.
تعد قضية سقوط نظام ولاية الفقيه في إيران نقطة تحول مفصلية لا تتعلق بالداخل الإيراني فحسب، بل بإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بالكامل. إن الفراغ الأمني الذي سيخلفه انهيار السلطة المركزية في طهران سيحول الجغرافيا الإيرانية إلى ساحة تنافس محموم، حيث تلتقي طموحات الدول القومية المجاورة مع حسابات القوى العظمى التي تبحث عن تأمين مصالحها الحيوية في ظل فوضى عارمة.
هل الدول المحيطة بإيران جاهزة للتعامل مع سقوط نظام الملالي وولاية الفقيه في إيران وهل تمتلك هذه الدول خططاً عملية لاستغلال ذلك بما يكفل نهاية التهديد الإيراني لدول المحيط؟
يطرح هذا التساؤل نفسه بقوة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، حيث لم يعد الحديث عن سقوط نظام ولاية الفقيه مجرد تكهن سياسي، بل أصبح سيناريو تدرسه مراكز الأبحاث الاستراتيجية كاحتمال وارد نتيجة الضغوط الخارجية المستمرة والتمزق الداخلي. إن سقوط هذا النظام لن يكون مجرد تغيير في السلطة، بل هو زلزال سياسي سيعقبه فراغ أمني هائل قد يدفع القوى المجاورة إلى التحرك العسكري لحماية مصالحها أو استعادة أراضٍ ترى أنها سلبت منها تاريخياً.
لا يمكن قراءة التحرك الأذربيجاني لاقتطاع أقاليم أذربيجان الإيرانية بمعزل عن الدور التركي المحوري. إن الشراكة الاستراتيجية بين باكو وأنقرة، والتي توجت باتفاقية شوشا، تمثل الإطار القانوني والعسكري لأي تحرك مستقبلي. تركيا لا تكتفي بالدعم السياسي، بل توفر الغطاء الجوي واللوجستي والتنسيق الاستخباراتي الذي يمكن أذربيجان من التحرك داخل الأراضي الإيرانية تحت ذريعة حماية الأقلية الأذرية التي يقدر عددها بنحو خمسة وعشرين مليون نسمة.
الهدف الاستراتيجي الأكبر لهذا التحرك هو تأمين ممر زانجيزور الذي سيربط تركيا مباشرة بأذربيجان ومنها إلى بحر قزوين ودول وسط آسيا. هذا الممر يمثل حلماً تركياً قديماً للربط مع العالم التركي وتجاوز العائق الجغرافي الإيراني والروسي. في حالة سقوط النظام، سيكون التدفع العسكري المنسق بين الدولتين وسيلة لفرض واقع جيوستراتيجي جديد ينهي الوجود الإيراني في شمال غرب البلاد ويجعل من تركيا القوة المهيمنة على ممرات التجارة والطاقة العابرة للقارات.
على الجبهة الشرقية، قد تجد باكستان نفسها مضطرة أو راغبة في التحرك نحو بلوشستان الإيرانية. هذا السيناريو يهدف إلى وأد أي طموحات استقلالية قد تنتقل لداخل أراضيها (اقليم بلوشستان الباكستاي) من خلال السيطرة المباشرة على الإقليم المضطرب، وضمان عدم تحوله إلى قاعدة خلفية للجماعات المسلحة البلوشستانية المطالبة بالاستقلال في ظل غياب الدولة المركزية في طهران.
أما في الخليج العربي، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تمتلك فرصة تاريخية لاسترجاع جزرها الثلاث المحتلة (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى). وبالتزامن مع الانشغال الإيراني بالانهيار الداخلي، قد يتوسع هذا التحرك ليشمل السيطرة على جزيرتي قشم وهرمز، مما يمنح دول الخليج سيطرة مطلقة على مضيق هرمز ويؤمن الملاحة الدولية من أي تهديدات مستقبلية، محولاً المضيق إلى منطقة نفوذ عربية بالكامل.
