"أبوظبي للاستثمار" يتطلع لرهانات جريئة دون التخلي عن نهج الأوقاف
على مدى ما يقرب من عقدين بنى مجلس أبوظبي للاستثمار بهدوء محفظة أصول تبلغ قيمتها 160 مليار دولار، من دون أن يلفت الأنظار كثيراً في مدينة تعج بالصناديق السيادية. غير أن هذا النهج المتحفظ بدأ يتراجع تدريجياً.
منذ تولي سعيد المزروعي منصب الرئيس التنفيذي في أواخر عام 2023، توسع مجلس أبوظبي للاستثمار في فئات أصول جديدة، وأعاد تشكيل قياداته العليا، وأصبح يظهر علناً أكثر للتحدث دفاعاً عن رأسماله.
يستهدف الصندوق تحقيق عوائد لا تقل عن 10%، إذ أطلق ذراعاً للاستثمار في الصفقات في السوق الثانوية، وعزز تعرضه للاستثمار في
بتكوين، وزاد من وتيرة التوسع في قطاع التأمين. يُدار المجلس بشكل مستقل بوصفه وحدة تابعة لشركة مبادلة للاستثمار.
تعزيز عوائد "أبوظبي للاستثمار"
قال المزروعي، البالغ من العمر 45 عاماً، في مقابلة نادرة مع "بلومبرغ نيوز"، إن الهدف يتمثل في تعزيز العوائد من دون التخلي عن نهج "صندوق الوقف الخيري" الذي ميز الصندوق منذ تأسيسه، وجعله مختلفاً عن كبار المستثمرين الآخرين في الإمارة.
يعتمد هذا النموذج، الذي حظي بشعبية واسعة بين الجامعات والمؤسسات الخيرية وصناديق التقاعد منذ ثمانينيات القرن الماضي، على حبس رأس المال في الأسواق الخاصة لفترات طويلة مقابل تحقيق عوائد أعلى على المدى البعيد. غير أن صناديق الوقف الأميركية البارزة واجهت في السنوات الأخيرة ضغوطاً ناجمة عن ضعف الأداء، واحتياجات السيولة، بل وحتى التدقيق السياسي، في حين تبدو أوضاع مجلس أبوظبي للاستثمار أقوى.
يعد الصندوق أكبر بكثير من معظم صناديق الوقف، ولا يواجه التزامات توزيع دورية، كما يستند إلى القوة السيادية
لأبوظبي بدلاً من الاعتماد على الرسوم الدراسية أو حملات جمع التبرعات.
حصانة المجلس ضد التقلبات
قال المزروعي: "لا نتأثر بتقلبات السوق. نتمتع بسيولة قوية، ولا نحتاج إلى بيع الأصول الخاصة أو العامة عندما تكون قيمتها تحت الضغط. هذه ميزة لنا كمستثمر".
تأسس مجلس أبوظبي للاستثمار في عام 2007 بعد فصله عن جهاز أبوظبي للاستثمار، أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، قبل أن يُدمج لاحقاً ضمن شركة "مبادلة للاستثمار" في إطار عملية إعادة هيكلة أوسع. ونما الصندوق ليصل حجمه حالياً إلى نحو نصف حجم الشركة الأم.
توسع صناديق أبوظبي
خلال تلك الفترة، بنى المجلس علاقات عميقة مع شركات الاستحواذ وصناديق البنية التحتية ومستثمري رأس المال الجريء. وتزداد أهمية هذه العلاقات في وقت تتجه فيه صناديق أبوظبي إلى لعب دور بطريقة مباشرة أكثر في الأسواق الخاصة.
تشكل هذه الأصول حالياً نحو ثلثي محفظة الصندوق، وتُعد الملكية الخاصة ركناً أساسياً فيها. ويرى المزروعي أن هذه الفئة تمثل محركاً للنمو طويل الأجل، رغم التحديات التي واجهها القطاع مؤخراً.
تابع المزروعي: "على مدى فترات طويلة، حققت الأصول الخاصة عوائد تفوق الأسواق العامة بنحو 300 إلى 500 نقطة أساس. هذا هو التفوق الذي نعتمد عليه". لكنه أقر، في الوقت نفسه، بأن القطاع يمر بمرحلة "إعادة ضبط".
قلص مجلس أبوظبي للاستثمار عدد الشركاء العامين إلى أقل من 40 شريكاً في مجالي الملكية الخاصة ورأس المال الجريء على مستوى العالم، مع التركيز على رهانات ذات قناعة أعلى، وفرص أفضل للاستثمار المشترك، ورسوم أقل.
وتتراوح الالتزامات الاستثمارية المعتادة بين 100 مليون و150 مليون دولار، مع دخول انتقائي في صفقات متوسطة الحجم.
التوسع في السوق الثانوية
تُعد السوق الثانوية أحد أسرع قطاعات الأعمال نمواً، حيث يتيح للمستثمرين التخارج من حصصهم في صناديق لم تعد ضمن أولوياتهم، أو الاحتفاظ بأصول تجاوزت التوقيت التقليدي للتخارج. وقد شهدت هذه السوق نمواً سريعاً في السنوات الأخيرة، بعدما كان يُنظر إليها كسوق متخصصة.
