قبرص .. جزيرة التجسس الأمريكية على الشرق الأوسط
منظر عام لشواطئ جزيرة قبرص
اليوم - برلين
عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بتسليط اهتمامها في جمع المعلومات عن دول الشرق الأوسط، واختارت أن تكون قريبة من المنطقة، واستغلت علاقات حليفتها بريطانيا الوثيقة مع قبرص لهذا المشروع.
إنهم يرتدون سراويل قصيرة وقمصانا (التي شيرت) ويغطون نصف وجوههم بنظارات شمسية ويحملون كاميرات، وهم يتصرفون كأنهم سياح، لكي يخفوا حقيقة وجودهم في جزيرة قبرص، بينما هم في الحقيقة عملاء يعملون بتكليف من وكالة الأمن القومي الأمريكية في التجسس على المكالمات الهاتفية والإنترنت في دول الشرق الأوسط.
وكشفت معلومات نشرتها وسائل الإعلام الألمانية حصلت عليها من إدوارد سنودن الخبير التقني السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية، والتي كشفت أن الأمريكيين يمارسون التجسس على دول الشرق الأوسط من قاعدة عسكرية بريطانية موجودة في منطقة Ayios Nikolaos والتي تعتبر أهم مركز للتجسس تابع لمديرية الاتصالات التابعة للحكومة البريطانية GCHQ.
وبحسب التحقيقات التي نُشرت في ألمانيا، يقع مركز التجسس البريطاني في القسم الشرقي من الجزيرة وعلى حدود ما يعرف بالخط الأخضر الفاصل بين قبرص اليونانية والشطر التركي .
وتوضح الصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية وجود مبان تعلوها لاقطات هوائية وأجهزة تنصت، وتحيط بها تلال بحيث يُحظر على المدنيين الاقتراب منها، وهي تبعد خمسة كيلومترات عن الشاطئ وخمسة كيلومترات عن أقرب مدينة مجاورة، لكن السكان القبارصة لا يكترثون لهذا المركز رغم معرفتهم من الصحف القبرصية منذ زمن بعيد أنه وكر تجسس.
وأوضحت المعلومات أن البريطانيين أقاموا هناك في نهاية الأربعينيات أكبر مركز للتجسس على منطقة الشرق الأوسط، ويقوم فنيون من مديرية الاتصالات التابعة للحكومة البريطانية ووكالة الأمن القومي الأمريكية، بالتنصت على مصر والعراق وسوريا ولبنان وغيرها من بلدان المنطقة.
ويسهّل الموقع الجغرافي الاستراتيجي لهذا المركز نشاطات التنصت، حيث لا يبعد عن سوريا ولبنان وإسرائيل أكثر عن مائة كيلومتر .
وفي السنوات الأخيرة تحولت قبرص إلى وكر تجسس رئيسي للبريطانيين والأمريكيين على بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وبالإضافة إلى المنشآت التقنية على أسطح مباني المركز واللاقطات الهوائية، تمتد في أعماق البحر كيلومترات من الكابلات، وقالت الصحيفة الألمانية: إن مكالمة هاتفية أو رسالة إلكترونية من برلين إلى بيروت أو تل أبيب، تلتقطها أجهزة التنصت البريطانية والأمريكية، وأشارت أنه لولا سنودن ما عرف العالم أن هذه الممارسات هي عمل روتيني وأساسي لأجهزة المخابرات السرية البريطانية والأمريكية في قبرص وأنحاء أخرى من العالم.
وأشارت صحيفة «زود دويتشه» الألمانية التي تقوم بنشر وثائق سنودن بانتظام إلى أن بريطانيا التي كانت تستعمر جزيرة قبرص في الماضي، استغلت العلاقة الاستعمارية السابقة للاستفادة من الموقع القريب لقبرص مع بلدان الشرق الأوسط، وهي تحتفظ منذ عام 1960 بقاعدتين عسكريتين، وهما من أبرز القواعد العسكرية البريطانية في الخارج.
وقالت الصحيفة: إن للبريطانيين مساعدين قبارصة بارزين، في مقدمتهم هيئة الاتصالات القبرصية الوطنية CYTA التي استثمرت مبالغ طائلة في مشاريع إمدادات الكابلات تحت البحر، وحسب الاتفاقيات التي أبرمتها مع مديرية الاتصالات التابعة للحكومة البريطانية، فإنها مُلزمة بالتعاون معهم، وبالتالي فإن شركة الاتصالات القبرصية الوطنية المذكورة وشركات كثيرة في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، مُلزمة حسب العقود على التجسس على المعلومات ومساعدة أجهزة الاستخبارات البريطانية والأمريكية في الحصول على السيل الهائل من المعلومات. وكشفت الصحيفة الألمانية أن الهدف الأساسي للاستخبارات البريطانية هو السيطرة على الإنترنت. ففي كل ثانية يتم التقاط مئات الجيجابايت التي تحتوي على عدد كبير من المكالمات الهاتفية والرسائل الإلكترونية والمعلومات المصرفية.
ونوهت الصحيفة الى أن هناك فريقاً محدداً من النساء والرجال متخصص في التجسس على حليفتهم إسرائيل أيضاً، والتي يتعاون البريطانيون والأمريكان معها في الوقت نفسه، في تبادل المعلومات التي يتم التقاطها من البلدان العربية. كما هناك فريق دولي مهمته فرز المعلومات التي يجري جمعها وغالبا ما يحصل هؤلاء على إطراء من مرؤوسيهم عند نجاحهم في الكشف عن معلومات مهمة.
وأشارت الصحيفة الالمانية إلى أن المنطقة التي يوجد فيها وكر التجسس البريطاني، تعتبر رسميا مركزا للبريطانيين، غير أنها عمليا مقر لمشروع تعاون بريطاني- أمريكي في مجال جمع وفرز معلومات شبكة الإنترنت، علماً أن البريطانيين أرادوا عدة مرات إغلاق المركز لدواعي التوفير، ولكن تدخل الأمريكيين جعلهم يتراجعون لأنهم لا يريدون خسارة قاعدة التجسس المهمة، وقدموا مساهمات مالية للإبقاء عليها.
وبحسب معلومات الصحيفة الألمانية يتحمل الأمريكان نصف التكاليف، وأن بريطانيا أصبحت حريصة على استمرار نشاطاتها في قبرص، مراعاة لعلاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وقالت الصحيفة: إن وكالة الأمن القومي الأمريكية هي الزبون الرئيسي لوكر التجسس البريطاني في جزيرة قبرص، وإنه في إطار هذا التعاون بدأت منذ زمن بعيد بإرسال موظفيها إلى الجزيرة، ولأن ذلك يخالف الاتفاقية المبرمة رسمياً بين الحكومتين البريطانية والأمريكية، فإن الجواسيس الأمريكيين يأتون بصفة سياح إلى الجزيرة وينتحلون هذه الصفة، بمجرد مغادرتهم وكر التجسس ويتجنبون الاحتكاك بالسكان المحليين، كي لا يتم الكشف عن هويتهم وعملهم الحقيقي في الجزيرة.
http://www.alyaum.com/article/3108051