الدعم الإداري

الحرب غير المرئية الجديدة: حرب البيانات البيومترية كيف تُحوِّل القياسات الحيوية الصراعات الحديثة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط

إنضم
13 مارس 2018
المشاركات
14
التفاعل
27 4 0
الدولة
Spain
في أكتوبر 2023، يوجّه جندي إسرائيلي كاميرا نحو رجل عند نقطة تفتيش. تومض الشاشة. وبعد بضع ثوانٍ يظهر اسم.

على بعد آلاف الكيلومترات، في أوكرانيا، يقارن محلّل صورة جندي ميت بقاعدة بيانات تحتوي مليارات الصور المأخوذة من الإنترنت.
بعد ثوانٍ يظهر حساب على VKontakte أو Odnoklassniki.

وفي طهران، تقوم برامج روسية للتعرّف على الوجوه بمسح تدفقات الفيديو في شوارع المدينة للعثور على المشاركين في مظاهرة تم تسجيلها قبل عدة أيام.

ثلاثة مشاهد مختلفة، وثلاثة صراعات مختلفة، لكن تحوّلاً واحداً صامتاً:
الحرب الحديثة تتحول تدريجياً إلى حرب هويات.


حرب لا يراها الجمهور

يوجد اليوم بُعد من الحرب يكاد يختفي تماماً عن أنظار الجمهور.

لا ينتج أعمدة دخان، ولا يطلق صفارات إنذار.
ولا يترك الصور المدهشة للصواريخ أو الطائرات المسيّرة التي تهيمن على نشرات الأخبار.

ومع ذلك فهو يعيد تعريف الطريقة التي تراقب بها الدول خصومها وتتحكم فيهم وتستهدفهم.

هذه الحرب تجري:

  • في تدفقات الفيديو في المدن
  • في قواعد البيانات البيومترية
  • في الخوارزميات القادرة على العثور على وجه بين ملايين الصور
إنها حرب تحدث داخل الخوادم.

من شوارع طهران إلى نقاط التفتيش في الضفة الغربية، مروراً بساحات القتال في أوكرانيا، أصبحت تقنيات التعرف البيومتري تدريجياً مكوّناً أساسياً من مكونات الحرب الحديثة.

هذا التحول ما زال قليل الدراسة في التحليلات الاستراتيجية التقليدية، لكن بعض الدراسات الأكاديمية الحديثة تساعد على فهمه.


البيومترية: من أداة شرطية إلى أداة حرب

لفترة طويلة كانت القياسات الحيوية تُعتبر تقنية إدارية أو شرطية:

  • بصمات الأصابع
  • التعرف على الوجه
  • تحليل قزحية العين
وكانت تستخدم أساساً لتحديد هوية الأشخاص في الإطار القضائي.

لكن تطور تقنيات المراقبة غيّر المعادلة.

الأنظمة الحديثة تجمع اليوم بين:

  • شبكات ضخمة من كاميرات المراقبة
  • قواعد بيانات بيومترية
  • خوارزميات ذكاء اصطناعي تقارن ملايين الصور
في هذا السياق، يمكن أن تصبح مدينة كاملة جهاز استشعار.


أوكرانيا: أول مختبر لحرب البيومترية

الحالة الأوكرانية مثال واضح.

بعد الغزو الروسي عام 2022 حصلت أوكرانيا على تقنيات التعرف على الوجه، خصوصاً من شركة Clearview AI الأمريكية.

هذه الأنظمة تستطيع مقارنة وجه بقاعدة بيانات تحتوي مليارات الصور من الإنترنت.

بمعنى أنه يمكن استخدام صورة جندي من أجل:

  • تحديد هويته
  • العثور على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي
  • الاتصال بعائلته
وقد استخدمت السلطات الأوكرانية هذه التقنية للتعرف على الجنود الروس القتلى.

وكان الهدف مزدوجاً:

  1. إبلاغ العائلات
  2. خوض حرب إعلامية ضد روسيا
فقد كانت صور التعرف على الجنود تُنشر على الإنترنت لإظهار الخسائر الروسية.

وهكذا تحولت البيومترية إلى سلاح نفسي.


المراقبة الحضرية كبنية تحتية استراتيجية

توضح دراسة أخرى كيف تُستخدم كاميرات المراقبة وأنظمة التعرف على الوجه في التحقيقات الجنائية.

