ يومَ بدرٍ
، فعَنْ قَتَادَةَ رحمه الله قَالَ: (ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ أَبِي طَلْحَةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلاً مِنْ صَنَادِيدِ [هُمْ أشرافُ القومِ وعُظَماؤُهم ورُؤساؤُهم] قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ [جَمْعُ طَوِيٍّ، وهِيَ البِئْرُ المَطْوِيَّةُ بالحِجارَة] بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالعَرْصَةِ [هِيَ كُلُّ مَوضِعٍ واسِعٍ لا بِناءَ فيه] ثَلاَثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ اليَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا، ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلاَّ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ [أي: البِئْر] فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ، وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: «يَا فُلاَنُ بْنَ فُلاَنٍ! وَيَا فُلاَنُ بْنَ فُلاَنٍ! أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟». قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لاَ أَرْوَاحَ لَهَا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ». قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ؛ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا، وَنِقْمَةً، وَحَسْرَةً وَنَدَمًا). رواه البخاري.

وقال قَتَادَةُ أيضًا: (أَسْمَعَ شُعَيْبٌ قَومَه، وأَسْمَعَ صَالِحٌ قومَه؛ كما أَسْمَعَ نَبِيُّكم قومَه يومَ بدرٍ، يعني: أنه خاطَبَهم بعدَ الهَلاكِ).



