تحليل: صمت بعض الأطراف التونسية حول إتفاقية إستغلال الملح من فرنسا والغضب من التقارب مع الجزائر

إنضم
18 أغسطس 2025
المشاركات
1,886
التفاعل
2,604 41 1
الدولة
Algeria
تعود جذور إتفاقية إستغلال الملح التونسي مقابل مبلغ زهيد إلى فترة الحماية الفرنسية على تونس، حيث تم توقيع العقد الأصلي في عام 1949 لمدة 50 عامًا. كانت بنود العقد مثيرة للجدل منذ البداية، حيث كانت الشركة تستأجر الهكتار الواحد من الملاحات بمبلغ رمزي للغاية، وهو ما اعتبره كثيرون استغلالاً لثروات البلاد الطبيعية.


b78aaeae-3a56-4d20-982c-c77f2ccd3ada.png


على مر السنين، وتحديدًا خلال فترتي حكم الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، تم تمديد الاتفاقية تلقائيًا مرتين، مما أبقى سيطرة الشركة الفرنسية قائمة لفترة طويلة بعد استقلال تونس.

في السنوات التي سبقت عام 2019، تصاعد الجدل حول "اتفاقية الملح" في تونس، حيث طالب نواب في البرلمان ومنظمات مجتمع مدني بضرورة إنهاء هذا العقد "الاستعماري".

تم تسليط الضوء على الفارق الكبير بين القيمة السوقية للملح التونسي عالي الجودة الذي يُنتج بكميات كبيرة (حوالي مليوني طن سنويًا) والمبلغ الزهيد الذي كانت تدفعه الشركة مقابل حق الاستغلال (حوالي 0.03 دولار للهكتار).

استجابت الحكومة التونسية لهذه الضغوط في فبراير 2019، وأعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة آنذاك إياد الدهماني قرار رئيس الحكومة يوسف الشاهد بوقف الاتفاقية وعدم تمديدها آليًا.

كانت التواريخ المتداولة في ذلك الوقت تشير إلى أن آخر موعد لعدم التمديد كان في أكتوبر 2018، وإلا فإنها ستتجدد لـ10 أو 15 سنة أخرى (حتى 2029 أو 2034). قرار الحكومة جاء ليقطع الطريق أمام أي تمديد آلي محتمل.

الصمت المريب من الأطراف الساسية التونسية اليوم حول الإتفاقية بالرغم من صدور قرار عدم التمديد في 2019، إلا أن مفعول الاتفاقية الأصلية (التي كانت مدتها 10 سنوات في آخر تمديد آلي) يستمر قانوناً حتى أكتوبر 2029 يثير التحليل والدراسات.


قراءة تحليلية في موقف بعض الأطراف التونسية من اتفاقية استغلال الملح مع فرنسا والغضب من التقارب مع الجزائر:


يثير التباين اللافت في مواقف بعض الأطراف التونسية من قضايا السيادة الاقتصادية والعلاقات الخارجية تساؤلات عميقة حول طبيعة الاصطفافات السياسية وحدود الخطاب الوطني.

فقد سُجّل في الآونة الأخيرة صمتٌ شبه تام تجاه اتفاقيات قديمة ومتجددة تخص استغلال الموارد الطبيعية التونسية، وعلى رأسها الملح، من قبل شركات فرنسية، مقابل موجة غضب وانتقاد حادين كلما تعلق الأمر بتقارب تونسي مع الجزائر، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي.

اتفاقية الملح: ملف سيادي خارج دائرة الجدل


تعود اتفاقية استغلال الملح في تونس إلى الحقبة الاستعمارية، حيث مُنحت امتيازات طويلة الأمد لشركات فرنسية تواصل إلى اليوم، استغلال هذه الثروة الطبيعية بشروط يصفها مختصون بأنها مجحفة وغير متكافئة.

ورغم ما يطرحه هذا الملف من إشكالات تتعلق بالسيادة الاقتصادية والعدالة في توزيع الثروة، فإن ردود الفعل السياسية والإعلامية ظلت محدودة، إن لم تكن غائبة تمامًا، لدى أطراف تدّعي الدفاع عن المصالح الوطنية وهي نفسها من تصرخ إتجاه الإتفاقيات التعاونية بين تونس والجزائر اليوم.


هذا الصمت يطرح علامات استفهام حقيقية، خاصة إذا ما قورن بحساسية هذه الأطراف تجاه أي ملف يمس الشراكات مع دول الجوار، ويكشف عن انتقائية واضحة في تحديد “قضايا السيادة” التي تستحق الضجيج، وتلك التي يُفضَّل تجاهلها.

فرنسا: الإرث الثقيل وحدود النقد


لا يمكن فصل هذا الصمت عن العلاقة التاريخية المركبة بين تونس وفرنسا.

ففرنسا لا تزال تحتفظ بنفوذ اقتصادي وثقافي معتبر في تونس، يتجلى في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والموارد الطبيعية والتمويل.

ويبدو أن بعض النخب السياسية والإعلامية تتجنب فتح ملفات حساسة قد تُحرج هذا الشريك التقليدي، إما بدافع الحسابات السياسية، أو نتيجة ارتباطات اقتصادية وفكرية متجذرة.