داخلياً، سيمثل سقوط المركز فرصة ذهبية للأقاليم العرقية المهمشة. فمن المتوقع أن تعلن الأحواز العربية استقلالها بدعم لوجستي وسياسي من دول الخليج، نظراً لأهميتها الاقتصادية كخزان للنفط والغاز. وسيتزامن ذلك مع تحرك مماثل من الأكراد الإيرانيين في الشمال الغربي لإقامة كيانهم المستقل، مما يضع العراق في وضع جديد يسمح له بالتحرر التلقائي من التبعية السياسية والنفوذ الضاغط الذي مارسته طهران لعقود، ليعود العراق كلاعب إقليمي مستقل بقراره السيادي.
إن نجاح هذا السيناريو المعقد يعتمد بشكل أساسي على الغطاء السياسي الغربي ، وتحديداً الرغبة الأمريكية والإسرائيلية في إنهاء ملف إيران كمهدد إقليمي. وجود ضوء أخضر دولي سيجعل من عملية تقسيم النفوذ أمراً واقعاً يتم تسويقه تحت بند حماية الأمن والسلم الدوليين ومنع وقوع الأسلحة المتقدمة في يد ميليشيات فوضوية, وحق الشعوب في التحرر وتقرير مصيرها (الشعوب غير الفارسية). يمكن أن تقوم بعض القوى الكبرى بتوفير غطاء سياسي ودبلوماسي لهذه التحركات العسكرية تحت ذريعة حماية الأمن الإقليمي ومنع وقوع أسلحة الدمار الشامل في أيدي الميليشيات المتناحرة. أما مواقف القوى الأخرى مثل روسيا والصين، فمن المرجح أن تكون هامشية أو متأخرة، حيث ستنشغل روسيا بملفاتها الحدودية، بينما ستكتفي الصين بمحاولة تأمين عقود الطاقة مع الكيانات الجديدة الصاعدة.
يواجه هذا السيناريو تحديات منطقية وعملية بالغة التعقيد:
أولاً، تحدي السيطرة على الترسانة العسكرية. فإيران تمتلك مخزوناً ضخماً من الصواريخ والمسيرات وربما مواد نووية، وسقوط النظام قد يؤدي إلى وقوع هذه الأسلحة في أيدي قادة محليين أو فصائل من الحرس الثوري ترفض الاستسلام، مما يحول عملية الاقتطاع العسكري إلى حرب استنزاف دموية.
ثانياً، موجات اللجوء المليونية. إن انهيار الدولة في إيران سيؤدي إلى تدفق هائل للاجئين نحو تركيا والعراق وباكستان ودول الخليج، وهو ما يمثل ضغطاً اقتصادياً وأمنياً قد يمنع هذه الدول من المغامرة بالتدخل العسكري المباشر.
ثالثاً، عقيدة القومية الفارسية. حتى مع سقوط نظام ولاية الفقيه، فإن التيار القومي الفارسي داخل الجيش والقوى المدنية قد يتوحد لمواجهة أي محاولة لتقسيم البلاد، مما قد يحول الفوضى إلى حرب أهلية طويلة الأمد تشبه السيناريو السوري ولكن على نطاق أوسع بكثير.
رابعاً، التضارب في مصالح الدول المتدخلة. فتركيا وباكستان ودول الخليج قد تختلف على حدود مناطق النفوذ، مما قد يؤدي إلى صدامات بين الحلفاء المفترضين في ظل غياب رؤية موحدة لمرحلة ما بعد السقوط.
في الختام، يبدو أن الدول المحيطة بإيران تمتلك الدوافع والأهداف الاستراتيجية لاستغلال سقوط النظام، لكن الجاهزية العملية لا تزال محل شك. إن الانتقال من مرحلة الدفاع عن النفس ضد التهديد الإيراني إلى مرحلة الهجوم واقتطاع الأراضي يتطلب تنسيقاً استخباراتياً وعسكرياً فائق المستوى لم يظهر للعلن بشكل كافٍ حتى الآن. السقوط قد ينهي التهديد الأيديولوجي، لكنه قد يفتح باباً من الفوضى يصعب إغلاقه إذا لم تكن هناك خطة إقليمية واضحة المعالم تضمن الاستقرار وتمنع تحول إلى فوضى مدمرة.
.