د. محمود بن أحمد الدوسري
شبكة الالوكة
 

أرواحُ العُصاةِ


عَن سَمُرةَ بنِ جُندُبٍ رَضِيَ اللهُ عَنه قال: كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِمَّا يُكثِرُ أن يَقولَ لِأصحابِه: ((هَل رأى أحَدٌ منكم من رُؤيا؟ قال: فيَقُصُّ عليه من شاء اللَّهُ أن يَقُصَّ، وإنَّه قال ذاتَ غَداةٍ: إنَّه أتاني اللَّيلةَ آتيانِ وإنَّهما ابتَعَثاني، وإنَّهما قالا لي: انطَلِقْ، وإنِّي انطَلَقْتُ مَعَهما، وإنَّا أتَينا على رَجُلٍ مُضطَجِعٍ، وإذا آخَرُ قائِمٌ عليه بصَخرةٍ، وإذا هو يَهوي بالصَّخرةِ لِرأسِه فيَثلَغُ رأسَه ، فيتدهدَهُ الحَجَرُ هاهنا، فيَتْبعُ الحَجَرُ فيأخُذُه، فلا يَرجِعُ إلَيه حَتَّى يَصِحَّ رأسُه كَما كانَ، ثُمَّ يَعودُ عليه فيَفعَلُ به مِثلَ ما فعل المَرَّةَ الأولَى قال: قُلتُ لَهما: سُبحانَ اللَّهِ، ما هَذانِ؟ قال: قالا لي: انطَلِقِ انطَلِقْ. قال: فانطَلَقْنا، فأتَينا على رَجُلٍ مُستَلْقٍ لِقَفَاه، وإذا آخَرُ قائِمٌ عليه بكَلُّوبٍ من حَديدٍ، وإذا هو يأتي أحَدَ شِقَّيْ وَجْهِه فيُشَرشِرُ شِدْقَه إلَى قَفَاه، ومَنخِرَه إلَى قَفَاه، وعَينَه إلَى قَفَاه، -قال: ورُبَّما قال أبو رَجاءٍ: فيَشُقُّ-. قال: ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إلَى الجانِبِ الآخَرِ فيَفعَلُ به مِثلَ ما فعل بالجانِب الأوَّلِ، فما يَفرُغُ من ذلك الجانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذلك الجانِبُ كَما كانَ، ثُمَّ يَعودُ عليه فيَفعَلُ مِثلَ ما فعل المَرَّةَ الأولَى، قال: قُلتُ: سُبْحانَ اللَّهِ، ما هَذانِ؟! قال: قالا لي: انطَلِقِ انطَلِقْ، فانطَلَقنا، فأتَينا على مِثلِ التَّنُّورِ -قال: فأحسَبُ أنَّه كانَ يَقولُ- فإذا فيه لَغَطٌ وأصَواتٌ، قال: فاطَّلَعْنا فيه، فإذا فيه رِجالٌ ونِساءٌ عُراةٌ، وإذا هم يأتيهم لَهَبٌ من أسفلَ مِنهم، فإذا أتاهم ذلك اللَّهَبُ ضَوْضَوْا ، قال: قُلتُ لَهما: ما هَؤُلاءِ؟، قال: قالا لي: انطَلِقِ انطَلِقْ، قال: فانطَلَقْنا، فأتَينا على نَهرٍ -حَسِبْتُ أنَّه كانَ يَقولُ- أحمَرَ مِثلِ الدَّمِ، وإذا في النَّهرِ رَجُلٌ سابحٌ يَسبَحُ، وإذا على شَطِّ النَّهرِ رَجُلٌ قَد جَمَعَ عِندَه حِجارةً كَثيرةً، وإذا ذلك السَّابحُ يَسبَحُ ما يَسبَحُ، ثُمَّ يأتي ذلك الَّذي قَد جَمَعَ عِندَه الحِجارةَ، فيَفغَرُ لَه فاه، فيُلقِمُه حَجَرًا فيَنطَلِقُ يَسبَحُ، ثُمَّ يَرجِعُ إِليه كُلَّما رَجَعَ إلَيه فغَر لَه فاهَ فألقَمَه حَجَرًا!، قال: قُلتُ لَهما: ما هَذانِ؟، قال: قالا لي: انطَلِقِ انطَلِقْ... قال: قُلتُ لَهما: فإنِّي قَد رأيتُ مُنذُ اللَّيلةِ عَجَبًا! فما هَذا الَّذي رأيتُ؟. قال: قالا لي: أمَّا إنَّا سَنُخبرُكَ؛ أمَّا الرَّجُلُ الأوَّلُ الَّذي أتَيتَ عليه يُثلَغُ رأسُه بالحَجَرِ، فإنَّه الرَّجُلُ يأخُذُ القُرآنَ فيَرفُضُه ويَنامُ عَنِ الصَّلاةِ المَكتوبةِ، وأمَّا الرَّجُلُ الَّذي أتَيتَ عليه يُشرشَرُ شِدْقُه إلَى قَفَاه، ومَنخِرُه إلَى قَفَاه، وعَينُه إلَى قَفَاه، فإنَّه الرَّجُلُ يَغدو من بَيتِه، فيَكذِبُ الكَذْبةَ تَبلُغُ الآفاقَ، وأمَّا الرِّجالُ والنِّساءُ العُراةُ الَّذينَ في مِثلِ بناءِ التَّنُّورِ، فإنَّهمُ الزُّناةُ والزَّواني، وأمَّا الرَّجُلُ الَّذي أتَيتَ عليه يَسبَحُ في النَّهرِ ويُلقَمُ الحَجَرَ، فإنَّه آكِلُ الرِّبا... )) .
قال ابنُ حَجَرٍ: (فيه أنَّ بَعضَ العُصاةِ يُعذَّبونَ في البَرزَخِ) .

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ في قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِىُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى. كَانَ أَحَدُهُمَا لا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِه، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ )) .

وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنه قال: افْتَتَحْنَا خَيْبَرَ وَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً، إِنَّمَا غَنِمْنَا الْبَقَرَ وَالإِبِلَ وَالْمَتَاعَ وَالْحَوَائِطَ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إِلَى وَادِى الْقُرَى وَمَعَهُ عَبْدٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، أَهْدَاهُ لَهُ أَحَدُ بَنِى الضِّبَابِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ حَتَّى أَصَابَ ذَلِكَ الْعَبْدَ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((بَلَى، وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِى أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا!))، فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِىِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بِشِرَاكٍ أَوْ بِشِرَاكَيْنِ فَقَالَ: هَذَا شَىْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ )) .