الآلية بسيطة:

  1. استخراج وجه من فيديو
  2. تحليل خصائصه الشكلية
  3. مقارنته بقاعدة بيانات
لكن الدراسة تؤكد نقطة مهمة:

رغم التقدم التقني، الأنظمة البيومترية ليست مثالية.

فالمشاكل تشمل:

  • ضبابية الصورة
  • زاوية التصوير
  • تغيّر المظهر
لهذا السبب لا تزال الخبرة البشرية ضرورية.


إيران وبناء دولة مراقبة بيومترية

في إيران يعتمد تطوير هذه التقنيات جزئياً على الاستيراد.

من أبرز الأمثلة برنامج التعرف على الوجه FindFace الذي طورته الشركة الروسية NtechLab.

وبحسب تقارير صحفية، حصلت إيران عليه عام 2019 عبر شركة وسيطة اسمها Rasadco، التي اندمجت لاحقاً مع شركة مرتبطة بالحرس الثوري.

يسمح البرنامج بـ:

  • مقارنة الوجوه بقاعدة بيانات من صور الإنترنت
  • ربط الأشخاص بحساباتهم على مواقع التواصل
بعبارة أخرى:
يمكن إعادة بناء شبكة اجتماعية كاملة انطلاقاً من صورة واحدة.

وهو أمر مفيد للأجهزة الأمنية من أجل:

  • تحديد المتظاهرين
  • متابعة المعارضين
  • رسم خرائط للشبكات الناشطة

إسرائيل: البيومترية في قلب النظام العسكري

تمتلك إسرائيل على الأرجح أكثر نظام بيومتري تطبيقي تطوراً في مناطق النزاع.

يستخدم الجيش الإسرائيلي منذ سنوات تقنيات التعرف على الوجه في الأراضي الفلسطينية.

أحد هذه الأنظمة هو Red Wolf المستخدم في بعض نقاط التفتيش.

عندما يمر شخص أمام الكاميرا:

  1. يتم مسح وجهه
  2. يُقارن تلقائياً بقاعدة بيانات
إذا تم العثور على تطابق يتلقى الجنود تنبيهاً.

ويرتبط النظام بقاعدة بيانات تدعى Wolf Pack تحتوي معلومات بيومترية عن آلاف الفلسطينيين.

كما يمكن للجنود استخدام تطبيق يسمى Blue Wolf يسمح لهم بتصوير شخص وإضافته فوراً إلى قاعدة البيانات.

وهكذا يتحول كل جندي إلى جامع بيانات بيومترية.


غزة: التعرف على الوجوه في الحرب

تسارعت هذه الظاهرة خلال الحرب في غزة.

بحسب تقارير صحفية استُخدمت أنظمة التعرف على الوجه لتحديد أفراد داخل السكان.

في البداية كان الهدف العثور على الرهائن،
لكن النظام استُخدم أيضاً لتعقب أعضاء مجموعات المقاومة.

في بيئة حضرية مكتظة، تغير هذه القدرة طبيعة العمليات العسكرية:

يمكن للجندي مسح وجه شخص ومعرفة فوراً إن كان معروفاً لدى أجهزة الاستخبارات.

وقد نُفذت عدة عمليات اغتيال بالطائرات المسيّرة اعتماداً على هذه الطريقة.


تحول جذري في طبيعة الحرب

لعدة قرون كانت الحرب تعني تدمير:

  • الجيوش
  • الحصون
  • البنية التحتية
أما اليوم فهي تعني بشكل متزايد:

  • فهم الأفراد
  • تحديد هوياتهم
  • تحليل شبكاتهم
  • مراقبة عاداتهم
ثم الانتظار…
حتى يظهر الشخص في المكان المناسب والوقت المناسب.

في هذا النموذج تصبح:

  • المدينة
  • الكاميرا
  • الهاتف الذكي
  • شبكة الواي فاي
مجسات استخبارية.

ويصبح السكان أنفسهم قاعدة بيانات حية ضخمة.


الانحرافات والمخاطر

كل تقنية عسكرية تنتج انحرافات.

كما حدث مع:

  • القصف الاستراتيجي في الحرب العالمية الثانية
  • ضربات الطائرات المسيّرة
  • الأسلحة السيبرانية
البيومترية قد تزيد المخاطر لأنها تحول الهوية الإنسانية إلى بيانات يمكن للأنظمة الآلية استخدامها.