تعد قضية سقوط نظام ولاية الفقيه في إيران نقطة تحول مفصلية لا تتعلق بالداخل الإيراني فحسب، بل بإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بالكامل. إن الفراغ الأمني الذي سيخلفه انهيار السلطة المركزية في طهران سيحول الجغرافيا الإيرانية إلى ساحة تنافس محموم، حيث تلتقي طموحات الدول القومية المجاورة مع حسابات القوى العظمى التي تبحث عن تأمين مصالحها الحيوية في ظل فوضى عارمة.
هل الدول المحيطة بإيران جاهزة للتعامل مع سقوط نظام الملالي وولاية الفقيه في إيران وهل تمتلك هذه الدول خططاً عملية لاستغلال ذلك بما يكفل نهاية التهديد الإيراني لدول المحيط؟
يطرح هذا التساؤل نفسه بقوة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، حيث لم يعد الحديث عن سقوط نظام ولاية الفقيه مجرد تكهن سياسي، بل أصبح سيناريو تدرسه مراكز الأبحاث الاستراتيجية كاحتمال وارد نتيجة الضغوط الخارجية المستمرة والتمزق الداخلي. إن سقوط هذا النظام لن يكون مجرد تغيير في السلطة، بل هو زلزال سياسي سيعقبه فراغ أمني هائل قد يدفع القوى المجاورة إلى التحرك العسكري لحماية مصالحها أو استعادة أراضٍ ترى أنها سلبت منها تاريخياً.
لا يمكن قراءة التحرك الأذربيجاني لاقتطاع أقاليم أذربيجان الإيرانية بمعزل عن الدور التركي المحوري. إن الشراكة الاستراتيجية بين باكو وأنقرة، والتي توجت باتفاقية شوشا، تمثل الإطار القانوني والعسكري لأي تحرك مستقبلي. تركيا لا تكتفي بالدعم السياسي، بل توفر الغطاء الجوي واللوجستي والتنسيق الاستخباراتي الذي يمكن أذربيجان من التحرك داخل الأراضي الإيرانية تحت ذريعة حماية الأقلية الأذرية التي يقدر عددها بنحو خمسة وعشرين مليون نسمة.
الهدف الاستراتيجي الأكبر لهذا التحرك هو تأمين ممر زانجيزور الذي سيربط تركيا مباشرة بأذربيجان ومنها إلى بحر قزوين ودول وسط آسيا. هذا الممر يمثل حلماً تركياً قديماً للربط مع العالم التركي وتجاوز العائق الجغرافي الإيراني والروسي. في حالة سقوط النظام، سيكون التدفع العسكري المنسق بين الدولتين وسيلة لفرض واقع جيوستراتيجي جديد ينهي الوجود الإيراني في شمال غرب البلاد ويجعل من تركيا القوة المهيمنة على ممرات التجارة والطاقة العابرة للقارات.
على الجبهة الشرقية، قد تجد باكستان نفسها مضطرة أو راغبة في التحرك نحو بلوشستان الإيرانية. هذا السيناريو يهدف إلى وأد أي طموحات استقلالية قد تنتقل لداخل أراضيها (اقليم بلوشستان الباكستاي) من خلال السيطرة المباشرة على الإقليم المضطرب، وضمان عدم تحوله إلى قاعدة خلفية للجماعات المسلحة البلوشستانية المطالبة بالاستقلال في ظل غياب الدولة المركزية في طهران.
أما في الخليج العربي، فإن دولة الإمارات العربية المتحدة تمتلك فرصة تاريخية لاسترجاع جزرها الثلاث المحتلة (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى). وبالتزامن مع الانشغال الإيراني بالانهيار الداخلي، قد يتوسع هذا التحرك ليشمل السيطرة على جزيرتي قشم وهرمز، مما يمنح دول الخليج سيطرة مطلقة على مضيق هرمز ويؤمن الملاحة الدولية من أي تهديدات مستقبلية، محولاً المضيق إلى منطقة نفوذ عربية بالكامل.