قال ابنُ القَيِّمِ: (المَسألةُ التَّاسِعةُ، وهيَ قَولُ السَّائِلِ: ما الأسبابُ الَّتي يُعذَّبُ بها أصحابُ القُبورِ؟
جَوابُها من وجهينِ: مُجمَلٌ ومُفصَّلٌ:
أمَّا المُجمَلُ: فإنَّهم يُعذَّبونَ على جَهلِهم باللهِ وإضاعَتِهم لِأمرِه وارتِكابهم لِمَعاصيه، فلا يُعذِّبُ اللَّهُ رُوحًا عَرَفتْه وأحَبَّتْه وامتَثَلَت لِأمرِه واجتَنَبَت نَهيَه، ولا بَدَنًا كانَت فيه أبَدًا، فإنَّ عَذابَ القَبرِ وعَذابَ الآخِرةِ أثَرُ غَضَبِ اللَّهِ وسَخَطِه على عَبدِه، فمن أغضَب اللَّهَ وأسخَطَه في هذه الدَّارِ ثُمَّ لَم يَتُبْ ومات على ذلك، كانَ لَه من عَذابِ البَرزَخِ بقَدرِ غَضَبِ اللَّهِ وسَخَطِه عليه، فمُستَقِلٌّ ومُستَكثِرٌ، ومُصَدِّقٌ ومُكَذِّبٌ.
وأمَّا الجَوابُ المُفصَّلُ: فقَد أخبَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّه عليه وآلِه وسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلينِ اللَّذينِ رَآهما يُعذَّبانِ في قُبورِهما: يَمشي أحَدُهما بالنَّميمةِ بينَ النَّاسِ، ويَترُكُ الآخَرُ الاستِبراءَ مِنَ البَولِ، فهَذا تَركَ الطَّهارةَ الواجِبةَ، وذلك ارتَكَبَ السَّبَبَ المُوقِعَ لِلعَدَاوةِ بينَ النَّاسِ بلِسانِه وإن كانَ صادِقًا، وفي هَذا تَنبيهٌ على أنَّ المُوقِعَ بينَهمُ العَداوةَ والكَذِبَ والزُّورَ والبُهتانَ أعظَمُ عَذابًا، كَما أنَّ في تَركِ الاستِبراءِ مِنَ البَولِ تَنبيهًا على أنَّ من تَركَ الصَّلاةَ الَّتي الاستِبراءُ مِنَ البَولِ بَعضُ واجِباتِها وشُروطِها فهو أشَدُّ عَذَابًا،... وقَد تَقَدَّمَ حَديثُ سَمُرةَ في صَحيحِ البُخاريِّ في تَعذيبِ مَن يَكذِبُ الكَذبةَ فتَبلُغُ الآفاقَ، وتَعذيبِ مَن يَقرأُ القِرآنَ ثُمَّ يَنامُ عَنه باللَّيلِ ولا يَعمَلُ به بالنَّهارِ، وتَعذيبِ الزُّناةِ والزَّواني، وتَعذيبِ آكِلِ الرِّبا، كَما شاهدَهمُ النَّبيُّ صَلَّى اللَّه عليه وآلِه وسلَّم في البَرزَخِ .... وقَد أخبَرَنا صَلَّى اللَّه عليه وآلِه وسلَّم عَن صاحِب الشَّملةِ الَّتي غَلَّها مِنَ المَغنَمِ أنَّها تَشتَعِلُ عليه نارًا في قَبرِه. هَذا ولَه فيها حَقٌّ ، فكَيف بمن ظَلمَ غَيرَه ما لا حَقَّ لَه فيه؟! فعَذابُ القَبرِ من مَعاصي القَلبِ والعَينِ والأذُنِ والفَمِ واللِّسانِ والبَطْنِ والفَرْجِ واليَدِ والرِّجْلِ، والبَدَنِ كُلِّه... فكُلُّ هَؤُلاءِ وأمثالُهم يُعذَّبونَ في قُبورِهم بهَذِه الجِرائِمِ بحَسَبِ كَثرَتِها وقِلَّتِها وصَغيرِها وكَبيرِها.
ولَمَّا كانَ أكثَرُ النَّاسِ كَذلك، كانَ أكثَرُ أصحابِ القُبورِ مُعَذَّبينَ، والفائِزُ مِنهم قَليلٌ، فظَواهرُ القُبورِ تُرابٌ، وبواطِنُها حَسَراتٌ وعَذابٌ، ظَواهرُها بالتُّرابِ والحِجارةِ المَنقوشةِ مَبنَيَّاتٌ، وفي باطِنِها الدَّواهي والبليَّاتُ، تَغلي بالحَسراتِ كَما تَغلي القُدورُ بما فيها، ويَحِقُّ لَها وقَد حيلَ بينَها وبينَ شَهَواتِها وأمانيها!) .
وقال أيضًا: (الأرواحُ مُتَفاوِتةٌ في مُستَقَرِّها في البَرزَخِ أعظَمَ تَفاوُتٍ. فمِنها: أرواحٌ في أعلَى عِلِّيِّينَ في المَلأِ الأعلَى، وهيَ أرواحُ الأنبياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُه عليهم، وهم مُتَفاوِتون في مَنازِلِهم كَما رَآها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَيلةَ الإسراءِ.
ومِنها: أرواحٌ في حَواصِلِ طَيرٍ خُضْرٍ تَسرَحُ في الجَنةِ حَيثُ شاءَت، وهيَ أرواحُ بَعضِ الشُّهداءِ لا جَميعِهم، بَل مِنَ الشُّهداءِ من تُحبَسُ روحُه عَن دُخولِ الجَنَّةِ لِدَينٍ عليه أو غَيرِه، كَما في المُسندِ عَن مُحَمَّدِ بن عَبدِ اللَّهِ بن جَحشٍ أنَّ رَجُلًا جاءَ إلَى النَّبيِّ صَلَّى اللَّه عليه وآلِه وسَلَّمَ فقال: يا رَسولَ اللَّهِ، ما لي إن قُتِلتُ في سَبيلِ اللَّه؟ قال: ((الجَنَّةُ))، فلَمَّا ولَّى قال: ((إلَّا الَّذي سارَّني به جِبريلُ آنِفًا )) ... ومِنهم: مَن يَكونُ مَحبوسًا في قَبرِه، كَحَديثِ صاحِبِ الشَّملةِ الَّتي غَلَّها ثُمَّ استُشهِدَ، فقال النَّاسُ: هَنيئًا لَه الجَنةُ! فقال النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وسَلَّمَ: ((كَلَّا، والَّذي نَفسي بيدِه إنَّ الشَّملةَ الَّتي غَلَّها لَتَشتَعِلُ عليه نارًا في قَبرِه)) .
ومِنهم: مَن يَكونُ مَقرُّه ببابِ الجَنَّةِ كَما في حَديثِ ابنِ عِباسٍ: ((لشُّهداءُ على بارِقٍ -نَهرٍ بباب الجَنةِ- في قُبَّةٍ خَضراءَ يَخرُجُ عليهم رِزقُهم مِنَ الجَنةِ بُكْرةً وعَشِيَّةً )). أخرجه أحمَدُ ... ومِنهم: مَن يَكونُ مَحبوسًا في الأرضِ لَم تَعْلُ رُوحُه إلَى المَلأِ الأعلَى، فإنَّها كانَت رُوحًا سُفليَّةً أرضيَّةً؛ فإنَّ الأنفُسَ الأرضيَّةَ لا تَجامِعُ الأنفُسَ السَّماويَّةَ كَما لا تُجامِعُها في الدُّنيا، والنَّفسُ الَّتي لَم تَكتَسِبْ في الدُّنيا مَعرِفةَ رَبِّها ومَحَبَّتَه وذِكْرَه والأُنْسَ به والتَّقَرُّبَ إلَيه، بَل هيَ أرضيَّةٌ سُفليَّةٌ، لا تَكونُ بَعدَ المُفارَقةِ لِبَدَنِها إلَّا هناك، كَما أنَّ النَّفسَ العُلويَّةُ الَّتي كانَت في الدُّنيا عاكِفةً على مَحَبَّةِ اللَّه وذِكرِه والتَّقَرُّبِ إلَيه والأُنسِ به تَكونُ بَعدَ المُفارَقةِ مَعَ الأرواحِ العُلويَّةِ المُناسِبةِ لَها، فالمَرءُ مَعَ من أحَبَّ في البرزَخِ ويَومَ القيامةِ، ...ومِنها: أرواحٌ تَكونُ في تَنُّورِ الزُّناةِ والزَّواني، وأرواحٌ في نَهرِ الدَّمِ تَسبَحُ فيه وتُلْقَمُ الحِجارةَ ، فلَيسَ لِلأرواحِ سَعيدِها وشَقِيِّها مُستَقَرٌّ واحِدٌ، بَل رُوحٌ في أعلَى عِلِّيِّينَ، وُروحٌ أرضيَّةٌ سُفليَّةٌ لا تَصعَدُ عَنِ الأرضِ.