الغضب من التقارب مع الجزائر: ازدواجية في المعايير


في المقابل، كلما تعزز التقارب بين تونس والجزائر، سواء عبر اتفاقيات طاقوية، أو تنسيق سياسي وأمني، ترتفع حدة الانتقادات من نفس الأطراف التي تلوذ بالصمت في ملفات أخرى خاصة أتباع من وقعوا تجديد إتفاقية إستغلال الملح التونسي مع فرنسا سابقا.

ويُقدَّم هذا التقارب أحيانًا في خطابها على أنه “ارتهان” أو “انحياز غير محسوب”، رغم أن الجزائر تُعد شريكًا استراتيجيًا قدم دعمًا اقتصاديًا وطاقويًا حاسمًا لتونس في فترات حرجة، بشروط تفضيلية واحترام متبادل للسيادة.

قراءة في الخلفيات والدوافع


تكشف هذه المفارقة عن إشكال أعمق يتعلق بطبيعة الخطاب السياسي لبعض الفاعلين في تونس، حيث لا يُقاس الموقف بميزان المصلحة الوطنية بقدر ما يُحدَّد وفق تموضع إيديولوجي أو ارتباطات خارجية.

فالسيادة، في هذا السياق، تتحول إلى شعار انتقائي يُستدعى ضد شركاء إقليميين، ويُعلَّق عندما يتعلق الأمر بقوى تقليدية ذات نفوذ تاريخي.

خاتمة التحليل والدراسة:


إن الجدل حول اتفاقية استغلال الملح والغضب من التقارب مع الجزائر ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو مرآة لازدواجية في المعايير، تكشف عن صراع بين خطاب وطني مُعلن وممارسات سياسية انتقائية.

ومهما اختلفت التقديرات، يبقى من حق الرأي العام التونسي طرح سؤال جوهري: لماذا تُثار العواصف ضد شراكات قائمة على الدعم والتكافؤ، بينما يُطوى الصمت ملفات تمس جوهر السيادة الاقتصادية من بينها المتعلقة مع فرنسا؟

الوطنية كقناع سياسي: تفكيك خطاب مزدوج


ويذهب هذا التحليل إلى أبعد من مجرد رصد التناقض في المواقف، ليخلص إلى أن بعض الأطراف السياسية داخل تونس، وأحيانًا من خارجها، تتغطّى بخطاب وطني ظاهري، وتدّعي الحرص على السيادة التونسية كلما تعلق الأمر بالتقارب مع الجزائر، في حين تصمت صمتًا مطبقًا إزاء اتفاقيات حقيقية وموثقة تمس جوهر السيادة الاقتصادية التونسية، وعلى رأسها اتفاقيات استغلال الملح من قبل شركات فرنسية.


فالمفارقة اللافتة أن هذه الاتفاقيات، التي ينتهي أجلها سنة 2029، لا تزال تمنح امتيازات غير متكافئة للطرف الفرنسي، وسط غياب ضغط سياسي أو إعلامي جاد من نفس الأصوات التي تصرخ ضد أي تقارب تونسي–جزائري. وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول انتقائية مفهوم الوطنية لدى هذه الأطراف.

مسؤولية تاريخية مغفلة:


الأكثر دلالة أن عددًا من هذه الأطراف لم تكن خارج دوائر القرار في السابق، بل شغلت مناصب وزارية عليا خلال عهد زين العابدين بن علي، وهو العهد الذي تم فيه تجديد اتفاقية استغلال الملح مع فرنسا.

ما يعني أن هذه الأطراف، التي ترفع اليوم شعار الدفاع عن السيادة، كانت إما شريكة في القرار أو صامتة عنه عندما تعلّق الأمر بتمديد امتيازات فرنسية تمس الثروة الوطنية التونسية.


هذا المعطى يُضعف بشكل جوهري مصداقية خطابها الحالي، ويحوّل “الغيرة على السيادة” من موقف مبدئي إلى أداة سياسية ظرفية تُستخدم حسب هوية الشريك لا حسب مضمون الاتفاق.

ولاءات غير مُعلنة وازدواجية مقصودة:


وينتهي التحليل إلى أن الأطراف التي تُصعّد خطابها داخل تونس ضد التقارب مع الجزائر ليست بالضرورة مدفوعة بالخوف على المصلحة الوطنية، بقدر ما هي أطراف ذات ولاء سياسي واقتصادي وثقافي لفرنسا، ترى في أي شراكة استراتيجية مع الجزائر إزعاجًا لنفوذ تقليدي راسخ. لذلك، فهي تهاجم التعاون مع الجزائر، وتُهوّل مخاطره، بينما تُطبِق الصمت بشكل متعمّد عندما تُبرم اتفاقيات مع فرنسا، حتى وإن كانت تلك الاتفاقيات تُستغل فيها الثروات التونسية بطرق غير متكافئة أو مجحفة.



وعليه، فإن الإشكال لا يكمن في النقاش حول الشراكات بحد ذاتها، بل في ازدواجية المعايير وتسييس مفهوم السيادة.

فالوطنية الحقيقية لا تُقاس بهوية الشريك، بل بعدالة الاتفاق، واحترام السيادة، ومصلحة الشعب.

أما تحويل السيادة إلى شعار يُرفع في وجه الجزائر ويُسحب أمام فرنسا، فذلك لا يعكس حرصًا على تونس، بقدر ما يكشف عن اصطفافات وولاءات تتجاوز الخطاب المُعلن.​
 

المواضيع المشابهة

عودة
أعلى