بالإضافة إلى قضية الجزر الإماراتية الثلاثة التي تحتلها إيران، والتي من شروط إيران الأساسية لترسيم للحدود مع دولة الإمارات أن تعترف الإمارات بإيرانية الجزر الثلاثة قبل البدء في مفاوضات الترسيم، فإن هناك سلسلة من التطورات والتغيّرات حدثت خلال السنوات والعقود الماضية مما فاقمت من تعقيدات ترسيم الحدود البحرية الإماراتية الإيرانية أكثر وأكثر، ونذكر البعض منها على سبيل المثال:
1 - في عام 1974م قامت إمارة دبي منفردة بترسيم حدودها البحرية مع إيران في اتفاقية تسمى اتفاقية عام 1974م، لكن الاتفاقية لم تصدق عليها دولة اتحاد الإمارات، فقط إيران صدقت عليها وسجلتها بالأمم المتحدة، لكن دولة الإمارات لم تصدق عليها ولم تسجلها، بمعنى أن دولة اتحاد الامارات لا تعترف بالاتفاقية، وأصبحت الاتفاقية مُعلقة، لكنها تلقي بظلالها سلباً على أي ترسيم مستقبلي للحدود البحرية الإماراتية الإيرانية.
2 - إعادة ترسيم الحدود بين السعودية وقطر في عام 2008م في اتفاقية ترسيم الحدود لما وراء خور العديد لعام 2008م، أيضاً تلقي بظلالها على أي ترسيم مستقبلي للحدود البحرية الإماراتية الإيرانية، دولة الإمارات سجلت اعتراضها على هذا الترسيم في عام 2009م، لكن إيران لم تسجل اعتراضها وقد تستخدم هذا الترسيم الجديد للابتزاز، ونقول ذلك للأسباب التالية:
أ - يوجد اتفاقية رسمية لترسيم الحدود البحرية بين إمارة أبوظبي وإمارة قطر موقعة بتاريخ 20 مارس 1969م (قبل اتحاد دولة الإمارات) والاتفاقية مسجلة رسمياً وقد دخلت حيّز النفاذ منذ عام 1969م، وتلك الحدود البحرية نهايتها عند الحدود الإيرانية، لكن بعد إعادة ترسيم الحدود بين قطر والسعودية في اتفاقية لما وراء خور العديد في يولية 2008م أصبحت السعودية لديها شريط بحري يفصل بين قطر وإمارة أبوظبي وصارت السعودية مكان قطر، وهذا يعني أن عند آخر نقطة في نهاية الحدود البحرية بين قطر وأبوظبي حيث الحدود الإيرانية بحسب اتفاقية عام 1969م دخلت السعودية عليها في الشريط البحري.
ب - الحدود البحرية القطرية الإيرانية تم ترسيمها بين البلدين في عام 1969م، ودخلت حيز النفاذ في عام 1970م، وعندما رسمت قطر حدودها مع إيران لم تكن السعودية تملك الشريط البحري بحسب اتفاقية لما وراء خور العديد لعام 2008م، بمعنى أن إيران أصبح لديها جار بحري جديد في هذه المنطقة وهي السعودية في الشريط البحري الذي امتلكته السعودية بحسب اتفاقية لما وراء خور العديد، فكيف سيكون رد الفعل الإيراني عند البدء في المفاوضات مع دولة الإمارات في ترسيم الحدود البحرية؟!.
ج - إيران لم تعلق علانية على الترسيم الجديد لما وراء خور العديد لعام 2008م والذي أعطى السعودية شريط بحري يصل إلى الحدود البحرية الإيرانية، ولم تسجل اعتراضها على الترسيم الجديد، فقط الإمارات سجلت اعتراضها الرسمي في عام 2009م وكررتها عدة مرات خلال الأعوام الماضية. الصمت والسكوت الإيراني قد تكون لها دلالات، هي رسمت الحدود البحرية مع قطر في عام 1969م والترسيم يشمل الشريط البحري الذي أصبح للسعودية، ولم ترسمها مع السعودية، السؤال: هل ستقوم إيران بإعادة ترسيم حدود الشريط البحري مع السعودية بهدوء وبذوق؟ أم أنها ستمارس ابتزازها؟!.
3 - ترسيم المرحلة الثانية للحدود البحرية بين سلطنة عُمان وإيران، والموقعة في اتفاقية ترسيم الحدود بتاريخ 28 مايو 2015م والتي دخلت حيز النفاذ في سبتمبر 2016م، وهي ترسيم الحدود البحرية في خليج عُمان (وليس الخليج العربي) أي المنطقة البحرية في خليج عُمان، ودولة الإمارات لديها ساحل بحري على خليج عُمان إمارة الفجيرة ومدن وبلدات ومناطق مثل دبا الحصن وخورفكان ومنطقة السيادة المشتركة العُمانية الإماراتية، وهذا الترسيم اعترضت عليه دولة الإمارات رسمياً في عام 2017م، ولذا سيلقي هذا الترسيم بظلاله على أي مفاوضات مستقبلية لترسيم الحدود البحرية بين الإمارات وإيران وسيكون حاضراً في ملف ترسيم الحدود الإماراتية الإيرانية.
4 - في 11 أبريل 2022م أصدر مجلس الوزراء الإماراتي قرار يلغي القرار رقم (5) لسنة 2009م بشأن تطبيق خطوط الأساس على سواحل دولة الإمارات، وقام مجلس الوزراء الإماراتي بإصدار قرار جديد يحل مكان القرار الملغي وهو القرار رقم (35) لسنة 2022م بشأن تطبيق خطوط الأساس على سواحل دولة الإمارات، وعلى أن تكون خطوط الأساس المستقيمة للمناطق البحرية لدولة الإمارة في الخليج العربي وخليج عٌمان وفق قوائم احداثيات جديدة تلغي الإحداثيات القديمة التي كانت مدرجة في القرار السابق رقم (5) لسنة 2009م،
وبناء على هذا القرار الجديد رقم (35) لسنة 2022م، سجلت كلاً من سلطنة عُمان وإيران اعتراضهما الرسمي، حيث اعترضت إيران رسمياً بتاريخ 1 ديسمبر 2022م، واعترضت سلطنة عُمان رسمياً بتاريخ 4 ديسمبر 2022م. ولذا، هذا القرار الإماراتي الجديد رقم 35 لسنة 2022م واعتراض سلطنة عُمان وإيران على هذا القرار الإماراتي، سيلقي بظلاله على أي مفاوضات مستقبلية لترسيم الحدود البحرية بين الإمارات وإيران وسيكون حاضراً في ملف ترسيم الحدود بينهم.
الخلاصة، العملية شرباكة، ولذلك أقول أن قضية ترسيم الحدود البحرية مع إيران للمنطقة المقسومة والمنطقة المغمورة المقسومة بين السعودية والكويت تبدو وكأنها مزحة (It's a Joke) مقارنة بقضية ترسيم الحدود البحرية بين الإمارات وإيران.
ملاحظة: هذه قراءة لمئات من الوثائق الرسمية تعود لسنوات وعقود طووويلة، وحاولت تلخيصها في نقاط مختصرة ومبسطة، لربما البعض لن تصله الفكرة والمعنى، لربما تتطلب أن ارسم خرائط وأكتب عليها للتوضيح، لكن بقراءة متمعنة ستصل الفكرة والمعنى للجميع إن شاء الله.