وأنتَ إذا تأمَّلْتَ السُّننَ والآثارَ في هَذا البابِ، وكانَ لَكَ بها فضلُ اعتِناءِ عَرَفْتَ صِحَّةَ ذلك، ولا تَظُنَّ أنَّ بينَ الآثارِ الصَّحيحةِ في هَذا البابِ تَعارُضًا؛ فإنَّها كُلَّها حَقٌّ يُصَدِّقُ بَعضُها بَعضًا، لَكِنَّ الشَّأنَ في فهمِها ومَعرِفةِ النَّفسِ وأحكامِها، وأنَّ لَها شأنًا غَيرَ شأنِ البَدَنِ، وأنَّها مَعَ كَونِها في الجَنَّةِ فهيَ في السَّماءِ، وتَتَّصِلُ بفِناءِ القَبرِ وبالبَدَنِ فيه، وهيَ أسرَعُ شَيءٍ حَرَكةً وانتِقالًا وصُعودًا وهبوطًا، وأنَّها تَنقَسِمُ إلَى مُرسَلةٍ ومَحبوسةٍ وعُلويَّةٍ وسُفليَّةٍ، ولَها بَعدَ المُفارَقةِ صِحَّةٌ ومَرَضٌ، ولَذَّةٌ ونَعيمٌ وألمٌ أعظَمَ مِمَّا كانَ لَها حالَ اتِّصالِها بالبَدَنِ بكَثيرٍ، فهنالِكَ الحَبسُ والألمُ والعَذابُ والمَرَضُ والحَسرةُ، وهنالِكَ اللَّذَّةُ والرَّاحةُ والنَّعيمُ والإطلاقُ. وما أشبَهَ حالَها في هذا البَدَنِ بحالِ البَدَنِ في بَطنِ أمِّه وحالَها بَعدَ المُفارَقةِ بحالِه بَعدَ خُروجِه مِنَ البَطْنِ إلَى هَذِه الدَّارِ!) .
هَلِ العَذابُ في القَبرِ يَكونُ دائِمًا أو مُنقَطِعًا؟

