الهجمات الإيرانية تهز ثقة دول الخليج بالضمانات الأميركية
الحرب تفتح المجال أمام اعتماد الخليجيين على قدراتهم الذاتية
الأحد 2026/03/08
نحو الأخذ بزمام المبادرة
الرياض/ أبو ظبي- أدت الهجمات الجوية التي شنتها إيران على دول الخليج إلى قلب المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة، ما يضع الولايات المتحدة أمام اختبار حقيقي لنفوذها التقليدي.
وأظهرت هذه الهجمات، التي استهدفت الإمارات والبحرين والكويت والسعودية وقطر، قدرة إيران على فرض نفسها كلاعب إقليمي قادر على تحدي الشراكة الأميركية-الإسرائيلية وإجبار دول الخليج على إعادة تقييم حساباتها الاستراتيجية وأولوياتها الأمنية.
ولطالما اعتمدت دول الخليج على الولايات المتحدة كضامن رئيسي لأمنها ضد أي تهديد إيراني، وكانت واشنطن توفر القوة العسكرية والخبرة الاستخباراتية والغطاء الدبلوماسي لحماية خطوط الملاحة النفطية وحقول الطاقة الحيوية. غير أن الهجمات الأخيرة كشفت فجوات كبيرة في هذا النموذج.
ويشير الخبير في شؤون الخليج من جامعة هارفارد، الدكتور وليد القاسمي، إلى أن "الهجمات الإيرانية لم تكن مجرد رد فعل على العمليات الأميركية والإسرائيلية، بل استراتيجية مدروسة لإظهار محدودية قدرة واشنطن على الحماية، وهي رسالة واضحة لدول الخليج بأن الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة أصبح خطراً على مصالحها".
ويضيف القاسمي أن هذه التطورات تفرض على دول المنطقة "إعادة النظر في خياراتها الدفاعية والاستثمار بشكل عاجل في قدراتها الذاتية، مع تعزيز التعاون الإقليمي والدبلوماسي لمنع أي انزلاق نحو فوضى أكبر".
ومن جانبه، يرى المحلل العسكري الأميركي، الجنرال المتقاعد جوناثان هاريس، أن "إيران حققت نجاحاً تكتيكياً كبيراً من خلال استخدام صواريخ منخفضة التكلفة وطائرات مسيّرة لإرهاق الدفاعات الجوية لدول الخليج وإجبارها على إعادة النظر في تحالفاتها".
ويشير هاريس إلى أن الهدف الإيراني ليس تدمير المنطقة بالكامل، بل فرض كلفة سياسية واقتصادية على خصومها، وخلق شعور مستمر بالتهديد يضعف الثقة الأميركية ويقوي نفوذ طهران الإقليمي.
وبُني النظام الأمني الخليجي لعقود على الشراكة مع واشنطن، بدءاً من حرب الخليج الأولى وحتى اتفاقيات التعاون الدفاعي مع مجلس التعاون لدول الخليج.
وقد وفر هذا التحالف استقراراً نسبياً في بيئة إقليمية مضطربة وحماية للخطوط البحرية ومصادر الطاقة الحيوية، لكن الهجمات الإيرانية الأخيرة أظهرت حدود هذا الاعتماد، وأن التحالف الأميركي-الخليجي لم يعد قادراً على ضمان الأمن الكامل في مواجهة تهديدات فعالة ومدروسة.
وبحسب تحليلات الخبراء، تواجه الولايات المتحدة تحدياً مزدوجاً، يتمثل في استعادة ثقة شركائها الخليجيين، والحفاظ على مصالحها الإقليمية في وقت تتصاعد فيه الضغوط السياسية والاقتصادية.
ويضيف الدكتور ريمون عون، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أن "الولايات المتحدة قد تجد نفسها مهددة بفقدان نفوذ طويل الأمد في الخليج إذا لم تعدل استراتيجيتها لتتضمن حماية فعالة لدول المنطقة، وإعادة النظر في قواعد الانتشار العسكري، وتقديم ضمانات ملموسة لاستقرار أسعار الطاقة، فضلاً عن إدارة الصراع بطريقة تقلل من إشعال صراعات جديدة".
ويشير عون إلى أن "أحد أكبر المخاطر الآن هو أن يستشعر حلفاء الولايات المتحدة أن الضمانات التقليدية لم تعد موجودة، ما قد يدفعهم إلى البحث عن بدائل إقليمية أو حتى تحالفات مع قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا".
وأظهرت إيران براعة تكتيكية في استهداف دول الخليج، مستفيدة من مزيج من الضغوط العسكرية والاقتصادية والنفسية. فقد اعتمدت على صواريخ دقيقة وطائرات مسيّرة منخفضة التكلفة لاستنزاف الدفاعات الجوية، واستخدمت التهديدات لتعطيل الملاحة النفطية ورفع أسعار الطاقة، مما أحدث ضغوطاً اقتصادية عالمية.