داخلياً، سيمثل سقوط المركز فرصة ذهبية للأقاليم العرقية المهمشة. فمن المتوقع أن تعلن الأحواز العربية استقلالها بدعم لوجستي وسياسي من دول الخليج، نظراً لأهميتها الاقتصادية كخزان للنفط والغاز. وسيتزامن ذلك مع تحرك مماثل من الأكراد الإيرانيين في الشمال الغربي لإقامة كيانهم المستقل، مما يضع العراق في وضع جديد يسمح له بالتحرر التلقائي من التبعية السياسية والنفوذ الضاغط الذي مارسته طهران لعقود، ليعود العراق كلاعب إقليمي مستقل بقراره السيادي.
إن نجاح هذا السيناريو المعقد يعتمد بشكل أساسي على الغطاء السياسي الغربي ، وتحديداً الرغبة الأمريكية والإسرائيلية في إنهاء ملف إيران كمهدد إقليمي. وجود ضوء أخضر دولي سيجعل من عملية تقسيم النفوذ أمراً واقعاً يتم تسويقه تحت بند حماية الأمن والسلم الدوليين ومنع وقوع الأسلحة المتقدمة في يد ميليشيات فوضوية, وحق الشعوب في التحرر وتقرير مصيرها (الشعوب غير الفارسية). يمكن أن تقوم بعض القوى الكبرى بتوفير غطاء سياسي ودبلوماسي لهذه التحركات العسكرية تحت ذريعة حماية الأمن الإقليمي ومنع وقوع أسلحة الدمار الشامل في أيدي الميليشيات المتناحرة. أما مواقف القوى الأخرى مثل روسيا والصين، فمن المرجح أن تكون هامشية أو متأخرة، حيث ستنشغل روسيا بملفاتها الحدودية، بينما ستكتفي الصين بمحاولة تأمين عقود الطاقة مع الكيانات الجديدة الصاعدة.
يواجه هذا السيناريو تحديات منطقية وعملية بالغة التعقيد:
أولاً، تحدي السيطرة على الترسانة العسكرية. فإيران تمتلك مخزوناً ضخماً من الصواريخ والمسيرات وربما مواد نووية، وسقوط النظام قد يؤدي إلى وقوع هذه الأسلحة في أيدي قادة محليين أو فصائل من الحرس الثوري ترفض الاستسلام، مما يحول عملية الاقتطاع العسكري إلى حرب استنزاف دموية.
ثانياً، موجات اللجوء المليونية. إن انهيار الدولة في إيران سيؤدي إلى تدفق هائل للاجئين نحو تركيا والعراق وباكستان ودول الخليج، وهو ما يمثل ضغطاً اقتصادياً وأمنياً قد يمنع هذه الدول من المغامرة بالتدخل العسكري المباشر.
ثالثاً، عقيدة القومية الفارسية. حتى مع سقوط نظام ولاية الفقيه، فإن التيار القومي الفارسي داخل الجيش والقوى المدنية قد يتوحد لمواجهة أي محاولة لتقسيم البلاد، مما قد يحول الفوضى إلى حرب أهلية طويلة الأمد تشبه السيناريو السوري ولكن على نطاق أوسع بكثير.
رابعاً، التضارب في مصالح الدول المتدخلة. فتركيا وباكستان ودول الخليج قد تختلف على حدود مناطق النفوذ، مما قد يؤدي إلى صدامات بين الحلفاء المفترضين في ظل غياب رؤية موحدة لمرحلة ما بعد السقوط.
في الختام، يبدو أن الدول المحيطة بإيران تمتلك الدوافع والأهداف الاستراتيجية لاستغلال سقوط النظام، لكن الجاهزية العملية لا تزال محل شك. إن الانتقال من مرحلة الدفاع عن النفس ضد التهديد الإيراني إلى مرحلة الهجوم واقتطاع الأراضي يتطلب تنسيقاً استخباراتياً وعسكرياً فائق المستوى لم يظهر للعلن بشكل كافٍ حتى الآن. السقوط قد ينهي التهديد الأيديولوجي، لكنه قد يفتح باباً من الفوضى يصعب إغلاقه إذا لم تكن هناك خطة إقليمية واضحة المعالم تضمن الاستقرار وتمنع تحول إلى فوضى مدمرة.
.