قال ابنُ القَيِّمِ: (المَسألةُ الرَّابعةَ عَشْرةَ، وهيَ قَولُه: هَل عَذابُ القَبرِ دائِمٌ أو مُنقَطِعٌ؟
جَوابُها أنَّه نَوعانِ: نَوعٌ دائِمٌ سِوى ما ورَدَ في بَعضِ الأحاديثِ أنَّه يُخَفَّفُ عَنهم ما بينَ النَّفخَتينِ، فإذا قاموا من قُبورِهم قالوا: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا، ويَدُلُّ على دَوامِه قَولُه تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، ويَدُلُّ عليه ما تَقَدَّمَ في حَديثِ سَمُرةَ الَّذي أخرجه البُخاريُّ في رُؤيا النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفيه: ((فهو يَفعَلُ به ذلك إلَى يَومِ القيامةِ)) ، وفي حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ في قِصَّةِ الجَريدَتينِ ((لَعَلَّه يُخَفَّفُ عَنهما ما لَم ييبَسا ))، فجَعلَ التَّخفيفَ مُقَيَّدًا برُطوبَتِهما فقَط، وفي الصَّحيحِ في قِصَّةِ الَّذي لَبِسَ بُرْدَينِ وجَعلَ يَمشي يَتَبَختَرُ ((فخَسَف اللَّهُ به الأرضَ، فهو يَتَجَلجَلُ فيها إلَى يَومِ القيامةِ )) . وفي حَديثِ البراءِ بن عازِبٍ في قِصَّةِ الكافِرِ: ((ثُمَّ يُفتَحُ لَه بابٌ إلَى النَّارِ، فيَنظُرُ إلَى مَقعَدِه فيها حَتَّى تَقومَ السَّاعةُ )). أخرجه الإمامُ أحمَدُ . وفي بَعضِ طُرُقِه: ((ثُمَّ يَخرِقُ لَه خَرقًا إلَى النَّارِ، فيأتيه من غَمِّها ودُخَانِها إلَى يَومِ القيامةِ)) .
النَّوعُ الثَّاني إلَى مُدَّةٍ، ثُمَّ يَنقَطِعُ، وهو عَذابُ بَعضِ العُصاةِ الَّذينَ خَفَّت جَرائِمُهم، فيُعذَّبُ بحَسَبِ جُرمِه، ثُمَّ يُخَفَّفُ عَنه كَما يُعذَّبُ في النَّارِ مُدَّةً، ثُمَّ يَزولُ عَنه العَذابُ.
وقَد يَنقَطِعُ عَنه العَذابُ بدُعاءٍ، أو صَدَقةٍ، أوِ استِغفارٍ، أو ثَوابِ حَجٍّ، أو قِراءةٍ تَصِلُ إلَيه من بَعضِ أقارِبه أو غَيرِهم، وهَذا كَما يُشَفَّعُ الشَّافِعُ في المُعذَّبِ في الدُّنيا، فيُخَلَّصُ مِنَ العَذَابِ بشَفَاعَتِه) .
وقال ابنُ أبي العِزِّ: (هَل يَدومُ عَذابُ القَبرِ أو يَنقَطِعُ؟
جَوابُه أنَّه نَوعانِ: مِنه ما هو دائِمٌ، كَما قال تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: 46] ، وكَذلك في حَديثِ البراءِ بن عازِبٍ في قِصَّةِ الكافِرِ: ((ثُمَّ يُفتَحُ لَه بابٌ إلَى النَّارِ، فيَنظُرُ إلَى مَقعَدِه فيها حَتَّى تَقومَ السَّاعةُ )) ، أخرجه الإمامُ أحمَدُ في بَعضِ طُرُقِه .
والنَّوعُ الثَّاني: أنَّه مُدَّةٌ ثُمَّ يَنقَطِعُ، وهو عَذابُ بَعضِ العُصاةِ الَّذينَ خَفَّت جَرائِمُهم، فيُعذَّبُ بحَسَبِ جُرمِه، ثُمَّ يُخَفَّفُ عَنه) .