ومن منظور استراتيجي، تهدف إيران إلى إعادة رسم التحالفات الإقليمية لصالحها، عبر دفع دول الخليج إلى التوحد تحت ضغط التهديد المباشر، وتحويل الاعتماد التقليدي على واشنطن إلى حاجة للقدرات الذاتية والتحالفات الإقليمية.
الثقة بالولايات المتحدة تراجعت بشكل ملحوظ، إذ لم يعد بوسع القادة الخليجيين اعتبار واشنطن شريكاً موثوقاً في حماية مصالحهم الحيوية، لا سيما بعد تأخر الردود الأميركية على الهجمات على المنشآت النفطية وموانئ الطاقة.
وردت دول الخليج على هذه الهجمات بإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، وتعليق الخلافات الداخلية لتعزيز الأمن الجماعي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على دور الوساطة الدبلوماسية لدول مثل قطر وعمان للتخفيف من التصعيد. لكن الثقة بالولايات المتحدة تراجعت بشكل ملحوظ، إذ لم يعد بوسع القادة الخليجيين اعتبار واشنطن شريكاً موثوقاً في حماية مصالحهم الحيوية، لا سيما بعد تأخر الردود الأميركية على الهجمات على المنشآت النفطية وموانئ الطاقة.
ويشير الخبراء إلى أن هذا قد يؤدي إلى ظهور تحالفات خليجية مستقلة أكثر اعتماداً على القدرات الذاتية والدبلوماسية متعددة الأطراف، وهو ما يعكس تحولات كبيرة في النظام الأمني الإقليمي.
ويؤكد الدكتور علي الموسوي، المستشار في الشؤون الاستراتيجية، أن "الهجمات الإيرانية أعادت دول الخليج إلى واقع الجغرافيا السياسية، وأجبرت الدول على الاعتراف بأن أي تهديد وجودي لن يكون مجرد هاجس نظري. فقد أثبتت إيران قدرتها على تعطيل خطوط الملاحة النفطية وفرض ضغوط اقتصادية عالمية، ما يجعل أي استراتيجية أميركية تقليدية غير كافية".
ويضيف أن "دول الخليج الآن أمام خيار تاريخي: إما تطوير قدراتها الذاتية وتحالفاتها الإقليمية، أو الاستمرار في الاعتماد على ضمانات خارجية غير مؤكدة، وهو ما قد يضعف نفوذ واشنطن بشكل دائم".
وقد تكون التداعيات الاستراتيجية لهذه الأحداث بعيدة المدى. فضعف النفوذ السياسي والعسكري الأميركي قد يفتح المجال أمام إعادة تعريف التحالفات الإقليمية، بما في ذلك تنسيق أكبر بين دول الخليج وقدرتها على إدارة النزاعات بشكل مستقل، وربما تعزيز التنسيق مع قوى إقليمية أخرى مثل الصين وروسيا في مجالات الطاقة والدفاع.
كما أن تعطيل خطوط الملاحة النفطية سيؤثر على الاقتصاد العالمي ويزيد أسعار الطاقة، ما يضع ضغوطاً إضافية على الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي الوقت نفسه، تعزز إيران نفوذها الإقليمي عبر إثبات قدرتها على فرض كلفة سياسية واقتصادية على خصومها، وهو ما يمثل نجاحاً استراتيجياً من وجهة نظرها.
وأعادت الهجمات الإيرانية دول الخليج إلى واقع الجغرافيا السياسية، وأكدت أن أي تهديد وجودي لن يكون مجرد هاجس نظري. فإذا نجح النظام الإيراني أو تم استبداله بنظام مشابه، سيتذكر النفوذ القسري الذي اكتسبه من خلال ضرب دول الخليج وتعطيل خطوط الملاحة النفطية.
وأما إذا انهار النظام وتفككت الدولة، فإن دول الخليج ستواجه تداعيات هائلة تشمل تدفقات اللاجئين، واضطرابات الملاحة، وتصاعد التطرف، وانتشار الفوضى المسلحة.
ومع ذلك، فإن هذه الهجمات أدت أيضاً إلى توحيد موقف دول الخليج ، وتعليق خلافاتها الداخلية باسم الأمن الجماعي، ما أظهر قدرة هذه الدول على مواجهة تهديد وجودي مباشر حين تضعه أمام أولوياتها العليا.
وتواجه الولايات المتحدة اليوم اختباراً حقيقياً لنفوذها في الخليج. الهجمات الإيرانية كشفت هشاشة الاعتماد على الضمانات الأميركية وأظهرت قدرة إيران على تحدي الشراكة التقليدية مع واشنطن وإسرائيل.
وقد يؤدي استمرار هذا الصراع إلى إعادة رسم التحالفات الإقليمية، وتزايد اعتماد دول الخليج على قدراتها الذاتية، وهو ما قد يضعف الدور الأميركي ويؤدي إلى تحول استراتيجي كبير في الشرق الأوسط، حيث تصبح المنطقة أقل قدرة على الاعتماد على الحماية الخارجية وأكثر انخراطاً في إدارة أمنها ومصالحها بشكل مستقل.