أطلق مجلس أبوظبي للاستثمار منصته المتخصصة في السوق الثانوية قبل نحو ثلاثة أعوام، ويضم الفريق حالياً 12 متخصصاً، مع خطط لضخ ما يصل إلى 10 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة.
أوضح المزروعي أن "السوق الثانوية توفر سرعة في توظيف رأس المال، وعدداً أقل من مديري الصناديق، وتسعيراً قائماً على البيانات، إلى جانب تدفقات نقدية أكثر قابلية للتنبؤ". وتابع: "بفضل 17 عاماً من البيانات الداخلية، يمكننا تسعير الصفقات خلال أيام. وسيكون هذا حلاً رئيسياً لصناديق التقاعد والأوقاف التي تحتاج إلى سيولة".
وأضاف: "أريد أن أكون رائداً في هذا المجال"، مشبهاً هذه الفرصة بتلك التي برزت عقب الأزمة المالية العالمية في 2009.
دروس ما بعد الأزمة
خلال تلك المرحلة، عزز مجلس أبوظبي للاستثمار انكشافه على رأس المال الجريء عبر الاستحواذ على حصص من أوقاف أميركية كانت تعاني شح السيولة، ما أتاح له الوصول إلى شركات رائدة، ورسخ مكانته كمستثمر رئيسي في هذا القطاع.
وبالتوازي مع نشاط السوق الثانوية، عزز مجلس أبوظبي للاستثمار ركائز أخرى ضمن محفظته الاستثمارية شملت التأمين والائتمان الخاص وصناديق التحوط. ومن المنتظر أن تحقق هذه الاستراتيجيات مجتمعة عوائد تتراوح بين 12% و15% على المدى الطويل، متجاوزةً الهدف الاستثماري المحدد للصندوق، بحسب أحد المسؤولين التنفيذيين.
كما أسهمت هذه التحولات أيضاً في استقطاب كفاءات عليا. ففي العام الماضي، عين مجلس أبوظبي للاستثمار بن ساميلد، رئيس قسم الاستثمار في صندوق الثروة السيادية الأسترالي البالغة قيمته 252 مليار دولار أسترالي (174 مليار دولار أميركي)، في منصب رئيس الاستراتيجية. كذلك، عُين ألان كارييه، الرئيس التنفيذي السابق لشركة "بريغال إنفستمنتس" (Bregal Investments)، رئيساً لقسم الأسهم الخاصة.
تُعد أبوظبي من بين المدن القليلة التي تُدير ثروة سيادية تقدر بتريليوني دولار، وتعمل حالياً على إعادة هيكلة منظومتها الاستثمارية مع تولي ولي العهد الإشراف على كيان جديد استوعب ثالث أكبر صندوق في الإمارة، وهو "القابضة" (ADQ).
يندرج المزروعي ضمن جيل من القيادات الإماراتية المكلفة بتعزيز توجه أبوظبي نحو توسيع حضورها في قطاعي المال والتكنولوجيا. وبدأ مسيرته المهنية في "مبادلة"، قبل أن يتولى قيادة مجلس أبوظبي للاستثمار.
رهانات رقمية عالية المخاطر
برزت بالفعل شهية المزروعي للرهانات الاستثمارية المتنوعة، بعدما رفع الصندوق استثماره في صندوق متداول لعملة "بتكوين" بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال الربع الثالث. وجاء هذا الإفصاح قبل موجة تراجع حادة في أسعار العملات المشفرة، في تذكير واضح بالتقلبات المصاحبة للاستثمار في هذا النوع من الأصول.
مع ذلك، ظل الاستثمار محدوداً مقارنة بإجمالي أصول مجلس أبوظبي للاستثمار، مع تأكيد المزروعي عزمه التمسك بنهجه الاستثماري. حيث قال: "أريد أن يفكر الناس بجرأة أكبر، والتنبؤ برؤى جريئة وتفكير غير تقليدي في الاستثمار. المؤسسات الكبرى اليوم أصبحت أسيرة الإجراءات، وهذه الإجراءات تقتل الابتكار".
في هذا الإطار، يدرس مجلس أبوظبي للاستثمار حالياً فرص الاستثمار في شركات ناشئة متخصصة في تقنيات البلوكتشين، والتي يعتقد المزروعي أنها قد تُحدث تحولاً جذرياً في النظام المالي. وستُنفذ هذه الاستثمارات ضمن ضوابط صارمة، عبر ضخ مبالغ محدودة في عدد من الشركات، على أمل أن يبرز بعضها كمشروعات ناجحة.
وأضاف المسؤول التنفيذي: "يمكن تطبيق النموذج ذاته على قطاعات مختلفة، مثل الدفاع أو الذكاء الاصطناعي أو العملات المشفرة. وإذا خسرنا مليوني أو ثلاثة ملايين دولار فلن يشكل ذلك أثراً جوهرياً، لكن في حال نجحت شركة أو اثنتان، فسيدركون أننا كنا ندعمهم منذ البداية، وهو ما يصنع فارقاً حقيقياً".