وقال ابنُ بازٍ: (أمَّا العاصي فهو تَحتَ المَشيئةِ، قَد يُعاقَبُ في قَبرِه، قَد يُعذَّبُ، وقَد يُعفى عَنه؛ قَد يُعذَّبُ وقتًا دونَ وقتٍ، فأمرُه إلَى اللَّهِ جلَّ وعلا، وقَد أخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه مَرَّ على قَبرينِ، فإذا هما يُعذَّبانِ؛ أحَدُهما يُعذَّبُ بالنَّميمةِ، والثَّاني يُعذَّبُ لِعَدَمِ تَنزُّهِه مِنَ البَولِ.
فالعاصي على خَطرٍ إذا ماتَ على المَعاصي ولَم يَتُبْ، وهو مُتَوعَّدٌ بالعَذابِ، لَكِن قَد يُعفى عَنه لِأسبابِ أعمالٍ صالِحةٍ كَثيرةٍ، أو بأسبابٍ أخرَى، وإذا عُذِّبَ فاللَّهُ أعلَمُ سُبحانَه بكَيفيَّةِ العَذابِ واستِمرارِه وانقِطاعِه، هَذا إلَى اللَّهِ سُبحانَه وتعالى، هو الَّذي يَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ جلَّ وعلا) .

الدرر السنية
 
عودة
أعلى