وهم الدقة

التعرف على الوجه يعطي انطباعاً بالدقة العلمية.

لكن الواقع أكثر تعقيداً.

العوامل التي تؤثر على الدقة تشمل:

  • جودة الصورة
  • زاوية التصوير
  • الإضاءة
  • تقدم العمر
  • تغيّر المظهر
في الحرب قد تأتي الصور من:

  • طائرات مسيرة
  • كاميرات متضررة
  • هواتف محمولة
وهذا قد ينتج تطابقات خاطئة.

وفي سياق عسكري قد يؤدي الخطأ إلى:

  • اعتقال
  • إعدام
  • أو ضربة جوية.

خطر الأتمتة في الاستهداف

الخطر الأكبر يظهر عندما تُدمج الأنظمة البيومترية مع الذكاء الاصطناعي.

في بعض النزاعات بدأت الجيوش باستخدام أنظمة تحليل آلي لمعالجة كميات هائلة من البيانات لإنتاج قوائم أهداف محتملة.

وقد تصبح تقنية التعرف على الوجه أحد مصادر هذه البيانات.

المشكلة ليست في التقنية نفسها، بل في نقل القرار من الإنسان إلى الآلة.

فالخوارزمية لا تفهم السياق، بل تتعرف فقط على الأنماط.


تطبيع المراقبة الدائمة

في عالم يمكن فيه لكل كاميرا التعرف على الأشخاص، يختفي تدريجياً مفهوم الهوية المجهولة.

وفي زمن الحرب قد تتوسع أنظمة المراقبة باسم الأمن القومي.

لكن التاريخ يظهر أن تقنيات المراقبة التي تظهر أثناء الأزمات نادراً ما تختفي بعدها.

مثال على ذلك شبكة كاميرات لندن التي توسعت خلال الصراع مع الجيش الجمهوري الإيرلندي.


توسيع ساحة المعركة

عندما تصبح الكاميرات المدنية أدوات عسكرية تختفي الحدود بين:

  • البنية التحتية المدنية
  • والبنية العسكرية
كاميرا المرور قد تستخدم لمراقبة السير…
لكن يمكن أيضاً استخدامها لتعقب مسؤول عسكري.

عندها تصبح البنية المدنية جزءاً من ساحة الحرب.


قواعد بيانات لا يمكن محوها

البيومترية تطرح مشكلة زمنية.

بمجرد إنشاء قاعدة بيانات بيومترية يصبح حذفها صعباً.

يمكن:

  • نسخها
  • بيعها
  • اختراقها
وخلافاً لكلمة المرور، لا يمكن تغيير الوجه بسهولة.


تحويل الهوية إلى هدف

في الأنظمة البيومترية العسكرية تصبح الهوية نفسها بيانات عملياتية.

يمكن أن يُصنف الشخص كـ:

  • مشتبه به
  • معارض
  • مقاتل
ثم قد تُدمج هذه التصنيفات في أنظمة الاستهداف.

وهنا يصبح الفرق بين التعرف على الشخص واختياره كهدف رفيعاً جداً.


مستقبل الحرب: التنبؤ بالسلوك

المرحلة القادمة قد تكون الحرب التنبؤية.

بدلاً من مجرد التعرف على الأشخاص، قد تحاول الأنظمة التنبؤ بما سيفعلونه.

يحدث ذلك عندما تُجمع البيانات البيومترية مع:

  • بيانات الهواتف
  • مواقع التواصل
  • الكاميرات
  • الأقمار الصناعية
عندها يمكن تحليل:

  • التحركات
  • العلاقات
  • العادات
ومن ثم محاولة الإجابة عن سؤال جديد:

ماذا سيفعل هذا الشخص؟


حرب الهويات

لطالما وُصفت الحرب الحديثة بأنها حرب معلومات.

لكن ما نراه اليوم قد يكون شيئاً أعمق:

إنها حرب الهويات.

فأهم معلومة لم تعد موقع رادار أو صاروخ.

بل هوية الإنسان نفسه.


سؤال القرن الحادي والعشرين

الحرب الحديثة لم تعد تُخاض فقط في:

  • البر
  • البحر
  • الجو
بل أيضاً في قواعد البيانات.

وقد لا تكون حروب المستقبل صراعاً على الأراضي فقط،
بل أيضاً صراعاً على السيطرة على الهويات البشرية.

أكرم خريفMENADEFENSE
8 مارس 2026
 

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى