تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن"

سورة البروج

الآية رقم ‏(‏1‏)‏

‏{‏والسماء ذات البروج‏}‏

قسم أقسم الله به جل وعز وفي ‏{‏البروج‏}‏ أقوال أربعة‏:‏ أحدها‏:‏ ذات النجوم؛ قاله الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك‏.‏ الثاني‏:‏ القصور، قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد أيضا‏.‏ قال عكرمة‏:‏ هي قصور في السماء‏.‏ مجاهد‏:‏ البروج فيها الحرس‏.‏ الثالث‏:‏ ذات الخلق الحسن؛ قال المنهال بن عمرو‏.‏ الرابع‏:‏ ذات المنازل؛ قال أبو عبيدة ويحيى بن سلام‏.‏ وهي أثنا عشر برجا، وهي منازل الكواكب والشمس والقمر‏.‏ يسير القمر في كل برج منها يومين وثلت يوم؛ فذلك ثمانية وعشرون يوما، ثم يستسر ليلتين؛ وتسير الشمس في كل برج منها شهرا‏.‏ وهي‏:‏ الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس والجدي، والدلو، والحوت‏.‏ والبروج في كلام العرب‏:‏ القصور؛ قال الله تعالى؛ ‏{‏ولو كنتم في بروج مشيدة‏}‏النساء‏:‏ 78‏]‏‏.‏ وقد تقدم‏.‏

الآية رقم ‏(‏2 ‏:‏ 3‏)‏

‏{‏واليوم الموعود، وشاهد ومشهود‏}‏

قوله تعالى‏{‏واليوم الموعود‏}‏ أي الموعود به‏.‏ وهو قسم آخر، وهو يوم القيامة؛ من غير اختلاف بين أهل التأويل‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه‏.‏ ‏{‏وشاهد ومشهود‏}‏ اختلف فيهما؛ فقال علي وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم‏:‏ الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة‏.‏ وهو قول الحسن‏.‏ ورواه أبو هريرة مرفوعا قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏‏"‏خرجه أبو عيسى الترمذي في جامعه، وقال‏:‏ هذا حديت ‏[‏حسن‏]‏ غريب، لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد وغيره‏"‏ وقد روى شعبة وسفيان الثوري وغير واحد من الأئمة عنه‏.‏ قال القشيري فيوم الجمعة يشهد على كل عامل بما عمل فيه‏.‏

قلت‏:‏ وكذلك سائر الأيام والليالي؛ فكل يوم شاهد، وكذا كل ليلة؛ ودليله ما رواه أبو نعيم الحافظ عن معاوية بن قرة عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ليس من يوم يأتي على العبد إلا ينادي فيه‏:‏ يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك شهيد، فاعمل في خيرا أشهد لك به غد، فإني لو قد مضيت لم ترني أبدا، ويقول الليل مثل ذلك‏)‏‏.‏ حديث غريب من حديث معاوية، تفرد به عنه زيد العمري، ولا أعلمه مرفوعا‏.‏ عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد‏.‏ وحكى القشيري عن ابن عمر وابن الزبير أن الشاهد يوم الأضحى‏.‏ وقال سعيد بن المسيب‏:‏ الشاهد‏:‏ التروية، والمشهود‏:‏ يوم عرفة‏.‏ وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه‏:‏ الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم النحر‏.‏ وقاله النخعي‏.‏ وعن علي أيضا‏:‏ المشهود يوم عرفة‏.‏ وقال ابن عباس والحسين بن علي رضي الله عنهما‏:‏ المشهود يوم القيامة؛ لقوله تعالى‏{‏ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود‏}‏هود‏:‏ 103‏]‏‏.‏

قلت‏:‏ وعلى هذا اختلفت أقوال العلماء في الشاهد، فقيل‏:‏ الله تعالى؛ عن ابن عباس والحسن وسعيد - بن جبير؛ بيانه‏{‏وكفى بالله شهيدا‏}‏النساء‏:‏ 79‏]‏، ‏{‏قل أي شيء أكبر شهادة‏؟‏ قل الله شهيد بيني وبينكم‏}‏الأنعام‏:‏ 19‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم؛ عن ابن عباس أيضا والحسين ابن علي؛ وقرأ ابن عباس ‏{‏فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا‏}‏النساء‏:‏ 41‏]‏، وقرأ الحسين ‏{‏يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا‏}‏الأحزاب‏:‏ 45‏]‏‏.‏

قلت‏:‏ وأقرأ أنا ‏{‏ويكون الرسول عليكم شهيدا‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ الأنبياء يشهدون على أممهم؛ لقوله تعالى‏{‏فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد‏}‏النساء‏:‏ 41‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ آدم‏.‏ وقيل‏:‏ عيسى بن مريم؛ لقوله‏{‏وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم‏}‏المائدة‏:‏ 117‏]‏‏.‏ والمشهود‏:‏ أمته‏.‏ وعن ابن عباس أيضا ومحمد بن كعب‏:‏ الشاهد الإنسان؛ دليله‏{‏كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا‏}‏الإسراء‏:‏ 14‏]‏‏.‏ مقاتل‏:‏ أعضاؤه؛ بيانه‏{‏يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون‏}‏النور‏:‏ 24‏]‏‏.‏ الحسين بن الفضل‏:‏ الشاهد هذه الأمة، والمشهود سائر الأمم؛ بيانه‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس‏}‏البقرة‏:‏ 143‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ الشاهد‏:‏ الحفظة، والمشهود‏:‏ بنو آدم‏.‏ وقيل‏:‏ الليالي والأيام‏.‏ وقد بيناه‏.‏

قلت‏:‏ وقد يشهد المال على صاحبه، والأرض بما عمل عليها؛ ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وإنه من يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون عليه شهيدا يوم القيامة‏)‏‏.‏ وفي الترمذي عن أبي هريرة قال‏:‏ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية‏{‏يومئذ تحدث أخبارها‏}‏الزلزلة‏:‏ 4‏]‏ قال‏:‏ ‏(‏أتدرون ما أخبارها‏)‏‏؟‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل يوم كذا كذا كذا وكذا‏.‏ قال‏:‏ فهذه أخبارها‏)‏‏.‏ قال حديث حسن غريب صحيح‏.‏ وقيل‏:‏ الشاهد الخلق، شهدوا لله عز وجل بالوحدانية‏.‏ والمشهود له بالتوحيد هو الله تعالى‏.‏ وقيل‏:‏ المشهود يوم الجمعة؛ كما روى أبو الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ وذكر الحديث‏.‏ ‏"‏خرجه ابن ماجه وغيره‏"‏‏.‏

قلت‏:‏ فعلى هذا يوم عرفة مشهود، لأن الملائكة تشهده، وتنزل فيه بالرحمة‏.‏ وكذا يوم النحر إن شاء الله‏.‏ وقال أبو بكر العطار‏:‏ الشاهد الحجر الأسود؛ يشهد لمن لمسه بصدق وإخلاص ويقين‏.‏ والمشهود الحاج‏.‏ وقيل‏:‏ الشاهد الأنبياء، والمشهود محمد صلى الله عليه وسلم؛ بيانه‏{‏وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة‏}‏ إلى قوله تعالى ‏{‏وأنا معكم من الشاهدين‏}‏آل عمران‏:‏ 81‏]‏‏.‏

الآية رقم ‏(‏4 ‏:‏ 7‏)‏

‏{‏قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود‏}‏

قوله تعالى‏{‏قتل أصحاب الأخدود‏}‏ ي لعن‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ كل شيء في القرآن ‏{‏قتل‏}‏ فهو لعن‏.‏ وهذا جواب القسم في قول الفراء - واللام فيه مضمرة؛ كقوله‏{‏والشمس وضحاها‏}‏الشمس‏:‏ 1‏]‏ ثم قال ‏{‏قد أفلح من زكاها‏}‏الشمس‏:‏ 9‏]‏‏:‏ أي لقد أفلح‏.‏ وقيل‏:‏ فيه تقديم وتأخير؛ أي قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج؛ قاله أبو حاتم السجستاني‏.‏ ابن الأنباري‏:‏ وهذا غلط لأنه لا يجوز لقائل أن يقول‏:‏ والله قام زيد على معنى قام زيد والله‏.‏ وقال قوم‏:‏ جواب القسم ‏{‏إن بطش ربك لشديد‏}‏ وهذا قبيح؛ لأن الكلام قد طال بينهما‏.‏ وقيل‏{‏إن الذين فتنوا‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ جواب القسم محذوف، أي والسماء ذات البروج لتبعثن‏.‏ وهذا اختيار ابن الأنباري‏.‏ والأخدود‏:‏ الشق العظيم المستطيل في الأرض كالخندق، وجمعه أخاديد‏.‏ ومنه الخد لمجاري الدموع، والمخدة؛ لأن الخد يوضع عليها‏.‏ ويقال‏:‏ تخدد وجه الرجل‏:‏ إذا صارت فيه أخاديد من جراح‏.‏ قال طرفة‏:‏

ووجه كأن الشمس حلت رداءها عليه نقي اللون لم يتخدد

‏{‏النار ذات الوقود‏}‏ ‏{‏النار‏}‏ بدل من ‏{‏الأخدود‏}‏ بدل الاشتمال‏.‏ و‏{‏الوقود‏}‏ بفتح الواو قراءة العامة وهو الحطب‏.‏ وقرأ قتادة وأبو رجاء ونصر بن عاصم بضم الواو على المصدر؛ أي ذات الاتقاد والالتهاب‏.‏ وقيل‏:‏ ذات الوقود بأبدان الناس‏.‏ وقرأ أشهب العقيلي وأبو السمال العدوي وابن السميقع ‏{‏النار ذات‏}‏ بالرفع فيهما؛ أي أحرقتهم النار ذات الوقود‏.‏

قوله تعالى‏{‏إذ هم عليها قعود‏}‏ أي الذين خددوا الأخاديد وقعدوا عليها يلقون فيها المؤمنين، وكانوا بنجران في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم‏.‏ وقد اختلفت الرواة في حديثهم‏.‏ والمعنى متقارب‏.‏ ففي صحيح مسلم عن صهيب‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر؛ فلما كبر قال للملك‏:‏ إني قد كبرت فابعث إلى غلاما أعلمه السحر؛ فبعث إليه غلاما يعلمه؛ فكان في طريقه إذا سلك، راهب، فقعد إليه وسمع كلامه، فاعجبه؛ فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه؛ فإذا أتى الساحر ضربه؛ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال‏:‏ إذا خشيت الساحر فقل‏:‏ حبسني أهلي‏.‏ وإذا خشيت أهلك فقل‏:‏ حبسني الساحر‏.‏ فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال‏:‏ اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل‏؟‏ فأخذ حجرا فقال‏:‏ اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، حتى يمضى الناس؛ فرماها فقتلها ومضى الناس‏.‏ فأتى الراهب فأخبره فقال له الراهب‏:‏ أي بني‏؟‏ أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى؛ فإن ابتليت فلا تدل علي‏.‏ وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء‏.‏ فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة فقال‏:‏ ما ها هنا لك أجمع إن أنت شفيتني‏.‏ فقال‏:‏ إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله؛ فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك‏؟‏ فآمن بالله فشفاه الله‏.‏ فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس؛ فقال له الملك‏:‏ من رد عليك بصرك‏؟‏ قال ربي‏.‏ قال‏:‏ ولك رب غيري‏؟‏ قال‏:‏ ربي وربك الله‏.‏ فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام؛ فجيء بالغلام فقال له الملك‏:‏ أي بني‏!‏ أقد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل‏؟‏ ‏!‏ قال‏:‏ أنا لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله‏.‏ فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب؛ فجيء بالراهب، فقيل له‏:‏ ارجع عن دينك‏.‏ فأبى فدعا بالمنشار، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه‏.‏ ثم جيء بجليس الملك فقيل له‏:‏ ارجع عن دينك؛ فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه، فشقه به حتى وقع شقاه‏.‏ ثم جيء بالغلام فقيل له‏:‏ ارجع عن دينك، فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال‏:‏ اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه؛ فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال‏:‏ اللهم اكفنيهم بما شئت؛ فرجف بهم الجبل، فسقطوا‏.‏ وجئ يمشي إلى الملك، فقال له الملك‏:‏ ما فعل أصحابك‏؟‏ قال‏:‏ كفانيهم الله‏.‏ فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال‏:‏ اذهبوا به فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه؛ فذهبوا به فقال‏:‏ اللهم اكفنيهم بما شئت؛ فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا‏.‏ وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك‏:‏ ما فعل أصحابك‏؟‏ قال‏:‏ كفانيهم الله‏.‏ فقال للملك‏:‏ إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به‏.‏ قال‏:‏ وما هو‏؟‏ قال‏:‏ تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل‏:‏ باسم الله رب الغلام، ثم ارمني؛ فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني‏.‏ فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال‏:‏ باسم الله رب الغلام؛ ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه، في موضع السهم، فمات؛ فقال الناس‏:‏ آمنا برب الغلام‏!‏ آمنا برب الغلام‏!‏ آمنا برب الغلام فأتى الملك فقيل له‏:‏ أرأيت ما كنت، تحذر‏؟‏ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس؛ فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فحدث، وأضرم النيران، وقال‏:‏ من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها - أو قيل له اقتحم - ففعلوا؛ حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال، لها الغلام‏:‏ ‏(‏يا أمة اصبري فإنك على الحق‏)‏‏.‏‏"‏خرجه الترمذي بمعناه‏"‏

وفيه‏:‏ ‏(‏وكان على طريق، الغلام راهب في صومعة‏)‏ قال معمر‏:‏ أحسب أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ مسلمين‏.‏ وفيه‏:‏ ‏(‏أن الدابة التي حبست الناس كانت أسدا، وأن الغلام دفن - قال - ‏:‏ فيذكر أنه أخرج في زمن عمر بن الخطاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل‏)‏‏.‏ وقال‏:‏ حديث حسن غريب‏.‏ ورواه الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ كان ملك بنجران، وفي رعيته رجل له فتى، فبعثه إلى ساحر يعلمه السحر، وكان طريق الفتى على راهب يقرأ الإنجيل؛ فكان يعجبه ما يسمعه من الراهب، فدخل في دين الراهب؛ فأقبل يوما فإذا حية عظيمة قطعت على الناس طريقهم، فأخذ حجرا فقال باسم الله رب السموات والأرض وما بينهما؛ فقتلها‏.‏ وذكر نحو ما تقدم‏.‏ وأن الملك لما رماه بالسهم وقتله قال أهل مملكة الملك‏:‏ لا إله إلا إله عبدالله بن ثامر، وكان اسم الغلام، فغضب الملك، وأم فخدت أخاديد، وجمع فيها حطب ونار، وعرض أهل مملكته عليها، فمن رجع عن التوحيد تركه، ومن ثبت على دينه قذفه في النار‏.‏ وجيء بامرأة مرضع فقيل لها ارجعي عن دينك وإلا قذفناك وولدك - قال - فأشفقت وهمت بالرجوع، فقال لها الصبي المرضع‏:‏ يا أمي، اثبتي على ما أنت عليه، فإنما هي غميضة؛ فألقوها وابنها‏.‏ وروى أبو صالح عن ابن عباس أن النار ارتفعت من الأخدود فصارت فوق الملك وأصحابه أربعين ذراعا فأحرقتهم‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ هم قوم من النصارى كانوا باليمن قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، أخذهم يوسف بن شراحيل بن تبع الحميري، وكانوا نيفا وثمانين رجلا، وحفر لهم أخدودا وأحرقهم فيه‏.‏ حكاه الماوردي، وحكى الثعلبي عنه أن أصحاب الأخدود من بني إسرائيل، أخذوا رجالا ونساء، فخدوا لهم الأخاديد، ثم أوقدوا فيها النار، ثم أقيم المؤمنون عليها‏.‏ وقيل لهم‏:‏ تكفرون أو تقذفون في النار‏؟‏ ويزعمون أنه دانيال وأصحابه؛ وقال عطية العوفي‏.‏ وروي نحو هذا عن ابن عباس‏.‏ وقال علي رضي الله عنه‏:‏ إن ملكا سكر فوقع على أخته، فأراد أن يجعل ذلك شرعا في رعيته فلم يقبلوا؛ فأشارت إليه أن يخطب بأن الله - عز وجل - أحل نكاح الأخوات، فلم يسمع منه‏.‏ فأشارت إليه أن يخد لهم الأخدود، ويلقي فيه كل من عصاه‏.‏ ففعل‏.‏ قال‏:‏ وبقاياهم ينكحون الأخوات وهم المجوس، وكانوا أهل كتاب‏.‏

وروي عن علي أيضا أن أصحاب الأخدود كان سببهم أن نبيا بعثه الله تعالى إلى الحبشة، فاتبعه ناس، فخد لهم قومهم أخدودا، فمن اتبع النبي رمي فيها، فجيء بامرأة لها بني رضيع فجزعت، فقال لها‏:‏ يا أماه، أمضى ولا تجزعي‏.‏ وقال أيوب عن عكرمة قال‏{‏قتل أصحاب الأخدود‏}‏ قال‏:‏ كانوا من قومك من السجستان‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ هم نصارى نجران، أخذوا بها قوما مؤمنين، فخدوا لهم سبعة أخاديد، طول كل أخدود أربعون ذراعا، وعرضه أثنا عشر ذراعا‏.‏ ثم طرح فيه النفط والحطب، ثم عرضوهم عليها؛ فمن أبى قذفوه فيها‏.‏ وقيل‏:‏ قوم من النصارى كانوا بالقسطنطينية زمان قسطنطين‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ أصحاب الأخدود ثلاثة؛ واحد بنجران، والآخر بالشام، والآخر بفارس‏.‏ أما الذي بالشام فأنطنيانوس الرومي، وأما الذي بفارس فبختنصر، والذي بأرض العرب يوسف بن ذي نواس‏.‏ فلم ينزل الله في الذي بفارس والشام قرآنا، وأنزل قرآنا في الذي كان بنجران‏.‏ وذلك أن رجلين مسلمين كان أحدهما بتهامة، والآخر بنجران، أجر أحدهما نفسه، فجعل يعمل ويقرأ الإنجيل؛ فرأت ابنة المستأجر النور في قراءة الإنجيل، فأخبرت أباها فأسلم‏.‏ وبلغوا سبعة وثمانين بين رجل وامرأة، بعد ما رفع عيسى، فخد لهم يوسف بن ذي نواس بن تبع الحميري أخدودا، وأوقد فيه النار؛ وعرضهم على الكفر، فمن أبي أن يكفر قذفه في النار، وقال‏:‏ من رجع عن دين عيسى لم يقذف‏.‏ وإن امرأة معها ولدها صغير لم يتكلم، فرجعت، فقال لها ابنها‏:‏ يا أماه، إني أرى أمامك نارا لا تطفأ، فقذفا جميعا أنفسهما في النار، فجعلها الله وأبنها في الجنة‏.‏ فقذف في يوم واحد سبعة وسبعون إنسانا‏.‏ وقال ابن إسحاق عن وهب بن منبه‏:‏ كان رجل من بقايا أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام، يقال له قيميون، وكان رجلا صالحا مجتهدا زاهدا في الدنيا مجاب الدعوة، وكان سائحا في القرى، لا يعرف بقرية إلا مضى عنها، وكان بناء يعمل الطين‏.‏ قال محمد بن كعب القرظي، وكان أهل نجران أهل شرك يعبدون الأصنام، وكان في قرية من قراها قريبا من نجران ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر؛ فلما نزل بها قيميون، بنى بها خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي بها الساحر، فجعل أهل نجران يبعثون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث إليه الثامر عبدالله بن الثامر، فكان مع غلمان أهل نجران، وكان عبدالله إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من أمر صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم، فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن آسم الله الأعظم، وكان الراهب يعلمه، فكتمه إياه وقال‏:‏ يا ابن أخي، إنك لن تحمله، أخشى ضعفك عنه؛ وكان أبو الثامر لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان‏.‏ فلما رأى عبدالله أن الراهب قد بخل عليه بتعليم اسم الله الأعظم، عمد إلى قداح فجمعها، ثم لم يبق لله تعالى أسما يعلمه إلا كتبه في قدح، لكل اسم قدح؛ حتى إذا أحصاها أوقد لها نارا، ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه، فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء، فأخذه ثم قام إلى صاحبه، فأخبره أنه علم اسم الله الأعظم الذي كتمه إياه، فقال‏:‏ وما هو‏؟‏ قال‏:‏ كذا وكذا‏.‏ قال‏:‏ وكيف علمته‏؟‏ فأخبره بما صنع‏.‏ فقال له‏:‏ يا ابن أخي، قد أصبته، فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل‏.‏

فجعل عبدالله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال‏:‏ يا عبدالله، أتوحد الله وتدخل في ديني، فأدعو الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم؛ فيوحد الله ويسلم، فيدعوا الله له فيشفي، حتى لم يبق أحد بنجران به ضر إلا أتاه فاتبعه على دينه ودعا له فعوفي؛ حتى رفع شأنه إلى ملكهم، فدعاه فقال له‏:‏ أفسدت علي أهل قريتي، وخالفت ديني ودين أبائي، فلأمثلن بك‏.‏ قال‏:‏ لا تقدر على ذلك؛ فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل، فيطرح عن رأسه، فيقع على الأرض ليس به بأس‏.‏ وجعل يبعث به إلى مياه نجران، بحار لا يلقى فيها شيء إلا هلك، فيلقي فيها فيخرج ليس به بأس؛ فلما غلبه قال له عبدالله بن الثامر‏:‏ والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله وتؤمن بما آمنت به؛ فإنك إن فعلت ذلك سلطت علي وقتلتني‏.‏ فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادته، ثم ضربه بعصا فشجه شجة صغيرة ليست بكبيرة، فقتله، وهلك الملك مكانه، واجتمع أهب نجران على دين عبدالله بن الثامر، وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه‏.‏ ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث؛ فمن، ذلك كان أصل النصرانية بنجران‏.‏ فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنوده من حمير، فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بين ذلك أو القتل، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار وقتل بالسيف، ومثل بهم حتى قتل منهم عشرين ألفا‏.‏ وقال وهب بن منبه‏:‏ اثني عشر ألفا‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ كان أصحاب الأخدود خرج ذو نواس هاربا، فاقتحم البحر بفرسه فغرق‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ وذو نواس هذا سمه زرعة بن تبان أسعد الحميري، وكان أيضا يسمى يوسف، وكان له غدائر من شعر تنوس، أي تضطرب، فسمي ذا نواس، وكان فعل هذا بأهل نجران، فأفلت منهم رجل اسمه دوس ذو ثعلبان، فساق الحبشة لينتصر بهم، فملكوا اليمن وهلك ذو نواس في البحر، ألقي نفسه فيه، وفيه يقول عمرو بن معدي كرب‏:‏

أتوعدني كأنك ذو رعين بأنعم عيشة أو ذو نواس

وكائن كان قبلك من نعيم وملك ثابت في الناس راس

قديم عهده من عهد عاد عظيم قاهر الجبروت قاس

أزال الدهر ملكهم فأضحى ينقل من أناس في أناس

وذو رعين‏:‏ ملك من ملوك حمير‏.‏ ورعين حصن له وهو من ولد الحرث بن عمرو بن حمير بن سبأ‏.‏

مسألة‏:‏ قال علماؤنا‏:‏ أعلم الله عز وجل المؤمنين من هذه الأمة في هذه الآية، ما كان يلقاه من وحد قبلهم من الشدائد، يؤنسهم بذلك‏.‏ وذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم قصة الغلام ليصبروا على ما يلاقون من الأذى والآلام، والمشقات التي كانوا عليها، ليتأسوا بمثل هذا الغلام، في صبره وتصلبه في الحق وتمسكه به، وبذله نفسه في حق إظهار دعوته، ودخول الناس في الدين مع صغر سنه وعظم صبره‏.‏ وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار‏.‏ وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم، صبروا على الطرح في النار ولم يرجعوا في دينهم‏.‏ ابن العربي‏:‏ وهذا منسوخ عندنا، حسب ما تقدم بيانه في سورة النحل

قلت‏:‏ ليس بمنسوخ عندنا، وأن الصبر على ذلك لمن قويت نفسه وصلب دينه أولى، قال الله تعالى مخبرا عن لقمان‏{‏يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور‏}‏لقمان‏:‏ 17‏]‏‏:‏ وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر‏)‏‏:‏ ‏"‏خرجه الترمذي وقال‏:‏ حديث حسن غريب‏"‏، وروى ابن سنجر ‏(‏محمد بن سنجر‏)‏ عن أميمة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ كنت أوضئ النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل، قال‏:‏ أوصني فقال‏:‏ ‏(‏لا تشرك بالله شيئا وأن قطعت أو حرقت بالنار‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث قال علماؤنا‏:‏ ولقد امتحن كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل والصلب والتعذيب الشديد، فصبروا ولم يلتفتوا إلى شيء من ذلك ويكفيك قصة عاصم وخبيب وأصحابهما وما لقوا من الحروب والمحن والقتل والأسر والحرق، وغير ذلك، وقد مضى في النحل أن هذا إجماع ممن قوي في ذلك، فتأمله هناك‏.‏

قوله تعالى‏{‏قتل أصحاب الأخدود‏}‏ دعاء على هؤلاء الكفار بالإبعاد من رحمة الله تعالى‏:‏ وقيل‏:‏ معناه الإخبار عن قتل أولئك المؤمنين، أي إنهم قتلوا بالنار فصبروا‏:‏ وقيل‏:‏ هو إخبار عن أولئك الظالمين، فإنه روي أن الله قبض أرواح الذين ألقوا في الأخدود قبل أن يصلوا إلى النار، وخرجت نار من الأخدود فأحرقت الذين هم عليها قعود‏:‏ وقيل‏:‏ إن المؤمنين نجوا، وأحرقت النار الذين قعدوا، ذكره النحاس، ومعنى ‏{‏عليها‏}‏ أي عندها وعلى بمعنى عند، وقيل‏{‏عليها‏}‏ على ما يدنو منها من حافات الأخدود، كما قال‏:‏

وبات على النار الندى والمحلق

العامل في ‏{‏إذ‏}‏‏{‏قتل‏}‏، أي لعنوا في ذلك الوقت‏{‏وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود‏}‏ أي حضور‏:‏ يعني الكفار، كانوا يعرضون الكفر على المؤمنين، فمن أبي ألقوه في النار وفي ذلك وصفهم بالقسوة ثم بالجد في ذلك‏:‏ وقيل‏{‏على‏}‏ بمعنى مع، أي وهم‏:‏ مع ما يفعلون بالمؤمنين شهود‏.‏

الآية رقم ‏(‏8 ‏:‏ 9‏)‏

‏{‏وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد‏}‏

قوله تعالى‏{‏وما نقموا منهم‏}‏ وقرأ أبو حيوة ‏{‏نقموا‏}‏ بالكسر، والفصيح هو الفتح، وقد مضى في التوبة القول فيه‏:‏ أي ما نقم الملك وأصحابه من الذين حرقهم‏.‏ ‏{‏إلا أن يؤمنوا‏}‏ أي إلا أن يصدقوا‏.‏ ‏{‏بالله العزيز‏}‏ أي الغالب المنيع‏.‏ ‏{‏الحميد‏}‏ أي المحمود في كل حال‏.‏ ‏{‏الذي له ملك السماوات والأرض‏}‏ لا شريك له ولا نديد ‏{‏والله على كل شيء شهيد‏}‏ أي عالم بأعمال خلقه لا تخفي عليه خافية‏.‏

الآية رقم ‏(‏10 ‏:‏ 11‏)‏

‏{‏إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير‏}‏

قوله تعالى‏{‏إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات‏}‏ أي حرقوهم بالنار‏.‏ والعرب تقول‏:‏ فتن فلان الدرهم والدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته‏.‏ ودينار مفتون‏.‏ ويسمى الصائغ الفتان، وكذلك الشيطان، وورق فتين، أي فضة محترقة‏.‏ ويقال للحرة فتين، أي كأنها أحرقت حجارتها بالنار، وذلك لسوادها‏.‏ ‏{‏ثم لم يتوبوا‏}‏ أي من قبيح صنيعهم مع ما أظهره الله لهذا الملك الجبار الظالم وقومه من الآيات والبينات على يد الغلام‏.‏ ‏{‏فلهم عذاب جهنم‏}‏ لكفرهم‏.‏ ‏{‏ولهم عذاب الحريق‏}‏ في الدنيا لإحراقهم المؤمنين بالنار‏.‏ وقد تقدم عن ابن عباس‏.‏ وقيل‏{‏ولهم عذاب الحريق‏}‏ أي ولهم في الآخرة عذاب زائد على عذاب كفرهم بما أحرقوا المؤمنين‏.‏ وقيل‏:‏ لهم عذاب، وعذاب جهنم الحريق‏.‏ والحريق‏:‏ اسم من أسماء جهنم؛ كالسعير‏.‏ والنار دركات وأنواع ولها أسماء‏.‏ وكأنهم يعذبون بالزمهرير في جهنم، ثم يعذبون بعذاب الحريق‏.‏ فالأول عذاب ببردها، والثاني عذاب بحرها‏.‏

قوله تعالى‏{‏إن الذين آمنوا‏}‏ أي هؤلاء الذين كانوا آمنوا بالله؛ أي صدقوا به وبرسله‏.‏ ‏{‏وعملوا الصالحات لهم جنات‏}‏ أي بساتين‏.‏ ‏{‏تجري من تحتها الأنهار‏}‏ من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى‏.‏ ‏{‏ذلك الفوز الكبير‏}‏ أي العظيم، الذي لا فوز يشبهه‏.‏

الآية رقم ‏(‏ 12 ‏:‏ 16‏)‏

‏{‏إن بطش ربك لشديد، إنه هو يبدئ ويعيد، وهو الغفور الودود، ذو العرش المجيد، فعال لما يريد‏}‏

قوله تعالى‏{‏إن بطش ربك لشديد‏}‏ أي أخذه الجبابرة والظلمة، كقوله جل ثناؤه‏{‏وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد‏}‏هود‏:‏ 102‏]‏‏.‏ وقد تقدم‏.‏ قال المبرد‏{‏إن بطش ربك‏}‏ جواب القسم‏.‏ المعنى‏:‏ والسماء ذات البروج إن بطش ربك، وما بينهما معترض مؤكد للقسم‏.‏ وكذلك قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول‏:‏ إن القسم واقع عما ذكر صفته بالشدة‏{‏إنه هو يبدئ ويعيد‏}‏ يعني الخلق - عن أكثر العلماء - يخلقهم ابتداء، ثم يعيدهم عند البعث، وروى عكرمة قال‏:‏ عجب الكفار من إحياء الله جل ثناؤه الأموات، وقال ابن عباس‏:‏ يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا، ثم يعيده عليهم الآخرة‏.‏ وهذا اختيار الطبري‏.‏ ‏{‏وهو الغفور‏}‏ أي الستور لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها‏.‏ ‏{‏الودود‏}‏ أي المحب لأوليائه‏.‏ وروى الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ كما يود أحدكم أخاه بالبشرى والمحبة‏.‏ وعنه أيضا ‏{‏الودود‏}‏ أي المتودد إلى أوليائه بالمغفرة، وقال مجاهد الواد لأوليائه، فعول بمعني فاعل‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ الرحيم، وحكى المبرد عن إسماعيل بن إسحاق القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له، وأنشد قول الشاعر‏:‏

وأركب في الروع عريانة ذلول الجناح لقاحا ودودا

أي لا ولد لها تحن إليه، ويكون معنى الآية‏:‏ إنه يغفر لعباده وليس له ولد يغفر لهم من أجله، ليكون بالمغفرة متفضلا من غير جزاء‏.‏ وقيل‏:‏ الودود بمعنى المودود، كركوب وحلوب، أي يوده عباده الصالحون ويحبونه‏.‏

قوله تعالى‏{‏ذو العرش المجيد‏}‏ قرأ الكوفيون إلا عاصما ‏{‏المجيد‏}‏ بالخفض، نعتا للعرش‏.‏ وقيل‏:‏ لـ ‏{‏ربك‏}‏؛ أي إن بطش ربك المجيد لشديد، ولم يمتنع الفصل، لأنه جار مجرى الصفة في التشديد‏.‏ الباقون بالرفع نعتا لـ‏{‏ذو‏}‏ وهو الله تعالى‏.‏ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأن المجد هو النهاية في الكرم والفضل، والله سبحانه المنعوت بذلك، وإن كان قد وصف عرشه بالكريم في آخر المؤمنون ‏.‏ تقول العرب‏:‏ في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار؛ أي تناهيا فيه، حتى يقتبس منهما‏.‏ ومعنى ذو العرش‏:‏ أي ذو الملك والسلطان؛ كما يقال‏:‏ فلان على سرير ملكه؛ وإن لم يكن على سرير‏.‏ ويقال‏:‏ ثل عرشه‏:‏ أي ذهب سلطانه‏.‏ وقد مضى بيان هذا في الأعراف وخاصة في كتاب الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى ‏.‏ ‏{‏فعال لما يريد‏}‏ أي لا يمتنع عليه شيء يريده‏.‏ الزمخشري‏{‏فعال‏}‏ خبر ابتداء محذوف‏.‏ وإنما قيل‏{‏فعال‏}‏ لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة‏.‏ وقال الفراء‏:‏ هو رفع على التكرير والاستئناف؛ لأنه نكرة محضة‏.‏ وقال الطبري‏:‏ رفع ‏{‏فعال‏}‏ وهي نكرة محضة على وجه الاتباع لإعراب ‏{‏الغفور الودود‏}‏‏.‏ وعن أبي السفر قال‏:‏ دخل ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه يعودونه فقالوا‏:‏ ألا نأتيك بطبيب‏؟‏ قال‏:‏ قد رآني‏!‏ قالوا‏:‏ فما قال لك‏؟‏ قال‏:‏ قال‏:‏ إني فعال لما أريد‏.

الآية رقم ‏(‏17 ‏:‏ 19‏)‏

‏{‏هل أتاك حديث الجنود، فرعون وثمود، بل الذين كفروا في تكذيب‏}‏

قوله تعالى‏{‏هل أتاك حديث الجنود‏}‏ أي قد أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم؛ يؤنسه بذلك ويسليه‏.‏ ثم بينهم فقال‏{‏فرعون وثمود‏}‏ وهما في موضع جر على البدل من ‏{‏الجنود‏}‏‏.‏ المعنى‏:‏ إنك قد عرفت ما فعل الله بهم حين كذبوا أبياءه ورسله‏.‏ ‏{‏بل الذين كفروا‏}‏ أي من هؤلاء الذين لا يؤمنون بك‏.‏ ‏{‏في تكذيب‏}‏ لك؛ كدأب من قبلهم‏.‏ وإنما خص فرعون وثمود؛ لأن ثمود في بلاد العرب وقصتهم عندهم مشهورة وإن كانوا من المتقدمين، وأمر فرعون كان مشهورا عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك؛ فدل بهما على أمثالهما في الهلاك‏.‏ والله أعلم‏.‏

الآية رقم ‏(‏20 ‏:‏ 22‏)‏

‏{‏والله من ورائهم محيط، بل هو قرآن مجيد، في لوح محفوظ‏}‏

قوله تعالى‏{‏والله من ورائهم محيط‏}‏ أي يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل بفرعون‏.‏ والمحاط به كالمحصور‏.‏ وقيل‏:‏ أي والله عالم بهم فهو يجازيهم‏.‏ ‏{‏بل هو قرآن مجيد‏}‏ أي متناه في الشرف والكرم والبركة، وهو بيان ما بالناس الحاجة إليه من أحكام الدين والدنيا، لا كما زعم المشركون‏.‏ وقيل ‏{‏مجيد‏}‏‏:‏ أي غير مخلوق‏.‏ ‏{‏في لوح محفوظ‏}‏ أي مكتوب في لوح‏.‏ وهو محفوظ عند الله تعالى من وصول الشياطين إليه‏.‏ وقيل‏:‏ هو أم الكتاب؛ ومنه انتسخ القرآن والكتب‏.‏ وروى الضحاك عن ابن عباس قال‏{‏اللوح من ياقوتة حمراء، أعلاه معقود بالعرش وأسفله في حجر ملك يقال له ماطريون، كتابه نور، وقلمه نور، ينظر الله عز وجل فيه كل يوم ثلثمائة وستين نظره؛ ليس منها نظرة إلا وهو يفعل ما يشاء؛ يرفع وضيعا، ويضع رفيعا، ويغني فقيرا، ويفقر غنيا؛ يحيي ويميت، ويفعل ما يشاء؛ لا إله إلا هو‏}‏‏.‏ وقال أنس بن مالك ومجاهد، إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله تعالى في جبهة إسرافيل‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ اللوح المحفوظ عن يمين العرش‏.‏ وقيل‏:‏ اللوح المحفوظ الذي فيه أصناف الخلق والخليقة، وبيان أمورهم، وهو أم الكتاب‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أول شيء كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ إني أنا الله لا إله إلا أنا، محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وصبر على بلائي، وشكر نعمائي، كتبته صديقا وبعثته مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي ولم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي، فليتخذ إلها سواي ‏.‏ وكتب الحجاج إلى محمد بن الحنفية رضي الله عنه يتوعده؛ فكتب إليه ابن الحنفية بلغني أن لله تعالى في كل يوم ثلثمائة وستين نظرة في اللوح المحفوظ؛ يعز ويذل، ويبتلى ويفرح، ويفعل ما يريد؛ فلعل نظرة منها تشغلك بنفسك، فتشتغل بها ولا تتفرغ ‏.‏ وقال بعض المفسرين‏:‏ اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرؤونه‏.‏

وقرأ ابن السميقع وأبو حيوة ‏{‏قرآن مجيد‏}‏ على الإضافة؛ أي قرآن رب مجيد‏.‏ وقرأ نافع ‏{‏في لوح محفوظ‏}‏ بالرفع نعتا للقرآن؛ أي بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح‏.‏ الباقون بالجر نعتا للوح‏.‏ والقراء متفقون على فتح اللام من ‏{‏لوح‏}‏ إلا ما روي عن يحيى بن يعمر؛ فإنه قرآن ‏{‏لوح‏}‏ بضم اللام، أي إنه يلوج، وهو ذو نور وعلو وشرف‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ واللوح الهواء؛ يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح‏.‏ وفي الصحاح‏:‏ لاح الشيء يلوح لوحا أي لمح‏.‏ ولاحه السفر‏:‏ غيره‏.‏ ولاح لوحا ولواحا‏:‏ عطش، والتاج مثله‏.‏ واللوح‏:‏ الكتف، وكل عظم عريض‏.‏ واللوح‏:‏ الذي يكتب فيه‏.‏ واللوح بالضم‏:‏ الهواء بين السماء والأرض‏.‏ والحمد لله
 
سورة الطارق

الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 3‏)‏

‏{‏والسماء والطارق، وما أدراك ما الطارق، النجم الثاقب‏}‏

قوله تعالى‏{‏والسماء والطارق‏}‏ قسمان‏{‏السماء‏}‏ قسم، و‏{‏الطارق‏}‏ قسم‏.‏ والطارق‏:‏ النجم‏.‏ وقد بينه اللّه تعالى بقوله‏{‏وما أدراك ما الطارق‏.‏ النجم الثاقب‏}‏‏.‏ واختلف فيه؛ فقيل‏:‏ هو زحل‏:‏ الكوكب الذي في السماء السابعة؛ ذكره محمد بن الحسن في تفسيره، وذكر له أخبارا، اللّه أعلم بصحتها‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ إنه الثريا‏.‏ وعنه أيضا أنه زحل؛ وقاله الفراء‏.‏ ابن عباس‏:‏ هو الجدي‏.‏ وعنه أيضا وعن علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنهما - والفراء‏{‏النجم الثاقب‏}‏‏:‏ نجم في السماء السابعة، لا يسكنها غيره من النجوم؛ فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء، هبط فكان معها‏.‏ ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل، فهو طارق حين ينزل، وطارق حين يصعد‏.‏ وحكى الفراء‏:‏ ثقب الطائر‏:‏ إذا ارتفع وعلا‏.‏ وروى أبو صالح عن ابن عباس قال‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قاعدا مع أبي طالب، فانحط نجم، فامتلأت الأرض نورا، ففزع أبو طالب، وقال‏:‏ أي شيء هذا‏؟‏ فقال‏:‏ ‏[‏هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات اللّه‏]‏ فعجب أبو طالب، ونزل‏{‏والسماء والطارق‏}‏‏.‏ وروي عن ابن عباس أيضا ‏{‏والسماء والطارق‏}‏ قال‏:‏ السماء وما يطرق فيها‏.‏ وعن ابن عباس وعطاء‏{‏الثاقب‏}‏‏:‏ الذي ترمي به الشياطين‏.‏ قتادة‏:‏ هو عام في سائر النجوم؛ لأن طلوعها بليل، وكل من أتاك ليلا فهو طارق‏.‏ قال‏:‏

ومثلك حبلي قد طرقت ومرضعا فألهيتها عن ذي تمائم مغيل

وقال‏:‏

ألم ترياني كلما جئت طارقا وجدت بها طيبا وإن لم تطيب

فالطارق‏:‏ النجم، اسم جنس، سمي بذلك لأنه يطرق ليلا، ومنه الحديث‏:‏ ‏[‏نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يطرق المسافر أهله ليلا، كي تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة‏]‏‏.‏ والعرب تسمي كل قاصد في الليل طارقا‏.‏ يقال‏:‏ طرق فلان إذا جاء بليل‏.‏ وقد طرق يطرق طروقا، فهو طارق‏.‏ ولابن الرومي‏:‏

يا راقد الليل مسرورا بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا

لا تفرحن بليل طاب أوله فرب آخر ليل أجج النارا

وفي الصحاح‏:‏ والطارق‏:‏ النجم الذي يقال له كوكب الصبح‏.‏ ومنه قول هند‏:‏

نحن بنات طارق نمشي على النمارق

أي إن أبانا في الشرف كالنجم المضيء‏.‏ الماوردي‏:‏ وأصل الطرق‏:‏ الدق، ومنه سميت المطرقة، فسمي قاصد الليل طارقا، لاحتياجه في الوصول إلى الدق‏.‏ وقال قوم‏:‏ إنه قد يكون نهارا‏.‏ والعرب تقول؛ أتيتك اليوم طرقتين‏:‏ أي مرتين‏.‏ ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن‏)‏‏.‏ وقال جرير في الطروق‏:‏

طرقتك صائدة القلوب وليس ذا حين الزيارة فارجعي بسلام

ثم بين فقال‏{‏وما أدراك ما الطارق‏.‏ النجم الثاقب‏}‏ والثاقب‏:‏ المضيء‏.‏ ومنه ‏{‏شهاب ثاقب‏}‏الصافات‏:‏ 10‏]‏‏.‏ يقال‏:‏ ثقب يثقب ثقوبا وثقابة‏:‏ إذا أضاء‏.‏ وثقوبه‏:‏ ضوئه‏.‏ والعرب تقول‏:‏ أثقب نارك؛ أي أضئها‏.‏ قال‏:‏

أذاع به في الناس حتى كأنه بعلياء نار أوقدت بثقوب

الثقوب‏:‏ ما تشعل به النار من دقاق العيدان‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الثاقب‏:‏ المتوهج‏.‏ القشيري والمعظم على أن الطارق والثاقب اسم جنس أريد به العموم، كما ذكرنا عن مجاهد‏.‏ ‏{‏وما أدراك ما الطارق‏}‏ تفخيما لشأن هذا المقسم به‏.‏ وقال سفيان‏:‏ كل ما في القرآن ‏{‏وما أدراك‏}‏‏؟‏ فقد أخبره به‏.‏ وكل شيء قال فيه ‏{‏وما يدريك‏}‏‏:‏ لم يخبره به‏.‏

الآية رقم ‏(‏4‏)‏

‏{‏إن كل نفس لما عليها حافظ‏}‏

قال قتادة‏:‏ حفظة يحفظون عليك رزقك وعملك وأجلك‏.‏ وعنه أيضا قال‏:‏ قرينه يحفظ عليه عمله‏:‏ من خير أو شر‏.‏ وهذا هو جواب القسم‏.‏ وقيل‏:‏ الجواب ‏{‏إنه على رجعه لقادر‏}‏ في قول الترمذي‏:‏ محمد بن علي‏.‏ و‏{‏إن‏}‏‏:‏ مخففة من الثقيلة، و‏{‏ما‏}‏‏:‏ مؤكدة، أي إن كل نفس لعليها حافظ‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى إن كل نفس إلا عليها حافظ‏:‏ يحفظها من الآفات، حتى يسلمها إلى القدر‏.‏ قال الفراء‏:‏ الحافظ من اللّه، يحفظها حتى يسلمها إلى المقادير، وقال الكلبي‏.‏ وقال أبو أمامة‏:‏ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك البصر، سبعة أملاك يذبون عنه، كما يذب عن قصعة العسل الذباب‏.‏ ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين‏]‏‏.‏ وقراءة ابن عامر وعاصم وحمزة ‏{‏لما‏}‏ بتشديد الميم، أي ما كل نفس إلا عليها حافظ، وهي لغة هذيل‏:‏ يقول قائلهم‏:‏ نشدتك لما قمت‏.‏ الباقون بالتخفيف، على أنها زائدة مؤكدة، كما ذكرنا‏.‏ ونظير هذه الآية قوله تعالى‏{‏له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله‏}‏الرعد‏:‏ 11‏]‏، على ما تقدم‏.‏ وقيل‏:‏ الحافظ هو اللّه سبحانه؛ فلولا حفظه لها لم تبق‏.‏ وقيل‏:‏ الحافظ عليه عقله، يرشده إلى مصالحه، ويكفه عن مضاره‏.‏

قلت‏:‏ العقل وغيره وسائط، والحافظ في الحقيقة هو اللّه جل وعز؛ قال اللّه عز وجل‏{‏فالله خير حافظا‏}‏يوسف‏:‏ 65‏]‏، وقال‏{‏قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن‏}‏الأنبياء‏:‏ 52‏]‏‏.‏ وما كان مثله‏.‏

الآية رقم ‏(‏5 ‏:‏ 8‏)‏

‏{‏فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب، إنه على رجعه لقادر‏}‏

قوله تعالى‏{‏فلينظر الإنسان‏}‏ أي ابن آدم ‏{‏مم خلق‏}‏ وجه الاتصال بما قبله توصية الإنسان بالنظر في أول أمره، وسنته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه؛ فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبة أمره‏.‏ و‏{‏مم خلق‏}‏‏؟‏ استفهام؛ أي من أي شيء خلق‏؟‏ ثم قال‏{‏خلق‏}‏ وهو جواب الاستفهام ‏{‏من ماء دافق‏}‏ أي من المني‏.‏ والدفق‏:‏ صب الماء، دفقت الماء أدفقه دفقا‏:‏ صببته، فهو ماء دافق، أي مدفوق، كما قالوا‏:‏ سر كاتم‏:‏ أي مكتوم؛ لأنه من قولك‏:‏ دفق الماء، على ما لم يسم فاعله‏.‏ ولا يقال‏:‏ دفق الماء‏.‏ ويقال‏:‏ دفق اللّه روحه‏:‏ إذا دعي عليه بالموت‏.‏ قال الفراء والأخفش‏{‏من ماء دافق‏}‏ أي مصبوب في الرحم، الزجاج‏:‏ من ماء ذي اندفاق‏.‏ يقال‏:‏ دارع وفارس ونابل؛ أي ذو فرس، ودرع، ونبل‏.‏ وهذا مذهب سيبويه‏.‏ فالدافق هو المندفق بشدة قوته‏.‏ وأراد ماءين‏:‏ ماء الرجل وماء المرأة؛ لأن الإنسان مخلوق منهما، لكن جعلهما ماء واحدا لامتزاجهما‏.‏ وعن عكرمة عن ابن عباس‏{‏دافق‏}‏ لزج‏.‏ ‏{‏يخرج‏}‏ أي هذا الماء ‏{‏من بين الصلب‏}‏ أي الظهر‏.‏ وفيه لغات أربع‏:‏ صلب، وصلب - وقرئ بهما - وصلب بفتح اللام، وصالب على وزن قالب؛ ومنه قول العباس‏:‏

تنقل من صالب إلى رحم

‏{‏والترائب‏}‏ أي الصدر، الواحدة‏:‏ تريبة؛ وهي موضع القلادة من الصدر‏.‏ قال‏:‏

مهفهفة بيضاء غير مفاضة ترائبها مصقولة كالسجنجل

والصلب من الرجل، والترائب من المرأة‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ الترائب‏:‏ موضع القلادة‏.‏ وعنه‏:‏ ما بين ثدييها؛ وقال عكرمة‏.‏ وروي عنه‏:‏ يعني ترائب المرأة‏:‏ اليدين والرجلين والعينين؛ وبه قال الضحاك‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ هو الجيد‏.‏ مجاهد‏:‏ هو ما بين المنكبين والصدر عنه‏:‏ الصدر‏.‏ وعنه‏:‏ التراقي‏.‏ وعن ابن جبير عن ابن عباس‏:‏ الترائب‏:‏ أربع أضلاع من هذا الجانب‏.‏ وحكى الزجاج‏:‏ أن الترائب أربع أضلاع من يمنة الصدر، وأربع أضلاع من يسرة الصدر‏.‏ وقال معمر بن أبي حبيبة المدني‏:‏ الترائب عصارة القلب؛ ومنها يكون الولد‏.‏ والمشهور من كلام العرب‏:‏ أنها عظام الصدر والنحر‏.‏ وقال دريد بن الصمة‏:‏

فإن تدبروا نأخذكم في ظهوركم وإن تقبلوا نأخذكم في الترائب

وقال آخر‏:‏

وبدت كأن ترائبا من نحرها جمر الغضى في ساعد تتوقد

وقال آخر‏:‏

والزعفران على ترائبها شرق به اللبات والنحر

وعن عكرمة‏:‏ الترائب‏:‏ الصدر؛ ثم أنشد‏:‏

نظام در على ترائبها

وقال ذو الرمة‏:‏

ضرجن البرود عن ترائب حرة

أي شققن‏.‏ ويروي ‏{‏ضرحن‏}‏ بالخاء، أي ألقين‏.‏ وفي الصحاح‏:‏ والتربية‏:‏ واحدة الترائب، وهي عظام الصدر؛ ما بين الترقوة والثندوة‏.‏ قال الشاعر‏:‏

أشرف ثدياها على التريب

وقال المثقب العبدي‏:‏

ومن ذهب يسن على تريب كلون العاج ليس بذي غضون

‏[‏عن غير الجوهري‏:‏ الثندوة للرجل‏:‏ بمنزلة الثدي للمرأة‏.‏ وقال الأصمعي‏:‏ مغرز الثدي‏.‏ وقال ابن السكيت‏:‏ هي اللحم الذي حول الثدي؛ إذا ضممت أولها همزت، وإذا فتحت لم تهمز‏]‏‏.‏ وفي التفسير‏:‏ يخلق من ماء الرجل الذي يخرج من صلبه العظم والعصب‏.‏ ومن ماء المرأة الذي يخرج من ترائبها اللحم والدم؛ وقال الأعمش‏.‏ وقد تقدم مرفوعا في أول سورة آل عمران ‏.‏ والحمد لله - وفي الحجرات ‏{‏إنا خلقناكم من ذكر وأنثى‏}‏ وقد تقدم‏.‏ وقيل‏:‏ إن ماء الرجل ينزل من الدماغ، ثم يجتمع في الأنثيين‏.‏ وهذا لا يعارض قوله‏{‏من بين الصلب‏}‏؛ لأنه إن نزل من الدماغ، فإنما يمر بين الصلب والترائب‏.‏ وقال قتادة‏:‏ المعنى ويخرج من صلب الرجل وترائب المرأة‏.‏ وحكى الفراء أن مثل هذا يأتي عن العرب؛ وعليه فيكون معنى من بين الصلب‏:‏ من الصلب‏.‏ وقال الحسن‏:‏ المعنى‏:‏ يخرج من صلب الرجل وترائب الرجل، ومن صلب المرأة وترائب المرأة‏.‏ ثم إنا نعلم أن النطفة من جميع أجزاء البدن؛ ولذلك يشبه الرجل والديه كثيرا‏.‏ وهذه الحكمة في غسل جميع الجسد من خروج المني‏.‏ وأيضا المكثر من الجماع يجد وجعا في ظهره وصلبه؛ وليس ذلك إلا لخلو صلبه عما كان محتبسا من الماء‏.‏ وروى إسماعيل عن أهل مكة ‏{‏يخرج من بين الصلُب‏}‏ بضم اللام‏.‏ ورويت عن عيسى الثقفي‏.‏ حكاه المهدوي وقال‏:‏ من جعل المني يخرج من بين صلب الرجل وترائبه، فالضمير في ‏{‏يخرج‏}‏ للماء‏.‏ ومن جعله من بين صلب الرجل وترائب المرأة، فالضمير للإنسان‏.‏ وقرئ ‏{‏الصلب‏}‏، بفتح الصاد واللام‏.‏ وفيه أربع لغات‏:‏ صلب وصلب وصلب وصالب‏.‏ قال العجاج‏:‏

في صلب مثل العنان المؤدم

وفي مدح النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏

تنقل من صالب إلى رحم

الأبيات مشهورة معروفة‏.‏ ‏{‏إنه‏}‏ أي إن اللّه جل ثناؤه ‏{‏على رجعه‏}‏ أي على رد الماء في الإحليل، ‏{‏لقادر‏}‏ كذا قال مجاهد والضحاك‏.‏ وعنهما أيضا أن المعنى‏:‏ إنه على رد الماء في الصلب؛ وقال عكرمة‏.‏ وعن الضحاك أيضا أن المعنى‏:‏ إنه على رد الإنسان ماء كما كان لقادر‏.‏ وعنه أيضا أن المعنى‏:‏ إنه على رد الإنسان من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الكبر، لقادر‏.‏ وكذا في المهدوي‏.‏ وفي الماوردي والثعلبي‏:‏ إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ إنه على حبس ذلك الماء حتى لا يخرج، لقادر‏.‏ وقال ابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة أيضا‏:‏ إنه على رد الإنسان بعد الموت لقادر‏.‏ وهو اختيار الطبري‏.‏ الثعلبي‏:‏ وهو الأقوى؛ لقوله تعالى‏{‏يوم تبلى السرائر‏}‏الطارق‏:‏ 9‏]‏ قال الماوردي‏:‏ ويحتمل أنه على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه في الآخرة؛ لأن الكفار يسألون اللّه تعالى فيها الرجعة‏.‏

الآية رقم ‏(‏9‏)‏

‏{‏يوم تبلى السرائر‏}‏

العامل في ‏{‏يوم‏}‏ - وفي قول من جعل المعنى إنه على بعث الإنسان - قوله ‏{‏لقادر‏}‏، ولا يعمل فيه ‏{‏رجعه‏}‏ لما فيه من التفرقة بين الصلة والموصول بخبر ‏{‏إن‏}‏‏.‏ وعلى الأقوال الأخر التي في ‏{‏إنه على رجعه لقادر‏}‏، يكون العامل في ‏{‏يوم‏}‏ فعل مضمر، ولا يعمل فيه ‏{‏لقادر‏}‏؛ لأن المراد في الدنيا‏.‏ و‏{‏تبلى‏}‏ أي تمتحن وتختبر؛ وقال أبو الغول الطهوي‏:‏

ولا تبلى بسالتهم وإن هم صلوا بالحرب حينا بعد حين

ويروى تبلى بسالتهم‏.‏ فمن رواه ‏{‏تبلى‏}‏ - بضم التاء - جعله من الاختبار؛ وتكون البسالة على هذه الرواية الكراهة؛ كأنه قال‏:‏ لا يعرف لهم فيها كراهة‏.‏ و‏{‏تبلى‏}‏ تعرف‏.‏ وقال الراجز‏:‏

قد كنت قبل اليوم تزدريني فاليوم أبلوك وتبتليني

أي أعرفك وتعرفني‏.‏ ومن رواه ‏{‏تبلى‏}‏ - بفتح التاء - فالمعنى‏:‏ أنهم لا يضعفون عن الحرب وإن تكررت عليهم زمانا بعد زمان‏.‏ وذلك أن الأمور الشداد إذا تكررت على الإنسان هدته وأضعفته‏.‏ وقيل‏{‏تبلى السرائر‏}‏‏:‏ أي تخرج مخبآتها وتظهر، وهو كل ما كان استسره الإنسان من خير أو شر، وأضمره من إيمان أو كفر؛ كما قال الأحوص‏:‏

سيبقى لها في مضمر القلب والحشا سريرة ود يوم تبلى السرائر

روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ائتمن اللّه تعالى خلقه على أربع‏:‏ على الصلاة، والصوم، والزكاة، والغسل، وهي السرائر التي يختبرها اللّه عز وجل يوم القيامة‏)‏‏.‏ ذكره المهدوي‏.‏ وقال ابن عمر قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ثلاث من حافظ عليها فهو ولي اللّه حقا، ومن اختانهن فهو عدو اللّه حقا‏:‏ الصلاة؛ والصوم، والغسل من الجنابة‏)‏ ذكره الثعلبي‏.‏ وذكر الماوردي عن زيد ابن أسلم‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الأمانة ثلاث‏:‏ الصلاة والصوم، والجنابة‏.‏ استأمن اللّه عز وجل ابن آدم على الصلاة؛ فإن شاء قال صليت ولم يصل‏.‏ استأمن اللّه عز وجل ابن آدم على الصوم، فإن شاء قال صمت ولم يصم‏.‏ استأمن اللّه عز وجل ابن آدم على الجنابة؛ فإن شاء قال اغتسلت ولم يغتسل، اقرؤوا إن شئتم ‏{‏يوم تبلى السرائر‏}‏‏)‏، وذكره الثعلبي عن عطاء‏.‏ وقال مالك في رواية أشهب عنه، وسألته عن قوله تعالى‏{‏يوم تبلى السرائر‏}‏‏:‏ أبلغك أن الوضوء من السرائر‏؟‏ قال‏:‏ قد بلغني ذلك فيما يقول الناس، فأما حديث أحدث به فلا‏.‏ والصلاة من السرائر، والصيام من السرائر، إن شاء قال صليت ولم يصل‏.‏ ومن السرائر ما في القلوب؛ يجزي اللّه به العباد‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ قال ابن مسعود يغفر للشهيد إلا الأمانة، والوضوء من الأمانة، والصلاة والزكاة من الأمانة، والوديعة من الأمانة؛ وأشد ذلك الوديعة؛ تمثل له على هيئتها يوم أخذها؛ فيرمي بها في قعر جهنم، فيقال له‏:‏ أخرجها، فيتبعها فيجعلها في عنقه، فإذا رجا أن يخرج بها زلت منه، فيتبعها؛ فهو كذلك دهر الداهرين‏.‏ وقال أبي بن كعب‏:‏ من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها‏.‏ قال أشهب‏:‏ قال لي سفيان‏:‏ في الحيضة والحمل، إن قالت لم أحض وأنا حامل صدقت، ما لم تأت بما يعرف فيه أنها كاذبة‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏[‏غسل الجنابة من الأمانة‏]‏‏.‏ وقال ابن عمر‏:‏ يبدي اللّه يوم القيامة كل سر خفي، فيكون زينا في الوجوه، وشينا في الوجوه‏.‏ واللّه عالم بكل شيء، ولكن يظهر علامات الملائكة والمؤمنين‏.‏

الآية رقم ‏(‏10‏)‏

‏{‏ فما له من قوة ولا ناصر‏}‏

قوله تعالى‏{‏فما له‏}‏ أي للإنسان ‏{‏من قوة‏}‏ أي منعة تمنعه‏.‏ ‏{‏ولا ناصر‏}‏ ينصره مما نزل به‏.‏ وعن عكرمة ‏{‏فما له من قوة ولا ناصر‏}‏ قال‏:‏ هؤلاء الملوك، ما لهم يوم القيامة من قوة ولا ناصر‏.‏ وقال سفيان‏:‏ القوة‏:‏ العشيرة‏.‏ والناصر‏:‏ الحليف‏.‏ وقيل‏{‏فما له من قوة‏}‏ في بدنه‏.‏ ‏{‏ولا ناصر‏}‏ من غيره يمتنع به من اللّه‏.‏ وهو معنى قول قتادة‏.‏

الآية رقم ‏(‏11 ‏:‏ 16‏)‏

‏{‏والسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع، إنه لقول فصل، وما هو بالهزل، إنهم يكيدون كيدا، وأكيد كيدا‏}‏

قوله تعالى‏{‏والسماء ذات الرجع‏}‏ أي ذات المطر‏.‏ ترجع كل سنة بمطر بعد مطر‏.‏ كذا قاله عامة المفسرين‏.‏ وقال أهل اللغة‏:‏ الرجع‏:‏ المطر، وأنشدوا للمتنخل يصف سيفا شبهه بالماء‏:‏

أبيض كالرجع رسوب إذا ما ثاخ في محتفل يختلي

‏[‏ثاخت قدمه في الوحل تثوخ وتثيخ‏:‏ خاضت وغابت فيه؛ قاله الجوهري‏]‏‏.‏ قال الخليل‏:‏ الرجع‏:‏ المطر نفسه، والرجع أيضا‏:‏ نبات الربيع‏.‏ وقيل‏{‏ذات الرجع‏}‏‏.‏ أي ذات النفع‏.‏ وقد يسمى المطر أيضا أوبا، كما يسمى رجعا، قال‏:‏

رباء شماء لا يأوي لقلتها إلا السحاب وإلا الأوب والسبل

وقال عبدالرحمن بن زيد‏:‏ الشمس والقمر والنجوم يرجعن في السماء؛ تطلع من ناحية وتغيب في أخرى‏.‏ وقيل‏:‏ ذات الملائكة؛ لرجوعهم إليها بأعمال العباد‏.‏ وهذا قسم‏.‏ ‏{‏والأرض ذات الصدع‏}‏ قسم آخر؛ أي تتصدع عن النبات والشجر والثمار والأنهار؛ نظيره ‏{‏ثم شققنا الأرض شقا‏}‏عبس‏:‏ 26‏]‏ الآية‏.‏ والصدع‏:‏ بمعنى الشق؛ لأنه يصدع الأرض، فتنصدع به‏.‏ وكأنه قال‏:‏ والأرض ذات النبات؛ لأن النبات صادع للأرض‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ والأرض ذات الطرق التي تصدعها المشاة‏.‏ وقيل‏:‏ ذات الحرث، لأنه يصدعها‏.‏ وقيل‏:‏ ذات الأموات‏:‏ لانصداعها عنهم للنشور‏.‏ ‏{‏إنه لقول فصل‏}‏ على هذا وقع القسم‏.‏ أي إن القرآن يفصل بين الحق والباطل‏.‏ وقد تقدم في مقدمة الكتاب ما رواه الحارث عن علي رضي اللّه عنه قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏[‏كتاب فيه خبر ما قبلكم وحكم ما بعدكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه اللّه، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللّه‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالقول الفصل‏:‏ ما تقدم من الوعيد في هذه السورة، من قوله تعالى‏{‏إنه على رجعه لقادر‏.‏ يوم تبلى السرائر‏}‏‏.‏ ‏{‏وما هو بالهزل‏}‏ أي ليس القرآن بالباطل واللعب‏.‏ والهزل‏:‏ ضد الجد، وقد هزل يهزل‏.‏ قال الكميت‏:‏

يُجَد بنا في كل يوم ونهزِل

‏{‏إنهم‏}‏ أي إن أعداء اللّه ‏{‏يكيدون كيدا‏}‏ أي يمكرون بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه مكرا‏.‏ ‏{‏وأكيد كيدا‏}‏ أي أجازيهم جزاء كيدهم‏.‏ وقيل‏:‏ هو ما أوقع اللّه بهم يوم بدر من القتل والأسر‏.‏ وقيل‏:‏ كيد اللّه‏:‏ استدراجهم من حيث لا يعلمون‏.‏ وقد مضى هذا المعنى في أول البقرة ، عند قوله تعالى‏{‏الله يستهزئ بهم‏}‏البقرة‏:‏ 15‏]‏‏.‏ مستوفى‏.‏

الآية رقم ‏(‏17‏)‏

‏{‏فمهل الكافرين أمهلهم رويدا‏}‏

قوله تعالى‏{‏فمهل الكافرين‏}‏ أي أخرهم، ولا تسأل اللّه تعجيل إهلاكهم، وارض بما يدبره في أمورهم‏.‏ ثم نسخت بآية السيف ‏{‏فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏}‏التوبة‏:‏ 5‏]‏‏.‏ ‏{‏أمهلهم‏}‏ تأكيد‏.‏ ومهل وأمهل‏:‏ بمعنى؛ مثل نزل وأنزل‏.‏ وأمهله‏:‏ أنظره، ومهله تمهيلا، والاسم‏:‏ المهلة‏.‏ والاستمهال‏:‏ الاستنظار‏.‏ وتمهل في أمره أي اتأد‏.‏ واتمهل اتمهلالا‏:‏ أي اعتدل وانتصب‏.‏ والاتمهلال أيضا‏:‏ سكون وفتور‏.‏ ويقال‏:‏ مهلا يا فلان؛ أي رفقا وسكونا‏.‏ ‏{‏رويدا‏}‏ أي قريبا؛ عن ابن عباس‏.‏ قتادة‏:‏ قليلا‏.‏ والتقدير‏:‏ أمهلهم إمهالا قليلا‏.‏ والرويد في كلام العرب‏:‏ تصغير رود‏.‏ وكذا قاله أبو عبيد‏.‏ وأنشد‏:‏

كأنها ثمل يمشي على رود

أي على مهل‏.‏ وتفسير ‏{‏رويدا‏}‏‏:‏ مهلا، وتفسير رويدك‏:‏ أمهل؛ لأن الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أفعل دون غيره، وإنما حركت الدال لالتقاء الساكنين، فنصب نصب المصادر، وهو مصغر مأموو به؛ لأنه تصغير الترخيم من إرواد؛ وهو مصدر أرود يرود‏.‏ وله أربعة أوجه‏:‏ اسم للفعل، وصفة، وحال، ومصدر؛ فالاسم نحو قولك‏:‏ رويد عمرا؛ أي أرود عمرا، بمعنى أمهله‏.‏ والصفة نحو قولك‏:‏ ساروا سيرا رويدا‏.‏ والحال نحو قولك‏:‏ سار القوم رويدا؛ لما اتصل بالمعرفة صار حالا لها‏.‏ والمصدر نحو قولك‏:‏ رويد عمرو بالإضافة؛ كقوله تعالى‏{‏فضرب الرقاب‏}‏محمد‏:‏ 4‏]‏‏.‏ قال جميعه الجوهري‏.‏ والذي في الآية من هذه الوجوه أن يكون نعتا للمصدر؛ أي إمهالا رويدا‏.‏ ويجوز أن يكون للحال؛ أي أمهلهم غير مستعجل لهم العذاب‏.‏ ختمت السورة‏.‏
 
سورة الأعلى
الآية رقم ‏(‏1‏)‏

‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏

يستحب للقارئ إذا قرأ ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ أن يقول عقبه‏:‏ سبحان ربي الأعلى؛ قاله النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين؛ على ما يأتي‏.‏ وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال‏:‏ ‏(‏إن لله تعالى ملكا يقال له حِزقيائيل، له ثمانية عشر ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح مسيرة خمسمائة عام، فخطر له خاطر هل تقدر أن تبصر العرش جميعه‏؟‏ فزاده اللّه أجنحة مثلها، فكان له ستة وثلاثون ألف جناح، ما بين الجناح إلى الجناح خمسمائة عام‏.‏ ثم أوحى اللّه إليه‏:‏ أيها الملك، أن طر، فطار مقدار عشرين ألف سنة؛ فلم يبلغ رأس قائمة من قوائم العرش‏.‏ ثم ضاعف اللّه له في الأجنحة والقوة، وأمره أن يطير، فطار مقدار ثلاثين ألف سنة أخرى، فلم يصل أيضا؛ فأوحى اللّه إليه أيها الملك، لو طرت إلى نفخ الصور مع أجنحتك وقوتك لم تبلغ ساق عرشي‏.‏ فقال الملك‏:‏ سبحان ربي الأعلى؛ فأنزل اللّه تعالى‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏‏.‏ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ اجعلوها في سجودكم‏)‏‏.‏ ذكره الثعلبي في كتاب العرائس له‏.‏ وقال ابن عباس والسدي‏:‏ معنى ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ أي عظم ربك الأعلى‏.‏ والاسم صلة، قصد بها تعظيم المسمى؛ كما قال لبيد‏:‏

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما

وقيل‏:‏ نزه ربك عن السوء، وعما يقول فيه الملحدون‏.‏ وذكر الطبري أن المعنى نزه اسم ربك عن أن تسمي به أحدا سواه‏.‏ وقيل‏:‏ نزه تسمية ربك وذكرك إياه، أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم، ولذكره محترم‏.‏ وجعلوا الاسم بمعنى التسمية، والأولى أن يكون الاسم هو المسمى‏.‏ روى نافع عن ابن عمر قال‏:‏ لا تقل على اسم اللّه؛ فإن اسم اللّه هو الأعلى‏.‏ وروى أبو صالح عن ابن عباس‏:‏ صلّ بأمر ربك الأعلى‏.‏ قال‏:‏ وهو أن تقول سبحان ربك الأعلى‏.‏ وروي عن علي رضي اللّه عنه، وابن عباس وابن عمرو وابن الزبير وأبي موسى وعبدالله بن مسعود رضي اللّه عنهم‏:‏ أنهم كانوا إذا افتتحوا قراءة هذه السورة قالوا‏:‏ سبحان ربي الأعلى؛ امتثالا لأمره في ابتدائها‏.‏ فيختار الاقتداء بهم في قراءتهم؛ لا أن سبحان ربي الأعلى من القرآن؛ كما قاله بعض أهل الزيغ‏.‏ وقيل‏:‏ إنها في قراءة أُبيّ‏{‏سبحان ربي الأعلى‏}‏‏.‏ وكان ابن عمر يقرؤها كذلك‏.‏ وفي الحديث‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا قرأها قال‏:‏ ‏[‏سبحان ربي الأعلى‏]‏‏.‏

قال أبو بكر الأنباري‏:‏ حدثني محمد بن شهريار، قال‏:‏ حدثنا حسين بن الأسود، قال‏:‏ حدثنا عبدالرحمن بن أبي حماد قال‏:‏ حدثنا عيسى بن عمر، عن أبيه، قال‏:‏ قرأ علي بن أبي طالب عليه السلام في الصلاة ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏، ثم قال‏:‏ سبحان ربي الأعلى؛ فلما انقضت الصلاة قيل له‏:‏ يا أمير المؤمنين، أتزيد هذا في القرآن‏؟‏ قال‏:‏ ما هو‏؟‏ قالوا‏:‏ سبحان ربي الأعلى‏.‏ قال‏:‏ لا، إنما أمرنا بشيء فقلته، وعن عقبة بن عامر الجهني قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏اجعلوها في سجودكم‏)‏‏.‏ وهذا كله يدل على أن الاسم هو المسمى؛ لأنهم لم يقولوا‏:‏ سبحان اسم ربك الأعلى‏.‏ وقيل‏:‏ إن أول من قال ‏[‏سبحان ربي الأعلى‏]‏ ميكائيل عليه السلام‏.‏ وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لجبريل‏:‏ ‏(‏يا جبريل أخبرني بثواب من قال‏:‏ سبحان ربي الأعلى في صلاته أو في غير صلاته‏)‏‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏يا محمد، ما من مؤمن ولا مؤمنة يقولها في سجوده أو في غير سجوده، إلا كانت له في ميزانه أثقل من العرش والكرسي وجبال الدنيا، ويقول اللّه تعالى‏:‏ صدق عبدي، أنا فوق كل شيء، وليس فوقي شيء، اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت له، وأدخلته الجنة فإذا مات زاره ميكائيل كل يوم، فإذا كان يوم القيامة حمله على جناحه، فأوقفه بين يدي اللّه تعالى، فيقول‏:‏ يا رب شفعني فيه، فيقول قد شفعتك فيه، فاذهب به إلى الجنة‏)‏‏.‏ وقال الحسن‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ أي صل لربك الأعلى‏.‏ وقل‏:‏ أي صل بأسماء اللّه، لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية‏.‏ وقيل‏:‏ ارفع صوتك بذكر ربك‏.‏ قال جرير‏:‏

قبح الإله وجوه تغلب كلما سبح الحجيج وكبروا تكبيرا

الآية رقم ‏(‏2 ‏:‏ 5‏)‏

‏{‏الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى‏}‏

قوله تعالى‏{‏الذي خلق فسوى‏}‏ قد تقدم معنى التسوية في الانفطار وغيرها‏.‏ أي سوى ما خلق، فلم يكن في خلقه تثبيج‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أي عدل قامته‏.‏ وعن أكثر قامته‏.‏ ابن عباس‏:‏ حسن ما خلق‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ خلق آدم فسوى خلقه‏.‏ وقيل‏:‏ خلق في أصلاب الآباء، وسوى في أرحام الأمهات‏.‏ وقيل‏:‏ خلق الأجساد، فسوى الأفهام‏.‏ وقيل‏:‏ أي خلق الإنسان وهيأه للتكليف‏.‏ ‏{‏الذي قدر فهدى‏}‏ قرأ علي رضي اللّه عنه السلمي والكسائي ‏{‏قدر‏}‏ مخففة الدال، وشدد الباقون‏.‏ وهما بمعنى واحد‏.‏ أي قدر ووفق لكل شكل شكل‏.‏ ‏{‏فهدى‏}‏ أي أرشد‏.‏ قال مجاهد‏:‏ قدر الشقاوة والسعادة، وهدى للرشد والضلالة‏.‏ وعنه قال‏:‏ هدى الإنسان للسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراعيها‏.‏ وقيل‏:‏ قدر أقواتهم وأرزاقهم، وهداهم لمعاشهم إن كانوا إنسا، ولمراعيهم إن كانوا وحشا‏.‏ وروي عن ابن عباس والسدي ومقاتل والكلبي في قوله ‏{‏فهدى‏}‏ قالوا‏:‏ عَرّف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى؛ كما قال في طه‏{‏الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى‏}‏طه‏:‏ 50‏]‏ أي الذكر للأنثى‏.‏ وقال عطاء‏:‏ جعل لكل دابة ما يصلحها، وهداها له‏.‏ وقيل‏:‏ خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها‏.‏ وقيل ‏{‏قدر فهدى‏}‏‏:‏ قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه، وعرفه وجه الانتفاع به‏.‏ يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها اللّه أن مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها؛ فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام، فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها، حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها وترجع باصرة بإذن اللّه تعالى‏.‏ وهدايات الإنسان إلى ما لا يحد من مصالحه، ولا يحصر من حوائجه، في أغذيته وأدويته، وفي أبواب دنياه ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض باب واسع، وشوط بطين، لا يحيط به وصف واصف؛ فسبحان ربي الأعلى‏.‏ وقال السدي‏:‏ قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر، وأقل وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم‏.‏ وقال الفراء‏:‏ أي قدر، فهدى وأضل؛ فاكتفى بذكر أحدهما؛ كقوله تعالى‏{‏سرابيل تقيكم الحر‏}‏النحل‏:‏ 81‏]‏‏.‏ ويحتمل أن يكون بمعنى دعا إلى الإيمان؛ كقوله تعالى‏{‏وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم‏}‏‏.‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 52‏]‏‏.‏ أي لتدعو، وقد دعا الكل إلى الإيمان‏.‏ وقيل‏{‏فهدى‏}‏ أي دلهم بأفعاله على توحيده، وكونه عالما قادرا‏.‏ ولا خلاف أن من شدد الدال من ‏{‏قدر‏}‏ أنه من التقدير؛ كقوله تعالى‏{‏وخلق كل شيء فقدره تقديرا‏}‏الفرقان‏:‏ 2‏]‏‏.‏ ومن خفف فيحتمل أن يكون من التقدير فيكونان بمعنى‏.‏ ويحتمل أن يكون من القدر والملك؛ أي ملك الأشياء، وهدي من يشاء‏.‏

قلت‏:‏ وسمعت بعض أشياخي يقول‏:‏ الذي خلق فسوى وقدر فهدى‏.‏ هو تفسير العلو الذي يليق بجلال اللّه سبحانه على جميع مخلوقاته‏.‏

قوله تعالى‏{‏والذي أخرج المرعى‏}‏ أي النبات والكلأ الأخضر‏.‏ قال الشاعر‏:‏

وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا

‏{‏فجعله غثاء أحوى‏}‏ الغثاء‏:‏ ما يقذف به السيل على جوانب الوادي من الحشيش والنبات والقماش‏.‏ وكذلك الغثاء بالتشديد‏.‏ والجمع‏:‏ الأغثاء، قتادة‏:‏ الغثاء‏:‏ الشيء اليابس‏.‏ ويقال للبقل والحشيش إذا تحطم ويبس‏:‏ غثاء وهشيم‏.‏ وكذلك للذي يكون حول الماء من القماش غثاء؛ كما قال‏:‏

كأن طمية المجيمر غدوة من السيل والأغثاء فلكة مغزل

وحكى أهل اللغة‏:‏ غثا الوادي وجفا‏.‏ وكذلك الماء‏:‏ إذا علاه من الزبد والقماش ما لا ينتفع به‏.‏ والأحوى‏:‏ الأسود؛ أي أن النبات يضرب إلى الحوة من شدة الخضرة كالأسود‏.‏ والحوة‏:‏ السواد؛ قال الأعشى‏:‏

لمياء في شفتيها حوة لعس وفي اللثاث وفي أنيابها شنب

وفي الصحاح‏:‏ والحوة‏:‏ سمرة الشفة‏.‏ يقال‏:‏ رجل أحوى، وامرأة حواء، وقد حويت‏.‏ وبعير أحوى إذا خالط خضرته سواد وصفوة‏.‏ وتصغير أحوى أحيو؛ في لغة من قال أسيود‏.‏ ثم قيل‏:‏ يجوز أن يكون ‏{‏أحوى‏}‏ حالا من ‏{‏المرعى‏}‏، ويكون المعنى‏:‏ كأنه من خضرته يضرب إلى السواد؛ والتقدير‏:‏ أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء يقال‏:‏ قد حوي النبت؛ حكاه الكسائي، وقال‏:‏

وغيث من الوسميّ حُوٍّ تلاعه تبطنته بشيظم صلتان

ويجوز أن يكون ‏{‏حوى‏}‏ صفة لـ ‏{‏غثاء‏}‏‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه صار كذلك بعد خضرته‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ فجعله أسود من احتراقه وقدمه؛ والرطب إذا يبس أسود‏.‏ وقال عبدالرحمن زيد‏:‏ أخرج المرعى أخضر، ثم لما يبس أسود من احتراقه، فصار غثاء تذهب به الرياح والسيول‏.‏ وهو مثل ضربه اللّه تعالى للكفار، لذهاب الدنيا بعد نضارتها‏.‏

الآية رقم ‏(‏6 ‏:‏ 8‏)‏

‏{‏سنقرئك فلا تنسى، إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى، ونيسرك لليسرى‏}‏

قوله تعالى‏{‏سنقرئك‏}‏ أي القرآن يا محمد فنعلمكه ‏{‏فلا تنسى‏}‏ أي فتحفظ؛ رواه ابن وهب عن مالك‏.‏ وهذه بشرى من اللّه تعالى؛ بشره بأن أعطاه آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي، وهو أُمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه‏.‏ وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال‏:‏ كان يتذكر مخافة أن ينسى، فقيل‏:‏ كفيتكه‏.‏ قال مجاهد والكلبي‏:‏ كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي، لم يفرغ جبريل من آخر الآية، حتى يتكلم النبي صلى اللّه عليه وسلم بأولها، مخافة أن ينساها؛ فنزلت‏{‏سنقرئك فلا تنسى‏}‏ بعد ذلك شيئا، فقد كفيتكه‏.‏

قوله تعالى‏{‏إلا ما شاء الله‏}‏ وجه الاستثناء على، ما قاله الفراء‏:‏ إلا ما شاء اللّه، وهو لم يشأ أن تنسى شيئا؛ كقوله تعالى‏{‏خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك‏}‏هود‏:‏ 108‏]‏‏.‏ ولا يشاء‏.‏ ويقال في الكلام‏:‏ لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت، وإلا أن أشاء أن أمنعك، والنية على ألا يمنعه شيئا‏.‏ فعلى هذا مجاري الإيمان؛ يستثنى فيها ونية الحالف التمام‏.‏ وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس‏:‏ فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات، ‏{‏إلا ما شاء اللّه‏}‏‏.‏ وعن سعيد عن قتادة، قال‏:‏ كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا ينسى شيئا؛ ‏{‏إلا ما شاء اللّه‏}‏‏.‏ وعلى هذه الأقوال قيل‏:‏ إلا ما شاء اللّه أن ينسى، ولكنه لم ينسى شيئا منه بعد نزول هذه الآية‏.‏ وقيل‏:‏ إلا ما شاء اللّه أن ينسى، ثم يذكر بعد ذلك؛ فاذا قد نسي، ولكنه يتذكر ولا ينسى نسيانا كليا‏.‏ وقد روي أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحسب أبي أنها نسخت، فسأله فقال‏:‏ ‏[‏إني نسيتها‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ هو من النسيان؛ أي إلا ما شاء اللّه أن ينسيك‏.‏ ثم قيل‏:‏ هذا بمعنى النسخ؛ أي إلا ما شاء اللّه أن ينسخه‏.‏ والاستثناء نوع من النسخ‏.‏ وقيل‏.‏ النسيان بمعنى الترك؛ أي يعصمك من أن تترك العمل به؛ إلا ما شاء اللّه أن تتركه لنسخه إياه‏.‏ فهذا في نسخ العمل، والأول في نسخ القراءة‏.‏ قال الفرغاني‏:‏ كان يغشى مجلس الجنيد أهل البسط من العلوم، وكان يغشاه ابن كيسان النحوي، وكان رجلا جليلا؛ فقال يوما‏:‏ ما تقول يا أبا القاسم في قول اللّه تعالى‏{‏سنقرئك فلا تنسى‏}‏‏؟‏ فأجابه مسرعا - كأنه تقدم له السؤال قبل ذلك بأوقات‏:‏ لا تنسى العمل به‏.‏ فقال ابن كيسان‏:‏ لا يفضض اللّه فاك مثلك من يصدر عن رأيه‏.‏ وقوله ‏{‏فلا‏}‏‏:‏ للنفي لا للنهي‏.‏ وقيل‏:‏ للنهي؛ وإنما أثبتت الياء لأن رؤوس الآي على ذلك‏.‏ والمعنى‏:‏ لا تغفل عن قراءته وتكراره فتنساه؛ إلا ما شاء اللّه أن ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة‏.‏ والأول هو المختار؛ لأن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون إلا مؤقتا معلوما‏.‏ وأيضا فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف، وعليها القراء‏.‏ وقيل‏:‏ معناه إلا ما شاء اللّه أن يؤخر إنزاله‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى فجعله غثاء أحوى إلا ما شاء اللّه أن ينال بنو آدم والبهائم، فإنه لا يصير كذلك‏.‏

قوله تعالى‏{‏إنه يعلم الجهر وما يخفى‏}‏ أي الإعلان من القول والعمل‏.‏ ‏{‏وما يخفى‏}‏ من السر‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ ما في قلبك ونفسك‏.‏ وقال محمد بن حاتم‏:‏ يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها‏.‏ وقيل‏:‏ الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك‏.‏ ‏{‏وما يخفى‏}‏ هو ما نسخ من صدرك‏.‏ ‏{‏ونيسرك‏}‏‏:‏ معطوف على ‏{‏سنقرئك‏}‏ وقوله‏{‏إنه يعلم الجهر وما يخفى‏}‏ اعتراش‏.‏ ومعنى ‏{‏لليسرى‏}‏ أي للطريقة اليسرى؛ وهي عمل الخير‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ نيسرك لأن تعمل خيرا‏.‏ ابن مسعود‏{‏لليسرى‏}‏ أي للجنة‏.‏ وقيل‏:‏ نوفقك للشريعة اليسرى؛ وهي الحنيفية السمحة السهلة؛ قال معناه الضحاك‏.‏ وقيل‏:‏ أي نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به‏.‏

الآية رقم ‏(‏9‏)‏

‏{‏فذكر إن نفعت الذكرى‏}‏

قوله تعالى‏{‏فذكر‏}‏ أي فعظ قومك يا محمد بالقرآن‏.‏ ‏{‏إن نفعت الذكرى‏}‏ أي الموعظة‏.‏ وروى يونس عن الحسن قال‏:‏ تذكرة للمؤمن، وحجة على الكافر‏.‏ وكان ابن عباس يقول‏:‏ تنفع أوليائي، ولا تنفع أعدائي‏.‏ وقال الجرجاني‏:‏ التذكير واجب وإن لم ينفع‏.‏ والمعنى‏:‏ فذكر إن نفعت الذكرى؛ أو لم تنفع، فحذف؛ كما قال‏{‏سرابيل تقيكم الحر‏}‏النحل‏:‏ 81‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ إنه مخصوص بأقوام بأعيانهم‏.‏ وقيل‏:‏ إن ‏{‏إن‏}‏ بمعنى ما؛ أي فذكر ما نفعت الذكرى، فتكون ‏{‏إن‏}‏ بمعنى ما، لا بمعنى الشرط؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال؛ قال ابن شجرة‏.‏ وذكر بعض أهل العربية‏{‏أن‏}‏ ‏{‏إن‏}‏ بمعنى إذ؛ أي إذ نفعت؛ كقوله تعالى‏{‏وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين‏}‏آل عمران‏:‏ 139‏]‏ أي إذ كنتم؛ فلم يخبر بعلوهم إلا بعد إيمانهم‏.‏ وقيل‏:‏ بمعنى قد‏.‏

الآية رقم ‏(‏10‏)‏

‏{‏سيذكر من يخشى‏}‏

أي من يتقي اللّه ويخافه‏.‏ فروى أبو صالح عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت في ابن أم مكتوم‏.‏ الماوردي‏:‏ وقد يذكر من يرجوه، إلا أن تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي؛ فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء، وإن تعلقت بالخشية والرجاء‏.‏ وقيل‏:‏ أي عمم أنت التذكير والوعظ، وإن كان الوعظ إنما ينفع من يخشى، ولكن يحصل لك ثواب الدعاء؛ حكاه القشيري‏.‏

الآية رقم ‏(‏11 ‏:‏ 13‏)‏

‏{‏ويتجنبها الأشقى، الذي يصلى النار الكبرى، ثم لا يموت فيها ولا يحيى‏}‏

قوله تعالى‏{‏ويتجنبها‏}‏ أي ويتجنب الذكرى ويبعد عنها‏.‏ ‏{‏الأشقى‏}‏ أي الشقي في علم اللّه‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة‏.‏ ‏{‏الذي يصلى النار الكبرى‏}‏ أي العظمى، وهي السفلى من أطباق النار؛ قاله الفراء‏.‏ وعن الحسن‏:‏ الكبرى نار جهنم، والصغرى نار الدنيا؛ وقاله يحيى بن سلام‏.‏ ‏{‏ثم لا يموت فيها ولا يحيى‏}‏ أي لا يموت فيستريح من العذاب، ولا يحيا حياة تنفعه؛ كما قال الشاعر‏:‏

ألا ما لنفس لا تموت فينقضي عناها ولا تحيا حياة لها طعم

وقد مضى في النساء وغيرها حديث أبي سعيد الخدري، وأن الموحدين من المؤمنين إذا دخلوا جهنم - وهي النار الصغرى على قول الفراء - احترقوا فيها وماتوا؛ إلى أن يشفع فيهم‏.‏ خرجه مسلم‏.‏ وقيل‏:‏ أهل الشقاء متفاوتون في شقائهم، هذا الوعيد للأشقى، وإن كان ثم شقي لا يبلغ هذه المرتبة‏.‏

الآية رقم ‏(‏14 ‏:‏ 15‏)‏

‏{‏قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى‏}‏

قوله تعالى‏{‏قد أفلح‏}‏ أي قد صادف البقاء في الجنة؛ أي من تطهر من الشرك بإيمان؛ قاله ابن عباس وعطاء وعكرمة‏.‏ وقال الحسن والربيع‏:‏ من كان عمله زاكيا ناميا‏.‏ وقال معمر عن قتادة‏{‏تزكى‏}‏ قال بعمل صالح‏.‏ وعنه وعن عطاء وأبي عالية‏:‏ نزلت في صدقة الفطر‏.‏ وعن ابن سيرين ‏{‏قد أفلح من تزكى‏.‏ وذكر اسم ربه فصلى‏}‏ قال‏:‏ خرج فصلى بعدما أدى‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ كان الرجل يقول أقدم زكاتي بين يدي صلاتي‏.‏ فقال سفيان‏:‏ قال اللّه تعالى‏{‏قد أفلح من تزكى‏.‏ وذكر اسم ربه فصلى‏}‏‏.‏ وروي عن أبي سعيد الخدري وابن عمر‏:‏ أن ذلك في صدقة الفطر، وصلاة العيد‏.‏ وكذلك قال أبو العالية، وقال‏:‏ إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها، ومن سقاية الماء‏.‏ وروى كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى‏{‏قد أفلح من تزكى‏}‏ قال‏:‏ ‏[‏أخرج زكاة الفطر‏]‏، ‏{‏وذكر اسم ربه فصلى‏}‏ قال‏:‏ ‏[‏صلاة العيد‏]‏‏.‏ وقال ابن عباس والضحاك‏{‏وذكر اسم ربه‏}‏ في طريق المصلى ‏{‏فصلى‏}‏ صلاة العيد‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالآية زكاة الأموال كلها؛ قال أبو الأحوص وعطاء‏.‏ وروى ابن جريج قال‏:‏ قلت لعطاء‏{‏قد أفلح من تزكى‏}‏ للفطر‏؟‏ قال‏:‏ هي للصدقات كلها‏.‏ وقيل‏:‏ هي زكاة الأعمال، لا زكاة الأموال، أي تطهر في أعماله من الرياء والتقصير؛ لأن الأكثر أن يقال في المال‏:‏ زكى، لا تزكى‏.‏ وروى جابر بن عبدالله قال‏:‏ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏‏{‏قد أفلح من تزكى‏}‏ أي من شهد أن لا إله إلا اللّه، وخلع الأنداد، وشهد أني رسول اللّه‏]‏‏.‏ وعن ابن عباس ‏{‏تزكى‏}‏ قال‏:‏ لا إله إلا اللّه‏.‏ وروى عنه عطاء قال‏:‏ نزلت في عثمان بن عفان رضي اللّه عنه‏.‏ قال‏:‏ كان بالمدينة منافق كانت له نخلة بالمدينة، مائلة في دار رجل من الأنصار، إذا هبت الرياح أسقطت البسر والرطب إلى دار الأنصاري، فيأكل هو وعياله، فخاصمه المنافق؛ فشكا ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأرسل إلى المنافق وهو لا يعلم نفاقه، فقال‏:‏ ‏[‏إن أخاك الأنصاري ذكر أن بسرك ورطبك يقع إلى منزل، فيأكل هو وعياله، فهل لك أن أعطيك نخلة في الجنة بدلها‏]‏‏؟‏ فقال‏:‏ أبيع عاجلا بآجل لا أفعل‏.‏ فذكروا أن عثمان بن عفان أعطاه حائطا من نخل بدل نخلته؛ ففيه نزلت ‏{‏قد أفلح من تزكى‏}‏‏.‏ ونزلت في المنافق ‏{‏ويتجنبها الأشقى‏}‏‏.‏ وذكر الضحاك أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه‏.‏

وقد ذكرنا القول في زكاة الفطر في السورة البقرة مستوفى‏.‏ وقد تقدم أن هذه السورة مكية؛ في قول الجمهور، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر‏.‏ القشيري‏:‏ ولا يبعد أن يكون أثنى على من يمتثل أمره في صدقة الفطر وصلاة العيد، فيما يأمر به في المستقبل‏.‏

قوله تعالى‏{‏وذكر اسم ربه فصلى‏}‏ أي ذكر ربه‏.‏ وروى عطاء عن ابن عباس قال‏:‏ يريد ذكر معاده وموقفه بين يدي اللّه جل ثناؤه، فعبده وصلى له‏.‏ وقيل‏:‏ ذكر اسم ربه بالتكبير في أول الصلاة، لأنها لا تنعقد إلا بذكره؛ وهو قوله‏:‏ اللّه أكبر‏:‏ وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة؛ لأن الصلاة معطوفة عليها‏.‏ وفيه حجة لمن قال‏:‏ إن الافتتاح جائز بكل اسم من أسماء اللّه عز وجل‏.‏ وهذه مسألة خلافية بين الفقهاء‏.‏ وقد مضى القول في هذا في أول سورة البقرة ‏.‏ وقيل‏:‏ هي تكبيرات العيد‏.‏ قال الضحاك‏{‏وذكر اسم ربه‏}‏ في طريق المصلى ‏{‏فصلى‏}‏؛ أي صلاة العيد‏.‏ وقيل‏{‏وذكر اسم ربه‏}‏ وهو أن يذكره بقلبه عند صلاته، فيخاف عقابه، ويرجو ثوابه؛ ليكون استيفاؤه لها، وخشوعه فيها، بحسب خوفه ورجائه‏.‏ وقيل‏:‏ هو أن يفتتح أول كل سورة ببسم اللّه الرحمن الرحيم‏.‏ ‏{‏فصلى‏}‏ أي فصلى وذكر‏.‏ ولا فرق بين أن تقول‏:‏ أكرمتني فزرتني، وبين أن تقول‏:‏ زرتني فأكرمتني‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ هذا في الصلاة المفروضة، وهي الصلوات الخمس‏.‏ وقيل‏:‏ الدعاء؛ أي دعاء اللّه بحوائج الدنيا والآخرة‏.‏ وقيل‏:‏ صلاة العيد؛ قال أبو سعيد الخدري وابن عمر وغيرهما‏.‏ وقد تقدم‏.‏ وقيل‏:‏ هو أن يتطوع بصلاة بعد زكاته؛ قال أبو الأحوص، وهو مقتضى قول عطاء‏.‏ وروي عن عبدالله قال‏:‏ من أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فلا صلاة له‏.‏

الآية رقم ‏(‏16‏)‏

‏{‏بل تؤثرون الحياة الدنيا‏}‏

قراءة العامة ‏{‏بل تؤثرون‏}‏ بالتاء؛ تصديقه قراءة أُبيّ ‏{‏بل أنتم تؤثرون‏}‏‏.‏ وقرأ أبو عمرو ونصر بن عاصم ‏{‏بل يؤثرون‏}‏ بالياء على الغيبة؛ تقديره‏:‏ بل يؤثرون الأشقون الحياة الدنيا‏.‏ وعلى الأول فيكون تأويلها بل تؤثرون أيها المسلمون الاستكثار من الدنيا، للاستكثار من الثواب‏.‏ وعن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية، فقال‏:‏ أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة‏؟‏ لأن الدنيا حضرت وعجلت لنا طيباتها وطعامها وشرابها، ولذاتها وبهجتها، والآخرة غيبت عنا، فأخذنا العاجل، وتركنا الآجل‏.‏ وروى ثابت عن أنس قال‏:‏ كنا مع أبي موسى في مسير، والناس يتكلمون ويذكرون الدنيا‏.‏ قال أبو موسى‏:‏ يا أنس، إن هؤلاء يكاد أحدهم يفري الأديم بلسانه فريا، فتعال فلنذكر ربنا ساعة‏.‏ ثم قال‏:‏ يا أنس، ما ثَبَر الناس ما بطأ بهم‏؟‏ قلت الدنيا والشيطان والشهوات‏.‏ قال‏:‏ لا، ولكن عجلت الدنيا، وغيبت الآخرة، أما واللّه لو عاينوها ما عدلوا ولا ميلوا‏.‏

الآية رقم ‏(‏17‏)‏

‏{‏والآخرة خير وأبقى‏}‏

أي والدار الآخرة؛ أي الجنة‏.‏ ‏{‏خير‏}‏ أي أفضل‏.‏ ‏{‏وأبقى‏}‏ أي أدوم من الدنيا‏.‏ وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع‏]‏ صحيح‏.‏ وقد تقدم‏.‏ وقال مالك بن دينار‏:‏ لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى، على ذهب يفنى‏.‏ قال‏:‏ فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى‏.‏

الآية رقم ‏(‏18 ‏:‏ 19‏)‏

‏{‏إن هذا لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى‏}‏

قوله تعالى‏{‏إن هذا لفي الصحف الأولى‏}‏ قال قتادة وابن زيد‏:‏ يريد قوله ‏{‏والآخرة خير وأبقى‏}‏‏.‏ وقالا‏:‏ تتابعت كتب اللّه جل ثناؤه ـ كما تسمعون ـ أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا‏.‏ وقال الحسن‏{‏إن هذا لفي الصحف الأولى‏}‏ قال‏:‏ كتب اللّه جل ثناؤه كلها‏.‏ الكلبي‏{‏إن هذا لفي الصحف الأولى‏}‏ من قوله‏{‏قد أفلح‏}‏ إلي آخر السورة؛ لحديث أبي ذر على ما يأتي‏.‏ وروى عكرمة عن ابن عباس‏{‏إن هذا لفي الصحف الأولى‏}‏ قال‏:‏ هذه السورة‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ إن هذا القرآن لفي الصحف الأولى؛ أي الكتب الأولى‏.‏ ‏{‏صحف إبراهيم وموسى‏}‏ يعني الكتب المنزلة عليهما‏.‏ ولم يرد أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف، وإنما هو على المعنى؛ أي إن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف‏.‏ و‏"‏روى الآجري من حديث أبي ذر‏"‏ قال‏:‏ قلت يا رسول اللّه، فما كانت صحف إبراهيم‏؟‏ قال‏:‏ كانت أمثالا كلها‏:‏ أيها الملك المتسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم‏.‏ فإني لا أردها ولو كانت من فم كافر‏.‏ وكان فيها أمثال‏:‏ وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات‏:‏ ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، يفكر فيها في صنع اللّه عز وجل إليه، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب‏.‏ وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا في ثلاث‏:‏ تزود لمعاد، ومرمة لمعاش، ولذة في غير محرم‏.‏ وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه‏.‏ ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعينه‏.‏ قال‏:‏ قلت يا رسول اللّه، فما كانت صحف موسى‏؟‏ قال‏:‏ كانت عبرا كلها‏:‏ عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح‏!‏ وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب‏.‏ وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها‏!‏ وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم هو لا يعمل‏!‏‏.‏ قال‏:‏ قلت يا رسول اللّه، فهل في أيدينا شيء مما كان في يديه إبراهيم وموسى، مما أنزل اللّه عليك‏؟‏ قال‏:‏ نعم اقرأ يا أبا ذر‏{‏قد أفلح من تزكى‏.‏ وذكر اسم ربه فصلى‏.‏ بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى‏.‏ إن هذا لفي الصحف الأولى‏.‏ صحف إبراهيم وموسى‏}‏‏.‏ وذكر الحديث
 
سورة الغاشية

الآية رقم ‏(‏1‏)‏

‏{‏هل أتاك حديث الغاشية‏}‏

‏{‏هل‏}‏ بمعنى قد؛ كقوله‏{‏هل أتى على الإنسان‏}‏الإنسان‏:‏ 1‏]‏؛ قاله قطرب‏.‏ أي قد جاءك يا محمد حديث الغاشية؛ أي القيامة التي تغشى الخلائق بأهوالها وأفزاعها؛ قاله أكثر المفسرين‏.‏ وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب الغاشية ‏:‏ النار تغشى وجوه الكفار؛ ورواه أبو صالح عن ابن عباس؛ ودليله قوله تعالى‏{‏وتغشى وجوههم النار‏}‏إبراهيم‏:‏ 50‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ تغشى الخلق‏.‏ وقيل‏:‏ المراد النفخة الثانية للبعث؛ لأنها تغشى الخلائق‏.‏ وقيل الغاشية أهل النار يغشونها، ويقتحمون فيها‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏هل أتاك‏}‏ أي هذا لم يكن من علمك، ولا من علم قومك‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لم يكن أتاه قبل ذلك على هذا التفصيل المذكور ها هنا‏.‏ وقيل‏:‏ إنها خرجت مخرج الاستفهام لرسوله؛ ومعناه إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك؛ وهو معنى قول الكلبي‏.‏

الآية رقم ‏(‏2 ‏:‏ 3‏)‏

‏{‏وجوه يومئذ خاشعة، عاملة ناصبة‏}‏

قال ابن عباس‏:‏ لم يكن أتاه حديثهم، فأخبره عنهم، فقال‏{‏وجوه يومئذ‏}‏ أي يوم القيامة‏.‏ ‏{‏خاشعة‏}‏ قال سفيان‏:‏ أي ذليلة بالعذاب‏.‏ وكل متضائل ساكن خاشع‏.‏ يقال‏:‏ خشع في صلاته‏:‏ إذا تذلل ونكس رأسه‏.‏ وخشع الصوت‏:‏ خفي؛ قال اللّه تعالى‏{‏وخشعت الأصوات للرحمن‏}‏طه‏:‏ 108‏]‏‏.‏ والمراد بالوجوه أصحاب الوجوه‏.‏ وقال قتادة وابن زيد‏{‏خاشعة‏}‏ أي في النار‏.‏ والمراد وجوه الكفار كلهم؛ قاله يحيى بن سلام‏.‏ وقيل‏:‏ أراد وجوه اليهود والنصارى؛ قاله ابن عباس‏.‏ ثم قال‏{‏عاملة ناصبة‏}‏ فهذا في الدنيا؛ لأن الآخرة ليست دار عمل‏.‏ فالمعنى‏:‏ وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ‏{‏خاشعة‏}‏ في الآخرة‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ يقال للرجل إذا دأب في سيره‏:‏ قد عمل يعمل عملا‏.‏ ويقال للسحاب إذا دام برقه‏:‏ قد عمل يعمل عملا‏.‏ وذا سحاب عمل‏.‏ قال الهذلي‏:‏

حتى شآها كليل موهنا عمل باتت طرابا وبات الليل لم ينم

‏{‏ناصبة‏}‏ أي تعبة‏.‏ يقال‏:‏ نصب بالكسر ينصب نصبا‏:‏ إذا تعب، ونصبا أيضا، وأنصبه غيره‏.‏ فروى الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية اللّه عز وجل، وعلى الكفر؛ مثل عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل اللّه جل ثناؤه منهم إلا ما كان خالصا له‏.‏

وقال سعيد عن قتادة‏{‏عاملة ناصبة‏}‏ قال‏:‏ تكبرت في الدنيا عن طاعة اللّه عز وجل، فأعملها اللّه وأنصبها في النار، بجر السلاسل الثقال، وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العرصات، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة‏.‏ قال الحسن وسعيد بن جبير‏:‏ لم تعمل لله في الدنيا، ولم تنصب له، فأعملها وأنصبها في جهنم‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ يجرون على وجوههم في النار‏.‏ وعنه وعن غيره‏:‏ يكلفون ارتقاء جبل من حديد في جهنم، فينصبون فيها أشد ما يكون من النصب، بمعالجة السلاسل والأغلال والخوض في النار؛ كما تخوض الإبل في الوحل، وارتقائها في صعود من نار، وهبوطها في حدور منها؛ إلى غير ذلك من عذابها‏.‏ وقال ابن عباس‏.‏ وقرا ابن محيصن وعيسى وحميد، ورواها عبيد عن شبل‏.‏ عن ابن كثير ‏{‏ناصبة‏}‏ بالنصب على الحال‏.‏ وقيل‏:‏ على الذم‏.‏ الباقون بالرفع على الصفة أو على إضمار مبتدأ، فيوقف على ‏{‏خاشعة‏}‏‏.‏ ومن جعل المعنى في الآخرة، جاز أن يكون خبرا بعد خبر عن ‏{‏وجوه‏}‏، فلا يوقف على ‏{‏خاشعة‏}‏‏.‏ وقيل‏{‏عاملة ناصبة‏}‏ أي عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة‏.‏ وعلى هذا يحتمل وجوه يومئذ عاملة في الدنيا، ناصبة في الآخرة، خاشعة‏.‏ قال عكرمة والسدي‏:‏ عملت في الدنيا بالمعاصي‏.‏ وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم‏:‏ هم الرهبان أصحاب الصوامع؛ وقاله ابن عباس‏.‏ وقد تقدم في رواية الضحاك عنه‏.‏ وروى عن الحسن قال‏:‏ لما قدم عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - الشام أتاه راهب شيخ كبير متقهل، عليه سواد، فلما رآه عمر بكى‏.‏ فقال له‏:‏ يا أمير المؤمنين، ما يبكيك‏؟‏ قال‏:‏ هذا المسكين طلب أمرا فلم يصبه، ورجا رجاء فأخطأه، - وقرأ قول اللّه عز وجل - ‏{‏وجوه يومئذ خاشعة‏.‏ عاملة ناصبة‏}‏‏.‏ قال الكسائي‏:‏ التقهل‏:‏ رثاثة الهيئة، ورجل متقهل‏:‏ يابس الجلد سيء الحال، مثل المتقحل‏.‏ وقال أبو عمرو‏:‏ التقهل‏:‏ شكوى الحاجة‏.‏ وأنشد‏:‏

لعوا إذا لاقيته تقهلا

والقهل‏:‏ كفران الإحسان‏.‏ وقد قهل يقهل قهلا‏:‏ إذا أثنى ثناء قبيحا‏.‏ وأقهل الرجل تكلف ما يعيبه ودنس نفسه‏.‏ وانقهل ضعف وسقط؛ قال الجوهري‏.‏ وعن علي رضي اللّه عنه أنهم أهل حروراء؛ يعني الخوارج الذين ذكرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏[‏تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرميَّة‏.‏‏.‏‏.‏‏]‏ الحديث‏.‏

الآية رقم ‏(‏4‏)‏

‏{‏تصلى نارا حامية‏}‏

قوله تعالى‏{‏تصلى‏}‏ أي يصيبها صلاؤها وحرها‏.‏ ‏{‏حامية‏}‏ شديدة الحر؛ أي قد أوقدت وأحميت المدة الطويلة‏.‏ ومنه حمي النهار بالكسر، وحمي التنور حميا فيهما؛ أي اشتد حره‏.‏ وحكى الكسائي‏:‏ اشتد حمي الشمس وحموها‏:‏ بمعنى‏.‏ وقرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب ‏{‏تُصلى‏}‏ بضم التاء‏.‏ الباقون بفتحها‏.‏ وقرئ ‏{‏تُصلّى‏}‏ بالتشديد‏.‏ وقد تقدم القول فيها في ‏{‏إذا السماء انشقت‏}‏الانشقاق‏:‏1‏]‏‏.‏ الماوردي‏:‏ فإن قيل فما معنى وصفها بالحمي، وهي لا تكون إلا حامية، وهو أقل أحوالها، فما وجه المبالغة بهذه الصفة الناقصة‏؟‏ قيل‏:‏ قد اختلف في المراد بالحامية ها هنا على أربعة أوجه‏:‏ أحدها‏:‏ أن المراد بذلك أنها دائمة الحمي، وليست كنار الدنيا التي ينقطع حميها بانطفائها‏.‏ الثاني‏:‏ أن المراد بالحامية أنها حمى من ارتكاب المحظورات، وانتهاك المحارم؛ كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏إن لكل ملك حمى، وإن حمى اللّه محارمه‏.‏ ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه‏]‏‏.‏ الثالث‏:‏ أنها تحمي نفسها عن أن تطاق ملامستها، أو ترام مماستها؛ كما يحمي الأسد عرينه؛ ومثله قول النابغة‏:‏

تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي صولة المستأس د الحامي

الرابع‏:‏ أنها حامية حمى غيظ وغضب؛ مبالغة في شدة الانتقام‏.‏ ولم يرد حمى جرم وذات؛ كما يقال‏:‏ قد حمى فلان‏:‏ إذا اغتاظ وغضب عند إرادة الانتقام‏.‏ وقد بين اللّه تعالى بقوله هذا المعنى فقال‏{‏تكاد تميز من الغيظ‏}‏الملك‏:‏ 8‏]‏‏.‏

الآية رقم ‏(‏5‏)‏

‏{‏تسقى من عين آنية‏}‏

الآني‏:‏ الذي قد انتهى حره؛ من الإيناء، بمعنى التأخير‏.‏ ومنه ‏(‏آنيت وآذيت‏)‏‏.‏ وآناه يؤنيه إيناء، أي أحره وحبسه وأبطأه‏.‏ ومنه ‏{‏يطوفون بينها وبين حميم آن‏}‏الرحمن‏:‏ 44‏]‏‏.‏ وفي التفاسير ‏{‏من عين آنية‏}‏ أي تناهى حرها؛ فلو وقعت نقطة منها على جبال الدنيا لذابت‏.‏ وقال الحسن‏{‏آنية‏}‏ أي حرها أدرك؛ أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها وردا عطاشا‏.‏ وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال‏:‏ بلغت أناها، وحان شربها‏.‏



الآية رقم ‏(‏6‏)‏

‏{‏ليس لهم طعام إلا من ضريع‏}‏

قوله تعالى‏{‏ليس لهم‏}‏ أي لأهل النار‏.‏ ‏{‏طعام إلا من ضريع‏}‏ لما ذكر شرابهم ذكر طعامهم‏.‏ قال عكرمة ومجاهد‏:‏ الضريع‏:‏ نبت ذو شوك لاصق بالأرض، تسميه قريش الشبرق إذا كان رطبا، فإذا يبس فهو الضريع، لا تقربه دابة ولا بهيمة ولا ترعاه؛ وهو سم قاتل، وهو أخبث الطعام وأشنعه؛ على هذا عامة المفسرين‏.‏ إلا أن الضحاك روى عن ابن عباس قال‏:‏ هو شيء يرمى به البحر، يسمى الضريع، من أقوات الأنعام لا الناس، فإذا وقعت فيه الإبل لم تشبع، وهلكت هزلا‏.‏ والصحيح ما قاله الجمهور‏:‏ أنه نبت‏.‏ قال أبو ذؤيب‏:‏

رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى وعاد ضريعا بأن منه النحائص

وقال الهذلي وذكر إبلا وسوء مرعاها‏:‏

وحبسن في هزم الضريع فكلها حدباء دامية اليدين حرود

وقال الخليل‏:‏ الضريع‏:‏ نبات أخضر منتن الريح، يرمي به البحر‏.‏ وقال الوالبي عن ابن عباس‏:‏ هو شجر من نار، ولو كانت في الدنيا لأحرقت الأرض وما عليها‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ هو الحجارة، وقاله عكرمة‏.‏ والأظهر أنه شجر ذو شوك حسب ما هو في الدنيا‏.‏ وعن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ الضريع‏:‏ شيء يكون في النار، يشبه الشوك، أشد مرارة من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأحر من النار، سماه اللّه ضريعا‏.‏ وقال خالد بن زياد‏:‏ سمعت المتوكل بن حمدان يسأل عن هذه الآية ‏{‏ليس لهم طعام إلا من ضريع‏}‏ قال‏:‏ بلغني أن الضريع شجرة من نار جهنم، حملها القيح والدم، أشد مرارة من الصبر، فذلك طعامهم‏.‏

وقال الحسن‏:‏ هو بعض ما أخفاه اللّه من العذاب‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏ هو طعام يضرعون عنده ويذلون، ويتضرعون منه إلى اللّه تعالى، طلبا للخلاص منه؛ فسمي بذلك، لأن أكله يضرع في أن يعفى منه، لكراهته وخشونته‏.‏ قال أبو جعفر النحاس‏:‏ قد يكون مشتقا من الضارع، وهو الذليل؛ أي ذو ضراعة، أي من شربه ذليل تلحقه ضراعة‏.‏ وعن الحسن أيضا‏:‏ هو الزقوم‏.‏ وقيل‏:‏ هو واد في جهنم‏.‏ فاللّه أعلم‏.‏ وقد قال اللّه تعالى في موضع آخر‏{‏فليس له اليوم ههنا حمم‏.‏ ولا طعام إلا من غسلين‏}‏الحاقة‏:‏35 - 36‏]‏‏.‏ وقال هنا‏{‏إلا من ضريع‏}‏ وهو غير الغسلين‏.‏ ووجه الجمع أن النار دركات؛ فمنهم من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الضريع، ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد‏.‏ قال الكلبي‏:‏ الضريع في درجة ليس فيها غيره، والزقوم في درجة أخرى‏.‏ ويجوز أن تحمل الآيتان على حالتين كما قال‏{‏يطوفون بينها وبين حميم آن‏}‏الرحمن‏:‏ 44‏]‏‏.‏ القتبي‏:‏ ويجوز أن يكون الضريع وشجرة الزقوم نبتين من النار، أو من جوهر لا تأكله النار‏.‏ وكذلك سلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها، ولو كانت على ما نعلم ما بقيت على النار‏.‏ قال‏:‏ وإنما دلنا اللّه على الغائب عنده، بالحاضر عندنا؛ فالأسماء متفقة الدلالة، والمعاني مختلفة‏.‏ وكذلك ما في الجنة من شجرها وفرشها‏.‏ القشيري‏:‏ وأمثل من قول القتبي أن نقول‏:‏ إن الذي يبقي الكافرين في النار ليدوم عليهم العذاب، يبقي النبات وشجرة الزقوم في النار، ليعذب بها الكفار‏.‏ وزعم بعضهم أن الضريع بعينه لا ينبت في النار، ولا أنهم يأكلونه‏.‏ فالضريع من أقوات الأنعام، لا من أقوات الناس‏.‏ وإذا وقعت الإبل فيه لم تشبع، وهلكت هزلا، فأراد أن هؤلاء يقتاتون بما لا يشبعهم، وضرب الضريع له مثلا، أنهم يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع‏.‏ قال الترمذي الحكيم‏:‏ وهذا نظر سقيم من أهله وتأويل دنيء، كأنه يدل على أنهم تحيروا في قدرة اللّه تعالى، وأن الذي أنبت في هذا التراب هذا الضريع قادر على أن ينبته في حريق النار، جعل لنا في الدنيا من الشجر الأخضر نارا، فلا النار تحرق الشجر، ولا رطوبة الماء في الشجر تطفئ النار؛ فقال تعالى‏{‏الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون‏}‏يس‏:‏ 80‏]‏‏.‏ وكما قيل حين نزلت ‏{‏ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم‏}‏الإسراء‏:‏ 97‏]‏‏:‏ قالوا يا رسول اللّه، كيف يمشون على وجوههم‏؟‏ فقال‏:‏ ‏[‏الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم‏]‏‏.‏ فلا يتحير في مثل هذا إلا ضعيف القلب‏.‏ أو ليس قد أخبرنا أنه ‏{‏كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها‏}‏النساء‏:‏ 56‏]‏، وقال‏{‏سرابيلهم من قطران‏}‏إبراهيم‏:‏ 50‏]‏، وقال‏{‏إن لدينا أنكالا‏}‏المزمل‏:‏ 12‏]‏ أي قيودا‏.‏ ‏{‏وجحيما وطعاما ذا غصة‏{‏ قيل‏:‏ ذا شوك‏.‏ فإنما يتلون عليهم العذاب بهذه الأشياء‏.‏

الآية رقم ‏(‏7‏)‏

‏{‏لا يسمن ولا يغني من جوع‏}‏

يعني الضريع لا يسمن آكله‏.‏ وكيف يسمن من يأكل الشوك‏!‏ قال المفسرون‏:‏ لما نزلت هذه الآية قال المشركون‏:‏ إن إبلنا لتسمن بالضريع، فنزلت‏{‏لا يسمن ولا يغني من جوع‏{‏‏.‏ وكذبوا، فإن الإبل إنما ترعاه رطبا، فإذا يبس لم تأكله‏.‏ وقيل اشتبه عليهم أمره فظنوه كغيره من النبت النافع، لأن المضارعة المشابهة‏.‏ فوجدوه لا يسمن ولا يغني من جوع‏.‏

الآية رقم ‏(‏8 ‏:‏ 11‏)‏

‏{‏وجوه يومئذ ناعمة، لسعيها راضية، في جنة عالية‏}‏

قوله تعالى‏{‏وجوه يومئذ ناعمة‏}‏ أي ذات نعمة‏.‏ وهي وجوه المؤمنين؛ نعمت بما عاينت من عاقبة أمرها وعملها الصالح‏.‏ ‏{‏لسعيها‏}‏ أي لعملها الذي عملته في الدنيا‏.‏ ‏{‏راضية‏}‏ في الآخرة حين أعطيت الجنة بعملها‏.‏ ومجازه‏:‏ لثواب سعيها راضية‏.‏ وفيها واو مضمرة‏.‏ المعنى‏:‏ ووجوه يومئذ، للفصل بينها وبين الوجوه المتقدمة‏.‏ والوجوه عبارة عن الأنفس‏.‏ ‏{‏في جنة عالية‏}‏ أي مرتفعة، لأنها فوق السموات حسب ما تقدم‏.‏ وقيل‏:‏ عالية القدر، لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين‏.‏ وهم فيها خالدون‏.‏

قوله تعالى‏{‏لاغية‏}‏ أي كلاما ساقطا غير مرضي‏.‏ وقال‏{‏لاغية‏}‏، واللغو واللغا واللاغية‏:‏ بمعنى واحد‏.‏ قال‏:‏

عن اللَّغا ورفث التكلم

وقال الفراء والأخفش أي لا تسمع فيها كلمة لغو‏.‏ وفي المراد بها ستة أوجه‏:‏ أحدها‏:‏ يعني كذبا وبهتانا وكفرا باللّه عز وجل؛ قال ابن عباس‏.‏ الثاني‏:‏ لا باطل ولا إثم؛ قال قتادة‏.‏ الثالث‏:‏ أنه الشتم؛ قاله مجاهد‏.‏ الرابع‏:‏ المعصية؛ قاله الحسن‏.‏ الخامس‏:‏ لا يسمع فيها حالف يحلف بكذب؛ قاله الفراء‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ لا يسمع في الجنة حالف بيمين برة ولا فاجرة‏.‏ السادس‏:‏ لا يسمع في كلامهم كلمة بلغو؛ لأن أهل الجنة لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد اللّه على ما رزقهم من النعيم الدائم؛ قال الفراء أيضا‏.‏ وهو أحسنها لأنه يعم ما ذكر‏.‏ وقرأ أبو عمرو وابن كثير ‏{‏لا يسمع‏}‏ بياء غير مسمى الفاعل‏.‏ وكذلك نافع، إلا أنه بالتاء المضمومة؛ لأن اللاغية اسم مؤنث فأنث الفعل لتأنيثه‏.‏ ومن قرأ بالياء فلأنه حال بين الاسم والفعل الجار والمجرور‏.‏ وقرأ الباقون بالتاء مفتوحة ‏{‏لاغية‏}‏ نصا على إسناد ذلك للوجوه، أي لا تسمع الوجوه فيها لاغية‏.‏

الآية رقم ‏(‏12 ‏:‏ 16‏)‏

‏{‏فيها عين جارية، فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة‏}‏

قوله تعالى‏{‏فيها عين جارية‏}‏ أي بماء مندفق، وأنواع الأشربة اللذيذة على وجه الأرض من غير أخدود‏.‏ وقد تقدم في سورة الإنسان أن فيها عيونا‏.‏ فـ ‏{‏عين‏}‏‏:‏ بمعنى عيون‏.‏ واللّه أعلم‏.‏ ‏{‏فيها سرر مرفوعة‏}‏ أي عالية‏.‏ وروي أنه كان ارتفاعها قدر ما بين السماء والأرض، ليرى ولي اللّه ملكه حوله‏.‏ ‏{‏وأكواب موضوعة‏}‏ أي أباريق وأوان‏.‏ والإبريق‏:‏ هو ماله عروة وخرطوم‏.‏ والكوب‏:‏ إناء ليس له عروة ولا خرطوم‏.‏ وقد تقدم هذا في سورة الزخرف وغيرها‏.‏ ‏{‏نمارق‏}‏ أي وسائد، الواحدة نمرقة‏.‏ ‏{‏مصفوفة‏}‏ أي واحدة إلى جنب الأخرى‏.‏ قال الشاعر‏:‏

وإنا لنجري الكأس بين شروبنا وبين أبي قابوسَ فوق النمارق

وقال آخر‏:‏

كهول وشبان حسان وجوهم على سرر مصفوفة ونمارق

وفي الصحاح‏:‏ النُّمرق والنمرقة‏:‏ وسادة صغيرة‏.‏ وكذلك النِّمرِقة بالكسر لغة حكاها يعقوب‏.‏ وربما سموا الطنفسة التي فوق الرحل نمرقة؛ عن أبي عبيد‏.‏ ‏{‏وزرابي مبثوثة‏}‏ قال أبو عبيدة‏:‏ الزرابي‏:‏ البسط‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ الزرابي‏:‏ الطنافس التي لها حمل رقيق، واحدتها‏:‏ زربية؛ وقال الكلبي والفراء‏.‏ والمبثوثة‏:‏ المبسوطة؛ قال قتادة‏.‏ وقيل‏:‏ بعضها فوق بعض؛ قال عكرمة‏.‏ وقيل كثيرة؛ قاله الفراء‏.‏ وقيل‏:‏ متفرقة في المجالس؛ قاله القتبي‏.‏

قلت‏:‏ هذا أصوب، فهي كثيرة متفرقة‏.‏ ومنه ‏{‏وبث فيها من كل دابة‏}‏البقرة‏:‏ 164‏]‏‏.‏ وقال أبو بكر الأنباري‏:‏ وحدثنا أحمد بن الحسين، قال حدثنا حسين بن عرفة، قال حدثنا عمار بن محمد، قال‏:‏ صليت خلف منصور بن المعتمر، فقرأ‏{‏هل أتاك حديث الغاشية‏}‏، وقرأ فيها‏{‏وزرابي مبثوثة‏}‏‏:‏ متكئين فيها ناعمين‏.‏

الآية رقم ‏(‏17‏)‏

‏{‏أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت‏}‏

قال المفسرون‏:‏ لما ذكر اللّه عز وجل أمر أهل الدارين، تعجب الكفار من ذلك، فكذبوا وأنكروا؛ فذكرهم اللّه صنعته وقدرته؛ وأنه قادر على كل شيء، كما خلق الحيوانات والسماء والأرض‏.‏ ثم ذكر الإبل أولا، لأنها كثيرة في العرب، ولم يروا الفيلة، فنبههم جل ثناؤه على عظيم من خلقه؛ قد ذلله للصغير، يقوده وينيخه وينهضه ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقيل حمله، وليس ذلك في شيء من الحيوان غيره‏.‏ فأراهم عظيما من خلقه، مسخرا لصغير من خلقه؛ يدلهم بذلك على توحيده وعظيم قدرته‏.‏ وعن بعض الحكماء‏:‏ أنه حدث عن البعير وبديع خلقه، وقد نشأ في بلاد لا إبل فيها؛ ففكر ثم قال‏:‏ يوشك أن تكون طوال الأعناق‏.‏ وحين أراد بها أن تكون سفائن البر، صبرها على احتمال العطش؛ حتى إن إظماءها ليرتفع إلى العشر فصاعدا، وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز، مما لا يرعاه سائر البهائم‏.‏ وقيل‏:‏ لما ذكر السرر المرفوعة قالوا‏:‏ كيف نصعدها‏؟‏ فأنزل اللّه هذه الآية، وبين أن الإبل تبرك حتى يحمل عليها ثم تقوم؛ فكذلك تلك السرر تتطامن ثم ترتفع‏.‏ قال معناه قتادة ومقاتل وغيرهما‏.‏ وقيل‏:‏ الإبل هنا القطع العظيمة من السحاب؛ قاله المبرد‏.‏ قال الثعلبي‏:‏ وقيل في الإبل هنا‏:‏ السحاب، ولم أجد لذلك أصلا في كتب الأئمة‏.‏

قلت‏:‏ قد ذكر الأصمعي أبو سعيد عبدالملك بن قريب، قال أبو عمرو‏:‏ من قرأها ‏{‏أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت‏}‏ بالتخفيف‏:‏ عنى به البعير، لأنه من ذوات الأربع، يبرك فتحمل عليه الحمولة، وغيره من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم‏.‏ ومن قرأها بالتثقيل فقال‏{‏الإبل‏}‏، عني بها السحاب التي تحمل الماء والمطر‏.‏ وقال الماوردي‏:‏ وفي الإبل وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ وهو أظهرهما وأشهرهما‏:‏ أنها الإبل من النعم‏.‏ الثاني‏:‏ أنها السحاب‏.‏ فإن كان المراد بها السحاب، فلما فيها من الآيات الدالة على قدرته، والمنافع العامة لجميع خلقه‏.‏ وإن كان المراد بها الإبل من النعم، فلأن الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوان؛ لأن ضروبه أربعة‏:‏ حلوبة، وركوبة، وأكولة، وحمولة‏.‏ والإبل تجمع هذه الخلال الأربع؛ فكانت النعمة بها أعم، وظهور القدرة فيها أتم‏.‏ وقال الحسن‏:‏ إنما خصها اللّه بالذكر لأنها تأكل النوى والقَتّ، وتخرج اللبن‏.‏ وسئل الحسن أيضا عنها وقالوا‏:‏ الفيل أعظم في الأعجوبة‏:‏ فقال‏:‏ العرب بعيدة العهد بالفيل، ثم هو خنزير لا يؤكل لحمه، ولا يركب ظهره، ولا يحلب دره‏.‏ وكان شريح يقول‏:‏ اخرجوا بنا إلى الكناسة حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت‏.‏ والإبل‏:‏ لا واحد لها من لفظها، وهي مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها دخلتها الهاء، فقلت‏:‏ أبيلة وغنيمه، ونحو ذلك‏.‏ وربما قالوا للإبل‏:‏ إبل، بسكون الباء للتخفيف، والجمع‏:‏ آبال‏.‏

الآية رقم ‏(‏18 ‏:‏ 20‏)‏

‏{‏وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت‏}‏

قوله تعالى‏{‏وإلى السماء كيف رفعت‏}‏ أي رفعت عن الأرض بلا عمد‏.‏ وقيل‏:‏ رفعت، فلا ينالها شيء‏.‏ ‏{‏وإلى الجبال كيف نصبت‏}‏ أي كيف نصبت على الأرض، بحيث لا تزول؛ وذلك أن الأرض لما دحيت مادت، فأرساها بالجبال‏.‏ كما قال‏{‏وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم‏}‏الأنبياء‏:‏ 31‏]‏‏.‏ ‏{‏وإلى الأرض كيف سطحت‏}‏ أي بسطت ومدت‏.‏ وقال أنس‏:‏ صليت خلف علي رضي اللّه عنه، فقرأ ‏{‏كيف خلقت‏}‏ و‏{‏رفعت‏}‏ و‏{‏نصبت‏}‏ و‏{‏سطحت‏}‏، بضم التاءات؛ أضاف الضمير إلى اللّه تعالى‏.‏ وبه كان يقرأ محمد بن السميقع وأبو العالية؛ والمفعول محذوف، والمعنى خلقتها‏.‏ وكذلك سائرها‏.‏ وقرأ الحسن وأبو حيوة وأبو رجاء‏{‏سطحت‏}‏ بتشديد الطاء وإسكان التاء‏.‏ وكذلك قرأ الجماعة، إلا أنهم خففوا الطاء‏.‏ وقدم الإبل في الذكر، ولو قدم غيرها لجاز‏.‏ قال القشيري‏:‏ وليس هذا مما يطلب فيه نوع حكمة‏.‏ وقد قيل‏:‏ هو أقرب إلى الناس في حق العرب، لكثرتها عندهم، وهم من أعرف الناس بها‏.‏ وأيضا‏:‏ مرافق الإبل أكثر من مرافق الحيوانات الأخر؛ فهي مأكولة، ولبنها مشروب، وتصلح للحمل والركوب، وقطع المسافات البعيدة عليها، والصبر على العطش، وقلة العلف، وكثرة الحمل، وهي معظم أموال العرب‏.‏ وكانوا يسيرون على الإبل منفردين مستوحشين عن الناس، ومن هذا حاله تفكر فيما يحضره، فقد ينظر في مركوبه، ثم يمد بصره إلى السماء ثم إلى الأرض‏.‏ فأمروا بالنظر في هذه الأشياء، فإنها أدل دليل على الصانع المختار القادر‏.‏

الآية رقم ‏(‏21 ‏:‏ 26‏)‏

‏{‏فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمصيطر، إلا من تولى وكفر، فيعذبه الله العذاب الأكبر، إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم‏}‏

قوله تعالى‏{‏فذكر‏}‏ أي فعظهم يا محمد وخوفهم‏.‏ ‏{‏إنما أنت مذكر‏}‏ أي واعظ‏.‏ ‏{‏لست عليهم بمصيطر‏}‏ أي بمسلط عليهم فتقتلهم‏.‏ ثم نسختها آية السيف‏.‏ وقرأ هارون الأعور ‏{‏بمسيطَر‏}‏ بفتح الطاء، و‏{‏المسيطَرون‏}‏الطور‏:‏ 37‏]‏‏.‏ وهي لغة تميم‏.‏ وفي الصحاح المسيطر والمصيطر‏:‏ المسلِّط على الشيء، ليشرف عليه، ويتعهد أحواله، ويكتب عمله، وأصله من السطر، لأن من معنى السطر ألا يتجاوز، فالكتاب مسطر، والذي يفعله مسطر ومسيطر؛ يقال‏:‏ سيطرت علينا، وقال تعالى‏{‏لست عليهم بمسيطر‏}‏‏.‏ وسطره أي صرعه‏.‏ ‏{‏إلا من تولى وكفر‏}‏ استثناء منقطع، أي لكن من تولى عن الوعظ والتذكير‏.‏ ‏{‏فيعذبه الله العذاب الأكبر‏}‏ وهي جهنم الدائم عذابها‏.‏ وإنما قال‏{‏الأكبر‏}‏ لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والأسر والقتل‏.‏ ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود‏{‏إلا من تولى وكفر فإنه يعذبه اللّه‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ هو استثناء متصل‏.‏ والمعنى‏:‏ لست بمسلط إلا على من تولى وكفر، فأنت مسلط عليه بالجهاد، واللّه يعذبه بعد ذلك العذاب الأكبر، فلا نسخ في الآية على هذا التقدير‏.‏ وروي أن عليا أتى برجل ارتد، فاستتابه ثلاثة أيام، فلم يعاود الإسلام، فضرب عنقه، وقرأ ‏{‏إلا من تولى وكفر‏}‏‏.‏ وقرأ ابن عباس وقتادة ‏{‏ألا‏}‏ على الاستفتاح والتنبيه، كقول امرئ القيس‏:‏

ألا رب يوم لك منهن صالح

و ‏{‏من‏}‏ على هذا‏:‏ للشرط‏.‏ والجواب ‏{‏فيعذبه اللّه‏}‏ والمبتدأ بعد الفاء مضمر، والتقدير‏:‏ فهو يعذبه اللّه، لأنه لو أرتد الجواب بالفعل الذي بعد الفاء لكان‏:‏ إلا من تولى وكفر يعذبه اللّه‏.‏ ‏{‏إن إلينا إيابهم‏}‏ أي رجوعهم بعد الموت‏.‏ يقال‏:‏ آب يؤوب؛ أي رجع‏.‏ قال عبيد‏:‏

وكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب

وقرأ أبو جعفر ‏{‏إيابهم‏}‏ بالتشديد‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ لا يجوز التشديد، ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام‏.‏ وقيل‏:‏ هما لغتان بمعنى‏.‏ الزمخشري‏:‏ وقرأ أبو جعفر المدني ‏{‏إيابهم‏}‏ بالتشديد؛ ووجهه أن يكون فيعالا‏:‏ مصدر أيب، قيل من الإياب‏.‏ أو أن يكون أصله إوابا فعالا من أوب، ثم قيل‏:‏ إيوابا كديوان في دوان‏.‏ ثم فعل ما فعل بأصل سيد ونحوه
 
سورة الفجر
الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 2‏)‏

‏{‏والفجر، وليال عشر‏}‏

قوله تعالى‏{‏والفجر‏}‏ أقسم بالفجر‏.‏ ‏{‏وليال عشر‏.‏ والشفع والوتر‏.‏ والليل إذا يسر‏}‏ أقسام خمسة‏.‏ واختلف في ‏{‏الفجر‏}‏، فقال قوم‏:‏ الفجر هنا‏:‏ انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم؛ قاله علي وابن الزبير وابن عباس رضي اللّه عنهم‏.‏ وعن ابن عباس أيضا أنه النهار كله، وعبر عنه بالفجر لأنه أوله‏.‏ وقال ابن محيصن عن عطية عن ابن عباس‏:‏ يعني الفجر يوم المحرم‏.‏ ومثله قال قتادة‏.‏ قال‏:‏ هو فجر أول يوم من المحرم، منه تنفجر السنة‏.‏ وعنه أيضا‏:‏ صلاة الصبح‏.‏ وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال‏{‏والفجر‏}‏‏:‏ يريد صبيحة يوم النحر؛ لأن اللّه تعالى جل ثناؤه جعل لكل يوم ليلة قبله؛ إلا يوم النحر لم يجعل له ليلة قبله ولا ليلة بعده؛ لأن يوم عرفة له ليلتان‏:‏ ليلة قبله وليلة بعده، فمن أدرك الموقف ليلة بعد عرفة، فقد أدرك الحج إلى طلوع الفجر، فجر يوم النحر‏.‏ وهذا قول مجاهد‏.‏ وقال عكرمة‏{‏والفجر‏}‏ قال‏:‏ انشقاق الفجر من يوم جمع‏.‏ وعن محمد بن كعب القرظي‏{‏والفجر‏}‏ آخر أيام العشر، إذا دفعت من جمع‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ فجر ذي الحجة، لأن اللّه تعالى قرن الأيام به فقال‏{‏وليال عشر‏}‏ أي ليال عشر من ذي الحجة‏.‏ وكذا قال مجاهد والسدي والكلبي في قوله‏{‏وليال عشر‏}‏ هو عشر ذي الحجة، وقال ابن عباس‏.‏ وقال مسروق هي العشر التي ذكرها اللّه في قصة موسى عليه السلام ‏{‏وأتممناها بعشر‏}‏الأعراف‏:‏ 142‏]‏، وهي أفضل أيام السنة‏.‏ وروى أبو الزبير عن جابر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏{‏والفجر وليال عشر‏}‏ - قال‏:‏ ‏[‏عشر الأضحى‏]‏ فهي ليال عشر على هذا القول؛ لأن ليلة يوم النحر داخلة فيه، إذ قد خصها اللّه بأن جعلها موقفا لمن لم يدرك الوقوف يوم عرفة‏.‏ وإنما نكرت ولم تعرف لفضيلتها على غيرها، فلو عرفت لم تستقبل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، فنكرت من بين ما أقسم به، للفضيلة التي ليست لغيرها‏.‏ واللّه اعلم‏.‏ وعن ابن عباس أيضا‏:‏ هي العشر الأواخر من رمضان؛ وقاله الضحاك‏.‏ وقال ابن عباس أيضا ويمان والطبري‏:‏ هي العشر الأول من المحرم، التي عاشرها يوم عاشوراء‏.‏ وعن ابن عباس ‏{‏وليال عشر‏}‏ بالإضافة يريد‏:‏ وليالي أيام عشر‏.‏

الآية رقم ‏(‏3‏)‏

‏{‏والشفع والوتر‏}‏

الشفع‏:‏ الاثنان، والوتر‏:‏ الفرد‏.‏ واختلف في ذلك؛ فروي مرفوعا عن عمران بن الحصين عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال ‏(‏الشفع والوتر‏:‏ الصلاة، منها شفع، ومنها وتر‏)‏‏.‏ وقال جابر بن عبداللّه‏:‏ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏{‏والفجر وليال عشر‏}‏ - قال‏:‏ هو الصبح، وعشر النحر، والوتر يوم عرفة، والشفع‏:‏ يوم النحر‏)‏‏.‏ وهو قول ابن عباس وعكرمة‏.‏ واختاره النحاس، وقال‏:‏ حديث أبي الزبير عن جابر هو الذي صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، وهو أصح إسنادا من حديث عمران بن حصين‏.‏ فيوم عرفة وتر، لأنه تاسعها، ويوم النحر شفع لأنه عاشرها‏.‏ وعن أبي أيوب قال‏:‏ سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن قوله تعالى‏{‏والشفع والوتر‏}‏ فقال‏:‏ ‏(‏الشفع‏:‏ يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة يوم النحر‏)‏‏.‏ وقال مجاهد وابن عباس أيضا‏:‏ الشفع خَلْقُهُ، قال اللّه تعالى‏{‏وخلقناكم أزواجا‏}‏النبأ‏:‏ 8‏]‏ والوتر هو اللّه عز وجل‏.‏ فقيل لمجاهد‏:‏ أترويه عن أحد‏؟‏ قال‏:‏ نعم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ ونحوه قال محمد بن سيرين ومسروق وأبو صالح وقتادة، قالوا‏:‏ الشفع‏:‏ الخلق، قال اللّه تعالى ‏{‏ومن كل شيء خلقنا زوجين‏}‏الذاريات‏:‏ 49‏]‏‏:‏ الكفر والإيمان‏.‏، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلال، والنور والظلمة، والليل والنهار، والحر والبرد، والشمس والقمر، والصيف والشتاء، والسماء والأرض، والجن والإنس‏.‏ والوتر‏:‏ هو اللّه عز وجل، قال جل ثناؤه‏{‏قل هو الله أحد‏.‏ الله الصمد‏}‏الإخلاص‏:‏ 2‏]‏‏.‏ وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏إن لله تسعة وتسعين اسما، واللّه وتر يحب الوتر‏]‏‏.‏ وعن ابن عباس أيضا‏:‏ الشفع‏:‏ صلاة الصبح والوتر‏:‏ صلاة المغرب‏.‏ وقال الربيع بن أنس وأبو العالية‏:‏ هي صلاة المغرب، الشفع فيها ركعتان، والوتر الثالثة‏.‏ وقال ابن الزبير‏:‏ الشفع‏:‏ يوما منى‏:‏ الحادي عشر، والثاني عشر‏.‏ والثالث عشر الوتر؛ قال اللّه تعالى‏{‏فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه‏}‏‏.‏ وقال الضحاك ‏:‏ الشفع‏:‏ عشر ذي الحجة، والوتر‏:‏ أيام منى الثلاثة‏.‏ وهو قول عطاء‏.‏ وقيل‏:‏ إن الشفع والوتر‏:‏ آدم وحواء؛ لأن آدم كان فردا فشفع بزوجته حواء، فصار شفعا بعد وتر‏.‏ رواه ابن أبي نجيح، وحكاه القشيري عن ابن عباس‏.‏ وفي رواية‏:‏ الشفع‏:‏ آدم وحواء، والوتر هو اللّه تعالى‏.‏ وقيل‏:‏ الشفع والوتر‏:‏ الخلق؛ لأنهم شفع ووتر، فكأنه أقسم بالخلق‏.‏

وقد يقسم اللّه تعالى بأسمائه وصفاته لعلمه، ويقسم بأفعاله لقدرته، كما قال تعالى‏{‏وما خلق الذكر والأنثى‏}‏الليل‏:‏ 3‏]‏‏.‏ ويقسم بمفعولاته، لعجائب صنعه؛ كما قال‏{‏والشمس وضحاها‏}‏، ‏{‏والسماء وما بناها‏}‏الشمس‏:‏ 5‏]‏، ‏{‏والسماء والطارق‏}‏الطارق‏:‏ 1‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ الشفع‏:‏ درجات الجنة، وهي ثمان‏.‏ والوتر، دركات النار؛ لأنها سبعة‏.‏ وهذا قول الحسين بن الفضل؛ كأنه أقسم بالجنة والنار‏.‏ وقيل‏:‏ الشفع‏:‏ الصفا والمروة، والوتر‏:‏ الكعبة‏.‏ وقال مقاتل بن حيان‏:‏ الشفع‏:‏ الأيام والليالي، والوتر‏:‏ اليوم الذي لا ليلة بعده، وهو يوم القيامة‏.‏ وقال سفيان بن عيينه‏:‏ الوتر‏:‏ هو اللّه، وهو الشفع أيضا؛ لقوله تعالى‏{‏ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم‏}‏المجادلة‏:‏ 7‏]‏‏.‏ وقال أبو بكر الوراق‏:‏ الشفع‏:‏ تضاد أوصاف المخلوقين‏:‏ العز والذل، والقدرة والعجز، والقوة والضعف، والعلم والجهل، والحياة والموت، والبصر والعمى، والسمع والصمم، والكلام والخرس‏.‏ والوتر‏:‏ انفراد صفات اللّه تعالى‏:‏ عز بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وعلم بلا جهل، وحياة بلا موت، وبصر بلا عمى، وكلام بلا خرس، وسمع بلا صمم، وما وازاها‏.‏ وقال الحسن‏:‏ المراد بالشفع والوتر‏:‏ العدد كله؛ لأن العدد لا يخلو عنهما، وهو إقسام بالحساب‏.‏ وقيل‏:‏ الشفع‏:‏ مسجدي مكة والمدينة، وهما الحرمان‏.‏ والوتر‏:‏ مسجد بيت المقدس‏.‏ وقيل‏:‏ الشفع‏:‏ القرن بين الحج والعمرة، أو التمتع بالعمرة إلى الحج‏.‏ والوتر‏:‏ الإفراد فيه‏.‏ وقيل‏:‏ الشفع‏:‏ الحيوان؛ لأنه ذكر وأنثى‏.‏ والوتر‏:‏ الجماد‏.‏ وقيل‏:‏ الشفع‏:‏ ما ينمي، والوتر‏:‏ ما لا ينمي‏.‏ وقيل غير هذا‏.‏ وقرأ ابن مسعود وأصحابه والكسائي وحمزة وخلف ‏{‏والوتر‏}‏ بكسر الواو‏.‏ والباقون ‏[‏بفتح الواو‏]‏، وهما لغتان بمعنى واحد‏.‏ وفي الصحاح‏:‏ الوتر بالكسر‏:‏ الفرد، والوتر ‏[‏بفتح الواو‏]‏‏:‏ الذحل‏.‏ هذه لغة أهل العالية‏.‏ فأما لغة أهل الحجاز فبالضد منهم‏.‏ فأما تميم فبالكسر فيهما‏.‏

الآية رقم ‏(‏4 ‏:‏ 5‏)‏

‏{‏والليل إذا يسر، هل في ذلك قسم لذي حجر‏}‏

قوله تعالى‏{‏والليل إذا يسر‏}‏ وهذا قسم خامس‏.‏ وبعد ما أقسم بالليالي العشر على الخصوص، أقسم بالليل على العموم‏.‏ ومعنى ‏{‏يسري‏}‏ أي يسرى فيه؛ كما يقال‏:‏ ليل نائم، ونهار صائم‏.‏ قال‏:‏

لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل الم ط ي بنائم

ومنه قوله تعالى‏{‏بل مكر الليل والنهار‏}‏سبأ‏:‏ 33‏]‏‏.‏ وهذا قول أكثر أهل المعاني، وهو قول القتبي والأخفش‏.‏ وقال أكثر المفسرين‏:‏ معنى ‏{‏يسري‏}‏‏:‏ سار فذهب‏.‏ وقال قتادة وأبو العالية‏:‏ جاء وأقبل‏.‏ وروي عن إبراهيم‏{‏والليل إذا يسر‏}‏ قال‏:‏ إذا استوى‏.‏ وقال عكرمة والكلبي ومجاهد ومحمد بن كعب في قوله‏{‏والليل ‏}‏‏:‏ هي ليلة المزدلفة خاصة؛ لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة اللّه‏.‏ وقيل‏:‏ ليلة القدر؛ لسراية الرحمة فيها، واختصاصها بزيادة الثواب فيها‏.‏ وقيل‏:‏ إنه أراد عموم الليل كله‏.‏

قلت‏:‏ وهو الأظهر، كما تقدم‏.‏ واللّه أعلم‏.‏ وقرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب ‏{‏يسري‏}‏ بإثبات الياء في الحالين، على الأصل؛ لأنها ليست بمجزومة، فثبتت فيها الياء‏.‏ وقرأ نافع وأبو عمرو بإثباتها في الوصل، وبحذفها في الوقف، وروي عن الكسائي‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ كان الكسائي يقول مرة بإثبات الياء في الوصل، وبحذفها في الوقف، اتباعا للمصحف‏.‏ ثم رجع إلى حذف الياء في الحالين جميعا؛ لأنه رأس آية، وهي قراءة أهل الشام والكوفة، واختيار أبي عبيد، اتباعا للخط؛ لأنها وقعت في المصحف بغير ياء‏.‏ قال الخليل‏:‏ تسقط الياء منها اتفاقا لرؤوس الآي‏.‏ قال الفراء‏:‏ قد تحذف العرب الياء، وتكتفي بكسر ما قبلها‏.‏ وأنشد بعضهم‏:‏

كفاك كفٌّ ما تليق درهما جودا وأخرى تعط بالسيف الدما

يقال‏:‏ فلان ما يليق درهما من جوده؛ أي ما يمسكه، ولا يلصق به‏.‏ وقال المؤرج‏:‏ سألت الأخفش عن العلة في إسقاط الياء من ‏{‏يسر‏}‏ فقال‏:‏ لا أجيبك حتى تبيت على باب داري سنة، فبت على باب داره سنة؛ فقال‏:‏ الليل لا يَسْرِي وإنما يَسْرَى فيه؛ فهو مصروف، وكل ما صرفته عن جهته بخسته من إعرابه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى‏{‏وما كانت أمك بغيا‏}‏مريم‏:‏ 28‏]‏، لم يقل بغية، لأنه صرفها عن باغية‏.‏ الزمخشري‏:‏ وياء ‏{‏يسري‏}‏ تحذف في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة‏.‏ وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم، والجواب محذوف، وهو ليعذبن؛ يدل عليه قوله تعالى‏{‏ألم تر كيف فعل ربك‏}‏ إلى قوله تعالى ‏{‏فصب عليهم ربك سوط عذاب‏}‏الفجر‏:‏13‏]‏‏.‏ وقال ابن الأنباري هو ‏{‏إن ربك لبالمرصاد‏}‏الفجر‏:‏14‏]‏‏.‏ وقال مقاتل‏{‏هل‏}‏ هنا في موضع إن؛ تقديره‏:‏ إن في ذلك قسما لذي حجر‏.‏ فـ‏{‏هل‏}‏ على هذا، في موضع جواب القسم‏.‏ وقيل‏:‏ هي على بابها من الاستفهام الذي معناه التقرير؛ كقولك‏:‏ ألم أنعم عليك؛ إذا كنت قد أنعمت‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بذلك التأكيد لما أقسم به وأقسم عليه‏.‏ والمعنى‏{‏‏:‏ بل في ذلك مقنع لذي حجر‏.‏ والجواب على هذا‏}‏إن ربك لبالمرصاد‏}‏الفجر‏:‏14‏]‏‏.‏ أو مضمر محذوف‏.‏

قوله تعالى‏{‏لذي حجر‏}‏ أي لذي لب وعقل‏.‏ قال الشاعر‏:‏

وكيف يرجى أن تتوب وإنما يرجى من الفتيان من كان ذا حجر

كذا قال عامة المفسرين؛ إلا أن أبا مالك قال‏{‏لذي حجر‏}‏‏:‏ لذي ستر من الناس‏.‏ وقال الحسن‏:‏ لذي حلم‏.‏ قال الفراء‏:‏ الكل يرجع إلى معنى واحد‏:‏ لذي حجر، ولذي عقل، ولذي حلم، ولذي ستر؛ الكل بمعنى العقل‏.‏ وأصل الحجر‏:‏ المنع‏.‏ يقال لمن ملك نفسه ومنعها‏:‏ إنه لذو حجر؛ ومنه سمي الحجر، لامتناعه بصلابته‏:‏ ومنه حجر الحاكم على فلان، أي منعه وضبطه عن التصرف؛ ولذلك سميت الحجرة حجرة، لامتناع ما فيها بها‏.‏ وقال الفراء‏:‏ العرب تقول‏:‏ إنه لذو حجر‏:‏ إذا كان قاهرا لنفسه، ضابطا لها؛ كأنه أخذ من حجرت على الرجل‏.‏

الآية رقم ‏(‏6 ‏:‏ 7‏)‏

‏{‏ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد‏}‏

قوله تعالى‏{‏ألم تر كيف فعل ربك‏}‏ أي مالكك وخالقك‏.‏ ‏{‏بعاد‏}‏ قراءة العامة ‏{‏بعادٍ‏}‏ منونا‏.‏ وقرأ الحسن وأبو العالية ‏{‏بعاد إرم‏}‏ مضافا‏.‏ فمن لم يضف جعل ‏{‏إرم‏}‏ اسمه، ولم يصرفه؛ لأنه جعل عادا اسم أبيهم، وإرم اسم القبيلة؛ وجعله بدلا منه، أو عطف بيان‏.‏ ومن قرأه بالإضافة ولم يصرفه جعله اسم أمهم، أو اسم بلدتهم‏.‏ وتقديره‏:‏ بعاد أهل إرم‏.‏ كقوله‏{‏واسأل القرية‏}‏يوسف‏:‏ 82‏]‏ ولم تنصرف - قبيلة كانت أو أرضا - للتعريف والتأنيث‏.‏ وقراءة العامة ‏{‏إرم‏}‏ بكسر الهمزة‏.‏ وعن الحسن أيضا ‏{‏بعادَ إرَمَ‏}‏ مفتوحتين، وقرئ ‏{‏بعاد إِرْمَ‏}‏ بسكون الراء، على التخفيف؛ كما قرئ ‏{‏بورِقكم‏}‏‏.‏ وقرئ ‏{‏بعادٍ إرَمَ ذات العماد‏}‏ بإضافة ‏{‏إرم‏}‏ - إلى - ‏{‏ذات العماد‏}‏‏.‏ والإرم‏:‏ العلم‏.‏ أي بعاد أهل ذات العلم‏.‏ وقرئ ‏{‏بعادٍ إرَمَ ذات العماد‏}‏ أي جعل اللّه ذات العماد رميما‏.‏ وقرأ مجاهد والضحاك وقتادة ‏{‏أَرَمَ‏}‏ بفتح الهمزة‏.‏ قال مجاهد‏:‏ من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالآرام، التي هي الأعلام، واحدها‏:‏ أرم‏.‏ وفي الكلام تقديم وتأخير؛ أي والفجر وكذا وكذا إن ربك لبالمرصاد ألم تر‏.‏ أي ألم ينته علمك إلى ما فعل ربك بعاد‏.‏ وهذه الرؤية رؤية القلب، والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم، والمراد عام‏.‏ وكان أمر عاد وثمود عندهم مشهورا؛ إذ كانوا في بلاد العرب، وحِجر ثمود موجود اليوم‏.‏ وأمر فرعون كانوا يسمعونه من جيرانهم من أهل الكتاب، واستفاضت به الأخبار، وبلاد فرعون متصلة بأرض العرب‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى في سورة البروج وغيرها ‏{‏بعاد‏}‏ أي بقوم عاد‏.‏ فروى شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال‏:‏ إن كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من حجارة، ولو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها‏.‏

و‏{‏إرم‏}‏ قيل هو سام بن نوح؛ قاله ابن إسحاق‏.‏ وروى عطاء عن ابن عباس - وحكى عن ابن إسحاق أيضا - قال‏:‏ عاد بن إرم‏.‏ فإرم على هذا أبو عاد، وعاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح‏.‏ وعلى القول الأول‏:‏ هو اسم جد عاد‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ كان سام بن نوح له أولاد، إرم بن سام، وأرفخشذ بن سام‏.‏ فمن ولد إرم بن سام العمالقة والفراعنة والجبابرة والملوك الطغاة والعصاة‏.‏ وقال مجاهد‏{‏إرم‏}‏ أمة من الأمم‏.‏ وعنه أيضا‏:‏ أن معنى إرم‏:‏ القديمة، ورواه ابن أبي نجيح‏.‏ وعن مجاهد أيضا أن معناها القوية‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هي قبيلة من عاد‏.‏ وقيل‏:‏ هما عادان‏.‏ فالأولى هي إرم؛ قال اللّه عز وجل‏{‏وأنه أهلك عادا الأولى‏}‏النجم‏:‏ 50‏]‏‏.‏ فقيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح‏:‏ عاد؛ كما يقال لبني هاشم‏:‏ هاشم‏.‏ ثم قيل للأولين منهم‏:‏ عاد الأولى، وإرم‏:‏ تسمية لهم باسم جدهم‏.‏ ولمن بعدهم‏:‏ عاد الأخيرة‏.‏ قال ابن الرقيات‏:‏

مجدا تليدا بناه أولهم أدرك عادا وقبله إرما

وقال معمر‏{‏إرم‏}‏‏:‏ إليه مجمع عاد وثمود‏.‏ وكان يقال‏:‏ عاد إرم، وعاد ثمود‏.‏ وكانت القبائل تنتسب إلى إرم‏.‏ ‏{‏ذات العماد‏.‏ التي لم يخلق مثلها في البلاد‏}‏ قال ابن عباس في رواية عطاء‏:‏ كان الرجل منهم طوله خمسمائة ذراع، والقصير منهم طول ثلثمائة ذراع بذراع نفسه‏.‏ وروي عن ابن عباس أيضا أن طول الرجل منهم كان سبعين ذراعا‏.‏ ابن العربي‏:‏ وهو باطل؛ لأن في الصحيح‏:‏ ‏[‏إن اللّه خلق آدم طوله ستون ذراعا في الهواء، فلم يزل الخلق ينقص إلى الآن‏]‏‏.‏ وزعم قتادة‏:‏ أن طول الرجل منهم اثنا عشر ذراعا‏.‏ قال أبو عبيدة‏{‏ذات العماد‏}‏ ذات الطول‏.‏ يقال‏:‏ رجل معمد إذا كان طويلا‏.‏ ونحوه عن ابن عباس ومجاهد‏.‏ وعن قتادة أيضا‏:‏ كانوا عمادا لقومهم؛ يقال‏:‏ فلان عميد القوم وعمودهم‏:‏ أي سيدهم‏.‏ وعنه أيضا‏:‏ قيل لهم ذلك، لأنهم كانوا ينتقلون بأبياتهم للانتجاع، وكانوا أهل خيام وأعمدة، ينتجعون الغيوث، ويطلبون الكلأ، ثم يرجعون إلى منازلهم‏.‏ وقيل‏{‏ذات العماد‏}‏ أي ذات الأبنية المرفوعة على العمد‏.‏ وكانوا ينصبون الأعمدة، فيبنون عليها القصور‏.‏ قال ابن زيد‏{‏ذات العماد‏}‏ يعني إحكام البنيان بالعمد‏.‏ وفي الصحاح‏:‏ والعماد‏:‏ الأبنية الرفيعة، تذكر وتؤنث‏.‏ قال عمرو بن كلثوم‏:‏

ونحن اذا عماد الحي خرت على الأحفاض نمنع من يلينا

والواحدة عمادة‏.‏ وفلان طويل العماد‏:‏ إذا كان منزل معلما لزائره‏.‏ والأحفاض‏:‏ جمع حفض - بالتحريك - وهو متاع البيت إذا هيئ ليحمل؛ أي خرت على المتاع‏.‏ ويروى؛ عن الأحفاض أي خرت عن الإبل التي تحمل خرثي البيت‏.‏ وقال الضحاك‏{‏ذات العماد‏}‏ ذات القوة والشدة، مأخوذ من قوة الأعمدة؛ دليله قوله تعالى‏{‏وقالوا من أشد منا قوة‏}‏فصلت‏:‏ 15‏]‏‏.‏ وروى عوف عن خالد الربعي ‏{‏إرم ذات العماد‏}‏ قال‏:‏ هي دمشق‏.‏ وهو قول عكرمة وسعيد المقبري‏.‏ رواه ابن وهب وأشهب عن مالك‏.‏ وقال محمد بن كعب القرظي‏:‏ هي الإسكندرية‏.‏

الآية رقم ‏(‏8‏)‏

‏{‏التي لم يخلق مثلها في البلاد‏}‏

قوله تعالى‏{‏التي لم يخلق مثلها في البلاد‏}‏ الضمير في ‏{‏مثلها‏}‏ يرجع إلى القبيلة‏.‏ أي لم يخلق مثل القبيلة في البلاد‏:‏ قوة وشدة، وعظم أجساد، وطول قامة؛ عن الحسن وغيره‏.‏ وفي حرف عبدالله ‏{‏التي لم يخلق مثلهم في البلاد‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ يرجع للمدينة‏.‏ والأول أظهر، وعليه الأكثر، حسب ما ذكرناه‏.‏ ومن جعل ‏{‏إرم‏}‏ مدينة قدر حذفا؛ المعنى‏:‏ كيف فعل ربك بمدينة عاد إرم، أو بعد صاحبه إرم‏.‏ وإرم على هذا‏:‏ مؤنثة معرفة‏.‏ واختار ابن العربي أنها دمشق، لأنه ليس في البلاد مثلها‏.‏ ثم أخذ ينعتها بكثرة مياهها وخيراتها‏.‏ ثم قال‏:‏ وإن في الإسكندرية لعجائب، لو لم يكن إلا المنارة، فإنها مبنية الظاهر والباطن على العمد، ولكن لها أمثال، فأما دمشق فلا مثل لها‏.‏ وقد روى معن عن مالك أن كتابا وجد بالإسكندرية، فلم يدر ما هو‏؟‏ فإذا فيه‏:‏ أنا شداد بن عاد، الذي رفع العماد، بنيتها حين لا شيب ولا موت‏.‏ قال مالك‏:‏ إن كان لتمر بهم مائة سنة لا يرون فيها جنازة‏.‏ وذكر عن ثور بن زيد أنه قال‏:‏ أنا شداد بن عاد، وأنا رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي بطن الواد، وأنا الذي كنزت كنزا على سبعة أذرع، لا يخرجه إلا أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ وروي أنه كان لعاد ابنان‏:‏ شداد وشديد؛ فملكا وقهرا، ثم مات شديد، وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا، ودانت له ملوكها؛ فسمع بذكر الجنة، فقال‏:‏ أبني مثلها‏.‏ فبنى إرم في بعض صحاري عدن، في ثلثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة‏.‏ وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة‏.‏ ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث اللّه عليهم صيحة من السماء فهلكوا‏.‏ وعن عبداللّه بن قلابة‏:‏ أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله، فقال‏:‏ هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له؛ ثم التفت فأبصر ابن قلابة، وقال‏:‏ هذا واللّه ذلك الرجل‏.‏ وقيل‏:‏ أي لم يخلق مثل أبنية عاد المعروفة بالعمد‏.‏ فالكناية للعماد‏.‏ والعماد على هذا‏:‏ جمع عمد‏.‏ وقيل‏:‏ الإرم‏:‏ الهلاك؛ يقال‏:‏ أرم بنو فلان‏:‏ أي هلكوا؛ وقال ابن عباس‏.‏ وقرأ الضحاك‏{‏أرم ذات العماد‏}‏؛ أي أهلكهم، فجعلهم رميما‏.‏

الآية رقم ‏(‏9‏)‏

‏{‏وثمود الذين جابوا الصخر بالواد‏}‏

ثمود‏:‏ هم قوم صالح‏.‏ و‏{‏جابوا‏}‏‏:‏ قطعوا‏.‏ ومنه‏:‏ فلان يجوب البلاد، أي يقطعها‏.‏ وإنما سمي جيب القميص لأنه جيب؛ أي قطع‏.‏ قال الشاعر وكان قد نزل على ابن الزبير بمكة، فكتب له بستين وسقا يأخذها بالكوفة‏.‏ فقال‏:‏

راحت رواحا قلوصي وهي حامد آل الزبير ولم تعدل بهم أحدا

راحت بستين وسقا في حقيبتها ما حملت حملها الأدنى ولا السددا

ما إن رأيت قلوصا قبلها حملت ستين وسقا ولا جابت به بلدا

أي قطعت‏.‏ قال المفسرون‏:‏ أول من نحت الجبال والصور والرخام‏:‏ ثمود‏.‏ فبنوا من المدائن ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة‏.‏ ومن الدور والمنازل ألفي ألف وسبعمائة ألف، كلها من الحجارة‏.‏ وقد قال تعالى‏{‏وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين‏}‏الحجر‏:‏ 82‏]‏‏.‏ وكانوا لقوتهم يخرجون الصخور، وينقبون الجبال، ويجعلونها بيوتا لأنفسهم‏.‏ ‏{‏بالوادي‏}‏ أي بوادي القرى؛ قاله محمد بن إسحاق‏.‏ وروى أبو الأشهب عن أبي نضرة قال‏:‏ أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزاة تبوك على وادي ثمود، وهو على فرس أشقر، فقال‏:‏ ‏[‏أسرعوا السير، فإنكم في واد ملعون‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ الوادي بين جبال، وكانوا ينقبون في تلك الجبال بيوتا ودورا وأحواضا‏.‏ وكل منفرج بين جبال أو تلال يكون مسلكا للسيل ومنفذا فهو واد‏.‏

الآية رقم ‏(‏10‏)‏

‏{‏وفرعون ذي الأوتاد‏}‏

أي الجنود والعساكر والجموع والجيوش التي تشد ملكه؛ قاله ابن عباس‏.‏ وقيل‏:‏ كان يعذب الناس بالأوتاد، ويشدهم بها إلى أن يموتوا؛ تجبرا منه وعتوا‏.‏ وهكذا فعل بامرأته آسية وماشطة ابنته؛ حسب ما تقدم في آخر سورة التحريم ‏.‏ وقال عبدالرحمن بن زيد‏:‏ كانت له صخرة ترفع بالبكرات، ثم يؤخذ الإنسان فتوتد له أوتاد الحديد، ثم يرسل تلك الصخرة عليه فتشدخه‏.‏ وقد مضى في سورة ص من ذكر أوتاده ما فيه كفاية‏.‏ والحمد لله‏.‏

الآية رقم ‏(‏11 ‏:‏ 13‏)‏

‏{‏الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب‏}‏

قوله تعالى‏{‏الذين طغوا في البلاد‏}‏ يعني عادا وثمودا وفرعون ‏{‏طغوا‏}‏ أي تمردوا وعتوا وتجاوزوا القدر في الظلم والعدوان‏.‏ ‏{‏فأكثروا فيها الفساد‏}‏ أي الجور والأذى‏.‏ و‏{‏الذين طغوا‏}‏ أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم‏.‏ ويجوز أن يكون مرفوعا على‏:‏ هم الذين طغوا، أو مجرورا على وصف المذكورين‏:‏ عاد، وثمود، وفرعون‏.‏ ‏{‏فصب عليهم ربك‏}‏ أي أفرغ عليهم وألقى؛ يقال‏:‏ صب على فلان خلعة، أي ألقاها عليه‏.‏ وقال النابغة‏:‏

فصب عليه الله أحسن صنعه وكان له بين البرية ناصرا

‏{‏سوط عذاب‏}‏ أي نصيب عذاب‏.‏ ويقال‏:‏ شدته؛ لأن السوط كان عندهم نهاية ما يعذب به‏.‏ قال الشاعر‏:‏

ألم تر أن الله أظهر دينه وصب على الكفار سوط عذاب

وقال الفراء‏:‏ وهي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب‏.‏ وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب؛ إذ كان فيه عندهم غاية العذاب‏.‏ وقيل‏:‏ معناه عذاب يخالط اللحم والدم؛ من قولهم‏:‏ ساطه يسوطه سوطا أي خلطه، فهو سائط‏.‏ فالسوط‏:‏ خلط الشيء بعضه ببعض؛ ومنه سمي المسواط‏.‏ وساطه أي خلطه، فهو سائط، وأكثر ذلك يقال‏:‏ سوط فلان أموره‏.‏ قال‏:‏

فسطها ذميم الرأي غير موفق فلست على تسويطها بمعان

قال أبو زيد‏:‏ يقال أموالهم سويطة بينهم؛ أي مختلطة‏.‏ حكاه عنه يعقوب‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أي جعل سوطهم الذي ضربهم به العذاب‏.‏ يقال‏:‏ ساط دابته يسوطها؛ أي ضربها بسوطه‏.‏ وعن عمرو بن عبيد‏:‏ كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال‏:‏ إن عند اللّه أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها‏.‏ وقال قتادة‏:‏ كل شيء عذب اللّه تعالى به فهو سوط عذاب‏.‏

الآية رقم ‏(‏14‏)‏

‏{‏إن ربك لبالمرصاد‏}‏

أي يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه به؛ قال الحسن وعكرمة‏.‏ وقيل‏:‏ أي على طريق العباد لا يفوته أحد‏.‏ والمرصد والمرصاد‏:‏ الطريق‏.‏ وقد مضى في سورة التوبة والحمد لله‏.‏ فروى الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ إن على جهنم سبع قناطر، يُسأل الإنسان عند أول قنطرة عن الإيمان، فإن جاء به تاما جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يُسأل عن الصلاة، فان جاء بها جاز إلى الثالثة، ثم يُسأل عن الزكاة، فإن جاء بها جاز إلى الرابعة‏.‏ ثم يُسأل عن صيام شهر رمضان، فإن جاء به جاز إلى الخامسة‏.‏ ثم يُسأل عن الحج والعمرة، فإن جاء بهما جاز إلى السادسة‏.‏ ثم يُسأل عن صلة الرحم، فإن جاء بها جاز إلى السابعة‏.‏ ثم يُسأل عن المظالم، وينادي مناد‏:‏ ألا من كانت له مظلمة فليأت؛ فيقتص للناس منه، يقتص له من الناس؛ فذلك قوله عز وجل‏{‏إن ربك لبالمرصاد‏}‏‏.‏ وقال الثوري‏{‏لبالمرصاد‏}‏ يعني جهنم؛ عليها ثلاث قناطر‏:‏ قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها الأمانة، وقنطرة فيها الرب تبارك وتعالى‏.‏

قلت‏:‏ أي حكمته وإرادته وأمره‏.‏ واللّه أعلم‏.‏ وعن ابن عباس، أيضا ‏{‏لبالمرصاد‏}‏ أي يسمع ويرى‏.‏

قلت‏:‏ هذا قول حسن؛ ‏{‏يسمع‏}‏ أقوالهم ونجواهم، و‏{‏يرى‏}‏ أي يعلم أعمالهم وأسرارهم، فيجازي كلا بعمله‏.‏ وعن بعض العرب أنه قيل له‏:‏ أين ربك‏؟‏ فقال‏:‏ بالمرصاد‏.‏ وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ هذه السورة عند المنصور حتى بلغ هذه الآية، فقال‏{‏إن ربك لبالمرصاد‏}‏ يا أبا جعفر قال الزمخشري‏:‏ عرض له في هذا النداء، بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة؛ فلله دره‏.‏ أي أسد فراس كان بين يديه‏؟‏ يدق الظلمة بإنكاره، ويقمع أهل الأهواء والبدع باحتجاجه

الآية رقم ‏(‏15 ‏:‏ 16‏)‏

‏{‏فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن‏}‏

قوله تعالى‏{‏فأما الإنسان‏}‏ يعني الكافر‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ يريد عتبة بن ربيعة وأبا حذيفة بن المغيرة‏.‏ وقيل‏:‏ أمية بن خلف‏.‏ وقيل‏:‏ أبي بن خلف‏.‏ ‏{‏إذا ما ابتلاه ربه‏}‏ أي امتحنه واختبره بالنعمة‏.‏ و‏{‏ما‏}‏‏:‏ زائدة صلة‏.‏ ‏{‏فأكرمه‏}‏ بالمال‏.‏ ‏{‏ونعمه‏}‏ بما أوسع عليه‏.‏ ‏{‏فيقول ربي أكرمني‏}‏ فيفرح بذلك ولا يحمده‏.‏ ‏{‏وأما إذا ما ابتلاه‏}‏ أي امتحنه بالفقر واختبره‏.‏ ‏{‏فقدر‏}‏ أي ضيق ‏{‏عليه رزقه‏}‏ على مقدار البُلغة‏.‏ ‏{‏فيقول ربي أهانني‏}‏ أي أولاني هوانا‏.‏ وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث‏:‏ وإنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته‏.‏ فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه اللّه بطاعته وتوفيقه، المؤدي إلى حظ الآخرة، وإن وسع عليه في الدنيا حمده وشكره‏.‏

قلت‏:‏ الآيتان صفة كل كافر‏.‏ وكثير من المسلمين يظن أن ما أعطاه اللّه لكرامته وفضيلته عند اللّه، وربما يقول بجهله‏:‏ لو لم أستحق هذا لم يعطينه اللّه‏.‏ وكذا إن قتر عليه يظن أن ذلك لهوانه على اللّه‏.‏ وقراءة العامة ‏{‏فقدر‏}‏ مخففة الدال‏.‏ وقرأ ابن عامر مشددا، وهما لغتان‏.‏ والاختيار التخفيف؛ لقوله‏{‏ومن قدر عليه رزقه‏}‏الطلاق‏:‏ 7‏]‏‏.‏ قال أبو عمرو‏{‏قدر‏}‏ أي قتر‏.‏ و‏{‏قدر‏}‏ مشددا‏:‏ هو أن يعطيه ما يكفيه، ولو فعل به ذلك ما قال ‏{‏ربي أهانن‏}‏‏.‏ وقرأ أهل الحرمين وأبو عمرو ‏{‏ربي‏}‏ بفتح الياء في الموضعين‏.‏ وأسكن الباقون‏.‏ وأثبت البزي وابن محيصن ويعقوب الياء من ‏{‏أكرمن‏}‏، و‏{‏أهانن‏}‏ في الحالين؛ لأنها اسم فلا تحذف‏.‏ وأثبتها المدنيون في الوصل دون الوقف، اتباعا للمصحف‏.‏ وخير أبو عمرو في إثباتها في الوصل أو حذفها؛ لأنها رأس آية، وحذفها في الوقف لخط المصحف‏.‏ الباقون بحذفها، لأنها وقعت في الموضعين بغير ياء، والسنة ألا يخالف خط المصحف؛ لأنه إجماع الصحابة‏.‏

الآية رقم ‏(‏17 ‏:‏ 20‏)‏

‏{‏كلا بل لا تكرمون اليتيم، ولا تحاضون على طعام المسكين، وتأكلون التراث أكلا لما، وتحبون المال حبا جما‏}‏

قوله تعالى‏{‏كلا‏}‏ ردّ، أي ليس الأمر كما يُظَن، فليس الغنى لفضله، ولا الفقر لهوانه، وإنما الفقر والغنى من تقديري وقضائي‏.‏ وقال الفراء‏{‏كلا‏}‏ في هذا الموضع بمعنى لم يكن ينبغي للعبد أن يكون هكذا، ولكن يحمد اللّه عز وجل على الغنى والفقر‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏يقول اللّه عز وجل‏:‏ كلا إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا، ولا أهين من أهنت بقلتها، إنما أكرم من أكرمت بطاعتي، وأهين من أهنت بمعصيتي‏)‏‏.‏ ‏{‏بل لا تكرمون اليتيم‏}‏ إخبار عن ما كانوا يصنعونه من منع اليتيم الميراث، وأكل ماله إسرافا وبدارا أن يكبروا‏.‏ وقرأ أبو عمرو ويعقوب ‏{‏يكرمون‏}‏، و‏{‏يحضون‏}‏ و‏{‏يأكلون‏}‏، و‏{‏يحبون‏}‏ بالياء، لأنه تقدم ذكر الإنسان، والمراد به الجنس، فعبر عنه بلفظ الجمع‏.‏ الباقون بالتاء في الأربعة، على الخطاب والمواجهة؛ كأنه قال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا‏.‏ وترك إكرام اليتيم بدفعه عن حقه، وأكل ماله كما ذكرنا‏.‏ قال مقاتل‏:‏ نزلت في قدامة بن مظعون وكان يتيما في حجر أمية بن خلف‏.‏

قوله تعالى‏{‏ولا تحاضون على طعام المسكين‏}‏ أي لا يأمرون أهليهم بإطعام مسكين يجيئهم‏.‏ وقرأ الكوفيون ‏{‏ولا تحاضون‏}‏ بفتح التاء والحاء والألف‏.‏ أي يحض بعضهم بعضا‏.‏ وأصله تتحاضون، فحذف إحدى التاءين لدلالة الكلام عليها‏.‏ وهو اختيار أبي عبيد‏.‏ وروي عن إبراهيم والشيزري عن الكسائي والسلمي ‏{‏تحاضون‏}‏ بضم التاء، وهو تفاعلون من الحض، وهو الحث‏.‏ ‏{‏وتأكلون التراث‏}‏ أي ميراث اليتامى‏.‏ وأصله الوراث من ورثت، فأبدلوا الواو تاء؛ كما قالوا في تجاه وتخمة وتكأة وتودة ونحو ذلك‏.‏ وقد تقدم‏.‏ ‏{‏أكلا لما‏}‏ أي شديدا؛ قاله السدي‏.‏ قيل ‏{‏لما‏}‏‏:‏ جمعا؛ من قولهم‏:‏ لممت الطعام لما إذا أكلته جمعا؛ قاله الحسن وأبو عبيدة‏.‏ وأصل اللم في كلام العرب‏:‏ الجمع؛ يقال‏:‏ لممت الشيء ألمه لما‏:‏ إذا جمعته، ومنه يقال‏:‏ لم اللّه شعثه، أي جمع ما تفرق من أموره‏.‏ قال النابغة‏:‏

ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب

ومنه قولهم‏:‏ إن دارك لَمُومَة، أي تلم الناس وتربهم وتجمعهم‏.‏ وقال المرناق الطائي يمدح علقمة ابن سيف‏:‏

لأَحَبَّني حُبَّ الصبي ولَمَّني لمَّ الهُدِيّ إلى الكريم الماجد

وقال الليث‏:‏ اللم الجمع الشديد؛ ومنه حجر ملموم، وكتيبة ملمومة‏.‏ فالآكل يلم الثريد، فيجمعه لقما ثم يأكله‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ يسفه سفا ‏:‏ وقال الحسن‏:‏ يأكل نصيبه ونصيب غيره‏.‏ قال الحطيئة‏:‏

إذا كان لما يتبع الذم ربه فلا قدّس الرحمن تلك الطواحنا

يعني أنهم يجمعون في أكلهم بين نصيبهم ونصيب غيرهم‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ هو أنه إذا أكل ماله ألم بمال غيره فأكله، ولا يفكر‏:‏ أكل من خبيث أو طيب‏.‏ قال‏:‏ وكان أهل الشرك لا يورثون النساء ولا الصبيان، بل يأكلون ميراثهم مع ميراثهم، وتراثهم مع تراثهم‏.‏ وقيل‏:‏ يأكلون ما جمعه الميت من الظلم وهو عالم بذلك، فيَلُمُ في الأكل بين حرامه وحلاله‏.‏ ويجوز أن يذم الوارث الذي ظفر بالمال سهلا، مهلا، من غير أن يعرق فيه جبينه، فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا واسعا، جامعا بين المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الوراث البطالون‏.‏

قوله تعالى‏{‏وتحبون المال حبا جما‏}‏ أي كثيرا، حلاله وحرامه‏.‏ والجم الكثير‏.‏ يقال‏:‏ جم الشيء يجم جموما، فهو جم وجام‏.‏ ومنه جم الماء في الحوض‏:‏ إذا اجتمع وكثر‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما

والجمة‏:‏ المكان الذي يجتمع فيه ماؤه‏.‏ والجموم‏:‏ البئر الكثيرة الماء‏.‏ والجمُومُ‏:‏ المصدر؛ يقال‏:‏ جم الماء يجم جموما‏:‏ إذا كثر في البئر واجتمع، بعد ما استقي ما فيها‏.‏

الآية رقم ‏(‏21‏)‏

‏{‏كلا إذا دكت الأرض دكا دكا‏}‏

قوله تعالى‏{‏كلا‏}‏ أي ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر‏.‏ فهو رد لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها؛ فإن من فعل ذلك يندم يوم تدك الأرض، ولا ينفع الندم‏.‏ والدك‏:‏ الكسر والدق؛ وقد تقدم‏.‏ أي زلزلت الأرض، وحركت تحريكا بعد تحريك‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أي زلزلت فدك بعضها بعضا‏.‏ وقال المبرد‏:‏ أي ألصقت وذهب ارتفاعها‏.‏ يقال ناقة دكاء، أي لا سنام لها، والجمع دُكٌ‏.‏ وقد مضى في سورة الأعراف و الحاقة القول في هذا‏.‏ ويقولون‏:‏ دك الشيء أي هدم‏.‏ قال‏:‏

هل غير غار دك غارا فانهدم

‏{‏دكا دكا‏}‏ أي مرة بعد مرة؛ زلزلت فكسر بعضها بعضا؛ فتكسر كل شيء على ظهرها‏.‏ وقيل‏:‏ دكت جبالها وأنشازها حتى استوت‏.‏ وقيل‏:‏ دكت أي استوت في الانفراش؛ فذهب دورها وقصورها وجبالها وسائر أبنيتها‏.‏ ومنه سمي الدكان، لاستوائه في الانفراش‏.‏ والدك‏:‏ حط المرتفع من الأرض بالبسط، وهو معنى قول ابن مسعود وابن عباس‏:‏ تمد الأرض مد الأديم‏.‏

الآية رقم ‏(‏22 ‏:‏ 23‏)‏

‏{‏وجاء ربك والملك صفا صفا، وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى‏}‏

قوله تعالى‏{‏وجاء ربك‏}‏ أي أمره وقضاؤه؛ قاله الحسن‏.‏ وهو من باب حذف المضاف‏.‏ وقيل‏:‏ أي جاءهم الرب بالآيات العظيمة؛ وهو كقوله تعالى‏{‏إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام‏}‏البقرة‏:‏ 210‏]‏، أي بظلل‏.‏ وقيل‏:‏ جعل مجيء الآيات مجيئا له، تفخيما لشأن تلك الآيات‏.‏ ومنه قوله تعالى في الحديث ‏:‏ ‏(‏يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، واستسقيتك فلم تسقني، واستطعمتك فلم تطعمني‏)‏‏.‏ وقيل‏{‏وجاء ربك‏}‏ أي زالت الشبه ذلك اليوم، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول الشبه والشك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه‏.‏ قال أهل الإشارة‏:‏ ظهرت قدرته واستولت، واللّه جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنى له التحول والانتقال، ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان؛ لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز‏.‏

قوله تعالى‏{‏والملك‏}‏ أي الملائكة‏.‏ ‏{‏صفا صفا‏}‏ أي صفوفا‏.‏‏{‏وجيء يومئذ بجهنم‏}‏ قال ابن مسعود ومقاتل‏:‏ تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد سبعين ألف ملك، لها تغيظ وزفير، حتى تنصب عن يسار العرش‏.‏ وفي صحيح، مسلم عن عبداللّه بن مسعود قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏يؤتى بجهنم، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها‏]‏‏.‏ وقال أبو سعيد الخدري‏:‏ لما نزلت ‏{‏وجيء يومئذ بجهنم‏}‏ تغير لون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وعرف في وجهه‏.‏ حتى اشتد على أصحابه، ثم قال‏:‏ ‏[‏أقرأني جبريل ‏{‏كلا إذا دكت الأرض دكا دكا‏}‏ ـ الآية ـ، جيء يومئذ بجهنم‏]‏‏.‏ قال علي رضي اللّه عنه‏:‏ قلت يا رسول اللّه، كيف يجاء بها‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏تؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام، يقود بكل زمام سبعون ألف ملك، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع ثم تعرض لي جهنم فتقول‏:‏ ما لي ولك يا محمد، إن اللّه قد حرم لحمك علي‏)‏ فلا يبقى أحد إلا قال نفسي نفسي إلا محمد صلى اللّه عليه وسلم فإنه يقول‏:‏ رب أمتي رب أمتي

قوله تعالى‏{‏يومئذ يتذكر الإنسان‏}‏ أي يتعظ ويتوب‏.‏ وهو الكافر، أو من همته معظم الدنيا‏.‏ ‏{‏وأنى له الذكرى‏}‏ أي ومن أين له الاتعاظ والتوبة وقد فرط فيها في الدنيا‏.‏ ويقال‏:‏ أي ومن أين له منفعة الذكرى‏.‏ فلا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين ‏{‏يومئذ يتذكر‏}‏ وبين ‏{‏وأنى له الذكرى‏}‏ تناف، قاله الزمخشري‏.‏

الآية رقم ‏(‏24‏)‏

‏{‏يقول يا ليتني قدمت لحياتي‏}‏

أي في حياتي‏.‏ فاللام بمعنى في‏.‏ وقيل‏:‏ أي قدمت عملا صالحا لحياتي، أي لحياةٍ لا موت فيها‏.‏ وقيل‏:‏ حياة أهل النار ليست هنيئة، فكأنهم لا حياة لهم؛ فالمعنى‏:‏ يا ليتني قدمت من الخير لنجاتي من النار، فأكون فيمن له حياة هنيئة‏.‏

الآية رقم ‏(‏25 ‏:‏ 26‏)‏

‏{‏فيومئذ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد‏}‏

قوله تعالى‏{‏فيومئذ لا يعذب عذابه أحد‏}‏ أي لا يعذب كعذاب اللّه أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد‏.‏ والكناية ترجع إلى اللّه تعالى‏.‏ وهو قول ابن عباس والحسن‏.‏ وقرأ الكسائي ‏{‏لا يعذب‏}‏ ‏{‏ولا يوثق‏}‏ بفتح الذال والثاء، أي لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب اللّه الكافر يومئذ، ولا يوثق كما يوثق الكافر‏.‏ والمراد إبليس؛ لأن الدليل قام على أنه أشد الناس عذابا، لأجل إجرامه؛ فأطلق الكلام لأجل ما صحبه من التفسير‏.‏ وقيل‏:‏ إنه أمية بن خلف؛ حكاه الفراء‏.‏ يعني أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد؛ لتناهيه في كفره وعناده‏.‏ وقيل‏:‏ أي لا يعذب مكانه أحد، فلا يؤخذ منه فداء‏.‏ والعذاب بمعنى التعذيب، والوثاق بمعنى الإيثاق‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏

وبعد عطائك المائه الرتاعا

وقيل‏:‏ لا يعذب أحد ليس بكافر عذاب الكافر‏.‏ واختار أبو عبيد وأبو حاتم فتح الذال والثاء‏.‏ وتكون الهاء ضمير الكافر؛ لأن ذلك معروف‏:‏ أنه لا يعذب أحد كعذاب اللّه‏.‏ وقد روى أبو قلابة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قرأ بفتح الذال والثاء‏.‏ وروي أن أبا عمرو رجع إلى قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ وقال أبو علي‏:‏ يجوز أن يكون الضمير للكافر على قراءه الجماعة؛ أي لا يعذب أحد أحدا مثل تعذيب هذا الكافر؛ فتكون الهاء للكافر‏.‏ والمراد بـ‏{‏أحد‏}‏ الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار‏.‏

الآية رقم ‏(‏27 ‏:‏ 30‏)‏

‏{‏يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي‏}‏

قوله تعالى‏{‏يا أيتها النفس المطمئنة‏}‏ لما ذكر حال من كانت همته الدنيا فاتهم اللّه في إغنائه، وإفقاره، ذكر حال من اطمأنت نفسه إلى اللّه تعالى‏.‏ فسلم لأمره، واتكل عليه‏.‏ وقيل‏:‏ هو من قول الملائكة لأولياء اللّه عز وجل‏.‏ والنفس المطمئنة‏{‏ الساكنة الموقنة؛ أيقنت أن اللّه ربها، فأخبتت لذلك؛ قال مجاهد وغيره‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أي المطمئنة بثواب اللّه‏.‏ وعنه المؤمنة‏.‏ وقال الحسن‏:‏ المؤمنة الموقنة‏.‏ وعن مجاهد أيضا‏:‏ الراضية بقضاء اللّه، التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ الآمنة من عذاب اللّه‏.‏ وفي حرف أُبي بن كعب ‏{‏يأيتها النفس الآمنة المطمئنة‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ التي عملت على يقين بما وعد اللّه في كتابه‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏ المطمئنة هنا‏:‏ المخلصة‏.‏ وقال ابن عطاء‏:‏ العارفة التي لا تصبر عنه طرفة عين‏.‏ وقيل‏:‏ المطمئنة بذكر اللّه تعالى؛ بيانه ‏{‏الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله‏}‏الرعد‏:‏ 38‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ المطمئنة بالإيمان، المصدقة بالبعث والثواب‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت، وعند البعث، ويوم الجمع‏.‏ وروى عبداللّه بن بريدة عن أبيه قال‏:‏ يعني نفس حمزة‏.‏ والصحيح أنها عامة في كل نفس مؤمن مخلص طائع‏.‏ قال الحسن البصري‏:‏ إن اللّه تعالى إذا أراد أن يقبض روح عبده المؤمن، اطمأنت النفس إلى اللّه تعالى، واطمأن اللّه إليها‏.‏ وقال عمرو بن العاص‏:‏ إذا توفي المؤمن أرسل اللّه إليه ملكين، وأرسل معهما تحفة من الجنة، فيقولان لها‏:‏ اخرجي أيتها النفس المطمئنة راضية مرضية، ومرضيا عنك، اخرجي إلى ووح وريحان، ورب راض غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك وجَد أحد من أنفه على ظهر الأرض‏.‏ وذكر الحديث‏.‏ وقال سعيد بن زيد‏:‏ قرا رجل عند النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏{‏يا أيتها النفس المطمئنة‏}‏، فقال أبو بكر‏:‏ ما أحسن هذا يا رسول اللّه فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏إن الملك يقولها لك يا أبا بكر‏]‏‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر لم ير على خلقته طائر قط، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر - لا يدري من تلاها - ‏{‏يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية‏}‏‏.‏ وروى الضحاك أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي اللّه عنه حين وقف بئر رومة‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في خُبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة، وجعلوا وجهه إلى المدينة؛ فحول اللّه وجهه نحو القبلة‏.‏ واللّه أعلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏ارجعي إلى ربك‏}‏ أي إلى صاحبك وجسدك؛ قال ابن عباس وعكرمة وعطاء‏.‏ واختاره الطبري؛ ودليله قراءة ابن عباس ‏{‏فادخلي في عبدي‏}‏ على التوحيد، فيأمر اللّه تعالى الأرواح غدا أن ترجع إلى الأجساد‏.‏ وقرأ ابن مسعود ‏{‏في جسد عبدي‏}‏‏.‏ وقال الحسن‏:‏ ارجعي إلى ثواب ربك وكرامته‏.‏ وقال أبو صالح‏:‏ المعنى‏:‏ ارجعي إلى اللّه‏.‏ وهذا عند الموت‏.‏ ‏{‏فادخلي في عبادي‏}‏ أي في أجساد عبادي؛ دليله قراءة ابن عباس وابن مسعود‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ هذا يوم القيامة؛ وقال الضحاك‏.‏ والجمهور على أن الجنة هي دار الخلود التي هي مسكن الأبرار، ودار الصالحين والأخيار‏.‏ ومعنى ‏{‏في عبادي‏}‏ أي في الصالحين من عبادي؛ كما قال‏{‏لندخلنهم في الصالحين‏}‏العنكبوت‏:‏ 9‏]‏‏.‏ وقال الأخفش‏{‏في عبادي‏}‏ أي في حزبي؛ والمعنى واحد‏.‏ أي انتظمي في سلكهم‏.‏ ‏{‏وادخلي جنتي‏}‏ مع عبادي‏.‏
 
سورة البلد
الآية رقم ‏(‏1‏)‏

‏{‏لا أقسم بهذا البلد‏}‏

يجوز أن تكون ‏{‏لا‏}‏ زائدة، كما تقدم في ‏{‏لا أقسم بيوم القيامة‏}‏القيامة‏:‏ 1؛ قاله الأخفش‏.‏ أي أقسم؛ لأنه قال‏{‏بهذا البلد‏}‏ وقد أقسم به في قوله‏{‏وهذا البلد الأمين‏}‏التين‏:‏ 3‏‏ فكيف يَجْحَد القسم به وقد أقسم به‏.‏ قال الشاعر‏:‏

تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطع

أي يتقطع، ودخل حرف ‏{‏لا‏}‏ صلة؛ ومنه قوله تعالى‏{‏ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك‏}‏الأعراف‏:‏ 12‏بدليل قوله تعالى في ص ‏{‏ما منعك أن تسجد‏}‏‏.‏ ‏[‏ص‏:‏ 75‏]‏‏.‏ وقرأ الحسن والأعمش وابن كثير ‏{‏لأقسم‏}‏ من غير ألف بعد اللام إثباتا‏.‏ وأجاز الأخفش أيضا أن تكون بمعنى ‏{‏ألا‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ ليست بنفي القسم، وإنما هو كقول العرب‏:‏ لا والله لا فعلت كذا، ولا والله ما كان كذا، ولا والله لأفعلن كذا‏.‏ وقيل‏:‏ هي نفي صحيح؛ والمعنى‏:‏ لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه، بعد خروجك منه‏.‏ حكاه مكي‏.‏ ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال‏{‏لا‏}‏ رد عليهم‏.‏ وهذا اختيار ابن العربي؛ لأنه قال‏:‏ وأما من قال إنها رد، فهو قول ليس له رد، لأنه يصح به المعنى، ويتمكن اللفظ والمراد‏.‏ فهو رد لكلام من أنكر البعث ثم ابتدأ القسم‏.‏ وقال القشيري‏:‏ قوله ‏{‏لا‏}‏ رد لما توهم الإنسان المذكور في هذه السورة، المغرور بالدنيا‏.‏ أي ليس الأمر كما يحسبه، من أنه لن يقدر عليه أحد، ثم ابتدأ القسم‏.‏ و‏{‏البلد‏}‏‏:‏ هي مكة، أجمعوا عليه‏.‏ أي أقسم بالبلد الحرام الذي أنت فيه، لكرامتك علي وحبي لك‏.‏ وقال الواسطي أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا، وبركتك ميتا، يعني المدينة‏.‏ والأول أصح؛ لأن السورة نزلت بمكة باتفاق‏.‏

الآية رقم ‏(‏2‏)‏

‏{‏وأنت حل بهذا البلد‏}‏

يعني في المستقبل؛ مثل قوله تعالى‏{‏إنك ميت وإنهم ميتون‏}‏‏.‏ ومثله واسع في كلام العرب‏.‏ تقول لمن تعده الإكرام والحباء‏:‏ أنت مكرم محبو‏.‏ وهو في كلام الله واسع، لأن الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة؛ وكفاك دليلا قاطعا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال‏:‏ أن السورة باتفاق مكية قبل الفتح‏.‏ فروى منصور عن مجاهد‏{‏وأنت حل‏}‏ قال‏:‏ ما صنعت فيه من شيء فأنت في حل‏.‏ وكذا قال ابن عباس‏:‏ أحل له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء، فقتل ابن خطل ومقيس بن صبابة وغيرهما‏.‏ ولم يحل لأحد من الناس أن يقتل بها أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وروى السدي قال‏:‏ أنت في حل ممن قاتلك أن تقتله‏.‏ وروى أبو صالح عن ابن عباس قال‏:‏ أُحلت له ساعة من نهار، ثم أُطبقت وحُرمت إلى يوم القيامة، وذلك يوم فتح مكة‏.‏ وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏[‏إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، فلم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار‏]‏ الحديث‏.‏ وقد تقدم في سورة المائدة ابن زيد‏:‏ لم يكن بها أحد حلالا غير النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ وقيل‏:‏ وأنت مقيم فيه وهو محلك‏.‏ وقيل‏:‏ وأنت فيه محسن، وأنا عنك فيه راض‏.‏ وذكر أهل اللغة أنه يقال‏:‏ رجل حل وحلال ومحل، ورجل حرام ومحل، ورجل حرام ومحرم‏.‏ وقال قتادة‏:‏ أنت حل به‏:‏ لست بأثم‏.‏ وقيل‏:‏ هو ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي إنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه، معرفة منك بحق هذا البيت؛ لا كالمشركين الذين يرتكبون الكفر بالله فيه‏.‏ أي أقسم بهذا البيت المعظم الذي قد عرفت حرمته، فأنت مقيم فيه معظم له، غير مرتكب فيه ما يحرم عليك‏.‏ وقال شرحبيل بن سعد‏{‏وأنت حل بهذا البلد‏}‏ أي حلال؛ أي هم يحرمون مكة أن يقتلوا بها صيدا أو يعضدوا بها شجرة، ثم هم مع هذا يستحلون إخراجك وقتلك‏.‏

الآية رقم ‏(‏3‏)‏

‏{‏ووالد وما ولد‏}‏

قال مجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو صالح‏{‏ووالد‏}‏ آدم‏:‏ عليه السلام‏.‏ ‏{‏وما ولد‏}‏ أي وما نسل من ولده‏.‏ أقسم بهم لأنهم أعجب ما خلق الله تعالى على وجه الأرض؛ لما فيهم من البيان والنطق والتدبير، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى‏.‏ وقيل‏:‏ هو إقسام بآدم والصالحين من ذريته، وأما غير الصالحين فكأنهم بهائم‏.‏ وقيل‏:‏ الوالد إبراهيم‏.‏ وما ولد‏:‏ ذريته؛ قال أبو عمران الجوني‏.‏ ثم يحتمل أنه يريد جميع ذريته‏.‏ ويحتمل أنه يريد المسلمين من ذريته‏.‏ قال الفراء‏:‏ وصلحت ‏{‏ما‏}‏ للناس؛ كقوله‏{‏ما طاب لكم‏}‏النساء‏:‏ 3‏ وكقوله‏{‏وما خلق الذكر والأنثى‏}‏الليل‏:‏ 3‏‏ وهو الخالق للذكر والأنثى، وقيل‏{‏ما‏}‏ مع ما بعدها في موضع المصدر؛ أي ووالد وولادته؛ كقوله تعالى‏{‏والسماء وما بناها‏}‏‏.‏ وقال عكرمة وسعيد بن جبير‏{‏ووالد‏}‏ يعني الذي يولد له، ‏{‏وما ولد‏}‏ يعني العاقر الذي لا يولد له؛ وقال ابن عباس‏.‏ و‏{‏ما‏}‏ على هذا نفي‏.‏ وهو بعيد؛ ولا يصح إلا بإضمار الموصول؛ أي ووالد والذي ما ولد، وذلك لا يجوز عند البصريين‏.‏ وقيل‏:‏ هو عموم في كل والد وكل مولود؛ قاله عطية العوفي‏.‏ وروي معناه عن ابن عباس أيضا‏.‏ وهو اختيار الطبري‏.‏ قال الماوردي‏:‏ ويحتمل أن الوالد النبي صلى الله عليه وسلم، لتقدم ذكره، وما ولد أمته‏:‏ لقوله عليه السلام‏:‏ ‏[‏إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم‏]‏‏.‏ فأقسم به وبأمته بعد أن أقسم ببلده؛ مبالغة في تشريفه عليه السلام‏.‏

الآية رقم ‏(‏4‏)‏

‏{‏لقد خلقنا الإنسان في كبد‏}‏

إلى هنا انتهى القسم؛ وهذا جوابه‏.‏ ولله أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته لتعظيمها، كما تقدم‏.‏ والإنسان هنا ابن آدم‏.‏ ‏{‏في كبد‏}‏ أي في شدة وعناء من مكابدة الدنيا‏.‏ وأصل الكبد الشدة‏.‏ ومنه تكبد اللبن‏:‏ غلظ وخثر وأشتد‏.‏ ومنه الكبد؛ لأنه دم تغلظ واشتد‏.‏ ويقال‏:‏ كابدت هذا الأمر‏:‏ قاسيت شدته‏:‏ قال لبليد‏:‏

يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد

قال ابن عباس والحسن‏{‏في كبد‏}‏ أي في شدة ونصب‏.‏ وعن ابن عباس أيضا‏:‏ في شدة من حمله وولادته ورضاعه ونبت أسنانه، وغير ذلك من أحواله‏.‏ وروى عكرمة عنه قال‏:‏ منتصبا في بطن أمه‏.‏ والكبد‏:‏ الاستواء والاستقامة‏.‏ فهذا امتنان عليه في الخلقة‏.‏ ولم يخلق الله جل ثناؤه دابة في بطن أمها إلا منكبة على وجهها إلا ابن آدم، فإنه منتصب انتصابا؛ وهو قول النخعي ومجاهد وغيرهما‏.‏ ابن كبسان‏:‏ منتصبا رأسه في بطن أمه؛ فإذا أذن الله أن يخرج من بطن أمه قلب رأسه إلى رجلي أمه‏.‏ وقال الحسن‏:‏ يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة‏.‏ وعنه أيضا‏:‏ يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء؛ لأنه لا يخلو من أحدهما‏.‏ ورواه ابن عمر‏.‏ وقال يَمانٌ‏:‏ لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم؛ وهو مع ذلك أضعف الخلق‏.‏ قال علماؤنا‏:‏ أول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا قمط قماطا، وشد رباطا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام، الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الختان، والأوجاع والأحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه، ثم يكابد شغل الأولاد، والخدم والأجناد، ثم يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها، ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الأضراس، ورمد العين، وغم الدين، ووجع السن، وألم الأذن‏.‏ ويكابد محنا في المال والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمضى عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم مساءلة الملك، وضغطة القبر وظلمته؛ ثم البعث والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة وإما في النار؛ قال الله تعالى‏{‏لقد خلقنا الإنسان في كبد‏}‏، فلو كان الأمر إليه لما اختار هذه الشدائد‏.‏ ودل هذا على أن له خالقا دبره، وقضى عليه بهذه الأحوال؛ فليمتثل أمره‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ الإنسان هنا آدم‏.‏

وقوله‏{‏في كبد‏}‏ أي في وسط السماء‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ إن هذا نزل في رجل من بني جمح؛ كان يقال ل أبو الأشدين، وكان يأخذ الأديم العكاظي فيجعله تحت قدميه، فيقول‏:‏ من أزالني عنه فله كذا‏.‏ فيجذبه عشرة حتى يتمزق ولا تزول قدماه؛ وكان من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه نزل ‏{‏أيحسب أن لن يقدر عليه أحد‏}‏البلد‏:‏ 5‏ يعني‏:‏ لقوته‏.‏ وروي عن ابن عباس‏.‏ ‏{‏في كبد‏}‏ أي شديدا، يعني شديد الخلق؛ وكان من أشد رجال قريش‏.‏ وكذلك ركانة ابن هشام بن عبدالمطلب، وكان مثلا في البأس والشدة‏.‏ وقيل‏{‏في كبد‏}‏ أي جريء القلب، غليظ الكبد، مع ضعف خلقته، ومهانة مادته‏.‏ ابن عطاء‏:‏ في ظلمة وجهل‏.‏ الترمذي‏:‏ مضيعا ما يعنيه، مشتغلا بما لا يعنيه‏.‏

الآية رقم ‏(‏5 ‏:‏ 9‏)‏

‏{‏أيحسب أن لن يقدر عليه أحد، يقول أهلكت مالا لبدا، أيحسب أن لم يره أحد، ألم نجعل له عينين، ولسانا وشفتين‏}‏

قوله تعالى‏{‏أيحسب أن لن يقدر عليه أحد‏}‏ أي أيظن ابن آدم أن لن يعاقبه الله عز وجل‏{‏يقول أهلكت‏}‏ أي أنفقت‏.‏ ‏{‏مالا لبدا‏}‏ أي كثيرا مجتمعا‏.‏ ‏{‏أيحسب‏}‏ أي أيظن‏.‏ ‏{‏أن لم يره‏}‏ أي أن لم يعاينه ‏{‏أحد‏}‏ بل علم الله عز وجل ذلك منه، فكان كاذبا في قوله‏:‏ أهلكت ولم يكن أنفقه‏.‏ وروى أبو هريرة قال‏:‏ يوقف العبد، فيقال ماذا عملت في المال الذي رزقتك‏؟‏ فيقول‏:‏ أنفقته وزكيته‏.‏ فيقال‏:‏ كأنك إنما فعلت ذلك ليقال سخي، فقد قيل ذلك‏.‏ ثم يؤمر به إلى النار‏.‏ وعن سعيد عن قتادة‏:‏ إنك مسؤول عن مالك من أين جمعت‏؟‏ وكيف أنفقت‏؟‏ وعن ابن عباس قال‏:‏ كان أبو الأشدين يقول‏:‏ أنفقت في عداوة محمد مالا كثيرا وهو في ذلك كاذب‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ نَزَلتْ في الحارث بن عامر بن نوفل، أذنب فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يُكَفِّر‏.‏ فقال‏:‏ لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات، منذ دخلت في دين محمد‏.‏ وهذا القول منه يحتمل أن يكون استطالة بما أنفق، فيكون طغيانا منه، أو أسفا عليه، فيكون ندما منه‏.‏ وقرأ أبو جعفر ‏{‏مالا لبدا‏}‏ بتشديد الباء مفتوحة، على جمع لا بد؛ مثل راكع وركع، وساجد وسجد، وشاهد وشهد، ونحوه‏.‏ وقرأ مجاهد وحميد بضم الباء واللام مخففا، جمع لبود‏.‏ الباقون بضم اللام وكسرها وفتح الباء مخففا، جمع لبدة ولبدة، وهو ما تلبد؛ يريد الكثرة‏.‏ وقد مضى في سورة ‏{‏الجن‏}‏ القول فيه‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ ‏{‏أيحسُب‏}‏ بضم السين في الموضعين‏.‏ وقال الحسن‏:‏ يقول أتلفت مالا كثيرا، فمن يحاسبني به، دعني أحسبه‏.‏ ألم يعلم أن الله قادر على محاسبته، وأن الله عز وجل يرى صنيعه، ثم عدد عليه نعمه فقال‏{‏ألم نجعل له عينين‏}‏ يبصر بهما ‏{‏ولسانا‏}‏ ينطق به‏.‏ ‏{‏وشفتين‏}‏ يستر بهما ثغره‏.‏ والمعنى‏:‏ نحن فعلنا ذلك، ونحن نقدر على أن نبعثه ونحصي عليه ما عمله‏.‏ وقال أبو حازم‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن الله تعالى قال‏:‏ يا ابن آدم، إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق؛ وإن نازعك بصرك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق؛ وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقين، فأطبق‏)‏‏.‏ والشفة‏:‏ أصلها شفهة، حذفت منها الهاء، وتصغيرها‏:‏ شفيهة، والجمع‏:‏ شفاه‏.‏ ويقال‏:‏ شفهات وشفوات، والهاء أقيس، والواو أعم، تشبيها بالسنوات‏.‏ وقال الأزهري‏:‏ يقال هذه شفة في الوصل وشفه، بالتاء والهاء‏.‏ وقال قتادة‏:‏ نعم الله ظاهرة، يقررك بها حتى تشكر‏.‏

الآية رقم ‏(‏10‏)‏

‏{‏وهديناه النجدين‏}‏

يعني الطريقين‏:‏ طريق الخير وطريق الشر‏.‏ أي بيناهما له بما أرسلناه من الرسل‏.‏ والنجد‏.‏ الطريق في ارتفاع‏.‏ وهذا قول ابن عباس وابن مسعود وغيرهما‏.‏ وروى قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ ‏(‏يا أيها الناس، إنما هما النجدان‏:‏ نجد الخير، ونجد الشر، فلم نجعل نجد الشر أحب إليك من نجد الخير‏)‏‏.‏ وروي عن عكرمة قال‏:‏ النجدان‏:‏ الثديان‏.‏ وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك، وروي عن ابن عباس وعلي رضي الله عنهما؛ لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه‏.‏ فالنجد‏:‏ العلو، وجمعه نجود؛ ومنه سميت ‏{‏نجد‏}‏، لارتفاعها عن انخفاض تهامة‏.‏ فالنجدان‏:‏ الطريقان العاليان‏.‏ قال امرؤ القيس‏:‏

فريقان منهم جازع بطن نخلة وآخر منهم قاطع نجد كبكب

الآية رقم ‏(‏11‏)‏

‏{‏فلا اقتحم العقبة‏}‏

أي فهلا أنفق ماله الذي يزعم أنه أنفقه في عداوة محمد، هلا أنفقه لاقتحام العقبة فيأمن والاقتحام‏:‏ الرمي بالنفس في شيء من غير روية؛ يقال منه‏:‏ قحم في الأمر قحوما‏:‏ أي رمى بنفسه فيه من غير روية‏.‏ وقحم الفرس فارسه‏.‏ تقحيما على وجهه‏:‏ إذا رماه‏.‏ وتقحيم النفس في الشيء‏:‏ إدخالها فيه من غير روية‏.‏ والقُحمة بالضم المهلكة، والسنة الشديدة‏.‏ يقال‏:‏ أصابت الأعراب القُحمة‏:‏ إذا أصابهم قحط، فدخلوا الريف‏.‏ والقُحم‏:‏ صعاب الطريق‏.‏ وقال الفراء والزجاج‏:‏ وذكر ‏{‏لا‏}‏ مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد ‏{‏لا‏}‏ مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع، حتى يعيدوها في كلام آخر؛ كقوله تعالى‏{‏فلا صدق ولا صلى‏}‏القيامة‏:‏ 31‏‏ ‏{‏ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون‏}‏‏.‏ وإنما أفردوها لدلالة آخر الكلام على معناه؛ فيجوز أن يكون قوله‏{‏ثم كان من الذين آمنوا‏}‏البلد‏:‏ 17‏قائما مقام التكرير؛ كأنه قال‏:‏ فلا اقتحم العقبة ولا آمن‏.‏ وقيل‏:‏ هو جار مجرى الدعاء؛ كقوله‏:‏ لا نجا ولا سلم‏.‏ وقال‏:‏ معنى ‏{‏فلا اقتحم العقبة‏}‏ أي فلم يقتحم العقبة، كقول زهير‏:‏

وكان طوى كشحا على مستكِنَّة فلا هو أبداها ولم يتقدم

أي فلم يبدها ولم يتقدم‏.‏ وكذا قال المبرد وأبو علي‏{‏لا‏}‏‏:‏ بمعنى لم‏.‏ وذكره البخاري عن مجاهد‏.‏ أي فلم يقتحم العقبة في الدنيا، فلا يحتاج إلى التكرير‏.‏ ثم فسر العقبة وركوبها فقال ‏{‏فك رقبة‏}‏ وكذا وكذا؛ فبين وجوها من القرب المالية‏.‏ وقال ابن زيد وجماعة من المفسرين‏:‏ معنى الكلام الاستفهام الذي معناه الإنكار؛ تقديره‏:‏ أفلا اقتحم العقبة؛ أو هلا اقتحم العقبة‏.‏ يقول‏:‏ هلا أنفق ماله في فك الرقاب، وإطعام السغْبَان، ليجاوز به العقبة، فيكون خيرا له من إنفاقه في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ ثم قيل‏:‏ اقتحام العقبة ها هنا ضرب مثل، أي هل تحمل عظام الأمور فغي إنفاق ماله في طاعة ربه، والإيمان به‏.‏ وهذا إنما يليق بقول من حمل ‏{‏فلا اقتحم العقبة‏}‏ على الدعاء؛ أي فلا نجا ولا سلم من لم ينفق ماله في كذا وكذا‏.‏ وقيل‏:‏ شبه عظم الذنوب وثقلها وشدتها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وعمل صالحا، كان مثله كمثل من اقتحم العقبة، وهي الذنوب التي تضره وتؤذيه وتثقله‏.‏ قال ابن عمر‏:‏ هذه العقبة جبل في جهنم‏.‏ وعن أبي رجاء قال‏:‏ بلغنا أن العقبة مصعدها سبعة آلاف سنة، ومهبطها سبعة آلاف سنة‏.‏ وقال الحسن وقتادة‏:‏ هي عقبة شديدة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة الله‏.‏ وقال مجاهد والضحاك والكلبي‏:‏ هي الصراط يضرب على جهنم كحد السيف، مسيرة ثلاثة آلاف سنة، سهلا وصعودا وهبوطا‏.‏ واقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء‏.‏ وقيل‏:‏ اقتحامه عليه قدر ما يصلي صلاة المكتوبة‏.‏ وروي عن أبي الدرداء أنه قال‏:‏ إن وراءنا عقبة، أنجى الناس منها أخفهم حملا‏.‏ وقيل‏:‏ النار نفسها هي العقبة‏.‏ فروى أبو رجاء عن الحسن قال‏:‏ بلغنا أنه ما من مسلم يعتق رقبة إلا كانت فداءه من النار‏.‏ وعن عبدالله بن عمر قال‏:‏ من أعتق رقبة أعتق الله عز وجل بكل عضو منها عضوا منه‏.‏ ‏"‏وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة‏"‏، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏[‏من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار، حتى فرجه بفرجه‏]‏‏.‏ وفي الترمذي عن أبي أمامة وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏[‏أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما، كان فكاكه من النار، يجزي كل عضو منه عضوا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، كانت فكاكها من النار، يجزي كل عضو منها عضوا منها‏]‏‏.‏ قال‏:‏ هذا حديث حسن صحيح غريب‏.‏ وقيل‏:‏ العقبة خلاصه من هول العرض‏.‏ وقال قتادة وكعب‏:‏ هي نار دون الجسر‏.‏ وقال الحسن‏:‏ هي والله عقبة شديدة‏:‏ مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان‏.‏ وأنشد بعضهم‏:‏

إني بليت بأربع يرمينني بالنبل قد نصبوا علي شراكا

إبليس والدنيا ونفسي والهوى من أين أرجو بينهن فكاكا

يا رب ساعدني بعفو إنني أصبحت لا أرجو لهن سواكا

الآية رقم ‏(‏12‏)‏

‏{‏وما أدراك ما العقبة‏}‏

فيه حذف، أي وما أدراك ما اقتحام العقبة‏.‏ وهذا تعظيم لالتزام أمر الدين؛ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ليعلمه اقتحام العقبة‏.‏ قال القشيري‏:‏ وحمل العقبة على عقبه جهنم بعيد؛ إذ أحد في الدنيا لم يقتحم عقبة جهنم؛ إلا أن يحمل على أن المراد فهلا صير نفسه بحيث يمكنه اقتحام عقبة جهنم غدا‏.‏ واختار البخاري قول مجاهد‏:‏ إنه لم يقتحم العقبة في الدنيا‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وإنما اختار ذلك لأجل أنه قال بعد ذلك في الآية الثانية‏{‏وما أدراك ما العقبة‏}‏‏؟‏ ثم قال في الآية الثالثة‏{‏فك رقبة‏}‏، وفي الآية الرابعة ‏{‏أو إطعام في يوم ذي مسغبة‏}‏، ثم قال في الآية الخامسة‏{‏يتيما ذا مقربة‏}‏، ثم قال في الآية السادسة‏{‏أو مسكينا ذا متربة‏}‏ ؛ فهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا‏.‏ المعنى‏:‏ فلم يأت في الدنيا بما يسهل عليه سلوك العقبة في الآخرة‏.‏ وقال سفيان ابن عيينة‏:‏ كل شيء قال فيه ‏{‏وما أدراك‏}‏‏؟‏ فإنه أخبر به، وكل شيء قال فيه ‏{‏وما يدريك‏}‏‏؟‏ فإنه لم يخبر به‏.‏

الآية رقم ‏(‏13‏)‏

‏{‏فك رقبة‏}‏

قوله تعالى‏{‏فك رقبة‏}‏ فكها‏:‏ خلاصها من الأسر‏.‏ وقيل‏:‏ من الرق‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏[‏وفك الرقبة أن تعين في ثمنها‏]‏‏.‏ من حديث البراء، وقد تقدم في سورة التوبة ‏.‏ والفك‏:‏ هو حل القيد؛ والرق قيد‏.‏ وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته‏.‏ وسمي عنقها فكا كفك الأسير من الأسر‏.‏ قال حسان‏:‏

كم من أسير فككناه بلا ثمن وجز ناصية كنا مواليها

وروى عقبة بن عامر الجُهَني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏[‏من أعتق رقبة مؤمنة كانت فداءه من النار‏]‏ قال الماوردي‏:‏ ويحتمل ثانيا أنه أراد فك رقبته وخلاص نفسه، باجتناب المعاصي، وفعل الطاعات؛ ولا يمتنع الخبر من هذا التأويل، وهو أشبه بالصواب‏.‏

قوله تعالى‏{‏رقبة‏}‏ قال أصبغ‏:‏ الرقبة الكافرة ذات الثمن أفضل في العتق من الرقبة المؤمنة القليلة الثمن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل أي الرقاب أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏[‏أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها‏]‏‏.‏ ابن العربي‏:‏ والمراد في هذا الحديث‏:‏ من المسلمين؛ بدليل قوله عليه السلام‏:‏ ‏[‏من أعتق امرأ مسلما‏]‏ و‏[‏من أعتق رقبة مؤمنة‏]‏‏.‏ وما ذكره أصبغ وهلة؛ وإنما نظر إلى تنقيص المال، والنظر إلى تجريد المعتق للعبادة، وتفريغه للتوحيد، أولى‏.‏

العتق والصدقة من أفضل الأعمال‏.‏ وعن أبي حنيفة‏:‏ أن العتق أفضل من الصدقة‏.‏ وعند صاحبيه الصدقة أفضل‏.‏ والآية أدل على قول أبي حنيفة؛ لتقديم العتق على الصدقة‏.‏ وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة‏:‏ أيضعه في ذي قرابة أو يعتق رقبة‏؟‏ قال‏:‏ الرقبة أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏[‏من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا من النار‏]‏‏.‏

الآية رقم ‏(‏14 ‏:‏ 16‏)‏

‏{‏أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة‏}‏

قوله تعالى‏{‏أو إطعام في يوم ذي مسغبة‏}‏ أي مجاعة‏.‏ والسغب‏:‏ الجوع‏.‏ والساغب الجائع‏.‏ وقرأ الحسن ‏{‏أو إطعام في يوم ذا مسغبة‏}‏ بالألف في ‏{‏ذا‏}‏ - وأنشد أبو عبيدة‏:‏

فلو كنت جارا يا ابن قيس بن عاصم لما بت شبعانا وجارك ساغبا

وإطعام الطعام فضيلة، وهو مع السغب الذي هو الجوع أفضل‏.‏ وقال النخعي في قوله تعالى‏{‏أو إطعام في يوم ذي مسغبة‏}‏ قال‏:‏ في يوم عزيز فيه الطعام‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏[‏من موجبات الرحمة إطعام المسلم السغبان‏]‏‏.‏ ‏{‏يتيما ذا مقربة‏}‏ أي قرابة‏.‏ يقال‏:‏ فلان ذو قرابتي وذو مقربتي‏.‏ يعلمك أن الصدقة على القرابة أفضل منها على غير القرابة، كما أن الصدقة على اليتيم الذي لا كافل له أفضل من الصدقة على اليتيم الذي يجد من يكفله‏.‏ وأهل اللغة يقولون‏:‏ سمي يتيما لضعفه‏.‏ يقال‏:‏ يتم الرجل يتما‏:‏ إذا ضعف‏.‏ وذكروا أن اليتيم في الناس من قبل الأب‏.‏ وفي البهائم من قبل الأمهات‏.‏ وقد مضى في سورة البقرة مستوفى، وقال بعض أهل اللغة‏:‏ اليتيم الذي يموت أبواه‏.‏ وقال قيس بن الملوح‏:‏

إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا إلى الله فقد الوالدين يتيم

قوله تعالى‏{‏أو مسكينا ذا متربة‏}‏ أي لا شيء له، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر، ليس له مأوى إلا التراب‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ هو المطروح على الطريق، الذي لا بيت له‏.‏ مجاهد‏:‏ هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره‏.‏ وقال قتادة‏:‏ إنه ذو العيال‏.‏ عكرمة‏:‏ المديون‏.‏ أبو سنان‏:‏ ذو الزمانة‏.‏ ابن جبير‏:‏ الذي ليس له أحد‏.‏ وروى عكرمة عن ابن عباس‏:‏ ذو المتربة البعيد التربة؛ يعني الغريب البعيد عن وطنه‏.‏ وقال أبو حامد الخارزنجي‏:‏ المتربة هنا‏:‏ من التريب؛ وهي شدة الحال‏.‏ يقال ترب‏:‏ إذا افتقر‏.‏ قال الهذلي‏:‏

وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا سفكنا دماء البدن في تربة الحال

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي‏{‏فكَ‏}‏ بفتح الكاف، على الفعل الماضي‏.‏ ‏{‏رقبة‏}‏ نصبا لكونها مفعولا ‏{‏أو أَطعم‏}‏ بفتح الهمزة نصب الميم، من غير ألف، على الفعل الماضي أيضا؛ لقوله‏{‏ثم كان من الذين آمنوا‏}‏ فهذا أشكل بـ ‏{‏فك وأطعم‏}‏‏.‏ وقرأ الباقون‏{‏فك‏}‏ رفعا، على أنه مصدر فككت‏.‏ ‏{‏رقبة‏}‏ خفض بالإضافة‏.‏ ‏{‏أو إطعام‏}‏ بكسر الهمزة وألف ورفع الميم وتنوينها على المصدر أيضا‏.‏ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأنه تفسير لقوله تعالى‏{‏وما أدراك ما العقبة‏}‏‏؟‏ ثم أخبره فقال‏{‏فك رقبة أو إطعام‏}‏‏.‏ المعنى‏:‏ اقتحام العقبة‏:‏ فك رقبة أو إطعام‏.‏ ومن قرأ بالنصب فهو محمول على المعنى؛ أي ولا فك رقبة، ولا أطعم في يوم ذا مسغبة؛ فكيف يجاوز العقبة‏.‏ وقرأ الحسن وأبو رجاء‏{‏ذا مسغبة‏}‏ بالنصب على أنه مفعول ‏{‏إطعام‏}‏ أي يطعمون ذا مسغبة و‏{‏يتيما‏}‏ بدل منه‏.‏ الباقون ‏{‏ذي مسغبة‏}‏ فهو صفة لـ ‏{‏يوم‏}‏‏.‏ ويجوز أن يكون قراءة النصب صفة لموضع الجار والمجرور لأن قوله‏{‏في يوم‏}‏ ظرف منصوب الموضع، فيكون وصفا له على المعنى دون اللفظ‏.‏

الآية رقم ‏(‏17 ‏:‏ 20‏)‏

‏{‏ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، أولئك أصحاب الميمنة، والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة، عليهم نار مؤصدة‏}‏

قوله تعالى‏{‏ثم كان من الذين آمنوا‏}‏ يعني‏:‏ أنه لا يقتحم العقبة من فك رقبة، أو أطعم في يوم ذا مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا؛ أي صدقوا، فإن شرط قبول الطاعات الإيمان بالله‏.‏ فالإيمان بالله بعد الإنفاق لا ينفع، بل يجب أن تكون الطاعة مصحوبة بالإيمان، قال الله تعالى في المنافقين‏{‏وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله‏}‏‏.‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 54‏]‏‏.‏ وقالت عائشة‏:‏ يا رسول الله، إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم الطعام، ويفك العاني، ويعتق الرقاب، ويحمل على إبله لله، فعل ينفعه ذلك شيئا‏؟‏ قال‏:‏ ‏[‏لا، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين‏]‏‏.‏ وقيل‏{‏ثم كان من الذين آمنوا‏}‏ أي فعل هذه الأشياء وهو مؤمن، ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة؛ نظيره قوله تعالى‏{‏وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى‏}‏طه‏:‏ 82‏‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ثم كان من الذين يؤمنون بأن هذا نافع لهم عند الله تعالى‏.‏ وقيل‏:‏ أتى بهذه القرب لوجه الله، ثم أمن بمحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقد قال حكيم بن حزام بعدما أسلم، يا رسول الله، إنا كنا نتحنث بأعمال في الجاهلية، فهل لنا منها شيء‏؟‏ فقال عليه السلام‏:‏ ‏[‏أسلمت على ما أسلفت من الخير‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ إن ‏{‏ثم‏}‏ بمعنى الواو؛ أي وكان هذا المعتق الرقبة، والمطعم في المسغبة، من الذين أمنوا‏.‏ ‏{‏وتواصوا‏}‏ أي أوصى بعضهم بعضا‏.‏ ‏{‏بالصبر‏}‏ أي بالصبر على طاعة الله، وعن معاصيه؛ وعلى ما أصابهم من البلاء والمصايب‏.‏ ‏{‏وتواصوا بالمرحمة‏}‏ بالرحمة على الخلق؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين‏.‏

قوله تعالى‏{‏أولئك أصحاب الميمنة‏}‏ أي الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم؛ قال محمد بن كعب القرظي وغيره‏.‏ وقال يحيى بن سلام‏:‏ لأنهم ميامين على أنفسهم‏.‏ ابن زيد‏:‏ لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن‏.‏ وقيل‏:‏ لأن منزلتهم عن اليمين؛ قاله ميمون بن مهران‏.‏ ‏{‏والذين كفروا بآياتنا‏}‏ أي كفروا بالقرآن‏.‏ ‏{‏هم أصحاب المشأمة‏}‏ أي يأخذون كتبهم بشمائلهم؛ قال محمد بن كعب‏.‏ يحيى بن سلام‏:‏ لأنهم مشائيم على أنفسهم‏.‏ ابن زيد‏:‏ لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر‏.‏ ميمون‏:‏ لأن منزلتهم عن اليسار‏.‏

قلت‏:‏ ويجمع هذه الأقوال أن يقال‏:‏ إن أصحاب الميمنة أصحاب الجنة، وأصحاب المشأمة أصحاب النار؛ قال الله تعالى‏{‏وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، في سدر مخضود‏}‏، وقال‏{‏وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال‏.‏ في سموم وحميم‏}‏الواقعة‏:‏42‏‏.‏ وما كان مثله‏.‏ ومعنى ‏{‏مؤصدة‏}‏ أي مطبقة مغلقة‏.‏ قال‏:‏

تحن إلى جبال مكة ناقتي ومن دونها أبواب صنعاء مؤصده

وقيل‏:‏ مبهمة، لا يدري ما داخلها‏.‏ وأهل اللغة يقولون‏:‏ أوصدت الباب وأصدته؛ أي أغلقته‏.‏ فمن قال أوصدت، فالاسم الوصاد، ومن قال آصدته، فالاسم الإصاد‏.‏ وقرأ أبو عمرو وحفص وحمزة ويعقوب والشيزري عن الكسائي ‏{‏موصدة‏}‏ بالهمز هنا، وفي ‏{‏الهمزة‏}‏‏.‏ الباقون بلا همز‏.‏ وهما لغتان‏.‏ وعن أبي بكر بن عياش قال‏:‏ لنا إمام يهمز ‏{‏مؤصدة‏}‏ فأشتهي أن أسد أذني إذا سمعته
 
سورة الشمس

الآية رقم ‏(‏1‏)‏

‏{‏والشمس وضحاها‏}‏

قال مجاهد‏{‏وضحاها‏}‏ أي ضوءها وإشراقها‏.‏ وهو قسم ثان‏.‏ وأضاف الضحى إلى الشمس، لأنه إنما يكون بارتفاع الشمس‏.‏ وقال قتادة‏:‏ بهاؤها‏.‏ السدي‏:‏ حرها‏.‏ وروى الضحاك عن ابن عباس‏{‏وضحاها‏}‏ قال‏:‏ جعل فيها الضوء وجعلها حارة‏.‏ وقال اليزيدي‏:‏ هو انبساطها‏.‏ وقيل‏:‏ ما ظهر بها من كل مخلوق؛ فيكون القسم بها وبمخلوقات الأرض كلها‏.‏ حكاه الماوردي والضحا‏:‏ مؤنثة‏.‏ يقال‏:‏ ارتفعت الضحا، وهي فوق الضحو‏.‏ وقد تذكر‏.‏ فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة‏.‏ ومن ذكر ذهب إلى أنه اسم على فعل، نحو صرد ونغر‏.‏ وهو ظرف غير متمكن مثل سحر‏.‏ تقول‏:‏ لقيته ضحا وضحا؛ إذا أردت به ضحا يومك لم تنونه‏.‏ وقال الفراء‏:‏ الضحا هو النهار؛ كقول قتادة‏.‏ والمعروف عند العرب أن الضحا‏:‏ النهار كله، فذلك لدوام نور الشمس، ومن قال‏:‏ إنه نور الشمس أو حرها، فنور الشمس لا يكون إلا مع حر الشمس‏.‏ وقد استدل من قال‏:‏ إن الضحى حر الشمس بقوله تعالى‏{‏ولا تضحى‏}‏طه‏:‏ 119‏ أي لا يؤذيك الحر‏.‏ وقال المبرد‏:‏ أصل الضحا من الضح، وهو نور الشمس، والألف مقلوبة من الحاء الثانية‏.‏ تقول‏{‏ضحوة وضحوات، وضحوات وضحا، فالواو من ضحوة مقلوبة عن الحاء الثانية، والألف في ضحا مقلوبة عن الواو‏.‏ وقال أبو الهيثم‏:‏ الضح‏:‏ نقيض الظل، وهو نور الشمس على وجه الأرض، وأصله الضحا فاستثقلوا الياء مع سكون الحاء، فقلبوها ألفا‏.‏

الآية رقم ‏(‏2‏)‏

‏{‏والقمر إذا تلاها‏}‏

أي تبعها‏:‏ وذلك إذا سقطت رؤي الهلال‏.‏ يقال‏:‏ تلوت فلانا‏:‏ إذا تبعته‏.‏ قال قتادة‏:‏ إنما ذلك ليلة الهلال، إذا سقطت الشمس رؤي الهلال‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر، تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر يتلوها بالغروب‏.‏ القراء‏{‏تلاها‏}‏‏:‏ أخذ منها، يذهب إلى أن القمر يأخذ من ضوء الشمس‏.‏ وقال قوم‏{‏والقمر إذا تلاها‏}‏ حين استوى واستدار، فكان مثلها في الضياء والنور؛ وقاله الزجاج‏.‏

الآية رقم ‏(‏3‏)‏

‏{‏والنهار إذا جلاها‏}‏

أي كشفها‏.‏ فقال قوم‏:‏ جلى الظلمة؛ وإن لم يجر لها ذكر؛ كما تقول‏:‏ أضحت باردة، تريد أضحت غداتنا باردة‏.‏ وهذا قول الفراء والكلبي وغيرهما‏.‏ وقال قوم‏:‏ الضمير في ‏{‏جلاها‏}‏ للشمس؛ والمعنى‏:‏ أنه يبين بضوئه جرمها‏.‏ ومنه قول قيس بن الخطيم‏:‏

تجلت لنا كالشمس تحت غمامة بدا حاجب منها وضنت بحاجب

وقيل‏:‏ جلى ما في الأرض من حيوانها حتى ظهر، لاستتاره ليلا وانتشاره نهارا‏.‏ وقيل‏:‏ جلى الدنيا‏.‏ وقيل‏:‏ جلى الأرض؛ وإن لم يجر لها ذكر؛ ومثله قوله تعالى‏{‏حتى توارت بالحجاب‏}‏ص‏:‏ 32‏‏ على ما تقدم آنفا‏.‏

ا لآية رقم ‏(‏4‏)‏

‏{‏والليل إذا يغشاها‏}‏

أي يغشى الشمس، فيذهب بضوئها عند سقوطها؛ قال مجاهد وغيره‏.‏ وقيل‏:‏ يغشى الدنيا بالظلم، فتظلم الآفاق‏.‏ فالكناية ترجع إلى غير مذكور‏.‏

الآية رقم ‏(‏5‏)‏

‏{‏والسماء وما بناها‏}‏

أي وبنيانها‏.‏ فما مصدرية؛ كما قال‏{‏بما غفر لي ربي‏}‏ يس‏:‏ 27 أي بغفران ربي؛ قاله قتادة، واختاره المبرد‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ومن بناها؛ قاله الحسن ومجاهد؛ وهو اختيار الطبري‏.‏ أي ومن خلقها ورفعها، وهو الله تعالى‏.‏ وحكي عن أهل الحجاز‏:‏ سبحان ما سبحت له؛ أي سبحان من سبحت له‏.‏

الآية رقم ‏(‏6‏)‏

‏{‏والأرض وما طحاها‏}‏

أي وطحوها‏.‏ وقيل‏:‏ ومن طحاها؛ على ما ذكرناه آنفا‏.‏ أي بسطها؛ كذا قال عامة المفسرين؛ مثل دحاها‏.‏ قال الحسن ومجاهد وغيرهما‏:‏ طحاها ودحاها‏:‏ واحد؛ أي بسطها من كل جانب‏.‏ والطحو‏:‏ البسط؛ طحا يطحو طحوا، وطحى يطحي طحيا، وطحيت‏:‏ اضطجعت؛ عن أبي عمرو‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ طحاها‏:‏ قسمها‏.‏ وقيل‏:‏ خلقها؛ قال الشاعر‏:‏

وما تدري جذيمة من طحاها ولا من ساكن العرش الرفيع

الماوردي‏:‏ ويحتمل أنه ما خرج منها من نبات وعيون وكنوز؛ لأنه حياة لما خلق عليها‏.‏ ويقال في بعض أيمان العرب‏:‏ لا، والقمر الطاحي؛ أي المشرف المشرق المرتفع‏.‏ قال أبو عمرو‏:‏ طحا الرجل‏:‏ إذا ذهب في الأرض‏.‏ يقال‏:‏ ما أدري أين طحا‏!‏ ويقال‏:‏ طحا به قلبه‏:‏ إذا ذهب به في كل شيء‏.‏ قال علقمة‏:‏

طحا بك قلب في الحسان طروب بعيد الشباب عصر حان مشيب

الآية رقم ‏(‏7‏)‏

‏{‏ونفس وما سواها‏}‏

قيل‏:‏ المعنى وتسويتها‏.‏ ‏{‏فما‏}‏‏:‏ بمعنى المصدر‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى ومن سواها، وهو الله عز وجل‏.‏ وفي النفس قولان‏:‏ أحدهما آدم‏.‏ الثاني‏:‏ كل نفس منفوسة‏.‏ وسوى‏:‏ بمعنى هيأ‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ سواها‏:‏ سوى خلقها وعدل‏.‏ وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم‏.‏ أقسم جل ثناؤه بخلقه لما فيه من عجائب الصنعة الدالة عليه‏.‏

الآية رقم ‏(‏8‏)‏

‏{‏فألهمها فجورها وتقواها‏}‏

قوله تعالى‏{‏فألهمها‏}‏ أي عرفها؛ كذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد‏.‏ أي عرفها طريق الفجور والتقوى؛ وقال ابن عباس‏.‏ وعن مجاهد أيضا‏:‏ عرفها الطاعة والمعصية‏.‏ وعن محمد بن كعب قال‏:‏ إذا أراد الله عز وجل بعبده خيرا، ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به السوء، ألهمه الشر فعمل به‏.‏ وقال الفراء‏{‏فألهمها‏}‏ قال‏:‏ عرفها طريق الخير وطريق الشر؛ كما قال‏{‏وهديناه النجدين‏}‏البلد‏:‏ 10‏.‏ وروى الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ ألهم المؤمن المتقي تقواه، وألهم الفاجر فجوره‏.‏ وعن سعيد عن قتادة قال‏:‏ بين لها فجورها وتقواها‏.‏ والمعنى متقارب‏.‏ وروي عن أبي هريرة قال‏:‏ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏فألهمها فجورها وتقواها‏}‏ قال‏:‏ ‏[‏اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها‏]‏‏.‏ ورواه جويبر عن الضحاك عن ابن عباس‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية‏{‏فالهمها فجورها وتقواها‏}‏ رفع صوته بها، وقال‏:‏ ‏[‏اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وأنت خير من زكاها‏]‏‏.‏ وفي صحيح مسلم، عن أبي الأسود الدؤلي قال‏:‏ قال لي عمران بن حصين‏:‏ أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قضي ومضى عليهم من قدر سبق، أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم‏؟‏ فقلت‏:‏ بل شيء قضي عليهم، ومضى عليهم‏.‏ قال فقال‏:‏ أفلا يكون ظلما‏؟‏ قال‏:‏ ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت‏:‏ كل شيء خلق الله وملك يده، فلا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون‏.‏ فقال لي‏:‏ يرحمك الله إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزر عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا‏:‏ يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه‏:‏ أشيء قضي عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم‏.‏ وثبتت الحجة عليهم‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏لا بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم‏.‏ وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل‏{‏ونفس وما سواها‏.‏ فألهمها فجورها وتقواها‏}‏‏)‏‏.‏ والفجور والتقوى‏:‏ مصدران في موضع المفعول به‏.‏

الآية رقم ‏(‏9 ‏:‏ 10‏)‏

‏{‏قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها‏}‏

قوله تعالى‏{‏قد أفلح من زكاها‏}‏ هذا جواب القسم، بمعنى‏:‏ لقد أفلح‏.‏ قال الزجاج‏:‏ اللام حذفت، لأن الكلام طال، فصار طول عوضا منها‏.‏ وقيل‏:‏ الجواب محذوف؛ أي والشمس وكذا وكذا لتبعثن‏.‏ الزمخشري‏:‏ تقديره ليدمدمن الله عليهم؛ أي على أهل مكة، لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دمدم على ثمود؛ لأنهم كذبوا صالحا‏.‏ وأما ‏{‏قد أفلح من زكاها‏}‏ فكلام تابع لأوله؛ لقوله‏{‏فألهمها فجورها وتقواها‏}‏ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء‏.‏ وقيل‏:‏ هو على التقديم والتأخير بغير حذف؛ والمعنى‏:‏ قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، والشمس وضحاها‏.‏ ‏{‏أفلح‏}‏ فاز‏.‏ ‏{‏من زكاها‏}‏ أي من زكى الله نفسه بالطاعة‏.‏ ‏{‏وقد خاب من دساها‏}‏ أي خسرت نفس دسها الله عز وجل بالمعصية‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ خابت نفس أضلها وأغواها‏.‏ وقيل‏:‏ أفلح من زكى نفسه بطاعة الله، وصالح الأعمال، وخاب من دس نفسه في المعاصي؛ قال قتادة وغيره‏.‏ وأصل الزكاة‏:‏ النمو والزيادة، ومنه زكا الزرع‏:‏ إذا كثر ريعه، ومنه تزكية القاضي للشاهد؛ لأنه يرفعه بالتعديل، وذكر الجميل‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى في أول سورة البقرة مستوفى‏.‏ فمصطنع المعروف والمبادر إلى أعمال البر، شهر نفسه ورفعها‏.‏ وكانت أجواد العرب تنزل الربا وارتفاع الأرض، ليشتهر مكانها للمعتفين، وتوقد النار في الليل للطارقين‏.‏ وكانت اللئام تنزل الأولاج والأطراف والأهضام، ليخفى مكانها عن الطالبين‏.‏ فأولئك علوا أنفسهم وزكوها، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها‏.‏ وكذا الفاجر أبدا خفي المكان، زمر المروءة غامض الشخص، ناكس الرأس بركوب المعاصي‏.‏ وقيل‏:‏ دساها‏:‏ أغواها‏.‏ قال‏:‏

وأنت الذي دسيت عمرا فأصبحت حلائله منه أرامل ضيعا

قال أهل اللغة‏:‏ والأصل‏:‏ دسسها، من التدسيس، وهو إخفاء الشيء، فأبدلت سينه ياء؛ كما يقال‏:‏ قصيت أظفاري؛ وأصله قصصت أظفاري‏.‏ ومثله قولهم في تقضض‏:‏ تقضي‏.‏ وقال ابن الأعرابي‏{‏وقد خاب من دساها‏}‏ أي دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم‏.‏

الآية رقم ‏(‏11 ‏:‏ 14‏)‏

‏{‏كذبت ثمود بطغواها، إذ انبعث أشقاها، فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها، فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها‏}‏

قوله تعالى‏{‏كذبت ثمود بطغواها‏}‏ أي بطغيانها، وهو خروجها عن الحد في العصيان؛ قاله مجاهد وقتادة وغيرهما‏.‏ وعن ابن عباس ‏{‏بطغواها‏}‏ أي بعذابها الذي وعدت به‏.‏ قال‏:‏ وكان اسم العذاب الذي جاءها الطغوي؛ لأنه طغى عليهم‏.‏ وقال محمد بن كعب‏{‏بطغواها‏}‏ بأجمعها‏.‏ وقيل‏:‏ هو مصدر، وخرج على هذا المخرج، لأنه أشكل برؤوس الآي‏.‏ وقيل‏:‏ الأصل بطغياها، إلا أن ‏{‏فعلى‏}‏ إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم واوا، ليفصل بين الاسم والوصف‏.‏ وقراءة العامة بفتح الطاء‏.‏ وقرأ الحسن والجحدري وحماد بن سلمة ‏(‏بضم الطاء‏)‏ على أنه مصدر؛ كالرجعي والحسني وشبههما في المصادر‏.‏ وقيل‏:‏ هما لغتان‏.‏ ‏{‏إذ انبعث‏}‏ أي نهض‏.‏ ‏{‏أشقاها‏}‏ لعقر الناقة‏.‏ واسمه قدار بن سالف‏.‏ وقد مضى في الأعراف بيان هذا، وهل كان واحدا أو جماعة‏.‏ وفي البخاري عن عبدالله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وذكر الناقة والذي عقرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏أتدري من أشقى الأولين‏]‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ‏[‏قاتلك‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏فقال لهم رسول الله‏}‏ يعني صالحا‏.‏ ‏{‏ناقة الله‏}‏ ‏{‏ناقة‏}‏ منصوب على التحذير؛ كقولك‏:‏ الأسد الأسد، والصبي الصبي، والحذار الحذار‏.‏ أي احذروا ناقة الله؛ أي عقرها‏.‏ وقيل‏:‏ ذروا ناقة الله، كما قال‏{‏هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم‏}‏‏.‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 73‏]‏‏.‏ ‏{‏وسقياها‏}‏ أي ذروها وشربها‏.‏ وقد مضى في سورة الشعراء بيانه والحمد لله‏.‏ وأيضا في سورة ‏{‏اقتربت الساعة‏}‏القمر‏:‏ 1‏‏.‏ فإنهم لما اقترحوا الناقة، وأخرجها لهم من الصخرة، جعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم مكان ذلك، فشق ذلك عليهم‏.‏ ‏{‏فكذبوه‏}‏ أي كذبوا صالحا عليه السلام في قوله لهم‏:‏ ‏[‏إنكم تعذبون إن عقرتموها‏]‏‏.‏ ‏{‏فعقروها‏}‏ أي عقرها الأشقى‏.‏ وأضيف إلى الكل، لأنهم رضوا بفعله‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ذكر لنا أنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم‏.‏ وقال الفراء‏:‏ عقرها اثنان‏:‏ والعرب تقول‏:‏ هذان أفضل الناس، وهذان خير الناس، وهذه المرأة أشقى القوم؛ فلهذا لم يقل‏:‏ أشقياها‏.‏

قوله تعالى‏{‏فدمدم عليهم ربهم بذنبهم‏}‏ أي أهلكهم وأطبق عليهم العذاب بذنبهم الذي هو الكفر والتكذيب والعقر‏.‏ وروى الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ دمدم عليهم قال‏:‏ دمر عليهم ربهم بذنبهم؛ أي بجرمهم‏.‏ وقال الفراء‏:‏ دمدم أي أرجف‏.‏ وحقيقة الدمدمة تضعيف العذاب وترديده‏.‏ ويقال‏:‏ دممت على الشيء أي أطبقت عليه، ودمم عليه القبر‏:‏ أطبقه‏.‏ وناقة مدومة‏:‏ ألبسها الشحم‏.‏ فإذا كررت الإطباق قلت‏:‏ دمدمت‏.‏ والدمدمة‏:‏ إهلاك باستئصال؛ قاله المؤرج‏.‏ وفي الصحاح‏:‏ ودمدمت الشيء‏:‏ إذا ألزقته بالأرض وطحطحته‏.‏ ودمدم الله عليهم‏:‏ أي أهلكهم‏.‏ القشيري‏:‏ وقيل دمدمت على الميت التراب‏:‏ أي سويت عليه‏.‏ فقوله‏{‏فدمدم عليهم‏}‏ أي أهلكهم، فجعلهم تحت التراب‏.‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ دمدم أي غضب‏.‏ والدمدمة‏:‏ الكلام الذي يزعج الرجل‏.‏ وقال بعض اللغويين‏:‏ الدمدمة‏:‏ الإدامة؛ تقول العرب‏:‏ ناقة مدمدمة أي سمينة‏.‏ ‏{‏فسواها‏}‏ أي سوى عليهم الأرض‏.‏ وعلى الأول ‏{‏فسواها‏}‏ أي فسوى الدمدمة والإهلاك عليهم‏.‏ وذلك أن الصيحة أهلكتهم، فأتت على صغيرهم وكبيرهم‏.‏ وقيل‏{‏فسواها‏}‏ أي فسوى الأمة في إنزال العذاب بهم، صغيرهم وكبيرهم، وضيعهم وشريفهم، وذكرهم وأنثاهم‏.‏ وقرأ ابن الزبير ‏{‏فدمدم‏}‏ وهما، لغتان؛ كما يقال‏:‏ امتقع لونه وانتقع‏.‏

الآية رقم ‏(‏15‏)‏

‏{‏ولا يخاف عقباها‏}‏

أي فعل الله ذلك بهم غير خائف أن تلحقه تبعة الدمدمة من أحد؛ قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد‏.‏ والهاء في ‏{‏عقباها‏}‏ ترجع إلى الفعلة؛ كقوله‏:‏ ‏(‏من اغتسل يوم الجمعة فبها ونعمت‏)‏ أي بالفعلة والخصلة‏.‏ قال السدي والضحاك والكلبي‏:‏ ترجع إلى العاقر؛ أي لم يخف الذي عقرها عقبى ما صنع‏.‏ وقال ابن عباس أيضا‏.‏ وفي الكلام تقديم وتأخير، مجازه‏:‏ إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها‏.‏ وقيل‏:‏ لا يخاف رسول الله صالح عاقبة إهلاك قومه، ولا يخشى ضررا يعود عليه من عذابهم؛ لأنه قد أنذرهم، ونجاه الله تعالى حين أهلكهم‏.‏ وقرأ نافع وابن عامر ‏{‏فلا‏}‏ بالفاء، وهو الأجود؛ لأنه يرجع إلى المعنى الأول؛ أي فلا يخاف الله عاقبة إهلاكهم‏.‏ والباقون بالواو، وهي أشبه بالمعنى الثاني؛ أي ولا يخاف الكافر عاقبة ما صنع‏.‏ وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قالا‏:‏ أخرج إلينا مالك مصحفا لجده، وزعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان حين كتب المصاحف، وفيه‏{‏ولا يخاف‏}‏ بالواو‏.‏ وكذا هي في في مصاحف أهل مكة والعراقيين بالواو، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، اتباعا لمصحفهم‏.‏
 
سورة الليل
الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 4‏)‏

‏{‏والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، وما خلق الذكر والأنثى، إن سعيكم لشتى‏}‏

قوله تعالى‏{‏والليل إذا يغشى‏}‏ أي يُغطي‏.‏ ولم يذكر معه مفعولا للعلم به‏.‏ وقيل‏:‏ يغشى النهار‏.‏ وقيل‏:‏ الأرض‏.‏ وقيل‏:‏ الخلائق‏.‏ وقيل‏:‏ يغشى كل شيء بظلمته‏.‏ وروى سعيد عن قتادة قال‏:‏ أول ما خلق اللّه النور والظلمة، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما، والنور نهارا مضيئا مبصرا‏.‏ ‏{‏والنهار إذا تجلى‏}‏ أي إذا انكشف ووضح وظهر، وبان بضوئه عن ظلمة الليل‏.‏ ‏{‏وما خلق الذكر والأنثى‏}‏ قال الحسن‏:‏ معناه والذي خلق الذكر والأنثى؛ فيكون قد أقسم بنفسه عز وجل‏.‏ وقيل‏:‏ معناه وخلق الذكر والأنثى؛ فما‏:‏ مصدرية على ما تقدم‏.‏ وأهل مكة يقولون للرعد‏:‏ سبحان ما سبحت له فما على هذا بمعنى من، وهو قول أبي عبيدة وغيره‏.‏ وقد تقدم‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى وما خلق من الذكر والأنثى؛ فتكون ‏{‏من‏}‏ مضمرة، ويكون القسم منه بأهل طاعته، من أنبيائه وأوليائه، ويكون قسمه بهم تكرمة لهم وتشريفا‏.‏ وقال أبو عبيدة‏{‏وما خلق‏}‏ أي من خلق‏.‏ وكذا قوله‏{‏والسماء وما بناها‏}‏الشمس‏:‏ 5‏‏، ‏{‏ونفس وما سواها‏}‏الشمس‏:‏ 7‏‏، ‏{‏ما‏}‏ في هذه المواضع بمعنى من‏.‏ وروي‏.‏ ابن مسعود أنه كان يقرأ ‏{‏والنهار إذا تجلى‏.‏ والذكر والأنثى‏{‏ ويسقط ‏}‏وما خلق ‏"‏ وففي صحيح مسلم عن علقمة‏"‏ قال‏:‏ قدمنا الشام، فأتانا أبو الدرداء، فقال‏:‏ فيكم أحد يقرأ عليّ قراءة عبدالله‏؟‏ فقلت‏:‏ نعم، أنا‏.‏ قال‏:‏ فكيف سمعت عبدالله يقرأ هذه الآية ‏{‏والليل إذا يغشى‏}‏‏؟‏ قال‏:‏ سمعته يقرأ ‏{‏والليل إذا يغشى‏.‏ والذكر والأنثى‏}‏ قال‏:‏ وأنا واللّه هكذا سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ ‏{‏وما خلق‏}‏ فلا أتابعهم‏.‏

قال أبو بكر الأنباري‏:‏ وحدثنا محمد بن يحيى المروزي قال حدثنا محمد قال‏:‏ حدثنا أبو أحمد الزبيري قال‏:‏ حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن يزيد عن عبدالله قال‏:‏ أقرأني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏{‏إني أنا الرازق ذو القوة المتين‏}‏؛ قال أبو بكر‏:‏ كل من هذين الحديثين مردود؛ بخلاف الإجماع له، وأن حمزة وعاصما يرويان عن عبدالله بن مسعود ما عليه جماعة المسلمين، والبناء على سندين يوافقان الإجماع أولى من الأخذ بواحد يخالفه الإجماع والأمة، وما يبني على رواية واحد إذا حاذاه رواية جماعة تخالفه، أخذ برواية الجماعة، وأبطل نقل الواحد؛ لما يجوز عليه من النسيان والإغفال‏.‏ ولو صح الحديث عن أبي الدرداء وكان إسناده مقبولا معروفا، ثم كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة رضي اللّه عنهم يخالفونه، لكان الحكم العمل بما روته الجماعة، ورفض ما يحكيه الواحد المنفرد، الذي يسرع إليه من النسيان ما لا يسرع إلى الجماعة، وجميع أهل الملة‏.‏

وفي المراد بالذكر والأنثى قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ آدم وحواء؛ قاله ابن عباس والحسن والكلبي‏.‏ الثاني‏:‏ يعني جميع الذكور والإناث من بني آدم والبهائم؛ لأن اللّه تعالى خلق جميعهم من ذكر وأنثى من نوعهم‏.‏ وقيل‏:‏ كل ذكر وأنثى من الآدميين دون البهائم لاختصاصهم بولاية اللّه وطاعته‏.‏ ‏{‏إن سعيكم لشتى‏}‏ هذا جواب القسم‏.‏ والمعنى‏:‏ إن عملكم لمختلف‏.‏ وقال عكرمة وسائر المفسرين‏:‏ السعي‏:‏ العمل؛ فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها؛ يدل عليه قوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏الناس غاديان‏:‏ فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها‏)‏‏.‏ وشتى‏:‏ واحده شتيت؛ مثل مريض ومرضى‏.‏ وإنما قيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعضه‏.‏ أي إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض؛ لأن بعضه ضلالة وبعضه هدى‏.‏ أي فمنكم مؤمن وبر، وكافر وفاجر، ومطيع وعاص‏.‏ وقيل‏{‏لشتى‏}‏ أي لمختلف الجزاء؛ فمنكم مثاب بالجنة، ومعاقب بالنار‏.‏ وقيل‏:‏ أي لمختلف الأخلاق؛ فمنكم راحم وقاس، وحليم وطائش، وجواد وبخيل؛ وشبه ذلك‏.‏

الآية رقم ‏(‏5 ‏:‏ 10‏)‏

‏{‏فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى‏}‏

قوله تعالى‏{‏فأما من أعطى واتقى‏}‏ قال ابن مسعود‏:‏ يعني أبا بكر رضي اللّه عنه؛ وقال عامة المفسرين‏.‏ فروى عن عامر بن عبدالله بن الزبير قال‏:‏ كان أبو بكر يعتق على الإسلام عجائز ونساء، قال‏:‏ فقال له أبوه قحافة‏:‏ أي بني لو أنك أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون معك‏؟‏ فقال‏:‏ يا أبت إنما أريد ما أريد‏.‏ وعن ابن عباس في قوله تعالى‏{‏فأما من أعطى‏}‏ أي بذل‏.‏ ‏{‏واتقى‏}‏ أي محارم اللّه التي نهى عنها‏.‏ ‏{‏وصدق بالحسنى‏}‏ أي بالخلف من اللّه تعالى على عطائه‏.‏ ‏{‏فسنيسره لليسرى‏}‏‏"‏ وففي صحيح مسلم عن أبي هريرة‏"‏ قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما‏:‏ اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا‏)‏‏.‏ وروي من حديث أبي الدرداء‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ما من يوم غربت شمسه إلا بعث بجنبتها ملكان يناديان يسمعهما خلق اللّه كلهم إلا الثقلين‏:‏ اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا‏)‏ فأنزل اللّه تعالى في ذلك في القرآن ‏{‏فأما من أعطى‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ الآيات‏.‏ وقال أهل التفسير‏{‏فأما من أعطى‏}‏ المعسرين‏.‏ وقال قتاده‏:‏ أعطى حق اللّه تعالى الذي عليه‏.‏ وقال الحسن‏:‏ أعطى الصدق من قلبه‏.‏ ‏{‏وصدق بالحسنى‏}‏ أي بلا إله إلا اللّه؛ قاله الضحاك والسلمي وابن عباس أيضا‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ بالجنة؛ دليله قوله تعالى‏{‏للذين أحسنوا الحسنى وزيادة‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ ‏[‏يونس‏:‏ 26‏]‏ الآية‏.‏ وقال قتادة‏:‏ بموعود اللّه الذي وعده أن يثيبه‏.‏ زيد بن أسلم‏:‏ بالصلاة والزكاة والصوم‏.‏ الحسن‏:‏ بالخلف من عطائه؛ وهو اختيار الطبري‏.‏ وتقدم عن ابن عباس، وكله متقارب المعنى؛ إذ كله يرجع إلى الثواب الذي هو الجنة‏.‏

قوله تعالى‏{‏فسنيسره لليسرى‏}‏ أي نرشده لأسباب الخير والصلاح، حتى يسهل عليه فعلها‏.‏ وقال زيد بن أسلم‏{‏لليسرى‏}‏ للجنة‏.‏ وفي الصحيحين والترمذي عن علي رضي اللّه عنه قال‏:‏ كنا في جنازة بالبقيع، فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم، فجلس وجلسنا معه، ومعه عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه إلى السماء فقال‏:‏ ‏[‏ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مدخلها‏]‏ فقال القوم‏:‏ يا رسول اللّه، أفلا نتكل على كتابنا‏؟‏ فمن كان من أهل السعادة فانه يعمل للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء‏.‏ قال‏:‏ ‏[‏بل اعملوا فكل ميسر؛ أما من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه ييسر لعمل الشقاء - ثم قرأ - ‏{‏فأما من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى‏}‏‏]‏ لفظ الترمذي‏.‏ وقال فيه‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ وسأل غلامان شابان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالا‏:‏ العمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير‏؟‏ أم في شيء يستأنف‏؟‏ فقال عليه السلام‏:‏ ‏[‏بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير‏]‏ قالا‏:‏ ففيم العمل‏؟‏ قال‏:‏ ‏[‏اعملوا، فكل ميسر لعمل الذي خلق له‏]‏ قالا‏:‏ فالآن نجد ونعمل‏.‏

قوله تعالى‏{‏وأما من بخل واستغنى‏}‏ أي ضن بما عنده، فلم يبذل خيرا‏.‏ وقد تقدم بيانه وثمرته في الدنيا في سورة آل عمران ‏.‏ وفي الآخرة مآله النار، كما في هذه الآية‏.‏ روى الضحاك عن ابن عباس ‏{‏فسنيسره للعسرى‏}‏ قال‏:‏ سوف أحول بينه وبين الإيمان باللّه وبرسوله‏.‏ وعنه عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت في أمية بن خلف وروى عكرمة عن ابن عباس‏{‏وأما من بخل واستغنى‏}‏ يقول‏:‏ بخل بماله، واستغنى ربه‏.‏ ‏{‏وكذب بالحسنى‏}‏ أي بالخلف‏.‏ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد‏{‏وكذب بالحسن‏}‏ قال‏:‏ بالجنة‏.‏ وبإسناد عنه آخر قال ‏{‏بالحسنى‏}‏ أي بلا إله إلا اللّه‏.‏ ‏{‏فسنيسره‏}‏ أي نسهل طريقه‏.‏‏.‏‏.‏ ‏{‏للعسرى‏}‏ أي للشر‏.‏ وعن ابن مسعود‏:‏ للنار‏.‏ وقيل‏:‏ أي فسنعسر عليه أسباب الخير والصلاح حتى يصعب عليه فعلها‏.‏ وقد تقدم أن الملك ينادي صباحا ومساء‏:‏ ‏[‏اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا‏]‏‏.‏ رواه أبو الدرداء‏.‏

مسألة‏:‏ قال العلماء‏:‏ ثبت بهذه الآية وبقوله‏{‏ومما رزقناهم ينفقون‏}‏البقرة‏:‏ 3‏‏، وقوله‏{‏الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية‏}‏البقرة‏:‏ 274‏‏ إلى غير ذلك من الآيات - أن الجود من مكارم الأخلاق، والبخل من أرذلها‏.‏ وليس الجواد الذي يعطي في غير موضع العطاء، ولا البخيل الذي يمنع في موضع المنع، لكن الجواد الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل الذي يمنع في موضع العطاء، فكل من استفاد بما يعطي أجرا وحمدا فهو الجواد‏.‏ وكل من استحق بالمنع ذما أو عقابا فهو البخيل‏.‏ ومن لم يستفد بالعطاء أجرا ولا حمدا، وإنما استوجب به ذما فليس بجواد، وإنما هو مسوف مذموم، وهو من المبذرين الذين جعلهم اللّه إخوان الشياطين، وأوجب الحجر عليهم‏.‏ ومن لم يستوجب بالمنع عقابا ولا ذما، واستوجب به حمدا، فهو من أهل الرشد، الذين يستحقون القيام على أموال غيرهم، بحسن تدبيرهم وسداد رأيهم‏.‏

قال الفراء‏:‏ يقول القائل‏:‏ كيف قال‏{‏فسنيسره للعسرى‏}‏‏؟‏ وهل في العسرى تيسير‏؟‏ فيقال في الجواب‏:‏ هذا في إجازته بمنزلة قوله عز وجل‏{‏فبشرهم بعذاب أليم‏}‏آل عمران‏:‏ 21‏‏، والبشارة في الأصل على المفرح والسار، فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر، جاءت البشارة فيهما‏.‏ وكذلك التيسير في الأصل على المفرح، فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر، جاء التيسير فيهما جميعا‏.‏ قال الفراء‏:‏ وقوله تعالى‏{‏فسنيسره‏}‏ ‏:‏ سنهيئه‏.‏ والعرب تقول‏:‏ قد يسرت الغنم‏:‏ إذا ولدت أو تهيأت للولادة‏.‏ قال‏:‏

هما سيدانا يزعمان وإنما يسوداننا أن يسرت غنماهما

الآية رقم ‏(‏11 ‏:‏ 13‏)‏

‏{‏وما يغني عنه ماله إذا تردى، إن علينا للهدى، وإن لنا للآخرة والأولى‏}‏

قوله تعالى‏{‏وما يغني عنه ماله إذا تردى‏}‏ أي مات‏.‏ يقال‏:‏ ردي الرجل يردي ردي ‏:‏ إذا هلك‏.‏ قال‏:‏

صرفت الهوى عنهن من خشية الردى

وقال أبو صالح وزيد بن أسلم‏{‏إذا تردى‏}‏‏:‏ سقط في جهنم؛ ومنه المتردية‏.‏ ويقال‏:‏ ردي في البئر وتردى‏:‏ إذا سقط في بئر، أو تهور من جبل‏.‏ يقال‏:‏ ما أدري أين ردي‏؟‏ أي أين ذهب‏.‏ و‏{‏ما‏}‏‏:‏ يحتمل أن تكون جحدا؛ أي ولا يغني عنه ماله شيئا؛ ويحتمل أن تكون استفهاما معناه التوبيخ؛ أيْ أيّ شيء يغني عنه إذا هلك ووقع في جهنم‏!‏ ‏{‏إن علينا للهدى‏}‏ أي إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلالة‏.‏ فالهدى‏:‏ بمعنى بيان الأحكام، قاله الزجاج‏.‏ أي على اللّه البيان، بيان حلال وحرامه، وطاعته ومعصيته؛ قال قتادة‏.‏ وقال الفراء‏:‏ من سلك الهدى فعلى اللّه سبيله؛ لقوله‏{‏وعلى الله قصد السبيل‏}‏النحل‏:‏ 9‏‏ يقول‏:‏ من أراد اللّه فهو على السبيل القاصد‏.‏ وقيل‏:‏ معناه إن علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال؛ كقوله‏{‏بيدك الخير‏}‏آل عمران‏:‏ 26‏‏، و‏{‏بيده ملكوت كل شيء‏}‏يس‏:‏ 83‏‏.‏ وكما قال‏{‏سرابيل تقيكم الحر‏}‏النحل‏:‏ 81‏‏ وهي تقي البرد؛ عن الفراء أيضا‏.‏ وقيل‏:‏ أي إن علينا ثواب هداه الذي هديناه‏.‏ ‏{‏وإن لنا للآخرة والأولى‏}‏ ‏{‏للآخرة‏}‏ الجنة‏.‏ ‏{‏والأولى‏}‏ الدنيا‏.‏ وكذا روى عطاء عن ابن عباس‏.‏ أي الدنيا والآخرة لله تعالى‏.‏ وروى أبو صالح عن ابن عباس قال‏:‏ ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى‏{‏من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة‏}‏النساء‏:‏ 134‏‏ فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق‏.‏

الآية رقم ‏(‏14 ‏:‏ 16‏)‏

‏{‏فأنذرتكم نارا تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى، الذي كذب وتولى‏}‏

قوله تعالى‏{‏فأنذرتكم‏}‏ أي حذرتكم وخوفتكم‏.‏ ‏{‏نارا تلظى‏}‏ أي تلهب وتتوقد وأصله تتلظى‏.‏ وهي قراءة عبيد بن عمير، ويحيى بن يعمر، وطلحة بن مصرف‏.‏ ‏{‏لا يصلاها‏}‏ أي لا يجد صلاها وهو حرها‏.‏ ‏{‏إلا الأشقى‏}‏ أي الشقي‏.‏ ‏{‏الذي كذب‏}‏ نبي اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم‏.‏‏{‏وتولى‏}‏ أي أعرض عن الإيمان‏.‏ وروى مكحول عن أبي هريرة قال‏:‏ كل يدخل الجنة إلا من أباها‏.‏ قال‏:‏ يا أبا هريرة، ومن يأبىّ أن يدخل الجنة‏؟‏ قال‏:‏ الذي كذب وتولى‏.‏ وقال مالك‏:‏ صلى بنا عمر بن عبدالعزيز المغرب، فقرأ ‏{‏والليل إذا يغشى‏}‏ فلما بلغ ‏{‏فأنذرتكم نارا تلظى‏}‏ وقع عليه البكاء، فلم يقدر يتعداها من البكاء، فتركها وقرأ سورة أخرى‏.‏ وقال‏:‏ الفراء‏{‏إلا الأشقى‏}‏ إلا من كان شقيا في علم اللّه جل ثناؤه‏.‏ وروى الضحاك عن ابن عباس قال‏{‏لا يصلاها إلا الأشقى‏}‏ أمية بن خلف ونظراؤه الذين كذبوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ وقال قتادة‏:‏ كذب بكتاب اللّه، وتولى عن طاعة اللّه‏.‏ وقال الفراء‏:‏ لم يكن كذب برد ظاهر، ولكنه قصر عما أمر به من الطاعة؛ فجعل تكذيبا، كما تقول‏:‏ لقي فلان العدو فكذب‏:‏ إذا نكل ورجع عن اتباعه‏.‏ قال‏:‏ وسمعت أبا ثروان يقول‏:‏ إن بني نمير ليس لجدهم مكذوبة‏.‏ يقول‏:‏ إذا لقوا صدقوا القتال، ولم يرجعوا‏.‏ وكذلك قوله جل ثناؤه‏{‏ليس لوقعتها كاذبة‏}‏الواقعة‏:‏ 2‏‏ يقول‏:‏ هي حق‏.‏ وسمعت سلم بن الحسن يقول‏:‏ سمعت أبا إسحاق الزجاج يقول‏:‏ هذه الآية التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء، فزعموا أنه لا يدخل النار إلا كافر؛ لقوله جل ثناؤه‏{‏لا يصلاها إلا الأشقى‏.‏ الذي كذب وتولى‏}‏ وليس الأمر كما ظنوا‏.‏ هذه نار موصوفة بعينها، لا يصلى هذه النار إلا الذي كذب وتولى‏.‏ ولأهل النار منازل؛ فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار؛ واللّه سبحانه كل ما وعد عليه بجنس من العذاب فجائز أن يعذب به‏.‏ وقال جل ثناؤه‏{‏إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏}‏النساء‏:‏ 48‏‏، فلو كان كل من لم يشرك لم يعذب، لم يكن في قوله‏{‏ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏}‏ فائدة، وكان ‏{‏ويغفر ما دون ذلك‏}‏ كلاما لا معنى له‏.‏

الزمخشري‏:‏ الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل‏:‏ الأشقى، وجعل مختصا بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له وقيل‏:‏ الأتقى، وجعل مختصا بالجنة، كأن الجنة لم تخلق إلا له وقيل‏:‏ هما أبو جهل أو أمية بن خلف‏.‏ وأبو بكر رضي اللّه عنه‏.‏

الآية رقم ‏(‏17 ‏:‏ 18‏)‏

‏{‏وسيجنبها الأتقى، الذي يؤتي ماله يتزكى‏}‏

قوله تعالى‏{‏وسيجنبها‏}‏ أي يكون بعيدا منها‏.‏ ‏{‏الأتقى‏}‏ أي المتقي الخائف‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ هو أبو بكر رضي اللّه عنه، يزحزح عن دخول النار‏.‏ ثم وصف الأتقى فقال‏{‏الذي يؤتي ماله يتزكى‏}‏ أي يطلب أن يكون عند اللّه زاكيا، ولا يطلب بذلك رياء ولا سمعة، بل يتصدق به مبتغيا به وجه اللّه تعالى‏.‏ وقال بعض أهل المعاني‏:‏ أراد بقوله ‏{‏الأتقى‏}‏ و‏{‏الأشقى‏}‏ أي التقي والشقي؛ كقول طرفة‏:‏

تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد

أي واحد ووحيد؛ وتوضع أفعل موضع فعيل، نحو قولهم‏:‏ اللّه أكبر بمعنى كبير، ‏{‏وهو أهون عليه‏}‏الروم‏:‏ 27‏‏ بمعنى هين‏.‏

الآية رقم ‏(‏19 ‏:‏ 21‏)‏

‏{‏وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى‏}‏

قوله تعالى‏{‏وما لأحد عنده من نعمة تجزى‏}‏ أي ليس يتصدق ليجازي على نعمة، إنما يبتغي وجه ربه الأعلى، أي المتعالي ‏{‏ولسوف يرضى‏}‏ أي بالجزاء‏.‏ فروى عطاء والضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ عذب المشركون بلالا، وبلال يقول أحد أحد؛ فمر به النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏[‏أحد - يعني اللّه تعالى - ينجيك‏]‏ ثم قال لأبي بكر‏:‏ ‏[‏يا أبا بكر إن بلالا يعذب في اللّه‏]‏ فعرف أبو بكر الذي يريد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فانصرف إلى منزله، فأخذ رطلا من ذهب، ومضى به إلى أمية بن خلف، فقال له‏:‏ أتبيعني بلالا‏؟‏ قال‏:‏ نعم؛ فاشتراه فأعتقه‏.‏ فقال المشركون‏:‏ ما أعتقه أبو بكر إلا ليد كانت له عنده؛ فنزلت ‏{‏وما لأحد عنده‏}‏ أي عند أبي بكر ‏{‏من نعمة‏}‏، أي من يد ومنة، ‏{‏تجزى‏}‏ بل ‏{‏ابتغاء‏}‏ بما فعل ‏{‏وجه ربه الأعلى‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ اشترى أبو بكر من أمية وأبي بن خلف بلالا، ببردة وعشر أواق، فأعتقه لله، فنزلت‏{‏إن سعيكم لشتى‏}‏الليل‏:‏ 4‏.‏ وقال سعيد بن المسيب‏:‏ بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر حين قال له أبو بكر‏:‏ أتبيعنيه‏؟‏ فقال‏:‏ نعم، أبيعه بنسطاس، وكان نسطاس عبدا لأبي بكر، صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوار ومواش، وكان مشركا، فحمله أبو بكر على الإسلام، على أن يكون ماله، فأبىّ، فباعه أبو بكر به‏.‏ فقال المشركون‏:‏ ما فعل أبو بكر ببلال هذا إلا ليد كانت لبلال عنده؛ فنزلت ‏{‏وما لأحد عنده من نعمة تجزى‏.‏ إلا ابتغاء‏}‏ أي لكن ابتغاء؛ فهو استثناء منقطع؛ فلذلك نصبت‏.‏ كقولك‏:‏ ما في الدار أحد إلا حمارا‏.‏ ويجوز الرفع‏.‏ وقرأ يحيى بن وثاب ‏{‏إلا ابتغاء وجه ربه‏}‏ بالرفع، على لغة من يقول‏:‏ يجوز الرفع في المستثنى‏.‏ وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبي خازم‏:‏

أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها إلا الجاذر والظلمان تختلف

وقول القائل‏:‏

وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس

وفي التنزيل‏{‏ما فعلوه إلا قليل منهم‏}‏النساء‏:‏ 66‏وقد تقدم‏.‏ ‏{‏وجه ربه الأعلى‏}‏ أي مرضاته وما يقرب منه‏.‏ و‏{‏الأعلى‏}‏ من نعت الرب الذي استحق صفات العلو‏.‏ ويجوز أن يكون ‏{‏ابتغاء وجه ربه‏}‏ مفعولا له على المعنى؛ لأن معنى الكلام‏:‏ لا يؤتي ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمته‏.‏ ‏{‏ولسوف يرضى‏}‏ أي سوف يعطيه في الجنة ما يرضي؛ وذلك أنه يعطيه أضعاف ما أنفق‏.‏ وروى أبو حيان التيمي عن أبيه عن علي رضي اللّه عنه، قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏رحم اللّه أبا بكر زوجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة، وأعتق بلالا من ماله‏]‏‏.‏ ولما اشتراه أبو بكر قال له بلال‏:‏ هل اشتريتني لعملك أو لعمل اللّه‏؟‏ قال‏:‏ بل لعمل اللّه قال‏:‏ فذرني وعمل اللّه، فأعتقه‏.‏ وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول‏:‏ أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالا رضي اللّه عنه‏.‏ وقال عطاء - وروى عن ابن عباس - ‏:‏ إن السورة نزلت في أبي الدحداح؛ في النخلة التي اشتراها بحائط له، فيما ذكر الثعلبي عن عطاء‏.‏ وقال القشيري عن ابن عباس‏:‏ بأربعين نخلة؛ ولم يسم الرجل‏.‏ قال عطاء‏:‏ كان لرجل من الأنصار نخلة، يسقط من بلحها في دار جار له، فيتناول صبيانه، فشكا ذلك إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ ‏[‏تبيعها بنخلة في الجنة‏]‏‏؟‏ فأبى؛ فخرج فلقيه أبو الدحداح فقال‏:‏ هل لك أن تبيعنيها بـ‏{‏حسنى‏}‏‏:‏ حائط له‏.‏ فقال‏:‏ هي لك‏.‏ فأتى أبو الدحداح إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقال‏:‏ يا رسول اللّه، اشترها مني بنخلة في الجنة‏.‏ قال‏:‏ ‏[‏نعم، والذي نفسي بيده‏]‏ فقال‏:‏ هي لك يا رسول اللّه؛ فدعا النبي صلى اللّه عليه وسلم جار الأنصاري، فقال‏:‏ ‏[‏خذها‏]‏ فنزلت ‏{‏والليل إذا يغشى‏}‏الليل‏:‏ 1‏‏ إلى آخر السورة في بستان أبي الدحداح وصاحب النخلة‏.‏ ‏{‏فأما من أعطى واتقى‏}‏ يعني أبا الدحداح‏.‏ ‏{‏وصدق بالحسنى‏}‏ أي بالثواب‏.‏ ‏{‏فسنيسره لليسرى‏}‏‏:‏ يعني الجنة‏.‏ ‏{‏وأما من بخل واستغنى‏}‏ يعني الأنصاري‏.‏ ‏{‏وكذب بالحسنى‏}‏ أي بالثواب‏.‏ ‏{‏فسنيسره للعسرى‏}‏، يعني جهنم‏.‏ ‏{‏وما يغني عنه ماله إذا تردى‏}‏ أي مات‏.‏ إلى قوله‏{‏لا يصلاها إلا الأشقى‏}‏ يعني بذلك الخزرجي؛ وكان منافقا، فمات على نفاقه‏.‏ ‏{‏وسيجنبها الأتقى‏}‏ يعني أبا الدحداح‏.‏ ‏{‏الذي يؤتي ماله يتزكى‏}‏ في ثمن تلك النخلة‏.‏ ‏{‏ما لأحد عنده من نعمة تجزى‏}‏ يكافئه عليها؛ يعني أبا الدحداح‏.‏ ‏{‏ولسوف يرضى‏}‏ إذا أدخله اللّه الجنة‏.‏ والأكثر أن السورة نزلت في أبي بكر رضي اللّه عنه‏.‏ وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وعبدالله بن الزبير وغيرهم‏.‏ وقد ذكرنا خبرا آخر لأبي الدحداح في سورة البقرة ، عند قوله‏{‏من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا‏}‏البقرة‏:‏ 245‏.‏ واللّه تعالى أعلم‏.‏
 
سورة الضحى

الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 3‏)‏

‏{‏والضحى، والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى‏}‏

قوله تعالى‏{‏والضحى‏.‏ والليل إذا سجى‏}‏ قد تقدم القول في ‏{‏الضحى‏}‏، والمراد به النهار؛ لقوله‏{‏والليل إذا سجى‏}‏ فقابله بالليل‏.‏ وفي سورة الأعراف ‏{‏أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون‏.‏ أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون‏}‏الأعراف‏:‏ 97‏‏ أي نهارا‏.‏ وقال قتادة ومقاتل وجعفر الصادق‏:‏ أقسم بالضحى الذي كلم اللّه فيه موسى، وبليلة المعراج‏.‏ وقيل‏:‏ هي الساعة التي خر فيها السحرة سجدا‏.‏ بيانه قوله تعالى‏{‏وأن يحشر الناس ضحى‏}‏طه‏:‏ 59‏‏.‏ وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله‏:‏ فيه إضمار، مجازه ورب الضحى‏.‏ و‏{‏سجا‏}‏ معناه‏:‏ سكن؛ قال قتادة ومجاهد وابن زيد وعكرمة‏.‏ يقال‏:‏ ليلة ساجية أي ساكنة‏.‏ ويقال للعين إذا سكن طرفها‏:‏ ساجية‏.‏ يقال‏:‏ سجا الليل يسجو سجوا‏:‏ إذا سكن‏.‏ والبحر إذا سجا‏:‏ سكن‏.‏ قال الأعشى‏:‏

فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم وبحرك ساج ما يواري الدعامصا

وقال الراجز‏:‏

يا حبذا القمراء والليل الساج وطرق مثل ملاء النساج

وقال جرير‏:‏

ولقد رمينك يوم رحن بأعين ينظرن من خلل الستور سواجي

وقال الضحاك‏{‏سجا‏}‏ غطى كل شيء‏.‏ قال الأصمعي‏:‏ سجو الليل‏:‏ تغطيته النهار؛ مثلما يسجى الرجل بالثوب‏.‏ وقال الحسن‏:‏ غشى بظلامه؛ وقال ابن عباس‏.‏ وعنه‏:‏ إذا ذهب‏.‏ وعنه أيضا‏:‏ إذا أظلم‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ أقبل؛ وروي عن قتادة أيضا‏.‏ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد‏{‏سجا‏}‏ استوى‏.‏ والقول الأول أشهر في اللغة‏{‏سجا‏}‏ سكن؛ أي سكن الناس فيه‏.‏ كما يقال‏:‏ نهار صائم، وليل قائم‏.‏ وقيل‏:‏ سكونه استقرار ظلامه واستواؤه‏.‏ ويقال‏{‏والضحى‏.‏ والليل إذا سجا‏}‏‏:‏ يعني عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى، وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم‏.‏ ويقال‏{‏الضحى‏}‏‏:‏ يعني نور الجنة إذا تنور‏.‏ ‏{‏والليل إذا سجا‏}‏‏:‏ يعني ظلمة الليل إذا أظلم‏.‏ ويقال‏{‏والضحى‏}‏‏:‏ يعني النور الذي في قلوب العارفين كهيئة النهار‏.‏ ‏{‏والليل إذا سجا‏}‏‏:‏ يعني السواد الذي في قلوب الكافرين كهيئة الليل؛ فأقسم اللّه عز وجل بهذه الأشياء‏.‏

قوله تعالى‏{‏ما ودعك ربك‏}‏ هذا جواب القسم‏.‏ وكان جبريل عليه السلام أبطأ على النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال المشركون‏:‏ قلاه اللّه وودعه؛ فنزلت الآية‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ احتبس عنه الوحي اثني عشر يوما‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ خمسة عشر يوما‏.‏ وقيل‏:‏ خمسة وعشرين يوما‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ أربعين يوما‏.‏ فقال المشركون‏:‏ إن محمدا ودعه ربه وقلاه، ولو كان أمره من اللّه لتابع عليه، كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء‏.‏ وفي البخاري عن جندب بن سفيان قال‏:‏ اشتكى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فلم يقم ليلتين أو ثلاثا؛ فجاءت امرأة فقالت‏:‏ يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث؛ فأنزل اللّه عز وجل ‏{‏والضحى‏.‏ والليل إذا سجى‏.‏ ما ودعك ربك وما قلى‏}‏‏.‏

وفي الترمذي عن جندب البجلي قال‏:‏ كنت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في غار فدميت إصبعه، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل اللّه ما لقيت‏]‏ قال‏:‏ وأبطأ عليه جبريل فقال المشركون‏:‏ قد ودع محمد؛ فأنزل اللّه تبارك وتعالى‏{‏ما ودعك ربك وما قلى‏}‏‏.‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏ لم يذكر الترمذي‏{‏فلم يقم ليلتين أو ثلاثا‏}‏ أسقطه الترمذي‏.‏ وذكره البخاري، وهو أصح ما قيل في ذلك‏.‏ واللّه أعلم‏.‏ وقد ذكره الثعلبي أيضا عن جندب بن سفيان البجلي، قال‏:‏ رُمي النبي صلى اللّه عليه وسلم في إصبعه بحجر، فدميت، فقال‏:‏ ‏[‏هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل اللّه ما لقيت‏]‏ فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم الليل‏.‏ فقالت له أم جميل امرأة أبي لهب‏:‏ ما أرى شيطانك إلا قد تركك، لم اره قربك منذ ليلتين أو ثلاث؛ فنزلت ‏{‏والضحى‏}‏‏.‏ وروى عن أبي عمران الجوني، قال‏:‏ أبطأ جبريل على النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى شق عليه؛ فجاء وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو؛ فنكت بين كتفيه، وأنزل عليه‏{‏ما ودعك ربك وما قلى‏}‏‏.‏ وقالت خولة - وكانت تخدم النبي صلى اللّه عليه وسلم - ‏:‏ إن جروا دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم أياما لا ينزل عليه الوحي‏.‏ فقال‏:‏ ‏[‏يا خولة، ما حدث في بيتي‏؟‏ ما لجبريل لا يأتيني‏]‏ قالت خولة فقلت‏:‏ لو هيأت البيت وكنسته؛ فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا جرو ميت، فأخذته فألقيته خلف الجدار؛ فجاء نبي اللّه ترعد لحياه - وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة - فقال‏:‏ ‏[‏يا خولة دثريني‏]‏ فأنزل اللّه هذه السورة‏.‏ ولما نزل جبريل سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن التأخر فقال‏:‏ ‏[‏أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ لما سألته اليهود عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف قال‏:‏ ‏[‏سأخبركم غدا‏]‏‏.‏ ولم يقل إن شاء اللّه‏.‏ فاحتبس عنه الوحي، إلى أن نزل جبريل عليه بقوله‏{‏ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله‏}‏الكهف‏:‏ 23‏ فأخبره بما سئل عنه‏.‏ وفي هذه القصة نزلت ‏}‏ما ودعك ربك وما قلى‏{‏‏.‏ وقيل‏:‏ إن المسلمين قالوا‏:‏ يا رسول اللّه، مالك لا ينزل عليك الوحي‏؟‏ فقال‏:‏ ‏[‏وكيف ينزل علي وأنتم لا تنقون رواجبكم - وفي رواية براجمكم - ولا تقصون أظفاركم ولا تأخذون من شواربكم‏]‏‏.‏ فنزل جبريل بهذه السورة؛ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏ما جئت حتى اشتقت إليك‏]‏ فقال جبريل‏:‏ ‏[‏أنا كنت أشد إليك شوقا، ولكني عبد مأمور‏]‏ ثم أنزل عليه ‏{‏وما نتنزل إلا بأمر ربك‏}‏مريم‏:‏ 64‏‏.‏ ‏{‏ودعك‏}‏ بالتشديد‏:‏ قراءة العامة، من التوديع، وذلك كتوديع المفارق‏.‏ وروي عن ابن عباس وابن الزبير أنهما قرآه ‏{‏ودعك‏}‏ بالتخفيف، ومعناه‏:‏ تركك‏.‏ قال‏:‏

وثم ودعنا آل عمرو وعامر فرائس أطراف المثقفة السمر

واستعماله قليل‏.‏ يقال‏:‏ هو يدع كذا، أي يتركه‏.‏ قال المبرد محمد بن يزيد‏:‏ لا يكادون يقولون ودع ولا وذر، لضعف الواو إذا قدمت، واستغنوا عنها بترك‏.‏

قوله تعالى‏{‏وما قلى‏}‏ أي ما أبغضك ربك منذ أحبك‏.‏ وترك الكاف، لأنه رأس آية‏.‏ والقلى‏:‏ البغض؛ فإن فتحت القاف مددت؛ تقول‏:‏ قلاه يقليه قلى وقلاء‏.‏ كما تقول‏:‏ قريت الضيف أقريه قرى وقراء‏.‏ ويقلاه‏:‏ لغة طيء‏.‏ وأنشد ثعلب‏:‏

أيام أم الغمر لا نقلاها

أي لا نبغضها‏.‏ ونقلي أي نبغض‏.‏ وقال‏:‏

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة لدينا ولا مقلية إن تقلت

وقال امرؤ القيس‏:‏

ولست بمقلي الخلال ولا قال

وتأويل الآية‏:‏ ما ودعك ربك وما قلاك‏.‏ فترك الكاف لأنه رأس آية؛ كما قال عز وجل‏{‏والذاكرين الله كثيرا والذاكرات‏}‏الأحزاب‏:‏ 35‏‏ أي والذاكرات اللّه‏.‏

الآية رقم ‏(‏4 ‏:‏ 5‏)‏

‏{‏وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى‏}‏

روى سلمة عن ابن إسحاق قال‏{‏وللآخرة خير لك من الأولى‏}‏ أي ما عندي في مرجعك إلي يا محمد، خير لك مما عجلت لك من الكرامة في الدنيا‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أري النبي صلى اللّه عليه وسلم ما يفتح اللّه على أمته بعده؛ فسر بذلك؛ فنزل جبريل بقوله‏{‏وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى‏}‏‏.‏ قال ابن إسحاق‏:‏ الفلج في الدنيا، والثواب في الآخرة‏.‏ وقيل‏:‏ الحوض والشفاعة‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك‏.‏ رفعه الأوزاعي، قال‏:‏ حدثني إسماعيل بن عبيدالله، عن علي بن عبدالله بن عباس، عن أبيه قال‏:‏ أري النبي صلى اللّه عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته، فسر بذلك؛ فأنزل اللّه عز وجل ‏{‏والضحى - إلى قوله تعالى - ولسوف يعطيك ربك فترضى‏}‏، فأعطاه اللّه جل ثناؤه ألف قصر في الجنة، ترابها المسك؛ في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم‏.‏ وعنه قال‏:‏ رضي محمد ألا يدخل أحد من أهل بيته النار‏.‏ وقال السدي‏.‏ وقيل‏:‏ هي الشفاعة في جميع المؤمنين‏.‏ وعن علي رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يشفعني اللّه في أمتي حتى يقول اللّه سبحانه لي‏:‏ رضيت يا محمد‏؟‏ فأقول يا رب رضيت‏)‏‏.‏‏"‏وفي صحيح مسلم عن، عبدالله بن عمرو بن العاص‏"‏أن النبي صلى اللّه عليه وسلم تلا قول اللّه تعالى في إبراهيم‏{‏فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم‏}‏إبراهيم‏:‏ 36‏ وقول عيسى‏{‏إن تعذبهم فإنهم عبادك‏}‏المائدة‏:‏ 118‏‏، فرفع يديه وقال‏:‏ ‏(‏اللهم أمتي أمتي‏)‏ وبكى‏.‏ فقال اللّه تعالى لجبريل‏:‏ ‏(‏اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك‏)‏ فأتى جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم، فسأل فأخبره‏.‏ فقال اللّه تعالى لجبريل‏:‏ ‏[‏اذهب إلى محمد، فقل له‏:‏ إن اللّه يقول لك‏:‏ إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك‏]‏‏.‏ وقال علي رضي اللّه عنه لأهل العراق‏:‏ إنكم تقولون إن أرجى آية في كتاب اللّه تعالى‏{‏قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله‏}‏الزمر‏:‏ 53‏ قالوا‏:‏ إنا نقول ذلك‏.‏ قال‏:‏ ولكنا أهل البيت نقول‏:‏ إن أرجى آية في كتاب اللّه قوله تعالى‏{‏ولسوف يعطيك ربك فترضى‏}‏‏.‏ وفي الحديث‏:‏ لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏إذا واللّه لا أرضى وواحد من أمتي في النار‏]‏‏.‏

الآية رقم ‏(‏6‏)‏

‏{‏ألم يجدك يتيما فآوى‏}‏

عدد سبحانه مننه على نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم فقال‏{‏ألم يجدك يتيما‏}‏ لا أب لك قد مات أبوك‏.‏ ‏{‏فآوى‏}‏ أي جعل لك مأوى تأوي إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك‏.‏ وقيل لجعفر بن محمد الصادق‏:‏ لم أوتم النبي صلى اللّه عليه وسلم من أبويه‏؟‏ فقال‏:‏ لئلا يكون لمخلوق عليه حق‏.‏ وعن مجاهد‏:‏ هو من قول العرب‏:‏ درة يتيمة؛ إذا لم يكن لها مثل‏.‏ فمجاز الآية‏:‏ ألم يجدك واحدا في شرفك لا نظير لك، فآواك اللّه بأصحاب يحفظونك ويحوطونك‏.‏

الآية رقم ‏(‏7‏)‏

‏{‏ووجدك ضالا فهدى‏}‏

أي غافلا عما يراد بك من أمر النبوة، فهداك‏:‏ أي أرشدك‏.‏ والضلال هنا بمعنى الغفلة؛ كقوله جل ثناؤه‏{‏لا يضل ربي ولا ينسى‏}‏طه‏:‏ 52‏‏ أي لا يغفل‏.‏ وقال في حق نبيه‏{‏وإن كنت من قبله لمن الغافلين‏}‏يوسف‏:‏ 3‏‏.‏ وقال قوم‏{‏ضالا‏}‏ لم تكن تدري القرآن والشرائع، فهداك اللّه إلى القرآن، وشرائع الإسلام؛ عن الضحاك وشهر بن حوشب وغيرهما‏.‏ وهو معنى قوله تعالى‏{‏ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان‏}‏، على ما بينا في سورة الشورى ‏.‏ وقال قوم‏{‏ووجدك ضالا‏}‏ أي في قوم ضلال، فهداهم اللّه بك‏.‏ هذا قول الكلبي والفراء‏.‏ وعن السدي نحوه؛ أي ووجد قومك في ضلال، فهداك إلى إرشادهم‏.‏ وقيل‏{‏ووجدك ضالا‏}‏ عن الهجرة، فهداك إليها‏.‏ وقيل‏{‏ضالا‏}‏أي ناسيا شأن الاستئناء حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح - فأذكرك؛ كما قال تعالى‏{‏أن تضل إحداهما‏}‏البقرة‏:‏ 282‏‏.‏ وقيل‏:‏ ووجدك طالبا للقبلة فهداك إليها؛ بيانه‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏البقرة‏:‏ 144‏ الآية‏.‏ ويكون الضلال بمعنى الطلب؛ لأن الضال طالب‏.‏ وقيل‏:‏ ووجدك متحيرا عن بيان ما نزل عليك، فهداك إليه؛ فيكون الضلال بمعنى التحير؛ لأن الضال متحير‏.‏ وقيل‏:‏ ووجدك ضائعا في قومك؛ فهداك إليه؛ ويكون الضلال بمعنى الضياع‏.‏ وقيل‏:‏ ووجدك محبا للهداية، فهداك إليها؛ ويكون الضلال بمعنى المحبة‏.‏ ومنه قوله تعالى‏{‏قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم‏}‏يوسف‏:‏ 95‏‏ أي في محبتك‏.‏ قال الشاعر‏:‏

هذا الضلال أشاب مني المفرقا العارضين ولم أكن متحققا

عجبا لعزة في اختيار قطيعتي بعد الضلال فحبلها قد أخلقا

وقيل‏{‏ضالا‏}‏ في شعاب مكة، فهداك وردك إلى جدك عبدالمطلب‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ضل النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو صغير في شعاب مكة، فرآه أبو جهل منصرفا عن أغنامه، فرده إلى جده عبدالمطلب؛ فمن اللّه عليه بذلك، حين رده إلى جده على يدي عدوه‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم مع عمه أبي طالب في سفر، فأخذ إبليس بزمام الناقة في ليلة ظلماء، فعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل عليه السلام، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الهند، ورده إلى القافلة؛ فمن اللّه عليه بذلك‏.‏ وقال كعب‏:‏ إن حليمة لما قضت حق الرضاع، جاءت برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لترده على عبدالمطلب، فسمعت عند باب مكة‏:‏ هنيئا لك يا بطحاء مكة، اليوم يرد إليك النور والدين والبهاء والجمال‏.‏ قالت‏:‏ فوضعته لأصلح ثيابي، فسمعت هدة شديدة، فالتفت فلم أره، فقلت‏:‏ معشر الناس، أين الصبي‏؟‏ فقال‏:‏ لم نر شيئا؛ فصحت ‏:‏ وامحمداه فإذا شيخ فان يتوكأ على عصاه، فقال‏:‏ اذهبي إلى الصنم الأعظم، فإن شاء أن يرده عليك فعل‏.‏ ثم طاف الشيخ بالصنم، وقبل رأسه وقال‏:‏ يا رب، لم تزل منتك على قريش، وهذه السعدية تزعم أن ابنها قد ضل، فرده إن شئت‏.‏ فانكب هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام، وقالت‏:‏ إليك عنا أيها الشيخ، فهلاكنا على يدي محمد‏.‏ فألقى الشيخ عصاه، وارتعد وقال‏:‏ إن لابنك ربا لا يضيعه، فاطلبيه على مهل‏.‏ فانحشرت قريش إلى عبدالمطلب، وطلبوه في جميع مكة، فلم يجدوه‏.‏ فطاف عبدالمطلب بالكعبة سبعا، وتضرع إلى اللّه أن يرده، وقال‏:‏

يا رب رد ولدي محمدا اردده ربي واتخذ عندي يدا

يا رب إن محمد لم يوجدا فشمل قومي كلهم تبددا

فسمعوا مناديا ينادي من السماء‏:‏ معاشر الناس لا تضجوا، فإن لمحمد ربا لا يخذله ولا يضيعه، وإن محمدا بوادي تهامة، عند شجرة السمر‏.‏ فسار عبدالمطلب هو وورقة بن نوفل، فإذا النبي صلى اللّه عليه وسلم قائم تحت شجرة، يلعب بالأغصان وبالورق‏.‏ وقيل‏{‏ووجدك ضالا‏}‏ ليلة المعراج، حين انصرف عنك جبريل وأنت لا تعرف الطريق، فهداك إلى ساق العرش‏.‏ وقال أبو بكر الوراق وغيره‏{‏ووجدك ضالا‏}‏‏:‏ تحب أبا طالب، فهداك إلى محبة ربك‏.‏ وقال بسام بن عبدالله‏{‏ووجدك ضالا‏}‏ بنفسك لا تدري من أنت، فعرفك بنفسك وحالك‏.‏ وقال الجنيدي‏:‏ ووجدك متحيرا في بيان الكتاب، فعلمك البيان؛ بيانه‏{‏لتبين للناس ما نزل إليهم‏}‏النحل‏:‏ 44‏‏ الآية‏.‏ ‏{‏لتبين لهم الذي اختلفوا فيه‏}‏النحل‏:‏ 64‏‏.‏ وقال بعض المتكلمين‏:‏ إذا وجدت العرب شجرة منفردة في فلاة من الأرض، لا شجر معها، سموها ضالة، فيهتدي بها إلى الطريق؛ فقال اللّه تعالى لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم‏{‏ووجدك ضالا‏}‏ أي لا أحد على دينك، وأنت وحيد ليس معك أحد؛ فهديت بك الخلق إلي‏.‏

قلت‏:‏ هذه الأقوال كلها حسان، ثم منها ما هو معنوي، ومنها ما هو حسي‏.‏ والقول الأخير أعجب إلي؛ لأنه يجمع الأقوال المعنوية‏.‏ وقال قوم‏:‏ إنه كان على جملة ما كان القوم عليه، لا يظهر لهم خلافا على ظاهر الحال؛ فأما الشرك فلا يظن به؛ بل كان على مراسم القوم في الظاهر أربعين سنة‏.‏ وقال الكلبي والسدي‏:‏ هذا على ظاهره؛ أي وجدك كافرا والقوم كفار فهداك‏.‏ وقد مضى هذا القول والرد عليه في سورة الشورى ‏.‏ وقيل‏:‏ وجدك مغمورا بأهل الشرك، فميزك عنهم‏.‏ يقال‏:‏ ضل الماء في اللبن؛ ومنه ‏{‏أئذا ضللنا في الأرض‏}‏السجدة‏:‏ 10‏‏ أي لحقنا بالتراب عند الدفن، حتى كأنا لا نتميز من جملته‏.‏ وفي قراءة الحسن ‏{‏ووجدك ضالٌ فهدى‏}‏ أي وجدك الضال فاهتدى بك؛ وهذه قراءة على التفسير‏.‏ وقيل‏{‏ووجدك ضالا‏}‏ لا يهتدي إليك قومك، ولا يعرفون قدرك؛ فهدى المسلمين إليك، حتى آمنوا بك‏.‏

الآية رقم ‏(‏8‏)‏

‏{‏ووجدك عائلا فأغنى‏}‏

أي فقيرا لا مال لك‏.‏ ‏{‏فأغنى‏}‏ أي فأغناك بخديجة رضي اللّه عنها؛ يقال‏:‏ عال الرجل يعيل عيلة‏:‏ إذا افتقر‏.‏ وقال أحيحة بن الجلاح‏:‏

فما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يغيل

أي يفتقر‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ فرضاك بما أعطاك من الرزق‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ قنعك بالرزق‏.‏ وقال ابن عطاء‏:‏ ووجدك فقير النفس، فأغنى قلبك‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ وجدك ذا عيال؛ دليله ‏{‏فأغنى‏}‏‏.‏ ومنه قول جرير‏:‏

الله أنزل في الكتاب فريضة لابن السبيل وللفقير العائل

وقيل‏:‏ وجدك فقيرا من الحجج والبراهين، فأغناك بها‏.‏ وقيل‏:‏ أغناك بما فتح لك من الفتوح، وأفاءه عليك من أموال الكفار‏.‏ القشيري وفي هذا نظر؛ لأن السورة مكية، وإنما فرض الجهاد بالمدينة‏.‏

وقراءة العامة ‏{‏عائلا‏}‏‏.‏ وقرأ ابن السميقع ‏{‏عيلا‏}‏ بالتشديد؛ مثل طبيب وهين‏.‏

الآية رقم ‏(‏9 ‏:‏ 11‏)‏

‏{‏فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر، وأما بنعمة ربك فحدث‏}‏

قوله تعالى‏{‏فأما اليتيم فلا تقهر‏}‏ أي لا تسلط عليه بالظلم، ادفع إليه حقه، واذكر يتمك؛ قال الأخفش‏.‏ وقيل‏:‏ هما لغتان‏:‏ بمعنى‏.‏ وعن مجاهد ‏{‏فلا تقهر‏}‏ فلا تحتقر‏.‏ وقرأ النخعي والأشهب العقيلي ‏{‏تكهر‏}‏ بالكاف، وكذا هو في مصحف ابن مسعود‏.‏ فعلى هذا يحتمل أن يكون نهيا عن قهره، بظلمه وأخذ ماله‏.‏ وخص اليتيم لأنه لا ناصر له غير اللّه تعالى؛ فغلظ في أمره، بتغليظ العقوبة على ظالمه‏.‏ والعرب تعاقب بين الكاف والقاف‏.‏ النحاس‏:‏ وهذا غلط، إنما يقال كهره‏:‏ إذا اشتد عليه وغلظ‏.‏ وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي، حين تكلم في الصلاة برد السلام، قال‏:‏ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه - يعني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فواللّه ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني‏.‏‏.‏‏.‏ الحديث‏.‏ وقيل‏:‏ القهر الغلبة‏.‏ والكهر‏:‏ الزجر‏.‏

ودلت الآية على اللطف باليتيم، وبره والإحسان إليه؛ حتى قال قتادة‏:‏ كن لليتيم كالأب الرحيم‏.‏ وروي عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قسوة قلبه؛ فقال‏:‏ ‏(‏إن أردت أن يلين، فامسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين‏)‏‏.‏ وفي الصحيح عن أبي هريرة‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين‏)‏‏.‏ وأشار بالسبابة والوسطى‏.‏ ومن حديث ابن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول اللّه تعالى لملائكته‏:‏ يا ملائكتي، من ذا الذي أبكى هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب، فتقول الملائكة ربنا أنت أعلم، فيقول اللّه تعالى لملائكته‏:‏ يا ملائكتي، اشهدوا أن من أسكته وأرضاه‏؟‏ أن أرضيه يوم القيامة‏)‏‏.‏ فكان ابن عمر إذا رأى يتيما مسح برأسه، وأعطاه شيئا‏.‏ وعن أنس قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏من ضم يتيما فكان في نفقته، وكفاه مؤونته،كان له حجابا من النار يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة‏]‏‏.‏ وقال أكثم بن صيفي‏:‏ الأذلاء أربعة‏:‏ النمام، والكذاب، والمديون، واليتيم‏.‏

قوله تعالى‏{‏وأما السائل فلا تنهر‏}‏ أي لا تزجره؛ فهو نهى عن إغلاط القول‏.‏ ولكن رده ببذل يسير، أو رد جميل، واذكر فقرك؛ قال قتادة وغيره‏.‏ وروي عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏[‏لا يمنعن أحدكم السائل، وأن يعطيه إذا سأل، ولو رأى في يده قلبين من ذهب‏]‏‏.‏ وقال إبراهيم بن أدهم‏:‏ نعم القوم السُّؤَّال‏:‏ يحملون زادنا إلى الآخرة‏.‏ وقال إبراهيم النخعي‏:‏ السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول‏:‏ هل تبعثون إلى أهليكم بشيء‏.‏ وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏[‏ردوا السائل ببذل يسير، أو رد جميل، فإنه يأتيكم من ليس من الإنس ولا من الجن، ينظر كيف صنيعكم فيما خولكم اللّه‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالسائل هنا، الذي يسأل عن الدين؛ أي فلا تنهره بالغلظة والجفوة، وأجبه برفق ولين؛ قاله سفيان‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وأما السائل عن الدين فجوابه فرض على العالم، على الكفاية؛ كإعطاء سائل البر سواء‏.‏ وقد كان أبو الدرداء ينظر إلى أصحاب الحديث، ويبسط رداءه لهم، ويقول‏:‏ مرحبا بأحبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ وفي حديث أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال‏:‏ كنا إذا أتينا أبا سعيد يقول‏:‏ مرحبا بوصية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏[‏إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا‏]‏‏.‏ وفي رواية ‏[‏يأتيكم رجال من قبل المشرق‏]‏‏.‏‏.‏‏.‏ فذكره‏.‏ و‏{‏اليتيم‏}‏ و‏{‏السائل‏}‏ منصوبان بالفعل الذي بعده؛ وحق المنصوب أن يكون بعد الفاء، والتقدير‏:‏ مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم، ولا تنهر السائل‏.‏ وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏سألت ربي مسئلة وددت أني لم أسألها‏:‏ قلت يا رب اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، وسخرت مع داود الجبال يسبحن، وأعطيت فلانا كذا؛ فقال عز وجل‏:‏ ألم أجدك يتيما فآويتك‏؟‏ ألم أجدك ضالا فهديتك‏؟‏ ألم أجدك عائلا فأغنيتك‏؟‏ ألم أشرح لك صدرك‏؟‏ ألم أوتك ما لم أوت أحدا قبلك‏:‏ خواتيم سورة البقرة، الم أتخذك خليلا، كما اتخذت إبراهيم خليلا‏؟‏ قلت بلى يا رب‏)‏

قوله تعالى‏{‏وأما بنعمة ربك فحدث‏}‏ أي أنشر ما أنعم اللّه عليك بالشكر والثناء‏.‏ والتحدث بنعم اللّه، والاعتراف بها شكر‏.‏ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد ‏{‏وأما بنعمة ربك‏}‏ قال بالقرآن‏.‏ وعنه قال‏:‏ بالنبوة؛ أي بلغ ما أرسلت به‏.‏ والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم، والحكم عام له ولغيره‏.‏ وعن الحسن بن علي رضي اللّه عنهما قال‏:‏ إذا أصبت خيرا، أو عملت خيرا، فحدث به الثقة من إخوانك‏.‏ وعن عمرو بن ميمون قال‏:‏ إذا لقي الرجل من إخوانه من يثق به، يقول له‏:‏ رزق اللّه من الصلاة البارحة وكذا وكذا‏.‏ وكان أبو فراس عبدالله بن غالب إذا أصبح يقول‏:‏ لقد رزقني اللّه البارحة كذا، قرأت كذا، وصليت كذا، وذكرت اللّه كذا، وفعلت كذا‏.‏ فقلنا له‏:‏ يا أبا فراس، إن مثلك لا يقول هذا قال يقول اللّه تعالى‏{‏وأما بنعمة ربك فحدث‏}‏ وتقولون أنتم‏:‏ لا تحدث بنعمة اللّه ونحوه عن أيوب السختياني وأبي رجاء العطاردي رضي اللّه عنهم‏.‏ وقال بكر بن عبدالله المزني قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أعطي خيرا فلم ير عليه، سمي بغيض اللّه، معاديا لنعم اللّه‏)‏‏.‏ وروى الشعبي عن النعمان بن بشير قال‏:‏ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس، لم يشكر اللّه، والتحدث بالنعم شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب‏]‏‏.‏ و‏"‏روى النسائي عن مالك بن نضلة الجشمي ‏"‏قال‏:‏ كنت عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالسا، فرآني رث الثياب فقال‏:‏ ‏[‏ألك مال‏؟‏‏]‏ قلت‏:‏ نعم، يا رسول اللّه، من كل المال‏.‏ قال‏:‏ ‏[‏إذا آتاك اللّه مالا فلير أثره عليك‏]‏‏.‏ و‏"‏روى أبو سعيد الخدري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏[‏إن اللّه جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده‏]‏‏.‏

فصل‏:‏ يُكبر القارئ في رواية البزي عن ابن كثير - وقد رواه مجاهد عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ إذا بلغ آخر ‏{‏والضى‏}‏ كبر بين كل سورة تكبيرة، إلى أن يختم القرآن، ولا يصل آخر السورة بتكبيره؛ بل يفصل بينهما بسكتة‏.‏ وكأن المعنى في ذلك أن الوحي تأخر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أياما، فقال ناس من المشركين‏:‏ قد ودعه صاحبه وقلاه؛ فنزلت هذه السورة فقال‏:‏ ‏[‏اللّه أكبر‏]‏‏.‏ قال مجاهد‏:‏ قرأت على ابن عباس، فأمرني به، وأخبرني به عن أبيّ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ ولا يكبر في قراءة الباقين؛ لأنها ذريعة إلى الزيادة في القرآن‏.‏

قلت‏:‏ القرآن ثبت نقلا متواترا سوره وآياته وحروفه؛ لا زيادة فيه ولا نقصان؛ فالكبير على هذا ليس بقرآن‏.‏ فإذا كان بسم اللّه الرحمن الرحيم المكتوب في المصحف بخط المصحف ليس بقرآن، فكيف بالتكبير الذي هو ليس بمكتوب‏.‏ أما أنه ثبت سنة بنقل الآحاد، فاستحبه ابن كثير، لا أنه أوجبه فخطأ من تركه‏.‏ ذكر الحاكم أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحافظ في كتاب المستدرك له على البخاري ومسلم‏:‏ حدثنا أبو يحيى محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالله بن يزيد، المقرئ الإمام بمكة، في المسجد الحرام، قال‏:‏ حدثنا أبو عبدالله محمد بن علي بن زيد الصائغ، قال‏:‏ حدثنا أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة‏:‏ سمعت عكرمة بن سليمان يقول‏:‏ قرأت على إسماعيل بن عبدالله بن قسطنطين، فلما بلغت ‏{‏والضحى‏}‏ قال لي كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم، فإني قرأت على عبدالله بن كثير فلما بلغت ‏{‏والضحى‏}‏ قال‏:‏ كبر حتى تختم‏.‏ وأخبره عبدالله بن كثير أنه قرأ على مجاهد، وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك، وأخبره ابن عباس أن أبيّ بن كعب أمره بذلك، وأخبره أبيّ بن كعب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمره بذلك‏.‏ هذا حديث صحيح ولم يخرجاه
 
سورة الشرح

الآية رقم ‏(‏1‏)‏

‏{‏ألم نشرح لك صدرك‏}‏

شرح الصدر‏:‏ فتحه؛ أي ألم نفتح صدرك للإسلام‏.‏ وروى أبو صالح عن ابن عباس قال‏:‏ ألم نلين لك قلبك‏.‏ وروى الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ قالوا يا رسول اللّه، أينشرح الصدر‏؟‏ قال‏:‏ ‏[‏نعم وينفسح‏]‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول اللّه، وهل لذلك علامة‏؟‏ قال‏:‏ ‏[‏نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت، قبل نزول الموت‏]‏‏.‏ وقد مضى هذا المعنى في الزمر عند قوله تعالى‏{‏أفمن شرح اللّه صدره للإسلام فهو على نور من ربه‏}‏‏.‏ وروي عن الحسن قال‏{‏ألم نشرح لك صدرك‏}‏ قال‏:‏ مُلئ حكما وعلما‏.‏ وفي الصحيح عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة - رجل من قومه - أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏فبينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول‏:‏ أحد الثلاثة فأُتيت بطست من ذهب، فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا‏)‏ قال قتادة قلت‏:‏ ما يعني‏؟‏ قال‏:‏ إلى أسفل بطني، قال‏:‏ ‏[‏فاستخرج قلبي، فغسل قلبي بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشي إيمانا وحكمة‏]‏‏.‏ وفي الحديث قصة‏.‏ وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏جاءني ملكان في صورة طائر، معهما ماء وثلج، فشرح أحدهما صدري، وفتح الآخر بمنقاره فيه فغسله‏)‏‏.‏ وفي حديث آخر قال‏:‏ ‏[‏جاءني ملك فشق عن قلبي، فاستخرج منه عذرة، وقال‏:‏ قلبك وكيع، وعيناك بصيرتان، وأذناك سميعتان، أنت محمد رسول اللّه، لسانك صادق، ونفسك مطمئنة، وخلقك قثم، وأنت قيم‏]‏‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ قوله ‏[‏وكيع‏]‏ أي يحفظ ما يوضع فيه‏.‏ يقال‏:‏ سقاء وكيع؛ أي قوي يحفظ ما يوضع فيه‏.‏ واستوكعت معدته، أي قويت وقوله‏:‏ ‏[‏قثم‏]‏ أي جامع‏.‏ يقال‏:‏ رجل قثوم للخير؛ أي جامع له‏.‏ ومعنى ‏{‏ألم نشرح‏}‏ قد شرحنا؛ الدليل؛ على ذلك قوله في النسق عليه‏{‏ووضعنا عنك وزرك‏}‏، فهذا عطف على التأويل، لا على التنزيل؛ لأنه لو كان على التنزيل لقال‏:‏ ونضع عنك وزرك‏.‏ فدل هذا على أن معنى ‏{‏ألم نشرح‏}‏‏:‏ قد شرحنا‏.‏ و‏{‏لم‏}‏ جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد، وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق؛ كقوله تعالى‏{‏أليس الله بأحكم الحاكمين‏}‏التين‏:‏ 8‏.‏ ومعناه‏:‏ اللّه أحكم الحاكمين‏.‏ وكذا ‏{‏أليس الله بكاف عبده‏}‏الزمر‏:‏ 36‏]‏‏.‏ ومثله قول جرير يمدح عبدالملك بن مروان‏:‏

ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح

المعنى‏:‏ أنتم كذا‏.‏

الآية رقم ‏(‏2 ‏:‏ 3‏)‏

‏{‏ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك‏}‏

قوله تعالى‏{‏ووضعنا عنك وزرك‏}‏ أي حططنا عنك ذنبك‏.‏ وقرأ أنس ‏{‏وحللنا، وحططنا‏}‏‏.‏ وقرأ ابن مسعود‏{‏وحللنا عنك وقرك‏}‏‏.‏ هذه الآية مثل قوله تعالى‏{‏ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر‏}‏الفتح‏:‏ 2‏.‏ قيل‏:‏ الجميع كان قبل النبوة‏.‏ والوزر‏:‏ الذنب؛ أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه كان صلى اللّه عليه وسلم في كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنما ولا وثنا‏.‏ قال قتادة والحسن والضحاك‏:‏ كانت للنبي صلى اللّه عليه وسلم ذنوب أثقلته؛ فغفرها اللّه له ‏{‏الذي أنقض ظهرك‏}‏ أي أثقله حتى سمع نقيضه؛ أي صوته‏.‏ وأهل اللغة يقولون‏:‏ أنقض، الحمل ظهر الناقة‏:‏ إذا سمعت له صريرا من شدة الحمل‏.‏ وكذلك سمعت نقيض الرحل؛ أي صريره‏.‏ قال جميل‏:‏

وحتى تداعت بالنقيض حباله وهمت بواني زوره أن تحطما

بواني زوره‏:‏ أي أصول صدره‏.‏ فالوزر‏:‏ الحمل الثقيل‏.‏ قال المحاسبي‏:‏ يعني ثقل الوزر لو لم يعف اللّه عنه‏.‏ ‏{‏الذي أنقض ظهرك‏}‏ أي أثقله وأوهنه‏.‏ قال‏:‏ وإنما وصفت ذنوب، الأنبياء بهذا الثقل، مع كونها مغفورة، لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها‏.‏ وقال السدي‏{‏ووضعنا عنك وزرك‏}‏ أي وحططنا عنك ثقلك‏.‏ وهي في قراءة عبدالله بن مسعود ‏{‏وحططنا عنك وقرك‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ أي حططنا عنك ثقل آثام الجاهلية‏.‏ قال الحسين بن المفضل‏:‏ يعني الخطأ والسهو‏.‏ وقيل‏:‏ ذنوب أمتك، أضافها إليه لاشتغال قلبه‏.‏ بها‏.‏ وقال عبدالعزيز بن يحيى وأبو عبيدة‏:‏ خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بها، حتى لا تثقل عليك‏.‏ وقيل‏:‏ كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاءه جبريل وأراه نفسه؛ وأزيل عنه ما كان يخاف من تغير العقل‏.‏ وقيل‏:‏ عصمناك عن احتمال الوزر، وحفظناك قبل النبوة في الأربعين من الأدناس؛ حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر من الأدناس‏.‏

الآية رقم ‏(‏4‏)‏

‏{‏ورفعنا لك ذكرك‏}‏

قال مجاهد‏:‏ يعني بالتأذين‏.‏ وفيه يقول حسان بن ثابت‏:‏

أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهد

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد

وروي عن الضحاك عن ابن عباس، قال‏:‏ يقول له لا ذُكِرتُ إلا ذُكِرتَ معي في الأذان، والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى‏:‏ وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها‏.‏ ولو أن رجلا عبد اللّه جل ثناؤه، وصدق بالجنة والنار وكل شيء، ولم يشهد أن محمدا رسول اللّه، لم ينتفع بشيء وكان كافرا‏.‏ وقيل‏:‏ أي أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه‏.‏ وقيل‏:‏ رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء، وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات‏.‏

الآية رقم ‏(‏5 ‏:‏ 6‏)‏

‏{‏فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا‏}‏

أي إن مع الضيقة والشدة يسرا، أي سعة وغنى‏.‏ ثم كرر فقال‏{‏إن مع العسر يسرا‏}‏، فقال قوم‏:‏ هذا التكرير تأكيد للكلام؛ كما يقال‏:‏ ارم ارم، اعجل اعجل؛ قال اللّه تعالى‏{‏كلا سوف تعلمون‏.‏ ثم كلا سوف تعلمون‏}‏التكاثر‏:‏ 3‏‏.‏ ونظيره في تكرار الجواب‏:‏ بلى بلى، لا لا‏.‏ وذلك للإطناب والمبالغة؛ قاله الفراء‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏

هممت بنفسي بعض الهموم فأولى لنفسي أولى لها

وقال قوم‏:‏ إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه، فهو هو‏.‏ وإذا نكروه ثم كرروه فهو غيره‏.‏ وهما اثنان، ليكون أقوى للأمل، وأبعث على الصبر؛ قاله ثعلب‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ يقول اللّه تعالى خلقت عسرا واحدا، وخلقت يسرين، ولن يغلب عسر يسرين‏.‏ وجاء في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه السورة‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏[‏لن يغلب عسر يسرين‏]‏‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ والذي نفسي بيده، لو كان العسر في حجر، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه؛ ولن يغلب عسر يسرين‏.‏ وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم، وما يتخوف منهم؛ فكتب إليه عمر رضي اللّه عنهما‏:‏ أما بعد، فإنهم مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة، يجعل اللّه بعده فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن اللّه تعالى يقول في كتابه‏{‏يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون‏}‏آل عمران‏:‏ 200‏‏.‏ وقال قوم منهم الجرجاني‏:‏ هذا قول مدخول؛ لأنه يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل‏:‏ إن مع الفارس سيفا، إن مع الفارس سيفا، أن يكون الفارس واحدا والسيف اثنان‏.‏ والصحيح أن يقال‏:‏ إن اللّه بعث نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم مقلا مخفا، فعيره المشركون بفقره، حتى قالوا له‏:‏ نجمع لك مالا؛ فاغتم وظن أنهم كذبوه لفقره؛ فعزاه اللّه، وعدد نعمه عليه، ووعده الغنى بقوله‏{‏فإن مع العسر يسرا‏}‏ أي لا يحزنك ما عيروك به من الفقر؛ فإن مع ذلك العسر يسرا عاجلا؛ أي في الدنيا‏.‏ فأنجز له ما وعده؛ فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز واليمن، ووسع ذات يده، حتى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة‏.‏ فهذا الفضل كله من أمر الدنيا؛ وإن كان خاصا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم، فقد يدخل فيه بعض أمته إن شاء اللّه تعالى‏.‏ ثم ابتدأ فضلا آخرا من الآخرة وفيه تأسية وتعزية له صلى اللّه عليه وسلم، فقال مبتدئا‏{‏إن مع العسر يسرا‏}‏ فهو شيء آخر‏.‏ والدليل على ابتدائه، تعريه من فاء أو واو أو غيرها من حروف النسق التي تدل على العطف‏.‏ فهذا وعد عام لجميع المؤمنين، لا يخرج أحد منه؛ أي إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرا في الآخرة لا محالة‏.‏ وربما اجتمع يسر الدنيا ويسر الآخرة‏.‏ والذي في الخبر‏:‏ ‏[‏لن يغلب عسر يسرين‏]‏ يعني العسر الواحد لن يغلبهما، وإنما يغلب أحدهما إن غلب، وهو يسر الدنيا؛ فأما يسر الآخرة فكائن لا محالة، ولن يغلبه شيء‏.‏ أو يقال‏{‏إن مع العسر‏}‏ وهو إخراج أهل مكة النبي صلى اللّه عليه وسلم من مكة ‏{‏يسرا‏}‏، وهو دخوله يوم فتح مكة مع عشرة آلاف رجل، مع عز وشرف‏.‏

الآية رقم ‏(‏7 ‏:‏ 8‏)‏

‏{‏فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب‏}‏

قوله تعالى‏{‏فإذا فرغت‏}‏ قال ابن عباس وقتادة‏:‏ فإذا فرغت من صلاتك ‏{‏فانصب‏}‏ أي بالغ في الدعاء وسله حاجتك‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ إذا فرغت من تبليغ الرسالة ‏{‏فانصب‏}‏ أي استغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات‏.‏ وقال الحسن وقتادة أيضا‏:‏ إذا فرغت من جهاد عدوك، فانصب لعبادة ربك‏.‏ وعن مجاهد‏{‏فإذا فرغت‏}‏ من دنياك، ‏{‏فانصب‏}‏ في صلاتك‏.‏ ونحوه عن الحسن‏.‏ وقال الجنيد‏:‏ إذا فرغت من أمر الخلق، فاجتهد في عبادة الحق‏.‏ قال ابن العربي ومن المبتدعة من قرأ هذه الآية ‏{‏فانصب‏}‏ بكسر الصاد، والهمز من أوله، وقالوا‏:‏ معناه‏:‏ انصب الإمام الذي تستخلفه‏.‏ وهذا باطل في القراءة، باطل في المعنى؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يستخلف أحدا‏.‏ وقرأها بعض‏:‏ الجهال ‏{‏فانصب‏}‏ بتشديد الباء، معناه‏:‏ إذا فرغت من الجهاد، فجد في الرجوع إلى بلدك‏.‏‏.‏ وهذا باطل أيضا قراءة، لمخالفة الإجماع، لكن معناه صحيح؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته، فليعجل، الرجوع إلى أهله‏]‏‏.‏ وأشد الناس عذابا وأسوأهم مباء ومآبا، من أخذ معنى صحيحا، فركب عليه من قبل نفسه قراءة أو حديثا، فيكون كاذبا على اللّه، كاذبا على رسول؛ ‏{‏ومن أظلم ممن افترى على اللّه كذبا‏}‏‏.‏ قال المهدوي‏:‏ وروي عن أبي جعفر المنصور‏:‏ أنه قرأ ‏{‏ألم نشرح لك صدرك‏}‏ بفتح الحاء؛ وهو بعيد، وقد يؤول على تقدير النون الخفيفة، ثم أبدلت النون ألفا في الوقف، ثم حمل الوصل على الوقف، ثم حذف الألف‏.‏ وأنشد عليه‏:‏

اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسوط قونس الفرس

أراد‏:‏ اضربن‏.‏ وروي عن أبي السمال ‏{‏فإذا فرغت‏}‏ بكسر الراء، وهي لغة فيه‏.‏ وقرئ ‏{‏فرغب‏}‏ أي فرغب الناس إلى ما عنده‏.‏

قال ابن العربي‏:‏ روي عن شريح أنه مر بقوم يلعبون يوم عيد، فقال ما بهذا أمر الشارع‏.‏ وفيه نظر، فإن الحبش كانوا يلعبون بالدرق والحراب في المسجد يوم العيد، والنبي صلى اللّه عليه وسلم ينظر‏.‏ ودخل أبو بكر في بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على عائشة رضي اللّه عنها وعندها جاريتان من جواري الأنصار تغنيان؛ فقال أبو بكر‏:‏ أبمزمور الشيطان في بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏دعهما يا أبا بكر، فإنه يوم عيد‏)‏‏.‏ وليس يلزم الدؤوب على العمل، بل هو مكراه للخلق
 
سورة التين

الآية رقم ‏(‏1‏)‏

‏{‏والتين والزيتون‏}‏

قوله تعالى‏{‏والتين والزيتون‏}‏ قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي‏:‏ هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت؛ قال اللّه تعالى‏{‏وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين‏}‏المؤمنون‏:‏ 20‏]‏‏.‏ وقال أبو ذر‏:‏ أهدي للنبي صلى اللّه عليه وسلم سل تين؛ فقال‏:‏ ‏[‏كلوا‏]‏ وأكل منه‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏[‏لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس‏]‏‏.‏ وعن معاذ‏:‏ أنه استاك بقضيب زيتون، وقال سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏[‏نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفر، وهي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي‏]‏‏.‏

وروي عن ابن عباس أيضا‏:‏ التين‏:‏ مسجد نوح عليه السلام الذي بني على الجودي، والزيتون‏:‏ مسجد بيت المقدس‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ التين‏:‏ المسجد الحرام، والزيتون المسجد الأقصى‏.‏ ابن زيد‏:‏ التين‏:‏ مسجد دمشق، والزيتون‏:‏ مسجد بيت المقدس‏.‏ قتادة‏:‏ التين‏:‏ الجبل الذي عليه دمشق‏:‏ والزيتون‏:‏ الجبل الذي عليه بيت المقدس‏.‏ وقال محمد بن كعب‏:‏ التين‏:‏ مسجد أصحاب الكهف، والزيتون‏:‏ مسجد إيلياء‏.‏ وقال كعب الأخبار وقتادة أيضا وعكرمة وابن زيد‏:‏ التين‏:‏ دمشق، والزيتون‏:‏ بيت المقدس‏.‏ وهذا اختيار الطبري‏.‏ وقال الفراء‏:‏ سمعت رجلا من أهل الشام يقول‏:‏ التين‏:‏ جبال ما بين حلوان إلى همذان، والزيتون‏:‏ جبال الشام‏.‏ وقيل‏:‏ هما جبلان بالشام، يقال لهما طور زيتا وطور تينا بالسريانية سميا بذلك لأنهما ينبتانهما‏.‏ وكذا روى أبو مكين عن عكرمة، قال‏:‏ التين والزيتون‏:‏ جبلان بالشام‏.‏ وقال النابغة‏:‏

أتين التين عن عرض

وهذا اسم موضع‏.‏ ويجوز أن يكون ذلك على حذف مضاف؛ أي ومنابت التين والزيتون‏.‏ ولكن لا دليل على ذلك من ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوز خلافه؛ قاله النحاس‏.‏

وأصح هذه الأقوال الأول؛ لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل‏.‏ وإنما أقسم اللّه بالتين، لأنه كان ستر آدم في الجنة؛ لقوله تعالى‏{‏يخصفان عليهما من ورق الجنة‏}‏الأعراف‏:‏ 22‏]‏ وكان ورق التين‏.‏ وقيل‏:‏ أقسم به ليبين وجه المنة العظمى فيه؛ فإنه جميل المنظر، طيب المخبر، نشر الرائحة، سهل الجني، على قدر المضغة‏.‏ وقد أحسن القائل فيه‏:‏

انظر إلى التين في الغصون ضحى ممزق الجلد مائل العنق

كأنه رب نعمة سلبت فعاد بعد الجديد في الخلق

أصغر ما في النهود أكبره لكن ينادى عليه في الطرق

وقال آخر‏:‏

التين يعدل عندي كل فاكهة إذا انثنى مائلا في غصنه الزاهي

مخمش الوجه قد سالت حلاوته كأنه راكع من خشية الله

وأقسم بالزيتون لأنه مثل به إبراهيم في قوله تعالى‏{‏يوقد من شجرة مباركة زيتونة‏}‏النور‏:‏ 35‏.‏ وهو أكثر أُدَم أهل الشام والمغرب؛ يصطبغون به، ويستعملونه في طبيخهم، ويستصبحون به، ويداوي به أدواء الجوف والقروح والجراحات، وفيه منافع كثيرة‏.‏ وقال عليه السلام‏:‏ ‏[‏كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة‏]‏‏.‏ وقد مضى في سورة المؤمنون القول فيه‏.‏

قال ابن العربي ولامتنان البارئ سبحانه، وتعظيم المنة في التين، وأنه مقتات مدخر فلذلك قلنا بوجوب الزكاة فيه‏.‏ وإنما فرّ كثير من العلماء من التصريح بوجوب الزكاة فيه، تقية جور الولاة؛ فإنهم يتحاملون في الأموال الزكاتية، فيأخذونها مغرما، حسب ما أنذر به الصادق صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ فكره العلماء أن يجعلوا لهم سبيلا إلى مال آخر يتشططون فيه، ولكن ينبغي للمرء أن يخرج عن نعمة ربه، بأداء حقه‏.‏ وقد قال الشافعي لهذه العلة وغيرها‏:‏ لا زكاة في الزيتون‏.‏ والصحيح وجوب الزكاة فيهما‏.‏

الآية رقم ‏(‏2‏)‏

‏{‏وطور سينين‏}‏

روى ابن أبي نجيح عن مجاهد ‏{‏طور‏}‏ قال‏:‏ جبل‏.‏ ‏{‏سينين‏}‏ قال‏:‏ مبارك بالسريانية‏.‏ وعن عكرمة عن ابن عباس قال‏{‏طور‏}‏ جبل، و‏{‏سينين، حسن‏.‏ وقال قتادة‏:‏ سينين هو المبارك الحسن‏.‏ وعن عكرمة قال‏:‏ الجبل الذي نادى اللّه جل ثناؤه منه موسى عليه السلام‏.‏ وقال مقاتل والكلبي‏{‏سينين‏}‏ كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء؛ بلغة النبط وعن عمرو بن ميمون قال‏:‏ صليت مع عمر بن الخطاب العشاء بمكة، فقرأ ‏{‏والتين والزيتون‏.‏ وطور سيناء‏.‏ وهذا البلد الأمين‏}‏ قال‏:‏ وهكذا هي في قراءة عبدالله؛ ورفع صوته تعظيما للبيت‏.‏ وقرأ في الركعة الثانية‏{‏ألم تر كيف فعل ربك‏}‏الفيل‏:‏ 1‏‏.‏ و‏{‏لإيلاف قريش‏}‏قريش‏:‏ 1‏‏ جمع بينهما‏.‏ ذكره ابن الأنباري‏.‏ النحاس‏:‏ وفي قراءة عبدالله ‏{‏سناء‏}‏ بكسر السين، وفي حديث عمرو بن ميمون عن عمر بفتح السين‏.‏ وقال الأخفش‏{‏طور‏}‏ جبل‏.‏ و‏{‏سينين‏}‏ شجر واحدته سينينية‏.‏ وقال أبو علي‏{‏سينين‏}‏ فعليل، فكررت اللام التي هي نون فيه، كما كررت في زحليل‏:‏ للمكان الزلق، وكرديدة‏:‏ للقطعة من التمر، وخنذيد‏:‏ للطويل‏.‏ ولم ينصرف ‏{‏سينين‏}‏ كما لم ينصرف سيناء؛ لأنه جعل اسما لبقعة أو أرض، ولو جعل اسما للمكان أو للمنزل أو اسم مذكر لانصرف؛ لأنك سميت مذكرا بمذكر‏.‏ وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام والأرض المقدسة، وقد بارك اللّه فيهما؛ كما قال‏{‏إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله‏}‏الإسراء‏:‏ 1‏‏.‏

الآية رقم ‏(‏3‏)‏

‏{‏وهذا البلد الأمين‏}‏

يعني مكة‏.‏ سماه أمينا لأنه آمن؛ كما قال‏{‏أنا جعلنا حرما آمنا‏}‏العنكبوت‏:‏ 67‏‏ فالأمين‏:‏ بمعنى الآمن؛ قال الفراء وغيره‏.‏ قال الشاعر‏:‏

ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني حلفت يمينا لا أخون أميني

يعني‏:‏ آمني‏.‏ وبهذا احتج من قال‏:‏ إنه أراد بالتين دمشق، وبالزيتون بيت المقدس‏.‏ فأقسم اللّه بجبل دمشق، لأنه مأوى عيسى عليه السلام، وبجبل بيت المقدس، لأنه مقام الأنبياء عليهم السلام، وبمكة لأنها أثر إبراهيم ودار محمد صلى اللّه عليه وسلم‏.‏

الآية رقم ‏(‏4 ‏:‏ 5‏)‏

‏{‏لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين‏}‏

قوله تعالى‏{‏لقد خلقنا الإنسان‏}‏ هذا جواب القسم، وأراد بالإنسان‏:‏ الكافر‏.‏ قيل‏:‏ هو الوليد بن المغيرة‏.‏ وقيل‏:‏ كلدة بن أسيد‏.‏ فعلى هذا نزلت في منكري البعث‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالإنسان آدم وذريته‏.‏ ‏{‏في أحسن تقويم‏}‏ وهو اعتداله واستواء شبابه؛ كذا قال عامة المفسرين‏.‏ وهو أحسن ما يكون؛ لأنه خلق كل شيء منكبا عل وجهه، وخلقه هو مستويا، وله لسان ذلق، ويد وأصابع يقبض بها‏.‏ وقال أبو بكر بن طاهر‏:‏ مُزيناً بالعقل، مُؤدياً للأمر، مَهدياً بالتمييز، مديد القامة؛ يتناول مأكوله بيده‏.‏ ابن العربي‏:‏ ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن اللّه خلقه حيا عالما، قادرا مريدا متكلما، سميعا بصيرا، مدبرا حكيما‏.‏ وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله‏:‏ ‏[‏إن اللّه خلق آدم على صورته‏]‏ يعني على صفاته التي قدمنا ذكرها‏.‏ وفي رواية ‏[‏على صورة الرحمن‏]‏ ومن أين تكون للرحمن صورة متشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معاني‏.‏ وقد أخبرنا المبارك بن عبدالجبار الأزدي قال‏:‏ أخبرنا القاضي أبو القاسم علي بن أبي علي القاضي المحسن عن أبيه قال‏:‏ كان عيسى بن موسى الهاشمي يحب زوجته حبا شديدا فقال لها يوما‏:‏ أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر؛ فنهضت واحتجبت عنه، وقالت‏:‏ طلقتني‏.‏ وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعا عظيما؛ فاستحضر الفقهاء واستفتاهم‏.‏ فقال جميع من حضر‏:‏ قد طلقت؛ إلا رجلا واحدا من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتا‏.‏ فقال له المنصور‏:‏ ما لك لا تتكلم‏؟‏ فقال له الرجل‏:‏ بسم اللّه الرحمن الرحيم‏{‏والتين والزيتون‏.‏ وطور سينين‏.‏ وهذا البلد الأمين‏.‏ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم‏}‏‏.‏ يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسن الأشياء، ولا شيء أحسن منه‏.‏ فقال المنصور لعيسى ابن موسى‏:‏ الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك‏.‏ وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل‏:‏ أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك‏.‏

فهذا يدلك على أن الإنسان أحسن خلق اللّه باطنا وظاهرا، جمال هيئة، وبديع تركيب الرأس بما فيه، والصدر بما جمعه، والبطن بما حواه، والفرج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه‏.‏ ولذلك قالت الفلاسفة‏:‏ إنه العالم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات جمع فيه‏.‏

قوله تعالى‏{‏ثم رددناه أسفل سافلين‏}‏ أي إلى أرذل العمر، وهو الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القوة، حتى يصير كالصبي في الحال الأول؛ قاله الضحاك والكلبي وغيرهما‏.‏ وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد‏{‏ثم رددناه أسفل سافلين‏}‏ إلى النار، يعني الكافر، وقال أبو العالية‏.‏ وقيل‏:‏ لما وصفه اللّه بتلك الصفات الجليلة التي ركب الإنسان عليها، طغى وعلا، حتى قال‏{‏أنا ربكم الأعلى‏}‏النازعات‏:‏ 24‏ وحين علم اللّه هذا من عبده، وقضاؤه صادر من عنده، رده أسفل سافلين؛ بأن جعله مملوءا قذرا، مشحونا نجاسة، وأخرجها على ظاهره إخراجا منكرا، على وجه الاختيار تارة، وعلى وجه الغلبة أخرى، حتى، إذا شاهد ذلك من أمره، رجع إل قدره‏.‏ وقرأ عبدالله ‏{‏أسفل السافلين‏}‏‏.‏ وقال؛ ‏{‏أسفل سافلين‏}‏ على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى جمع، ولو قال‏:‏ أسفل سافل جاز؛ لأن لفظ الإنسان واحد‏.‏ وتقول‏:‏ هذا أفضل قائم‏.‏ ولا تقول أفضل قائمين؛ لأنك تضمر لواحد، فإن كان الواحد غير مضمر له، رجع اسمه بالتوحيد والجمع؛ كقوله تعالى‏{‏والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون‏}‏الزمر‏:‏ 33‏‏.‏ وقوله تعالى‏{‏وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة‏}‏الشورى‏:‏ 48‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن معنى ‏{‏رددناه أسفل سافلين‏}‏ أي رددناه إلي الضلال؛ كما قال تعالى‏{‏إن الإنسان لفي خسر‏.‏ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ أي إلا هؤلاء، فلا يردون إلى ذلك‏.‏ والاستثناء على قول من قال ‏{‏أسفل سافلين‏}‏ النار، متصل‏.‏ ومن قال‏:‏ إنه الهرم فهو منقطع‏.‏

الآية رقم ‏(‏6‏)‏

‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون‏}‏

قوله تعالى‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ فإنه تكتب لهم حسناتهم، وتمحى عنهم سيئاتهم؛ قاله ابن عباس‏.‏ قال‏:‏ وهم الذين أدركهم الكبر، لا يؤاخذون بما عملوه في كبرهم‏.‏ وروى الضحاك عنه قال‏:‏ إذا كان العبد في شبابه كثير الصلاة كثير الصيام والصدقة، ثم ضعف عما كان يعمل في شبابه؛ أجرى اللّه عز وجل له ما كان يعمل في شبابه‏.‏ وفي حديث قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏[‏إذا سافر العبد أو مرض كتب اللّه له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا‏]‏‏.‏ وقيل‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات‏}‏ فإنه لا يخرف ولا يهرم، ولا يذهب عقل من كان عالما عاملا به‏.‏ وعن عاصم الأحول عن عكرمة قال‏:‏ من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر‏.‏ وروي عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال ‏[‏طوبى لمن طال عمره وحسن عمله‏]‏‏.‏ وروي‏:‏ إن العبد المؤمن إذا مات أمر اللّه ملكيه أن يتعبدا على قبره إلى يوم القيامة، ويكتب له ذلك‏.‏ ‏{‏فلهم أجر غير ممنون‏}‏ قال الضحاك‏:‏ أجر بغير عمل‏.‏ وقيل مقطوع‏.‏

الآية رقم ‏(‏7‏)‏

‏{‏فما يكذبك بعد بالدين‏}‏

قيل‏:‏ الخطاب للكافر؛ توبيخا وإلزاما للحجة‏.‏ أي إذا عرفت أيها الإنسان أن اللّه خلقك في أحسن تقويم، وأنه يردك إلى أرذل العمر، وينقلك من حال إلى حال؛ فما يحملك على أن تكذب بالبعث والجزاء، وقد أخبرك محمد صلى اللّه عليه وسلم به‏؟‏ وقيل‏:‏ الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم؛ أي استيقن مع ما جاءك من اللّه عز وجل، أنه أحكم الحاكمين‏.‏ روي معناه عن قتادة‏.‏ وقال قتادة أيضا والفراء‏:‏ المعنى فمن يكذبك أيها الرسول بعد هذا البيان بالدين‏.‏ واختاره الطبري‏.‏ كأنه قال‏:‏ فمن يقدر على ذلك؛ أي على تكذيبك بالثواب والعقاب، بعد ما ظهر من قدرتنا على خلق الإنسان والدين والجزاء‏.‏ قال الشاعر‏:‏

دنا تميما كما كانت أوائلنا دانت أوائلهم في سالف الزمن

الآية رقم ‏(‏8‏)‏

‏{‏أليس الله بأحكم الحاكمين‏}‏

أي أتقن الحاكمين صنعا في كل ما خلق‏.‏ وقيل‏{‏بأحكم الحاكمين‏}‏ قضاء بالحق، وعدلا بين الخلق‏.‏ وفيه تقدير لمن اعترف من الكفار بصانع قديم‏.‏ وألف الاستفهام إذا دخلت عل النفي وفي الكلام معنى التوقيف صار إيجابا، كما قال‏:‏

ألستم خير من ركب المطايا

وقيل‏{‏فما يكذبك بعد بالدين‏.‏ أليس اللّه بأحكم الحاكمين‏}‏‏:‏ منسوخة بآية السيف‏.‏ وقيل‏:‏ هي ثابتة؛ لأنه لا تنافي بينهما‏.‏ وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما إذا قرأ‏{‏أليس اللّه بأحكم الحاكمين‏}‏ قالا‏:‏ بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين؛ فيختار ذلك‏.‏ واللّه أعلم‏.‏ ورواه الترمذي عن أبي هريرة قال‏:‏ من قرأ سورة ‏{‏والتين والزيتون‏}‏ فقرأ ‏{‏أليس اللّه بأحكم الحاكمين‏}‏ فليقل‏:‏ بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين‏.‏ واللّه أعلم
 
سورة العلق
الآية رقم ‏(‏1‏)‏

‏{‏اقرأ باسم ربك الذي خلق‏}‏

هذه السورة أول ما نزل من القرآن؛ في قول معظم المفسرين‏.‏ نزل بها جبريل على النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو قائم على حراء، فعلمه خمس آيات من هذه السورة‏.‏ وقيل‏:‏ إن أول ما نزل ‏{‏يا أيها المدثر‏}‏المدثر‏:‏ 1‏‏، قاله جابر بن عبدالله؛ وقد تقدم‏.‏ وقيل‏:‏ فاتحة الكتاب أول ما نزل؛ قاله أبو ميسرة الهمداني‏.‏ وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه‏:‏ أول ما نزل من القرآن ‏{‏قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم‏}‏الأنعام‏:‏ 151‏‏ والصحيح الأول‏.‏ قالت عائشة‏:‏ أول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الرؤيا الصادقة؛ فجاءه الملك فقال‏{‏اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق‏.‏ اقرأ وربك الأكرم‏{‏‏.‏ ‏"‏خرجه البخاري‏"‏‏.‏

وفي الصحيحين عنها قالت‏:‏ أول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، يتحنث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك؛ ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها؛ حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال‏:‏ ‏[‏اقرأ‏]‏‏:‏ فقال‏:‏ ‏(‏ما أنا بقارئ - قال - فأخذني فغطني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني‏)‏ فقال‏:‏ ‏[‏أقرأ‏]‏ فقلت‏:‏ ‏[‏ما أنا بقارئ‏.‏ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال‏{‏اقرأ باسم ربك الذي خلق‏.‏ خلق الإنسان من علق‏.‏ اقرأ وربك الأكرم‏.‏ الذي علم بالقلم‏.‏ علم الإنسان ما لم يعلم‏]‏ الحديث بكامله‏.‏ وقال أبو رجاء العطاردي‏:‏ وكان أبو موسى الأشعري يطوف علينا في هذا المسجد‏:‏ مسجد البصرة، فيقعدنا حلقا، فيقرئنا القرآن؛ فكأني أنظر إليه بين ثوبين له أبيضين، وعنه أخذت هذه السورة‏{‏اقرأ باسم ربك الذي خلق‏}‏ وكانت أول سورة أنزلها اللّه على محمد صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ وروت عائشة رضي اللّه عنها أنها أول سورة أنزلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم بعدها ‏{‏ن والقلم‏}‏، ثم بعدها ‏{‏يا أيها المدثر‏}‏ ثم بعدها ‏{‏والضحى‏}‏ ذكره الماوردي‏.‏ وعن الزهري‏:‏ أول ما نزل سورة‏{‏اقرأ باسم ربك - إلى قوله - ما لم يعلم‏}‏، فحزن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وجعل يعلو شواهق الجبال، فأتاه جبريل فقال له‏:‏ ‏[‏إنك نبي اللّه‏]‏ فرجع إلى خديجة وقال‏:‏ ‏[‏دثروني وصبوا عليّ ماء باردا‏]‏ فنزل ‏{‏يا أيها المدثر‏}‏المدثر‏:‏ 1‏‏‏.‏ ومعنى ‏{‏اقرأ باسم ربك‏}‏ أي اقرأ ما أنزل إليك من القرآن مفتتحا باسم ربك، وهو أن تذكر التسمية في ابتداء كل سورة‏.‏ فمحل الباء من ‏{‏باسم ربك‏}‏ النصب على الحال‏.‏ وقيل‏:‏ الباء بمعنى على، أي اقرأ على اسم ربك‏.‏ يقال‏:‏ فعل كذا باسم اللّه، وعلى اسم اللّه‏.‏ وعلى هذا فالمقروء محذوف، أي اقرأ القرآن، وافتتحه باسم اللّه‏.‏ وقال قوم‏:‏ اسم ربك هو القرآن، فهو يقول‏{‏اقرأ باسم ربك‏}‏ أي اسم ربك، والباء زائدة؛ كقوله تعالى ‏{‏تنبت بالدهن‏}‏المؤمنون‏:‏ 20‏‏، وكما قال‏:‏

سود المحاجر لا يقرأن بالسور

أراد‏:‏ لا يقرأن السور‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏اقرأ باسم ربك‏}‏ أي اذكر اسمه‏.‏ أمره أن يبتدئ القراءة باسم اللّه‏.‏

الآية رقم ‏(‏2‏)‏

‏{‏خلق الإنسان من علق‏}‏

قوله تعالى‏{‏خلق الإنسان‏}‏ ‏{‏خلق الإنسان‏}‏ يعني ابن آدم‏.‏ ‏{‏من علق‏}‏ أي من دم؛ جمع علقة، والعلقة الدم الجامد؛ وإذا جرى فهو المسفوح‏.‏ وقال‏{‏من علق‏}‏ فذكره بلفظ الجمع؛ لأنه أراد بالإنسان الجمع، وكلهم خلقوا من علق بعد النطفة‏.‏ والعلقة‏:‏ قطعة من دم رطب، سميت بذلك لأنها تعلق لرطوبتها بما تمر عليه، فإذا جفت لم تكن علقة‏.‏ قال الشاعر‏:‏

تركناه يخر على يديه يمج عليهما علق الوتين

وخص الإنسان بالذكر تشريفا له‏.‏ وقيل‏:‏ أراد أن يبين قدر نعمته عليه، بأن خلقه من علقة مهينة، حتى صار بشرا سويا، وعاقلا مميزا‏.‏

الآية رقم ‏(‏3‏)‏

‏{‏اقرأ وربك الأكرم‏}‏

قوله تعالى‏{‏اقرأ‏}‏ تأكيد، وتم الكلام، ثم استأنف فقال‏{‏وربك الأكرم‏}‏ أي الكريم‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ يعني الحليم عن جهل العباد، فلم يعجل بعقوبتهم‏.‏ والأول أشبه بالمعنى، لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمه، دل بها على كرمه‏.‏ وقيل‏{‏اقرأ وربك‏}‏ أي اقرأ يا محمد وربك يعينك ويفهمك، وإن كنت غير القارئ‏.‏ و‏{‏الأكرم‏}‏ بمعنى المتجاوز عن جهل العباد‏.‏

الآية رقم ‏(‏4‏)‏

‏{‏الذي علم بالقلم‏}‏

قوله تعالى‏{‏الذي علم بالقلم‏}‏ يعني الخط والكتابة؛ أي علم الإنسان الخط بالقلم‏.‏ وروى سعيد عن قتادة قال‏:‏ القلم نعمة من اللّه تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش‏.‏ فدل على كمال كرمه سبحانه، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو‏.‏ وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب اللّه المنزلة إلا بالكتابة؛ ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا‏.‏ وسمي قلما لأنه يقلم؛ أي يقطع، ومنه تقليم الظفر‏.‏ وقال بعض الشعراء المحدثين يصف القلم‏:‏

فكأنه والحبر يخضب رأسه شيخ لوصل خريدة يتصنع

لم لا ألاحظه بعين جلالة وبه إلى الله الصحائف ترفع

وعن عبدالله بن عمر قال‏:‏ يا رسول اللّه، أأكتب ما أسمع منك من الحديث‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم فاكتب، فإن اللّه علم بالقلم‏)‏‏.‏ وروى مجاهد عن أبي عمر قال‏:‏ خلق اللّه عز وجل أربعة أشياء بيده، ثم قال لسائر الحيوان‏:‏ كن فكان‏:‏ القلم، والعرش، وجنة عدن، وآدم عليه السلام‏.‏ وفيمن علمه بالقلم ثلاثة أقاويل‏:‏ أحدها‏:‏ أنه آدم عليه السلام؛ لأنه أول من كتب، قاله كعب الأحبار‏.‏ الثاني‏:‏ أنه إدريس، وهو أول من كتب‏.‏ قال الضحاك‏.‏ الثالث‏:‏ أنه أدخل كل من كتب بالقلم؛ لأنه ما علم إلا بتعليم اللّه سبحانه، وجمع بذلك نعمته عليه في خلقه، وبين نعمته عليه في تعليمه؛ استكمالا للنعمة عليه‏.‏

صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من حديث أبي هريرة، قال‏:‏ ‏(‏لما خلق اللّه الخلق كتب في كتابه - فهو عنده فوق العرش ‏:‏ إن رحمتي تغلب غضبي‏)‏‏.‏ وثبت عنه عليه السلام أنه قال‏:‏ ‏(‏أول ما خلق اللّه‏:‏ القلم، فقال له اكتب، فكتب ما يكون إلى يوم القيامة، فهو عنده في الذكر فوق عرشه‏)‏‏.‏‏"‏وفي الصحيح من حديث ابن مسعود‏"‏ أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث اللّه إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم يقول، يا رب، أذكر أم أنثى‏؟‏ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول‏:‏ يا رب أجله، فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول يا رب رزقه، ليقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص، وقال تعالى‏{‏إن عليكم لحافظين‏.‏ كراما كاتبين‏}‏ الانفطار‏:‏ 10‏)‏

قال علماؤنا‏:‏ ف الأقلام في الأصل ثلاثة‏:‏ القلم الأول‏:‏ الذي خلقه اللّه بيده، وأمره أن يكتب‏.‏ والقلم الثاني‏:‏ أقلام الملائكة، جعلها اللّه بأيديهم يكتبون بها المقادير والكوائن والأعمال‏.‏ والقلم الثالث‏:‏ أقلام الناس، جعلها اللّه بأيديهم، يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مآربهم‏.‏ وفي الكتابة فضائل جمة‏.‏ والكتابة من جملة البيان، والبيان مما اختص به الآدمي‏.‏

قال علماؤنا‏:‏ كانت العرب أقل الخلق معرفة بالكتاب، وأقل العرب معرفة به المصطفى صلى اللّه عليه وسلم؛ صرف عن علمه، ليكون ذلك أثبت لمعجزته، وأقوى في حجته، وقد مضى هذا مبينا في سورة العنكبوت ‏.‏ وروى حماد بن سلمة عن الزبير بن عبدالسلام، عن أيوب بن عبدالله الفهري، عن عبدالله بن مسعود، قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تسكنوا نساءكم الغرف، ولا تعلموهن الكتابة‏)‏‏.‏ قال علماؤنا‏:‏ وإنما حذرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك، لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجل؛ وليس في ذلك تحصين لهن ولا تستر‏.‏ وذلك أنهن لا يملكن أنفسهن حتى يشرفن على الرجل؛ فتحدث الفتنة والبلاء؛ فحذرهم أن يجعلوا لهن غرفا ذريعة إلى الفتنة‏.‏ وهو كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ليس للنساء خير لهن من ألا يراهن الرجال، ولا يرين الرجال‏]‏‏.‏ وذلك أنها خلقت من الرجل، فنهمتها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشهوة، وجعلت سكنا له، فغير مأمون كل واحد منهما في صاحبه‏.‏ وكذلك تعليم الكتابة ربما كانت سببا للفتنة، وذلك إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى‏.‏ والكتابة عين من العيون، بها يبصر الشاهد الغائب، والخط هو آثار يده‏.‏ وفي ذلك تعبير عن الضمير بما لا ينطلق به اللسان، فهو أبلغ من اللسان‏.‏ فأحب رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن ينقطع عنهن أسباب الفتنة؛ تحصينا لهن، وطهارة لقلوبهن‏.‏

الآية رقم ‏(‏5‏)‏

‏{‏علم الإنسان ما لم يعلم‏}‏

قيل‏{‏الإنسان‏}‏ هنا آدم عليه السلام‏.‏ علمه أسماء كل شيء؛ حسب ما جاء به القرآن في قوله تعالى‏{‏وعلم آدم الأسماء كلها‏}‏‏.‏ فلم يبق شيء إلا وعلم سبحانه آدم اسمه بكل لغة، وذكره آدم للملائكة كما علمه‏.‏ وبذلك ظهر فضله، وتبين قدره، وثبتت نبوته، وقامت حجة اللّه على الملائكة وحجته، وامتثلت الملائكة الأمر لما رأت من شرف الحال، ورأت من جلال القدرة، وسمعت من عظيم الأمر‏.‏ ثم توارثت ذلك ذريته خلفا بعد سلف، وتناقلوه قوما عن قوم‏.‏ وقد مضى هذا في سورة البقرة مستوفى والحمد لله‏.‏ وقيل‏{‏الإنسان‏}‏ هنا الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم؛ دليله قوله تعالى‏{‏وعلمك ما لم تكن تعلم‏}‏النساء‏:‏ 113‏‏.‏ وعلى هذا فالمراد بـ ‏{‏علمك‏}‏ المستقبل؛ فإن هذا من أوائل ما نزل‏.‏ وقيل‏:‏ هو عام لقوله تعالى‏{‏والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا‏}‏النحل‏:‏ 78‏‏.‏

الآية رقم ‏(‏6 ‏:‏ 7‏)‏

‏{‏كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى‏}‏

قوله تعالى‏{‏كلا إن الإنسان ليطغى‏}‏ قيل‏:‏ إنه نزل في أبي جهل‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت السورة كلها في أبي جهل؛ نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الصلاة؛ فأمر اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يصلي في المسجد ويقرأ باسم الرب‏.‏ وعلى هذا فليست السورة من أوائل ما نزل‏.‏ ويجوز أن يكون خمس آيات من أولها أول ما نزلت، ثم نزلت البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور جرى بأمر من اللّه‏.‏ ألا ترى أن قوله تعالى‏{‏واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله‏}‏البقرة‏:‏ 281‏ آخر ما نزل، ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل‏.‏ و‏{‏كلا‏}‏ بمعنى حقا؛ إذ ليس قبله شيء‏.‏ والإنسان هنا أبو جهل‏.‏ والطغيان‏:‏ مجاوزة الحد في العصيان‏.‏ ‏{‏أن رآه‏}‏ أي لأن رأى نفسه استغنى؛ أي صار ذا مال وثروة‏.‏ وقال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه، قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل فقال‏:‏ يا محمد تزعم أنه من استغنى طغى؛ فاجعل لنا جبال مكة ذهبا، لعلنا نأخذ منها، فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك‏.‏ قال فأتاه جبريل عليه السلام فقال‏:‏ ‏(‏يا محمد خيرهم في ذلك فإن شاؤوا فعلنا بهم ما أرادوه‏:‏ فإن لم يسلموا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدة‏)‏‏.‏ فعلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن القوم لا يقبلون ذلك؛ فكف عنهم إبقاء عليهم‏.‏ وقيل‏{‏أن رآه استغنى‏}‏ بالعشيرة والأنصار والأعوان‏.‏ وحذف اللام من قوله ‏{‏أن رآه‏}‏ كما يقال‏:‏ إنكم لتطغون إن رأيتم غناكم‏.‏ وقال الفراء‏:‏ لم يقل رأى نفسه، كما قيل قتل نفسه؛ لأن رأى من الأفعال التي تريد اسما وخبرا، نحو الظن والحسبان، فلا يقتصر فيه على مفعول واحد‏.‏ والعرب تطرح النفس من هذا الجنس تقول‏:‏ رأيتني وحسبتني، ومتى تراك خارجا، ومتى تظنك خارجا‏.‏ وقرأ مجاهد وحميد وقنبل عن ابن كثير ‏{‏أن رآه استغنى‏}‏ بقصر الهمزة‏.‏ الباقون ‏{‏رآه‏}‏ بمدها، وهو الاختيار‏.‏

الآية رقم ‏(‏8‏)‏

‏{‏إن إلى ربك الرجعى‏}‏

أي مرجع من هذا وصفه، فنجازيه‏.‏ والرجعى والمرجع والرجوع‏:‏ مصادر؛ يقال‏:‏ رجع إليه رجوعا ومرجعا‏.‏ ورجعى؛ على وزن فعلى‏.‏

الآية رقم ‏(‏9 ‏:‏ 10‏)‏

‏{‏أرأيت الذي ينهى، عبدا إذا صلى‏}‏

قوله تعالى‏{‏أرأيت الذي ينهى‏}‏ وهو أبو جهل ‏{‏عبدا‏}‏ وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ فإن أبا جهل قال‏:‏ إن رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه؛ قاله أبو هريرة‏.‏ فأنزل اللّه هذه الآيات تعجبا منه‏.‏ وقيل‏:‏ في الكلام حذف؛ والمعنى‏:‏ أمن هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة‏.‏

الآية رقم ‏(‏11 ‏:‏ 12‏)‏

‏{‏أرأيت إن كان على الهدى، أو أمر بالتقوى‏}‏

أي أرأيت يا أبا جهل إن كان محمد على هذه الصفة، أليس ناهيه عن التقوى والصلاة هالكا‏؟‏

الآية رقم ‏(‏13 ‏:‏ 14‏)‏

‏{‏أرأيت إن كذب وتولى، ألم يعلم بأن الله يرى‏}‏

يعني أبا جهل كذب بكتاب اللّه عز وجل، وأعرض عن الإيمان‏.‏ وقال الفراء‏:‏ المعنى ‏{‏أرأيت الذي ينهى‏.‏ عبدا إذا صلى‏}‏ وهو على الهدى، وأمر بالتقوى، والناهي مكذب متول عن الذكر؛ أي فما أعجب هذا‏!‏ ثم يقول‏:‏ ويله ألم يعلم أبو جهل بأن اللّه يرى؛ أي يراه ويعلم فعله؛ فهو تقرير وتوبيخ‏.‏ وقيل‏:‏ كل واحد من ‏{‏أرأيت‏}‏ بدل من الأول‏.‏ و‏{‏ألم يعلم بأن اللّه يرى‏}‏ الخبر‏.‏

الآية رقم ‏(‏15 ‏:‏ 16‏)‏

‏{‏كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية، ناصية كاذبة خاطئة‏}‏

قوله تعالى‏{‏كلا لئن لم ينته‏}‏ أي أبو جهل عن أذاك يا محمد‏.‏ ‏{‏لنسفع بالناصية‏}‏ ‏{‏لنسفعا‏}‏ أي لنأخذن ‏{‏بالناصية‏}‏ فلنذلنه‏.‏ وقيل‏:‏ لنأخذن بناصيته يوم القيامة، وتطوى مع قدميه، ويطرح في النار، كما قال تعالى‏{‏فيؤخذ بالنواصي والأقدام‏}‏الرحمن‏:‏ 41‏‏.‏ فالآية - وإن كانت في أبي جهل - فهي عظة للناس، وتهديد لمن يمتنع أو يمنع غيره عن الطاعة‏.‏ وأهل اللغة يقولون‏:‏ سفعت بالشيء‏:‏ إذا قبضت عليه وجذبته جذبا شديدا‏.‏ ويقال‏:‏ سفع بناصية فرسه‏.‏ قال‏:‏

قوم إذا كثر الصياح رأيتهم من بين ملجم مهره أو سافع

وقيل‏:‏ هو مأخوذ من سفعته النار والشمس‏:‏ إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد؛ كما قال‏:‏

أثافي سفعا في معرس مرجل ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع

والناصية‏:‏ شعر مقدم الرأس‏.‏ وقد يعبر بها عن جملة الإنسان؛ كما يقال‏:‏ هذه ناصية مباركة؛ إشارة إلى جميع الإنسان‏.‏ وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته‏.‏ وقال المبرد‏:‏ السفع‏:‏ الجذب بشدة؛ أي لنجرن بناصيته إلى النار‏.‏ وقيل‏:‏ السفع الضرب؛ أي لنلطمن وجهه‏.‏ وكله متقارب المعنى‏.‏ أي يجمع عليه الضرب عند الأخذ؛ ثم يجر إلى جهنم‏.‏ ثم قال على البدل‏{‏ناصية كاذبة خاطئة‏}‏ أي ناصية أبي جهل كاذبة في قولها، خاطئة في فعلها‏.‏ والخاطئ معاقب مأخوذ‏.‏ والمخطئ غير مأخوذ‏.‏ ووصف الناصية بالكاذبة الخاطئة، كوصف الوجوه بالنظر في قوله تعالى‏{‏إلى ربها ناظرة‏}‏القيامة‏:‏ 23‏‏.‏ وقيل‏:‏ أي صاحبها كاذب خاطئ؛ كما يقال‏:‏ نهاره صائم، وليله قائم؛ أي هو صائم في نهاره، ثم قائم في ليله‏.‏

الآية رقم ‏(‏17 ‏:‏ 18‏)‏

‏{‏فليدع ناديه، سندع الزبانية‏}‏

قوله تعالى‏{‏فليدع ناديه‏}‏ أي أهل مجلسه وعشيرته، فليستنصر بهم‏.‏ ‏{‏سندع الزبانية‏}‏ أي الملائكة الغلاط الشداد - عن ابن عباس وغيره - واحدهم زبني؛ قاله الكسائي‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ زابن‏.‏ أبو عبيدة‏:‏ زبنية‏.‏ وقيل‏:‏ زباني‏.‏ وقيل‏:‏ هو اسم للجمع؛ كالأبابيل والعباديد‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هم الشرط في كلام العرب‏.‏ وهو مأخوذ من الزبن وهو الدفع؛ ومنه المزابنة في البيع‏.‏ وقيل‏:‏ إنما سموا الزبانية لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم؛ حكاه أبو الليث السمرقندي - رحمه اللّه - قال‏:‏ وروي في الخبر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما قرأ هذه السورة، وبلغ إلى قوله تعالى‏{‏لنسفعا بالناصية‏}‏ قال أبو جهل‏:‏ أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك‏.‏ فقال اللّه تعالى‏{‏فليدع ناديه، سندع الزبانية‏}‏‏.‏ فلما سمع ذكر الزبانية رجع فزعا؛ فقيل له‏:‏ خشيت منه قال لا ولكن رأيت عنده فارسا يهددني بالزبانية‏.‏ فما أدري ما الزبانية، ومال إلي الفارس، فخشيت منه أن يأكلني‏.‏ وفي الأخبار أن الزبانية رؤوسهم في السماء وأرجلهم في الأرض، فهم يدفعون الكفار في جهنم وقيل‏:‏ إنهم أعظم الملائكة خلقا، وأشدهم بطشا‏.‏ والعرب تطلق هذا الاسم على من أشتد بطشه‏.‏ قال الشاعر‏:‏

مطاعيم في القصوى مطاعين في الوغى زبانية غلب عطام حلومها

وعن عكرمة عن ابن عباس‏{‏سندع الزبانية‏}‏ قال‏:‏ قال أبو جهل‏:‏ لئن رأيت محمدا يصلي لأطأن على عنقه‏.‏ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لو فعل لأخذته الملائكة عيانا‏)‏‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديث حسن صحيح غريب‏.‏ وروى عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ مر أبو جهل على النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يصلي عند المقام، فقال‏:‏ ألم أنهك عن هذا يا محمد فأغلظ له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ فقال أبو جهل‏:‏ بأي شيء تهددني يا محمد، واللّه إني لأكثر أهل الوادي هذا ناديا؛ فأنزل اللّه عز وجل‏{‏فليدع ناديه‏.‏ سندع الزبانية‏}‏‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ واللّه لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب من ساعته‏.‏‏"‏ أخرجه الترمذي‏"‏ بمعناه، وقال‏:‏ حسن غريب صحيح‏.‏ والنادي في كلام العرب ‏:‏ المجلس الذي ينتدي فيه القوم؛ أي يجتمعون، والمراد أهل النادي؛ كما قال جرير‏:‏

لهم مجلس صهب السبال أذلة

وقال زهير‏:‏

وفيهم مقامات حسان وجوههم

وقال آخر‏:‏

واستب بعدك يا كليب المجلس

وقد ناديت الرجل أناديه إذا جالسته‏.‏ قال زهير‏:‏

وجار البيت والرجل المنادي أمام الحي عقدهما سواء

الآية رقم ‏(‏19‏)‏

‏{‏كلا لا تطعه واسجد واقترب‏}‏

قوله تعالى‏{‏كلا‏}‏ أي ليس الأمر على ما يظنه أبو جهل‏.‏ ‏{‏لا تطعه‏}‏ أي فيما دعاك إليه من ترك الصلاة‏.‏ ‏{‏واسجد‏}‏ أي صل لله ‏{‏واقترب‏}‏ أي تقرب إلى اللّه جل ثناؤه بالطاعة والعبادة‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى‏:‏ إذا سجدت فاقترب من اللّه بالدعاء‏.‏ روى عطاء عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أقرب ما يكون العبد من ربه، وأحبه إليه، جبهته في الأرض ساجدا لله ‏)‏‏.‏

قال علماؤنا‏:‏ وإنما كان ذلك لأنها نهاية العبودية والذلة؛ ولله غاية العزة، وله العزة التي لا مقدار لها؛ فكلما بعدت من صفته، قربت من جنته، ودنوت من جواره في داره‏.‏ وفي الحديث الصحيح‏:‏ أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏[‏أما الركوع فعظموا فيه الرب‏.‏ وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فإنه قمن أن يستجاب لكم‏]‏‏.‏ ولقد أحسن من قال‏:‏

وإذا تذللت الرقاب تواضعا منا إليك فعزها في ذلها

وقال زيد بن أسلم‏:‏ اسجد أنت يا محمد مصليا، واقترب أنت يا أبا جهل من النار‏.‏

قوله تعالى‏{‏واسجد‏}‏ هذا من السجود‏.‏ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة‏.‏ قال ابن العربي والظاهر أنه سجود الصلاة لقوله تعالى‏{‏أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى - إلى قوله - كلا لا تطعه واسجد واقترب‏}‏، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم وغيره من الأئمة عن أبي هريرة أنه قال‏:‏ سجدت مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ‏{‏إذا السماء انشقت‏}‏الإنشقاق‏:‏ 1‏‏، وفي ‏{‏اقرأ باسم ربك الذي خلق‏}‏العلق‏:‏ 1‏‏ سجدتين، فكان هذا نصا على أن المراد سجود التلاوة‏.‏ وقد روى ابن وهب، عن حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، قال‏:‏ عزائم السجود أربع‏{‏ألم‏}‏ و‏{‏حم تنزيل من الرحمن الرحيم‏}‏ و‏{‏النجم‏}‏ و‏{‏اقرأ باسم ربك‏}‏‏.‏ وقال ابن العربي‏:‏ وهذا إن صح يلزم عليه السجود الثاني من سورة الحج ، وإن كان مقترنا بالركوع؛ لأنه يكون معناه اركعوا في موضع الركوع، واسجدوا في موضع السجود‏.‏ وقد قال ابن نافع ومطرف‏:‏ وكان مالك يسجد في خاصة نفسه بخاتمة هذه السورة من ‏{‏اقرأ باسم ربك‏}‏ وابن وهب يراها من العزائم‏.‏

قلت‏:‏ وقد روينا من حديث مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن نافع عن ابن عمر قال‏:‏ لما أنزل اللّه تعالى ‏{‏اقرأ باسم ربك الذي خلق‏}‏العلق‏:‏ 1‏‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لمعاذ‏:‏ ‏[‏اكتبها يا معاذ‏]‏ فأخذ معاذ اللوح والقلم والنون - وهي الدواة - فكتبها معاذ؛ فلما بلغ ‏{‏كلا لا تطعه واسجد واقترب‏}‏ سجد اللوح، وسجد القلم، وسجدت النون، وهم يقولون‏:‏ اللهم ارفع به ذكرا، اللهم احطط به وزرا، اللهم اغفر به ذنبا‏.‏ قال معاذ‏:‏ سجدت، وأخبرت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فسجد‏.‏

ختمت السورة‏.‏ والحمد لله على ما فتح ومنح وأعطى‏.‏ وله الحمد والمنة‏.‏
 
سورة القدر

الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 3‏)‏

‏{‏إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر‏}‏

قوله تعالى‏{‏إنا أنزلناه‏}‏ يعني القرآن، وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة؛ لأن المعنى معلوم، والقرآن كله كالسورة الواحدة‏.‏ وقد قال‏{‏شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن‏}‏البقرة‏:‏ 185‏وقال‏{‏حم‏.‏ والكتاب المبين‏.‏ إنا أنزلناه في ليلة مباركة‏}‏، ‏[‏الدخان‏:‏ 3‏]‏ يريد‏:‏ في ليلة القدر‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ المعنى إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر‏.‏ وقيل‏:‏ بل نزل به جبريل عليه السلام جملة واحدة في ليلة القدر، من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، إلى بيت العزة، وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان جبريل ينزله على النبي صلى اللّه عليه وسلم نجوما نجوما‏.‏ وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة؛ قال ابن عباس، وقد تقدم في سورة البقرة ‏.‏ وحكى الماوردي عن ابن عباس قال‏:‏ نزل القرآن في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، في ليلة مباركة، جملة واحدة من عند اللّه، من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا؛ فنجمته السفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبي صلى اللّه عليه وسلم عشرين سنة‏.‏ قال ابن العربي‏{‏وهذا باطل؛ ليس بين جبريل وبين اللّه واسطة، ولا بين جبريل ومحمد عليهما السلام واسطة‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏في ليلة القدر‏}‏ قال مجاهد‏:‏ في ليلة الحكم‏.‏ ‏{‏وما أدراك ما ليلة القدر‏}‏ قال‏:‏ ليلة الحكم‏.‏ والمعنى ليلة التقدير؛ سمين بذلك لأن اللّه تعالى يقدر فيها ما يشاء من أمره، إلى مثلها من السنة القابلة؛ من أمر الموت والأجل والرزق وغيره‏.‏ ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة‏:‏ إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل‏.‏ عليهم السلام‏.‏ وعن ابن عباس قال‏:‏ يكتب من أم الكتاب ما يكون في السنة من رزق ومطر وحياة وموت، حتى الحاج‏.‏ قال عكرمة‏:‏ يكتب حاج بيت اللّه تعالى في ليلة القدر بأسمائهم وأسماء أبائهم، ما يغادر منهم أحد، ولا يزاد فيهم‏.‏ وقاله سعيد بن جبير‏.‏ وقد مضى في أول سورة الدخان هذا المعنى‏.‏ وعن ابن عباس أيضا‏:‏ أن اللّه تعالى يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر‏.‏ وقيل‏:‏ إنما سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها، من قولهم‏:‏ لفلان قدر؛ أي شرف ومنزلة‏.‏ قال الزهري وغيره‏.‏ وقيل‏:‏ سميت بذلك لأن للطاعات فيها قدرا عظيما، وثوابا جزيلا‏.‏ وقال أبو بكر الوراق‏:‏ سميت بذلك لأن من لم يكن له قدر ولا خطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها‏.‏ وقيل‏:‏ سميت بذلك لأنه أنزل فيها كتابا ذا قدر، على رسول ذي قدر، على أمة ذات قدر‏.‏ وقيل‏:‏ لأنه ينزل فيها ملائكة ذوي قدر وخطر‏.‏ وقيل‏:‏ لأن اللّه تعالى ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة‏.‏ وقال سهل‏:‏ سميت بذلك لأن اللّه تعالى قدر فيها الرحمة على المؤمنين‏.‏ وقال‏:‏ الخليل‏:‏ لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة؛ كقوله تعالى‏{‏ومن قدر عليه رزقه‏}‏الطلاق‏:‏ 7‏ أي ضيق‏.‏ قال الفراء‏:‏ كل ما في القرآن من قوله تعالى‏{‏وما أدراك‏}‏ فقد أدراه‏.‏ وما كان من قوله‏{‏وما يدريك‏}‏الأحزاب‏:‏ 63‏‏ فلم يدره‏.‏ وقاله سفيان، وقد تقدم‏.‏

قوله تعالى‏{‏ليلة القدر خير من ألف شهر‏{‏ بين فضلها وعظمها‏.‏ وفضيلة الزمان إنما تكون بكثرة ما يقع فيه من الفضائل‏.‏ وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر‏.‏ واللّه أعلم‏.‏ وقال كثير من المفسرين‏:‏ أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر‏.‏ وقال أبو العالية‏:‏ ليلة القدر خير من ألف شهر لا تكون فيه ليلة القدر‏.‏ وقيل‏:‏ عنى بألف شهر جميع الدهر؛ لأن العرب تذكر الألف في غاية الأشياء؛ كما قال تعالى‏{‏يود أحدهم لو يعمر ألف سنة‏}‏البقرة‏:‏ 96‏‏ يعني جميع الدهر‏.‏ وقيل‏:‏ إن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابدا حتى يعبد اللّه ألف شهر، ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر، فجعل اللّه تعالى لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم عبادة ليلة خيرا من ألف شهر كانوا يعبدونها‏.‏ وقال أبو بكر الوراق‏:‏ كان ملك سليمان خمسمائة شهر، وملك ذي القرنين خمسمائة شهر فصار ملكهما ألف شهر؛ فجعل اللّه تعالى العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيرا من ملكهما‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ إن النبي صلى اللّه عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل اللّه ألف شهر؛ فعجب المسلمون من ذلك؛ فنزلت ‏{‏إنا أنزلناه‏}‏الدخان‏:‏ 3‏الآية‏.‏ ‏{‏خير من ألف شهر‏}‏، التي لبس فيها الرجل سلاحه في سبيل اللّه‏.‏ ونحوه عن ابن عباس‏.‏ وهب بن منبه‏:‏ إن ذلك الرجل كان مسلما، وإن أمه جعلته نذرا لله، وكان من قرية قوم يعبدون الأصنام، وكان سكن قريبا منها؛ فجعل يغزوهم وحده، ويقتل ويسبي ويجاهد، وكان لا يلقاهم إلا بلحيي بعير، وكان إذا قاتلهم وقاتلوه وعطش، انفجر له من اللحيين ماء عذب، فيشرب منه، وكان قد أعطي قوة في البطش، لا يوجعه حديد ولا غيره‏:‏ وكان اسمه شمسون‏.‏ وقال كعب الأحبار‏:‏ كان رجلا ملكا في بني إسرائيل، فعل خصلة واحدة، فأوحى اللّه إلى نبي زمانهم‏:‏ قل لفلان يتمنى‏.‏ فقال‏:‏ يا رب أتمنى أن أجاهد بمالي وولدي ونفسي، فرزقه اللّه ألف ولد، فكان يجهز الولد بماله في عسكر، ويخرجه مجاهدا في سبيل، اللّه، فيقوم شهرا ويقتل ذلك الولد، ثم يجهز آخر في عسكر، فكان كل ولد يقتل في الشهر، والملك مع ذلك قائم الليل، صائم النهار؛ فقتل الألف ولد في ألف شهر، ثم تقدم فقاتل فقتل‏.‏ فقال الناس‏:‏ لا أحد يدرك منزلة هذا الملك؛ فأنزل اللّه تعالى‏{‏ليلة القدر خير من ألف شهر‏}‏ من شهور ذلك الملك، في القيام والصيام والجهاد بالمال والنفس والأولاد في سبيل اللّه‏.‏ وقال عليّ وعروة‏:‏ ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم أربعة من بني إسرائيل، فقال ‏(‏عبدوا اللّه ثمانين سنة، لم يعصوا طرفة عين‏)‏؛ فذكر أيوب وزكريا، وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون؛ فعجب أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم من ذلك‏.‏ فأتاه جبريل فقال‏:‏ يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا اللّه طرفة عين، فقد أنزل اللّه عليك خيرا من ذلك؛ ثم قرأ‏{‏إنا أنزلناه في ليلة القدر‏}‏‏.‏ فسر بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ ‏"‏وقال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره‏"‏‏:‏ سمعت من أثق به يقول‏:‏ إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أري أعمار الأمم قبله، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر؛ فأعطاه اللّه تعالى ليلة القدر، وجعلها خيرا من ألف شهر‏.‏ وفي الترمذي‏.‏ عن الحسن بن علي رضي اللّه عنهما‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أري بني أمية على منبره، فساءه ذلك؛ فنزلت ‏{‏إنا أعطيناك الكوثر‏}‏الكوثر‏:‏ 1‏]‏، يعني نهرا في الجنة‏.‏ ونزلت ‏{‏إنا أنزلناه في ليلة القدر‏.‏ وما أدراك ما ليلة القدر‏.‏ ليلة القدر خير من الف شهر‏}‏ يملكها بعدك بنو أمية‏.‏ قال القاسم بن الفضل الحداني‏:‏ فعددناها، فإذا هي ألف شهر، لا تزيد يوما، ولا تنقص يوما‏.‏ قال‏:‏ حديث غريب‏.‏

الآية رقم ‏(‏4‏)‏

‏{‏تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر‏}‏

قوله تعالى‏{‏تنزل الملائكة‏}‏ أي تهبط من كل سماء، ومن سدرة المنتهى؛ ومسكن جبريل على وسطها‏.‏ فينزلون إلى الأرض ويؤمنون على دعاء الناس، إلى وقت طلوع الفجر؛ فذلك قوله تعالى‏{‏تنزل الملائكة‏}‏‏.‏ ‏{‏والروح فيها بإذن ربهم‏}‏ أي جبريل عليه السلام‏.‏ وحكى القشيري‏:‏ أن الروح صنف من الملائكة، جعلوا حفظة على سائرهم، وأن الملائكة لا يرونهم، كما لا نرى نحن الملائكة‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ هم أشرف الملائكة‏.‏ وأقربهم من اللّه تعالى‏.‏ وقيل‏:‏ إنهم جند من جند اللّه عز وجل من غير الملائكة‏.‏ رواه مجاهد عن ابن عباس مرفوعا؛ ذكره الماوردي وحكى القشيري‏:‏ قيل هم صنف من خلق اللّه يأكلون الطعام، ولهم أيد وأرجل؛ وليسوا ملائكة‏.‏ وقيل‏{‏الروح‏}‏ خلق عظيم يقوم صفا، والملائكة كلهم صفا‏.‏ وقيل‏{‏الروح‏}‏ الرحمة ينزل بها جبريل عليه السلام مع الملائكة في هذه الليلة على أهلها؛ دليله‏{‏ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده‏}‏النحل‏:‏ 2‏‏، أي بالرحمة‏.‏ ‏{‏فيها‏}‏ أي في ليلة القدر‏.‏ ‏{‏بإذن ربهم‏}‏ أي بأمره‏.‏ ‏{‏من كل أمر‏}‏ أمر بكل أمر قدره اللّه وقضاه في تلك السنة إلى قابل؛ قاله ابن عباس؛ كقوله تعالى‏{‏يحفظونه من أمر الله‏}‏الرعد‏:‏ 11‏ أي بأمر اللّه‏.‏ وقراءة العامة ‏{‏تنزل‏}‏ بفتح التاء؛ إلا أن البزي شدد التاء‏.‏ وقرأ طلحة بن مصرف وابن السميقع، بضم التاء على الفعل المجهول‏.‏ وقرأ علي وابن عباس وعكرمة والكلبي ‏{‏من كل امرئ‏}‏‏.‏ وروي عن ابن عباس أن معناه‏:‏ من كل ملك؛ وتأولها الكلبي على أن جبريل ينزل فيها مع الملائكة، فيسلمون على كل امرئ مسلم‏.‏ ‏{‏فمن‏}‏ بمعنى على‏.‏ وعن أنس قال‏:‏ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏{‏إذا كان ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة، يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر اللّه تعالى‏.‏

الآية رقم ‏(‏5‏)‏

‏{‏سلام هي حتى مطلع الفجر‏}‏

قيل‏:‏ إن تمام الكلام ‏{‏من كل أمر‏}‏ ثم قال ‏{‏سلام‏}‏‏.‏ روي ذلك عن نافع وغيره؛ أي ليلة القدر سلامة وخير كلها لا شر فيها‏.‏ ‏{‏حتى مطلع الفجر‏}‏ أي إلى طلوع الفجر‏.‏ قال الضحاك‏:‏ لا يقدر اللّه في تلك الليلة إلا السلامة، وفي سائر الليالي يقضي بالبلايا والسلامة وقيل‏:‏ أي هي سلام؛ أي ذات سلامة من أن يؤثر فيها شيطان في مؤمن ومؤمنة‏.‏ وكذا قال مجاهد‏:‏ هي ليلة سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا أذى‏.‏ وروي مرفوعا‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ هو تسليم الملائكة على أهل المساجد، من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر؛ يمرون على كل مؤمن، ويقولون‏:‏ السلام عليك أيها المؤمن‏.‏ وقيل‏:‏ يعني سلام الملائكة بعضهم على بعض فيها‏.‏ وقال قتادة‏{‏سلام هي‏}‏‏:‏ خير هي‏.‏ ‏{‏حتى مطلع الفجر‏}‏ أي إلى مطلع الفجر‏.‏ وقرأ الكسائي وابن محيصن ‏{‏مطلع‏}‏ بكسر اللام، الباقون بالفتح‏.‏ والفتح والكسر‏:‏ لغتان في المصدر‏.‏ والفتح الأصل في فعل يفعل؛ نحو المقتل والمخرج‏.‏ والكسر على أنه مما شذ عن قياسه؛ نحو المشرق والمغرب والمنبت والمسكن والمنسك والمحشر والمسقط والمجزر‏.‏ حكى في ذلك كله الفتح والكسر، على أن يراد به المصدر لا الاسم‏.‏

وهنا ثلاث مسائل‏:‏ الأولى‏:‏ في تعيين ليلة القدر؛ وقد اختلف العلماء في ذلك‏.‏ والذي عليه المعظم أنها ليلة سبع وعشرين؛ لحديث زر بن حبيش قال‏:‏ قلت لأبي بن كعب‏:‏ إن أخاك عبدالله بن مسعود يقول‏:‏ من يقم الحول يصب ليلة القدر‏.‏ فقال‏:‏ يغفر اللّه لأبي عبدالرحمن‏!‏ لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين؛ ولكنه أراد ألا يتكل الناس؛ ثم حلف لا يستثني‏:‏ أنها ليلة سبع وعشرين‏.‏ قال قلت‏:‏ بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر‏؟‏ قال‏:‏ بالآية التي أخبرنا بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، أو بالعلامة أن الشمس تطلع يومئذ لا شعاع لها‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ وخرجه مسلم‏.‏ وقيل‏:‏ هي في شهر رمضان دون سائر العام؛ قاله أبو هريرة وغيره‏.‏ وقيل‏:‏ هي في ليالي السنة كلها‏.‏ فمن علق طلاق امرأته أو عتق عبده بليلة القدر، لم يقع العتق والطلاق إلا بعد مضى سنة من يوم حلف‏.‏ لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت؛ فلا ينبغي وقوع الطلاق إلا بمضى حول‏.‏ وكذلك العتق؛ وما كان مثله من يمين أو غيره‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ من يقم الحول يصبها؛ فبلغ ذلك ابن عمر، فقال‏:‏ يرحم اللّه أبا عبدالرحمن‏!‏ أما إنه علم أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان، ولكنه أراد ألا يتكل الناس‏.‏ وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة أنها في جميع السنة‏.‏ وقيل عنه‏:‏ إنها رفعت - يعني ليلة القدر - وأنها إنما كانت مرة واحدة؛ والصحيح أنها باقية‏.‏ وروي عن ابن مسعود أيضا‏:‏ أنها إذا كانت في يوم من هذه السنة، كانت في العام المقبل في يوم آخر‏.‏ والجمهور على أنها في كل عام من رمضان‏.‏ ثم قيل‏:‏ إنها الليلة الأولى من الشهر؛ قال أبو رزين العقيلي‏.‏ وقال الحسن وابن إسحاق وعبدالله بن الزبير‏:‏ هي ليلة سبع عشرة من رمضان، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر‏.‏ كأنهم نزعوا بقوله تعالى‏{‏وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان‏}‏الأنفال‏:‏ 41‏‏، وكان ذلك ليلة سبع عشرة، وقيل هي ليلة التاسع عشر‏.‏ والصحيح المشهور‏:‏ أنها في العشر الأواخر من رمضان؛ وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي وأبي ثور وأحمد‏.‏ ثم قال قوم‏:‏ هي ليلة الحادي والعشرين‏.‏ ومال إليه الشافعي رضي اللّه عنه، لحديث الماء والطين ورواه أبو سعيد الخدري، خرجه مالك وغيره‏.‏ وقيل ليلة الثالث والعشرين؛ لما رواه ابن عمر أن رجلا قال‏:‏ يا رسول اللّه إني رأيت ليلة القدر في سابعة تبقى‏.‏ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين، فمن أراد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين‏)‏‏.‏ قال معمر‏:‏ فكان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس طيبا‏.‏ وفي صحيح مسلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إني رأيت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين‏)‏‏.‏ قال عبدالله بن أنيس‏:‏ فرأيته في صبيحة ليلة ثلاث وعشرين في الماء والطين، كما أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ ليلة خمس وعشرين؛ لحديث أبي سعيد الخدري‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏التمسوها في العشر‏.‏ الأواخر في تاسعة تبقى، في سابعه تبقى، في خامسة تبقى‏)‏‏.‏‏"‏ رواه مسلم،‏"‏ قال مالك‏:‏ يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين‏.‏ وقيل‏:‏ ليلة سبع وعشرين‏.‏ وقد مضى دليله، وهو قول علي رضي اللّه عنه وعائشة ومعاوية وأبيّ بن كعب‏.‏ وروى ابن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من كان متحريا ليلة القدر، فليتحرها ليلة سبع وعشرين ‏(‏‏.‏

وقال أبيّ بن كعب‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏ليلة القدر ليلة سبع وعشرين‏)‏‏.‏ وقال أبو بكر الوراق‏:‏ إن اللّه تعالى قسم ليالي هذا الشهر - شهر رمضان - على كلمات هذه السورة، فلما بلغ السابعة والعشرين أشار إليها فقال‏:‏ هي وأيضا فإن ليلة القدر كرر ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فتجيء سبعا وعشرين‏.‏ وقيل‏:‏ هي ليلة تسع وعشرين؛ لما روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال ليلة القدر التاسعة والعشرون - أو السابعة والعشرون - وأن الملائكة في تلك الليلة بعدد الحصى ‏.‏ وقد قيل‏:‏ إنها في الأشفاع‏.‏ قال الحسن‏:‏ ارتقبت الشمس ليلة أربع وعشرين عشرين سنة، فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها‏.‏ يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة‏.‏ وقيل إنها مستورة في جميع السنة، ليجتهد المرء في إحياء جميع الليالي‏.‏ وقيل‏:‏ أخفاها في جميع شهر رمضان، ليجتهدوا في العمل والعبادة ليالي شهر رمضان، طمعا في إدراكها، كما أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات، واسمه الأعظم في أسمائه الحسنى، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة وساعات الليل، وغضبه في المعاصي، ورضاه في الطاعات، وقيام الساعة في الأوقات، والعبد الصالح بين العباد؛ رحمة منه وحكمة‏.‏

الثانية‏:‏ في علاماتها‏:‏ منها أن الشمس، تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها‏.‏ وقال الحسن قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في ليلة القدر‏:‏ ‏(‏إن من أماراتها‏:‏ أنها ليلة سمحة بلجة، لا حارة ولا باردة، تطلع، الشمس صبيحتها ليس لها شعاع‏)‏‏.‏ وقال عبيد بن عمير‏:‏ كنت ليلة السابع والعشرين في البحر، فأخذت من مائه، فوجدته عذبا سلسا‏.‏

الثالثة‏:‏ في فضائلها‏.‏ وحسبك بقوله تعالى‏{‏ليلة القدر خير من ألف شهر‏}‏ وقوله تعالى‏{‏تنزل الملائكة والروح فيه‏}‏‏.‏‏"‏ وفي الصحيحين‏"‏‏:‏ ‏(‏من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه‏)‏ رواه أبو هريرة‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا كان ليلة القدر، تنزل الملائكة الذين هم سكان سدرة المنتهى، منهم جبريل، ومعهم ألوية ينصب منها لواء على قبري، ولواء على بيت المقدس، ولواء على المسجد الحرام، ولواء على طور سيناء، ولا تدع فيها مؤمنا ولا مؤمنة إلا تسلم عليه، إلا مدمن الخمر، وآكل الخنزير، والمتضمخ بالزعفران‏)‏‏:‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏إن الشيطان لا يخرج في هذه الليلة حتى يضيء فجرها، ولا يستطيع أن يصيب فيها أحدا بخبل ولا شيء من الفساد، ولا ينفذ فيها سحر ساحر‏{‏‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ وليلها كيومها، ويومها كليلها‏.‏ وقال الفراء؛ لا يقدر اللّه في ليلة القدر إلا السعادة والنعم، ويقدر في غيرها البلايا والنقم؛ وقد تقدم عن الضحاك‏.‏ ومثله لا يقال من جهة الرأي، فهو مرفوع‏.‏ واللّه أعلم‏.‏‏"‏ وقال سعيد بن المسيب في الموطأ‏"‏‏:‏ ‏(‏من شهد العشاء من ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها‏)‏، ومثله لا يدرك بالرأي‏.‏ وقد روى عبيدالله بن عامر بن ربيعة‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من صلى صلاة المغرب والعشاء الآخرة من ليلة القدر في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر‏)‏ ذكره الثعلبي في تفسيره‏.‏ وقالت عائشة رضي اللّه عنها‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول اللّه إن وافقت ليلة القدر فما أقول‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ‏(‏
 
سورة البينة

المقدمة

وقد جاء في فضلها حديث لا يصح، رويناه عن محمد بن محمد بن عبداللّه الحضرمي قال‏:‏ قال لي أبو عبدالرحمن بن نمير‏:‏ اذهب إلى أبي الهيثم الخشاب، فاكتب عنه فإنه قد كتب، فذهب إليه، فقال‏:‏ حدثنا مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي الدرداء، قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه‏:‏ ‏(‏لو يعلم الناس ما في ‏{‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب‏}‏ لعطلوا الأهل والمال، فتعلموها‏)‏ فقال رجل من خزاعة‏:‏ وما فيها من الأجر يا رسول اللّه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏لا يقرؤها منافق أبدا، ولا عبد في قلبه شك في اللّه‏.‏ واللّه إن الملائكة المقربين يقرؤونها منذ خلق اللّه السموات والأرض ما يفترون من قراءتها‏.‏ وما من عبد يقرؤها إلا بعث اللّه إليه ملائكة يحفظونه في دينه ودنياه، ويدعون له بالمغفرة والرحمة‏)‏‏.‏ قال الحضرمي‏:‏ فجئت إلى أبي عبدالرحمن بن نمير، فألقيت هذا الحديث عليه، فقال‏:‏ هذا قد كفانا مؤونته، فلا تعد إليه‏.‏ قال ابن العربي روى إسحاق بن بشر الكاهلي عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب‏:‏ عن أبي الدرداء، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لو يعلم الناس ما في ‏{‏لم يكن‏}‏ الذين كفروا لعطلوا الأهل والمال ولتعلموها‏)‏‏.‏ حديث باطل؛ وإنما الحديث الصحيح ما روي عن أنس‏:‏ أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي بن كعب‏:‏ ‏(‏إن اللّه أمرني أن اقرأ عليك ‏{‏لم يكن الذين كفروا‏}‏ قال‏:‏ وسماني لك قال ‏{‏نعم‏}‏ فبكى‏)‏‏.‏

قلت‏:‏ خرجه البخاري ومسلم‏.‏ وفيه من الفقه قراءة العالم على المتعلم‏.‏ قال بعضهم‏:‏ إنما قرأ النبي صلى اللّه عليه وسلم على أبيّ، ليعلم الناس التواضع؛ لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على من دونه في المنزلة‏.‏ وقيل‏:‏ لأن أبيا كان أسرع أخذا لألفاظ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ فأراد بقراءته عليه، أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع منه، ويعلم غيره‏.‏ وفيه فضيلة عظيمة لأبيّ؛ إذ أمر اللّه رسوله أن يقرأ عليه‏.‏ قال أبو بكر الأنباري‏:‏ وحدثنا أحمد بن الهيثم بن خالد؛ قال حدثنا علي بن الجعد، قال حدثنا عكرمة عن عاصم عن زر بن حبيش قال‏:‏ في قراءة أبيّ بن كعب‏:‏ ابن آدم لو أعطي واديا من مال لالتمس ثانيا ولو أعطي واديين من مال لا لتمس ثالثا، ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب اللّه على من تاب‏.‏ قال عكرمة‏.‏ قرأ علي عاصم ‏{‏لم يكن‏}‏ ثلاثين آية، هذا فيها‏.‏ قال أبو بكر‏:‏ هذا باطل عند أهل العلم، لأن قراءتي ابن كثير وأبي عمرو متصلتان بأبيّ بن كعب، لا يقرأ فيها هذا المذكور في ‏{‏لم يكن‏}‏ مما هو معروف في حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، على أنه من كلام الرسول عليه السلام، لا يحكيه عن رب العالمين في القرآن‏.‏ وما رواه اثنان معهما الإجماع‏:‏ أثبت مما يحكيه واحد مخالف مذهب الجماعة‏.‏

الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 3‏)‏

‏{‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة، رسول من الله يتلو صحفا مطهرة، فيها كتب قيمة‏}‏

قوله تعالى‏{‏لم يكن الذين كفروا‏}‏ كذا قراءة العامة، وخط المصحف‏.‏ وقرأ ابن مسعود‏{‏لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين‏}‏ وهذه قراءة على التفسير‏.‏ قال ابن العربي وهي جائزة في معرض البيان لا في معرض التلاوة؛ فقد قرأ النبي صلى اللّه عليه وسلم في رواية الصحيح ‏{‏فطلقوهن لقبل عدتهن‏}‏ وهو تفسير؛ فإن التلاوة‏:‏ هو ما كان في خط المصحف ‏.‏

قوله تعالى‏{‏من أهل الكتاب‏}‏ يعني اليهود والنصارى ‏{‏والمشركين‏}‏ في موضع جر عطفا على ‏{‏أهل الكتاب‏}‏‏.‏ قال ابن عباس ‏{‏أهل الكتاب‏}‏‏:‏ اليهود الذين كانوا بيثرب، وهم قريظة والنضير وبنو قينقاع‏.‏ والمشركون‏:‏ الذين كانوا بمكة وحولها، والمدينة والذين حولها؛ وهم مشركو قريش‏.‏ ‏{‏منفكين‏}‏ أي منتهين عن كفرهم، مائلين عنه‏.‏ ‏{‏حتى تأتيهم البينة‏}‏ أي أتتهم البينة؛ أي محمد صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ الانتهاء بلوغ الغاية أي لم يكونوا ليبلغوا نهاية أعمارهم فيموتوا، حتى تأتيهم البينة‏.‏ فالانفكاك على هذا بمعنى الانتهاء‏.‏ وقيل‏{‏منفكين‏}‏ زائلين؛ أي لم تكن مدتهم لتزول حتى يأتيهم رسول‏.‏ والعرب تقول‏:‏ ما انفككت أفعل كذا‏:‏ أي ما زلت‏.‏ وما انفك فلان قائما‏.‏ أي ما زال قائما‏.‏ وأصل الفك‏:‏ الفتح؛ ومنه فك الكتاب، وفك الخلخال، وفك السالم‏.‏ قال طرفة‏:‏

فآليت لا ينفك كشحي بطانة لعضب رقيق الشفرتين مهند

وقال ذو الرمة‏:‏

حراجيج ما تنفك إلا مناخة على الخف أو نرمي بها بلدا قفرا

يريد‏:‏ ما تنفك مناخة؛ فزاد ‏{‏إلا‏}‏‏.‏ وقيل‏{‏منفكين‏}‏‏:‏ بارحين؛ أي لم يكونوا ليبرحوا ويفارقوا الدنيا، حتى تأتيهم البينة‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏ أي لم يكن أهل الكتاب تاركين صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم في كتابهم، حتى بعث؛ فلما بعث حسدوه وجحدوه‏.‏ وهو كقوله‏{‏فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به‏}‏البقرة‏:‏ 89‏.‏ ولهذا قال‏{‏وما تفرق الذين أوتوا الكتاب‏}‏البينة‏:‏ 4‏‏.‏‏.‏‏.‏ الآية‏.‏ وعلى هذا ‏{‏والمشركين‏}‏ أي ما كانوا يسيؤون القول في محمد صلى اللّه عليه وسلم، حتى بعث؛ فإنهم كانوا يسمونه‏.‏ الأمين، حتى أتتهم البينة على لسانه، وبعث إليهم، فحينئذ عادوه‏.‏ وقال بعض اللغويين‏{‏منفكين‏}‏ هالكين من قولهم‏:‏ أنفك صلا المرأة عند الولادة؛ وهو أن ينفصل، فلا يلتئم فتهلك المعنى‏:‏ لم يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم، بإرسال الرسل وإنزال الكتب‏.‏ وقال قوم في المشركين‏:‏ إنهم من أهل الكتاب؛ فمن اليهود من قال‏:‏ عزير ابن اللّه‏.‏ ومن النصارى من قال‏:‏ عيسى هو اللّه‏.‏ ومنهم من قال‏:‏ هو ابنه‏.‏ ومنهم من قال‏:‏ ثالث ثلاثة‏.‏ وقيل‏:‏ أهل الكتاب كانوا مؤمنين، ثم كفروا بعد أنبيائهم‏.‏ والمشركون ولدوا على الفطرة، فكفروا حين بلغوا‏.‏ فلهذا قال‏{‏والمشركين‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ المشركون وصف أهل الكتاب أيضا، لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم، وتركوا التوحيد‏.‏ فالنصارى مثلثة، وعامة اليهود مشبهة؛ والكل شرك‏.‏ وهو كقولك‏:‏ جاءني العقلاء والظرفاء؛ وأنت تريد أقواما بأعيانهم، تصفهم بالأمرين‏.‏ فالمعنى‏:‏ من أهل الكتاب المشركين‏.‏ وقيل‏:‏ إن الكفر هنا هو الكفر بالنبي صلى اللّه عليه وسلم؛ أي لم يكن الذين كفروا بمحمد من اليهود والنصارى، الذين هم أهل الكتاب، ولم يكن المشركون، الذين هم عبدة الأوثان من العرب وغيرهم - وهم الذين ليس لهم كتاب - منفكين‏.‏ قال القشيري‏:‏ وفيه بعد؛ لأن الظاهر من ‏{‏حتى تأتيهم البينة‏.‏ رسول من اللّه‏}‏ أن هذا الرسول هو محمد صلى اللّه عليه وسلم‏.‏ فيبعد أن يقال‏:‏ لم يكن الذين كفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم منفكين حتى يأتيهم محمد؛ إلا أن يقال‏:‏ أراد‏:‏ لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد - وإن كانوا من قبل معظمين له، بمنتهين عن هذا الكفر، إلى أن يبعث اللّه محمدا إليهم ويبين لهم الآيات؛ فحينئذ يؤمن قوم‏.‏ وقرأ الأعمش وإبراهيم ‏{‏والمشركون‏}‏ رفعا، عطفا على ‏{‏الذين‏}‏‏.‏ والقراءة الأولى أبين؛ لأن الرفع يصير فيه الصنفان كأنهم من غير أهل الكتاب‏.‏ وفي حرف أبيّ‏{‏فما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركون منفكين‏}‏‏.‏ وفي مصحف ابن مسعود‏{‏لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكين‏}‏‏.‏ وقد تقدم‏.‏ ‏{‏حتى تأتيهم البينة‏}‏ قيل حتى أتتهم‏.‏ والبينة‏:‏ محمد صلى اللّه عليه وسلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏رسول من الله‏}‏ أي بعيث من اللّه جل ثناؤه‏.‏ قال الزجاج‏{‏رسول‏}‏ رفع على البدل من ‏{‏البينة‏}‏‏.‏ وقال الفراء‏:‏ أي هي رسول من اللّه، أو هو رسول من اللّه؛ لأن البينة قد تذكر فيقال‏:‏ بينتي فلان‏.‏ وفي حرف أبيّ وابن مسعود ‏{‏رسول‏}‏ بالنصب على القطع‏.‏ ‏{‏يتلو‏}‏ أي يقرأ‏.‏ يقال‏:‏ تلا يتلو تلاوة‏.‏ ‏{‏صحفا‏}‏ جمع صحيفة، وهي ظرف المكتوب‏.‏ ‏{‏مطهرة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ من الزور، والشك، والنفاق، والضلالة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ من الباطل‏.‏ وقيل‏:‏ من الكذب، والشبهات‏.‏ والكفر؛ والمعنى واحد‏.‏ أي يقرأ ما تتضمن الصحف من المكتوب؛ ويدل عليه أنه كان يتلو عن ظهر قلبه، لا عن كتاب؛ لأنه كان أميا، لا يكتب ولا يقرأ‏.‏ و‏{‏مطهرة‏}‏‏:‏ من نعت الصحف؛ وهو كقوله تعالى‏{‏في صحف مكرمة‏.‏ مرفوعة مطهرة‏}‏عبس‏:‏ 13‏‏، فالمطهرة نعت للصحف في الظاهر، وهي نعت لما في الصحف من القرآن‏.‏ وقيل‏{‏مطهرة‏}‏ أي ينبغي ألا يمسها إلا المطهرون؛ كما قال في سورة ‏{‏الواقعة‏}‏ حسب ما تقدم بيانه‏.‏ وقيل‏:‏ الصحف المطهرة‏:‏ هي التي عند اللّه في أم الكتاب، الذي منه نسخ ما أنزل على الأنبياء من الكتب؛ كما قال تعالى‏{‏بل هو قرآن مجيد‏.‏ في لوح محفوظ‏}‏البروج‏:‏22‏‏.‏ قال الحسن‏:‏ يعني الصحف المطهرة في السماء‏.‏ ‏{‏فيها كتب قيمة‏}‏ أي مستقيمة مستوية محكمة؛ من قول العرب‏:‏ قام يقوم‏:‏ إذا استوى وصح‏.‏ وقال بعض أهل العلم‏:‏ الصحف هي الكتب؛ فكيف قال في صحف فيها كتب‏؟‏ فالجواب‏:‏ أن الكتب هنا بمعنى الأحكام؛ قال اللّه عز وجل‏{‏كتب الله لأغلبن‏}‏المجادلة‏:‏21‏‏ بمعنى حكم‏.‏ وقال صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏واللّه لأقضين بينكما بكتاب اللّه‏)‏ ثم قضى بالرجم، وليس ذكر الرجم مسطورا في الكتاب؛ فالمعنى‏:‏ لأقضين بينكما بحكم اللّه تعالى‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

وما الولاء بالبلاء فملتم وما ذاك قال الله إذ هو يكتب

وقيل‏:‏ الكتب القيمة‏:‏ هي القرآن؛ فجعله كتبا لأنه يشتمل على أنواع من البيان‏.‏

الآية رقم ‏(‏4‏)‏

‏{‏وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة‏}‏

قوله تعالى‏{‏وما تفرق الذين أوتوا الكتاب‏}‏ أي من اليهود والنصارى‏.‏ خص أهل الكتاب بالتفريق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين؛ لأنهم مظنون بهم علم فاذا تفرقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف‏.‏ ‏{‏إلا من بعد ما جاءتهم البينة‏}‏ أي أتتهم البينة الواضحة‏.‏ والمعني به محمد صلى اللّه عليه وسلم؛ أي القرآن موافقا لما في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته‏.‏ وذلك أنهم كانوا مجتمعين على نبوته، فلما بعث جحدوا نبوته وتفرقوا، فمنهم من كفر‏:‏ بغيا وحسدا، ومنهم من آمن؛ كقوله تعالى‏{‏وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم‏}‏الشورى‏:‏ 14‏‏.‏ وقيل‏{‏البينة‏}‏‏:‏ البيان الذي في كتبهم أنه نبي مرسل‏.‏ قال العلماء‏:‏ من أول السورة إلى قوله ‏{‏قيمة‏}‏البينة‏:‏ 5‏:‏ حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين‏.‏ وقوله‏{‏وما تقرق‏}‏‏:‏ حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجج‏.‏

الآية رقم ‏(‏5‏)‏

‏{‏وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة‏}‏

قوله تعالى‏{‏وما أمروا‏}‏ أي وما أمر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل ‏{‏إلا ليعبدوا الله‏}‏ أي ليوحدوه‏.‏ واللام في ‏{‏ليعبدوا‏}‏ بمعنى ‏{‏أن‏}‏؛ كقوله‏{‏يريد الله ليبين لكم‏}‏النساء‏:‏ 26‏‏ أي أن يبين‏.‏ و‏{‏يريدون ليطفئوا نور الله‏}‏الصف‏:‏ 8‏.‏ و‏{‏أمرنا لنسلم لرب العالمين‏}‏الأنعام‏:‏ 71‏.‏ وفي حرف عبدالله‏{‏وما أمروا إلا أن يعبدوا اللّه‏}‏‏.‏ ‏{‏مخلصين له الدين‏}‏ أي العبادة؛ ومنه قوله تعالى‏{‏قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين‏}‏الزمر‏:‏ 11‏‏.‏ وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه اللّه تعالى لا غيره‏.‏

قوله تعالى‏{‏حنفاء‏}‏ أي مائلين عن الأديان كلها، إلى دين الإسلام، وكان ابن عباس يقول‏:‏ حنفاء‏:‏ على دين إبراهيم عليه السلام‏.‏ وقيل‏:‏ الحنيف‏:‏ من اختتن وحج؛ قاله سعيد بن جبير‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ وأصله أنه تحنف إلى الإسلام؛ أي مال إليه‏.‏ ‏{‏ويقيموا الصلاة‏}‏ أي بحدودها في أوقاتها‏.‏ ‏{‏ويؤتوا الزكاة‏}‏ أي يعطوها عند محلها‏.‏ ‏{‏وذلك دين القيمة‏}‏ أي ذلك الدين الذي أمروا به دين القيامة؛ أي الدين المستقيم‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أي ذلك دين الملة المستقيمة‏.‏ و‏{‏القيمة‏}‏‏:‏ نعت لموصوف محذوف‏.‏ أو يقال‏:‏ دين الأمة القيمة بالحق؛ أي القائمة بالحق‏.‏ وفي حرف عبدالله ‏{‏وذلك الدين القيم‏}‏‏.‏ قال الخليل‏{‏القيمة‏}‏ جمع القيم، والقيم والقائم‏:‏ واحد‏.‏ وقال الفراء‏:‏ أضاف الدين إلى القيمة وهو نعته، لاختلاف اللفظين‏.‏ وعنه أيضا‏:‏ هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ودخلت الهاء للمدح والمبالغة‏.‏ وقيل‏:‏ الهاء راجعة إلى الملة أو الشريعة‏.‏ وقال محمد بن الأشعث، الطالقاني ‏{‏القيمة‏}‏ ها هنا‏:‏ الكتب التي جرى ذكرها، والدين مضاف إليها‏.‏

الآية رقم ‏(‏6 ‏:‏ 7‏)‏

‏{‏إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية‏}‏

قوله تعالى‏{‏إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين‏}‏ ‏{‏المشركين‏}‏‏:‏ معطوف على‏{‏الذين‏}‏، أو يكون مجرورا معطوفا على ‏{‏أهل‏}‏‏.‏ ‏{‏في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية‏}‏ قرأ نافع وابن ذكوان بالهمز على الأصل في الموضعين؛ من قولهم‏:‏ برأ اللّه الخلق، وهو البارئ الخالق، وقال‏{‏من قبل أن نبرأها‏}‏الحديد‏:‏ 22‏‏.‏ الباقون بغير همز، وشد الياء عوضا منه‏.‏ قال الفراء‏:‏ إن أخذت البرية من البرى، وهو التراب، فأصله غير الهمز؛ تقول منه‏:‏ براه اللّه يبروه بروا؛ أي خلقه‏.‏ قال القشيري‏:‏ ومن قال البرية من البرى، وهو التراب، قال‏:‏ لا تدخل الملائكة تحت هذه اللفظة‏.‏ وقيل‏:‏ البرية‏:‏ من بريت القلم، أي قدرته؛ فتدخل فيه الملائكة‏.‏ ولكنه قول ضعيف؛ لأنه يجب منه تخطئة من همز‏.‏ وقوله ‏{‏شر البرية‏}‏ أي شر الخليقة‏.‏ فقيل يحتمل أن يكون على التعميم‏.‏ وقال قوم‏:‏ أي هم شر البرية الذين كانوا في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم؛ كما قال تعالى‏{‏وأني فضلتكم على العالمين‏}‏البقرة‏:‏ 47‏‏ أي على عالمي زمانكم‏.‏ ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل هذا من هو شر منهم؛ مثل فرعون وعاقر ناقة صالح‏.‏ وكذا ‏{‏خير البرية‏}‏‏:‏ إما على التعميم، أو خير برية عصرهم‏.‏ وقد استدل بقراءة الهمز من فضل بني آدم على الملائكة، وقد مضى في سورة البقرة القول فيه‏.‏ وقال أبو هريرة رضي اللّه عنه‏:‏ المؤمن أكرم على اللّه عز وجل من بعض الملائكة الذين عنده‏.‏

الآية رقم ‏(‏8‏)‏

‏{‏جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه‏}‏

قوله تعالى‏{‏جزاؤهم‏}‏ أي ثوابهم‏.‏ ‏{‏عند ربهم‏}‏ أي خالقهم ومالكهم‏.‏ ‏{‏جنات‏}‏ أي بساتين‏.‏ ‏{‏عدن‏}‏ أي إقامة‏.‏ والمفسرون يقولون‏{‏جنات عدن‏}‏ بطنان الجنة، أي وسطها؛ تقول‏:‏ عدن بالمكان يعدن ‏[‏عدنا وعدونا‏]‏‏:‏ أقام‏.‏ ومعدن الشيء‏:‏ مركزه ومستقره‏.‏ قال الأعشى‏:‏

وإن يستضافوا إلى حكمه يضافوا إلى راجح قد عدن

‏{‏تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا‏}‏ لا يظعنون ولا يموتون‏.‏ ‏{‏رضي الله عنهم‏}‏ أي رضي أعمالهم؛ كذا قال ابن عباس‏.‏ ‏{‏ورضوا عنه‏}‏ أي رضوا هم بثواب اللّه عز وجل‏.‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي الجنة‏.‏ ‏{‏لمن خشي ربه‏}‏ أي خاف ربه، فتناهى عن المعاصي
 
سورة الزلزلة

المقدمة

قال العلماء‏:‏ وهذه السورة فضلها كثير، وتحتوي على عظيم‏:‏ ‏"‏روى الترمذي عن أنس بن مالك‏"‏ قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من قرأ ‏{‏إذا زلزلت‏}‏، عدلت له بنصف القرآن‏.‏ ومن قرأ ‏{‏قل يا أيها الكافرون‏}‏الكافرون‏:‏ 1‏عدلت له بربع القرآن، ومن قرأ ‏{‏قل هو الله أحد‏}‏الإخلاص‏:‏ 1‏ عدلت له بثلث القرآن‏)‏‏.‏ قال‏:‏ حديث غريب، وفي الباب عن ابن عباس‏.‏ وروي عن علي رضي اللّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من قرأ إذا زلزلت أربع مرات، كان كمن قرأ القرآن كله‏)‏‏.‏ وروى عبدالله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏إذا زلزلت‏}‏ بكى أبو بكر؛ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لولا أنكم تخطئون وتذنبون ويغفر اللّه لكم، لخلق أمة يخطئون ويذنبون ويغفر لهم، إنه هو الغفور الرحيم‏]‏‏.‏

الآية رقم ‏(‏1‏)‏

‏{‏إذا زلزلت الأرض زلزالها‏}‏

قوله تعالى‏{‏إذا زلزلت الأرض‏}‏ أي حركت من أصلها‏.‏ كذا روى عكرمة عن ابن عباس، وكان يقول‏:‏ في النفخة الأولى يزلزلها - وقال مجاهد - ؛ لقوله تعالى‏{‏يوم ترجف الراجفة‏.‏ تتبعها الرادفة‏}‏النازعات‏:‏ 6‏‏ ثم تزلزل ثانية، فتخرج موتاها وهي الأثقال‏.‏ وذكر المصدر للتأكيد، ثم أضيف إلى الأرض؛ كقولك‏:‏ لأعطينك عطيتك؛ أي عطيتي لك‏.‏ وحسن ذلك لموافقة رؤوس الآي بعدها‏.‏ وقراءة العامة بكسر الزاي من الزلزال‏.‏ وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر بفتحها، وهو مصدر أيضا، كالوسواس والقلقال والجرجار‏.‏ وقيل‏:‏ الكسر المصدر‏.‏ والفتح الاسم‏.‏

الآية رقم ‏(‏2‏)‏

‏{‏وأخرجت الأرض أثقالها‏}‏

قال أبو عبيدة والأخفش‏:‏ إذا كان الميت في بطن الأرض، فهو ثقل لها‏.‏ وإذا كان قوقها، فهو ثقل عليها‏.‏ وقال ابن عباس ومجاهد‏{‏أثقالها‏}‏‏:‏ موتاها، تخرجهم في النفخة الثانية، ومنه قيل للجن والإنس‏:‏ الثقلان‏.‏ وقالت الخنساء‏:‏

أبعد ابن عمرو من آل الشر يد حلت به الأرض أثقالها

تقول‏:‏ لما دفن عمرو صار حلية لأهل القبور، من شرفه وسؤدده‏.‏ وذكر بعض أهل العلم قال‏:‏ كانت العرب تقول‏:‏ إذا كان الرجل سفاكا للدماء‏:‏ كان ثقلا على ظهر الأرض؛ فلما مات حطت الأرض عن ظهرها ثقلها‏.‏ وقيل‏{‏أثقالها‏}‏ كنوزها؛ ومنه الحديث‏:‏ ‏(‏تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏‏.‏

الآية رقم ‏(‏3‏)‏

‏{‏وقال الإنسان ما لها‏}‏

قوله تعالى‏{‏وقال الإنسان‏}‏ أي ابن آدم الكافر‏.‏ فروى الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ هو الأسود بن عبد الأسد‏.‏ وقيل‏:‏ أراد كل إنسان يشاهد ذلك عند قيام الساعة في النفخة الأولى‏:‏ من مؤمن وكافر‏.‏ وهذا قول من جعلها في الدنيا من أشراط الساعة؛ لأنهم لا يعلمون جميعا من أشراط الساعة في ابتداء أمرها، حتى يتحققوا عمومها؛ فلذلك سأل بعضهم بعضا عنها‏.‏ وعلى قول من قال‏:‏ إن المراد بالإنسان الكفار خاصة، جعلها زلزلة القيامة؛ لأن المؤمن معترف بها، فهو لا يسأل عنها، والكافر جاحد لها، فلذلك يسأل عنها‏.‏ ‏{‏ما لها‏}‏ أي ما لها زلزلت‏.‏ وقيل‏:‏ ما لها أخرجت أثقالها، وهي كلمة تعجيب؛ أي لأي شيء زلزلت‏.‏ ويجوز أن يحيى اللّه الموتى بعد وقوع النفخة الأولى، ثم تتحرك الأرض فتخرج الموتى وقد رأوا الزلزلة وانشقاق الأرض عن الموتى أحياء، فيقولون من الهول‏:‏ ما لها‏.‏

الآية رقم ‏(‏4 ‏:‏ 6‏)‏

‏{‏يومئذ تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها، يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم‏}‏

قوله تعالى‏{‏يومئذ تحدث أخبارها‏}‏ ‏{‏يومئذ‏}‏ منصوب بقوله‏{‏إذا زلزلت‏}‏‏.‏ وقيل‏:‏ بقوله ‏{‏تحدث أخبارها‏}‏؛ أي تخبر الأرض بما عمل عليها من خير أو شر يومئذ‏.‏ ثم قيل‏:‏ هو من قول اللّه تعالى‏.‏ وقيل‏:‏ من قول الإنسان؛ أي يقول الإنسان ما لها تحدث أخبارها؛ متعجبا‏.‏ وفي الترمذي عن أبي هريرة قال‏:‏ قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية ‏{‏يومئذ تحدث أخبارها‏}‏ قال‏:‏ ‏(‏أتدرون ما أخبارها - قالوا اللّه ورسوله أعلم، قال‏:‏ فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل يوم كذا، كذا وكذا‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فهذه أخبارها‏)‏‏.‏ قال‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏ قال الماوردي، قوله ‏{‏يومئذ تحدث أخبارها‏}‏‏:‏

فيه ثلاثة أقاويل‏:‏ أحدها‏{‏تحدث أخبارها‏}‏ بأعمال العباد على ظهرها؛ قال أبو هريرة، ورواه مرفوعا‏.‏ وهو قول من زعم أنها زلزلة القيامة‏.‏ الثاني‏:‏ تحدث أخبارها بما أخرجت من أثقالها؛ قاله يحيى بن سلام‏.‏ وهو قول من زعم أنها زلزلة أشراط الساعة‏.‏

قلت‏:‏ وفي هذا المعنى حديث رواه ابن مسعود عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا كان أجل العبد بأرض أوثبته الحاجة إليها، حتى إذا بلغ أقصى أثره قبضه اللّه، فتقول الأرض يوم القيامة‏:‏ رب هذا ما استودعتني‏)‏‏.‏ أخرجه ابن ماجه في سننه‏.‏ وقد تقدم‏.‏ الثالث‏:‏ أنها تحدث بقيام الساعة إذا قال الإنسان ما لها‏؟‏ قال ابن مسعود‏.‏ فتخبر أن أمر الدنيا قد انقضى، وأمر الآخرة قد أتى‏.‏ فيكون ذلك منها جوابا لهم عند سؤالهم، ووعيدا للكافر، وإنذارا للمؤمن‏.‏

وفي حديثها بأخبارها ثلاثة أقاويل‏:‏ أحدها‏:‏ أن اللّه تعالى يقلبها حيوانا ناطقا؛ فتتكلم بذلك‏.‏ الثاني‏:‏ أن اللّه تعالى يحدث فيها الكلام‏.‏ الثالث‏:‏ أنه يكون منها بيان يقوم مقام الكلام‏.‏ قال الطبري‏:‏ تبين أخبارها بالرجة والزلزلة وإخراج الموتى‏.‏

قوله تعالى‏{‏بأن ربك أوحى لها‏}‏ أي إنها تحدث أخبارها أوحي اللّه ‏{‏لها‏}‏، أي إليها‏.‏ والعرب تضع لام الصفة موضع ‏{‏إلى‏}‏‏.‏ قال العجاج يصف الأرض‏:‏

وحى لها القرار فاستقرت وشدها بالراسيات الثبت

وهذا قول أبي عبيدة‏{‏أوحى لها‏}‏ أي إليها‏.‏ وقيل‏{‏أوحى لها‏}‏ أي أمرها؛ قال مجاهد‏.‏ وقال السدي‏{‏أوحى لها‏}‏ أي قال لها‏.‏ وقال‏:‏ سخرها‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى يوم تكون الزلزلة، وإخراج الأرض أثقالها، تحدث الأرض أخبارها؛ ما كان عليها من الطاعات والمعاصي، وما عمل على ظهرها من خير وشر‏.‏ وروي ذلك عن الثوري وغيره‏.‏

قوله تعالى‏{‏ يومئذ يصدر الناس أشتاتا‏}‏ أي فرقا؛ جمع شت‏.‏ قيل‏:‏ ءن موقف الحساب؛ فريق يأخذ جهة اليمين إلى الجنة، وفريق آخر يأخذ جهة الشمال إلى النار؛ كما قال تعالى‏{‏يومئذ يتفرقون‏}‏الروم‏:‏ 14‏ ‏{‏يومئذ يصدعون‏}‏الروم‏:‏ 43‏‏.‏ وقيل‏:‏ يرجعون عن الحساب بعد فراغهم من الحساب‏.‏ ‏{‏أشتاتا‏}‏ يعني فرقا فرقا‏.‏ ‏{‏ ليروا أعمالهم‏}‏ يعني ثواب أعمالهم‏.‏ وهذا كما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ما من أحد يوم القيامة إلا ويلوم نفسه، فإن كان محسنا فيقول‏:‏ لم لا ازددت إحسانا‏؟‏ وإن كان غير ذلك يقول‏:‏ لم لا نزعت عن المعاصي‏)‏‏؟‏ وهذا عند معاينة الثواب والعقاب‏.‏ وكان ابن عباس يقول‏{‏أشتاتا‏}‏ متفرقين على قدر أعمالهم أهل الإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة‏.‏ وقيل‏:‏ هذا الصدور، إنما هو عند النشور؛ يصدرون أشتاتا من القبور، فيصار بهم إلى موقف الحساب، ليروا أعمالهم في كتبهم، أو ليروا جزاء أعمالهم؛ فكأنهم وردوا القبور فدفنوا فيها، ثم صدروا عنها‏.‏ والوارد‏:‏ الجائي‏.‏ والصادر‏:‏ المنصرف‏.‏ ‏{‏أشتاتا‏}‏ أي يبعثون من أقطار الأرض‏.‏ وعلى القول الأول فيه تقديم وتأخير، مجازه‏:‏ تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها، ليروا أعمالهم‏.‏ واعترض قوله ‏{‏يومئذ يصدر الناس أشتاتا‏}‏ متفرقين عن موقف الحساب‏.‏ وقراءة العامة ‏{‏ليروا‏}‏ بضم الياء؛ أي ليريهم اللّه أعمالهم‏.‏ وقرأ الحسن والزهري وقتادة والأعرج ونصر بن عاصم وطلحة بفتحها؛ وروي ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم‏.‏

الآية رقم ‏(‏7 ‏:‏ 8‏)‏

‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره‏}‏

قوله تعالى‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره‏}‏ كان ابن عباس يقول‏:‏ من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيرا يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة، مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات، ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة‏.‏ وفي بعض الحديث‏:‏ ‏(‏الذرة لا زنة لها‏)‏ وهذا مثل ضربه الله تعالى‏:‏ أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة ولا كبيرة‏.‏ وهو مثل قوله تعالى‏{‏إن الله لا يظلم مثقال ذرة‏}‏النساء ‏:‏ 40‏‏.‏ وقد تقدم الكلام هناك في الذر، وأنه لا وزن له‏.‏ وذكر بعض أهل اللغة أن الذر‏:‏ أن يضرب الرجل بيده على الأرض، فما علق بها من التراب فهو الدر، وكذا قال ابن عباس‏:‏ إذا وضعت يدك على الأرض ورفعتها، فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة‏.‏ وقال محمد بن كعب القرظي‏:‏ فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر، يرى ثوابه في الدنيا، في نفسه وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير‏.‏ ومن يعمل، مثقال ذرة من شر من مؤمن، يرى عقوبته في الدنيا، في نفسه وماله وولده وأهله، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر‏.‏ دليله ما رواه العلماء الأثبات من حديث أنس‏:‏ أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يأكل، فأمسك وقال‏:‏ يا رسول الله، وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ما رأيت مما تكره فهو مثاقيل ذر الشر، ويدخر لكم مثاقيل ذر الخير، حتى تعطوه يوم القيامة‏)‏‏.‏ قال أبو إدريس‏:‏ إن مصداقه في كتاب الله‏{‏وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير‏}‏الشورى ‏:‏ 30‏‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ نزلت في رجلين، وذلك أنه لما نزل ‏{‏ويطعمون الطعام على حبه‏}‏الإنسان ‏:‏ 8‏ كان أحدهم يأتيه السائل، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة‏.‏ وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، كالكذبة والغيبة والنظرة، ويقول‏:‏ إنما أوعد الله النار على الكبائر؛ فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يعطوه؛ فإنه يوشك أن يكثر، ويحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر؛ وقاله سعيد بن جبير‏.‏ والإثم الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعظم من الجبال، وجميع محاسنه أقل في عينه من كل شيء‏.‏

قراءة العامة ‏{‏يره‏}‏ بفتح الياء فيهما‏.‏ وقرأ الجحدري والسلمي وعيسى بن عمر وأبان عن عاصم‏{‏يره‏}‏ بضم الياء؛ أي يريه الله إياه‏.‏ والأولى الاختيار؛ لقوله تعالى‏{‏يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا‏}‏آل عمران‏:‏ 30‏ الآية‏.‏ وسكن الهاء في قوله‏{‏يره‏}‏ في الموضعين هشام‏.‏ وكذلك رواه الكسائي عن أبي بكر وأبي حيوة والمغيرة‏.‏ واختلس يعقوب والزهري والجحدري وشيبة‏.‏ وأشبع الباقون‏.‏ وقيل ‏{‏يره‏}‏ أي يرى جزاءه؛ لأن ما عمله قد مضى وعدم فلا يرى‏.‏ وأنشدوا‏:‏

إن من يعتدي ويكسب إثما وزن مثقال ذرة سيراه

ويجازى بفعله الشر شرا وبفعل الجميل أيضا جزاه

هكذا قوله تبارك ربي في إذا زلزلت وجل ثناه

قال ابن مسعود‏:‏ هذه أحكم آية في القرآن؛ وصدق‏.‏ وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية؛ القائلون بالعموم ومن لم يقل به‏.‏ وروى كعب الأحبار أنه فال‏:‏ لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره‏.‏ ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره‏}‏‏.‏ قال الشيخ أبو مدين في قوله تعالى ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره‏}‏ قال‏:‏ في الحال قبل المآل‏.‏ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمى هذه الآية الآية الجامعة الفاذة؛ كما في الصحيح لما سئل عن الحمر وسكت عن البغال، والجواب فيهما واحد؛ لأن البغل والحمار لا كر فيهما ولا فر؛ فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما في الخيل من الأجر الدائم، والثواب المستمر، سأل السائل عن الحمر، لأنهم لم يكن عندهم يومئذ بغل، ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبي صلى الله عليه وسلم الدلدل ، التي أهداها له المقوقس، فأفتاه في الحمير بعموم الآية، وإن في الحمار مثاقيل ذر كثيرة؛ قاله ابن العربي‏.‏ وفي الموطأ‏:‏ أن مسكينا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب؛ فقالت لإنسان‏:‏ خذ حبة فأعطه إياها‏.‏ فجعل ينظر إليها ويعجب؛ فقال ‏:‏ أتعجب‏!‏ كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة‏.‏ وروي عن سعد بن أبي وقاص ‏:‏ أنه تصدق بتمرتين، فقبض السائل يده، فقال للسائل‏:‏ ويقبل الله منا مثاقيل الذر، وفي التمرتين مثاقيل ذر كثيرة‏.‏ وروى المطلب بن حنطب ‏:‏ أن أعرابيا سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها فقال‏:‏ يا رسول الله، أمثقال ذرة‏!‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم‏)‏ فقال الأعرابي‏:‏ واسوأتاه‏!‏ مرارا‏:‏ ثم قام وهو يقولها؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان‏)‏‏.‏ وقال الحسن‏:‏ قدم صعصعة عم الفرزدق على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سمع ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة‏}‏ الآيات؛ قال‏:‏ لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها، حسبي، فقد انتهت الموعظة؛ ذكره الثعلبي‏.‏ ولفظ الماوردي ‏:‏ وروى أن صعصة ابن ناجية جد الفرزدق أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستقرئه، فقرأ عليه هذه الآية؛ فقال صعصعة‏:‏ حسبي حسبي؛ إن عملت مثقال ذرة شرا رأيته‏.‏ وروى معمر عن زيد بن أسلم‏:‏ أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ علمني مما علمك الله‏.‏ فدفعه إلى رجل يعلمه؛ فعلمه ‏{‏إذا زلزلت - حتى إذا بلغ - فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره‏.‏ ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره‏}‏ قال‏:‏ حسبي‏.‏ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال ‏:‏ ‏(‏دعوه فإنه قد فقه‏)‏‏.‏ ويحكي أن أعرابيا أخر‏{‏ خيرا يره‏}‏ فقيل‏:‏ قدمت وأخرت‏.‏ فقال‏:‏

خذا بطنَ هَرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طري
 
سورة العاديات

الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 2‏)‏

‏{‏والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا‏}‏

قوله تعالى‏{‏والعاديات ضبحا‏}‏ أي الأفراس تعدو‏.‏ كذا قال عامة المفسرين وأهل اللغة؛ أي تعدو في سبيل الله فتضبح‏.‏ قال قتادة‏:‏ تضبح إذا عدت؛ أي تحمحم‏.‏ وقال الفراء‏:‏ الضبح‏:‏ صوت أنفاس الخيل إذا عدون‏.‏ ابن عباس‏:‏ ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب‏.‏ وقيل‏:‏ كانت تكعم لئلا تصهل، فيعلم العدو بهم؛ فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ أقسم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال‏{‏يس‏.‏ والقرآن الحكيم‏}‏يس‏:‏ 1‏‏، وأقسم بحياته فقال‏{‏لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون‏}‏الحجر‏:‏ 72‏‏، وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال‏{‏والعاديات ضبحا‏}‏‏.‏‏.‏ ‏.‏ الآيات الخمس‏.‏ وقال أهل اللغة‏:‏ وطعنة ذات رشاش واهيه طعنتها عند صدور العادية يعني الخيل‏.‏ وقال آخر‏:‏

والعاديات أسابي الدماء بها كأن أعناقها أنصاب ترجيب

يعني الخيل‏.‏ وقال عنترة‏:‏

والخيل تعلم حين تضبح في حياض الموت ضبحا

وقال آخر‏:‏

لست بالتبع اليماني إن لم تضبح في سواد العراق

وقال أهل اللغة‏:‏ وأصل الضبح والضباح للثعالب؛ فاستعير للخيل‏.‏ وهو من قول العرب‏:‏ ضبحته النار‏:‏ إذا غيرت لونه ولم تبالغ فيه‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

فلما أن تلهوجنا شواء به اللهبان مقهورا ضبيحا

وأنضبح لونه‏:‏ إذا تغير إلى السواد قليلا‏.‏ وقال‏:‏

علقتها قبل انضباح لوني

وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغيرت حالها من فزع وتعب أو طمع‏.‏ ونصب ‏{‏ضبحا‏}‏ على المصدر؛ أي والعاديات تضبح ضبحا‏.‏ والضبح أيضا الرماد‏.‏ وقال البصريون‏{‏ضبحا‏}‏ نصب على الحال‏.‏ وقيل‏:‏ مصدر في موضع الحال‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ ضبحت الخيل ضبحا مثل ضبعت؛ وهو السير‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ الضبح والضبع‏:‏ بمعنى العدو والسير‏.‏ وكذا قال المبرد‏:‏ الضبح مد أضباعها في السير‏.‏ وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى أناس من بين كنانة، فأبطأ عليه خبرها، وكان استعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء؛ فقال المنافقون ‏:‏ إنهم قتلوا؛ فنزلت هذه السورة إخبارا للنبي صلى الله عليه وسلم بسلامتها، وبشارة له بإغارتها على القوم الذين بعث إليهم‏.‏ وممن قال‏:‏ إن المراد بالعاديات الخيل، ابن عباس وأنس والحسن ومجاهد‏.‏ والمراد الخيل التي يغزو عليها المؤمنون‏.‏ وفي الخبر‏:‏ ‏(‏من لم يعرف حرمة فرس الغازي، فيه شعبة من النفاق‏)‏‏.‏ وقول ثان‏:‏ أنها الإبل؛ قال مسلم ‏:‏ نازعت فيها عكرمة فقال عكرمة‏:‏ قال ابن عباس هي الخيل‏.‏ وقلت‏:‏ قال علي هي الإبل في الحج، ومولاي أعلم من مولاك‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ تمارى علي وابن عباس في ‏{‏العاديات‏}‏، فقال علي‏:‏ هي الإبل تعدو في الحج‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ هي الخيل؛ ألا تراه يقول ‏{‏فأثرن به نقعا‏}‏العاديات ‏:‏ 4‏]‏ فهل تثير إلا بحوافرها‏!‏ وهل تضبح الإبل‏!‏ فقال علي‏:‏ ليس كما فلت، لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد؛ ثم قال له علي‏:‏ أتفتي الناس بما لا تعلم‏!‏ والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام وما معنا إلا فرسان‏:‏ فرس للمقداد، وفرس للزبير؛ فكيف تكون العاديات ضبحا‏!‏ إنما العاديات الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى عرفة‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ فرجعت إلى قول علي، وبه قال ابن مسعود وعبيد بن عمير ومحمد بن كعب والسدي‏.‏ ومنه قول صفية بنت عبدالمطلب ‏:‏

فلا والعاديات غداه جمع بأيديها إذا سطع الغبار

يعني الإبل‏.‏ وسميت العاديات لاشتقاقها من العدو، وهو تباعد الأرجل في سرعة المشي‏.‏ وقال آخر‏:‏

رأى صاحبي في العاديات نجيبة وأمثالها في الواضعات القوامس

ومن قال هي الإبل فقوله ‏{‏ضبحا‏}‏ بمعنى ضبعا؛ فالحاء عنده مبدلة من العين؛ لأنه يقال‏:‏ ضبعت الإبل وهو أن تمد أعناقها في السير‏.‏ وقال المبرد‏:‏ الضبع مد أضباعها في السير‏.‏ والضبح أكثرها ما يستعمل في الخيل‏.‏ والضبع في الإبل‏.‏ وقد تبدل الحاء من العين‏.‏ أبو صالح‏:‏ الضبح من الخيل ‏:‏ الحمحمة، ومن الإبل التنفس‏.‏ وقال عطاء‏:‏ ليس شيء من الدواب يضبح إلا الفرس والثعلب والكلب؛ وروي عن ابن عباس‏.‏ وقد تقدم عن أهل اللغة أن العرب تقول‏:‏ ضبح الثعلب؛ وضبح في غير ذلك أيضا‏.‏ قال توبة‏:‏

ولو أن ليلى الأخيلية سلمت علي ودوني تربة وصفائح

لسلمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدى من جانب القبر ضابح

زقا الصدى يزقو زقاء‏:‏ أي صاح‏.‏ وكل زاق صائح‏.‏ والزقية‏:‏ الصيحة‏.‏

قوله تعالى‏{‏فالموريات قدحا‏}‏ قال عكرمة وعطاء والضحاك‏:‏ هي الخيل حين توري النار بحوافرها، وهي سنابكها؛ وروي عن ابن عباس‏.‏ وعنه أيضا‏:‏ أورت بحوافرها غبارا‏.‏ وهذا يخالف سائر ما روي عنه في قدح النار؛ وإنما هذا في الإبل‏.‏ وروى ابن نجيح عن مجاهد ‏{‏والعاديات ضبحا‏.‏ فالموريات قدحا‏}‏ قال قال ابن عباس ‏:‏ هو في القتال وهو في الحج‏.‏ ابن مسعود‏:‏ هي الإبل تطأ الحصى، فتخرج منها النار‏.‏ وأصل القدح الاستخراج؛ ومنه قدحت العين‏:‏ إذا أخرجت منها الماء الفاسد‏.‏ واقتدحت بالزند‏.‏ واقتدحت المرق‏:‏ غرفته‏.‏ وركى قدوح ‏:‏ تغترف باليد‏.‏ والقديح‏:‏ ما يبقى في أسفل القدر، فيغرف بجهد‏.‏ والمقدحة‏:‏ ما تقدح به النار‏.‏ والقداحة والقداح ‏:‏ الحجر الذي يوري النار‏.‏ يقال ‏:‏ ورى الزند بالفتح يري وريا‏:‏ إذا خرجت ناره‏.‏ وفيه لغة أخرى‏:‏ وري الزند بالكسر يري فيهما‏.‏ وقد مضى هذا في سورة الواقعة ‏.‏ و‏{‏ قدحا‏}‏ انتصب بما انتصب به ‏{‏ضبحا‏}‏‏.‏ وقيل ‏:‏ هذه الآيات في الخيل؛ ولكن إيراءها‏:‏ أن تهيج الحرب بين أصحابها وبين عدوهم‏.‏ ومنه يقال للحرب إذا ألتحمت ‏:‏ حمي الوطيس‏.‏ ومنه قوله تعالى‏{‏كلما أو قدوا نارا للحرب أطفأها الله‏}‏المائدة‏:‏ 64‏‏.‏ وروي معناه عن ابن عباس أيضا، وقال قتادة‏.‏ وعن ابن عباس أيضا، وقاله قتادة‏.‏ وعن ابن عباس أيضا‏:‏ أن المراد بالموريات قدحا‏:‏ مكر الرجال في الحرب؛ وقاله مجاهد وزيد بن أسلم‏.‏ والعرب تقول إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه‏:‏ والله لأمكرن بك، ثم لأورين لك‏.‏ وعن ابن عباس أيضا‏:‏ هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل، لحاجتهم وطعامهم‏.‏ وعنه أيضا‏:‏ أنها نيران المجاهدين إذا كثرت نارها إرهابا‏.‏ وكل من قرب من العدو يوقد نيرانا كثيرة ليظنهم العدو كثيرا‏.‏ فهذا إقسام بذلك‏.‏ قال محمد بن كعب‏:‏ هي النار تجمع‏.‏ وقيل هي أفكار الرجال توري نار المكر والخديعة‏.‏ وقال عكرمة ‏:‏ هي ألسنة الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به، ويظهر بها، من إقامة الحجج، وإقامة الدلائل، وإيضاح الحق، وإبطال الباطل‏.‏ وروى ابن جريح عن بعضهم قال‏:‏ فالمنجحات أمرا وعملا، كنجاح الزند إذا أوري‏.‏

قلت‏:‏ هذه الأقوال مجاز؛ ومنه قولهم‏:‏ فلان يوري زناد الضلالة‏.‏ والأول‏:‏ الحقيقة، وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النار بحوافرها‏.‏ قال مقاتل‏:‏ العرب تسمي تلك النار نار أبي حباحب، وكان أبو حباحب شيخا من مضر في الجاهلية، من أبخل الناس، وكان لا يوقد نارا لخبز ولا غيره حتى تنام العيون، فيوقد نويرة تقدم مرة وتخمد أخرى؛ فإن استيقظ لها أحد أطفأها، كراهية أن ينتفع بها أحد‏.‏ فشبهت العرب هذه النار بناره؛ لأنه لا ينتقع بها‏.‏ وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت نارا، فكذلك يسمونها‏.‏ قال النابغة‏:‏

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب

تَقُدَّ السَّلوقي المضاعفَ نسجُه وتوقد بالصُفاح نار الحُباحِب

الآية رقم ‏(‏3‏)‏

‏{‏فالمغيرات صبحا‏}‏

الخيل تغير على العدو عند الصبح؛ عن ابن عباس وأكثر المفسرين‏.‏ وكانوا إذا أرادوا الغارة سروا ليلا، ويأتون العدو صبحا؛ لأن ذلك وقت غفلة الناس‏.‏ ومنه قوله تعالى‏{‏فساء صباح المنذرين‏}‏الصافات ‏:‏ 177‏‏.‏ وقيل ‏:‏ لعزهم أغاروا نهارا، و‏{‏ صبحا‏}‏ على هذا، أي علانية، تشبيها بظهور الصبح‏.‏ وقال ابن مسعود وعلي رضي الله عنهما ‏:‏ هي الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من منى إلى جمع‏.‏ والسنة ألا تدفع حتى تصبح؛ وقاله القرطبي‏.‏ والإغارة‏:‏ سرعة السير؛ ومنه قولهم‏:‏ أشرق ثبير، كيما نغير‏.‏

الآية رقم ‏(‏4‏)‏

‏{‏فأثرن به نقعا‏}‏

أي غبارا؛ يعني الخيل تثير الغبار بشدة العدو في المكان الذي أغارت به‏.‏ قال عبدالله بن رواحة‏:‏

عدمت بنيتي إن لم تروها تثير النقع من كنفي كداء

والكناية في ‏{‏به‏}‏ ترجع إلى المكان أو إلى الموضع الذي تقع فيه الإغارة‏.‏ وإذا علم المغني جاز أن يكني عما لم يجر له ذكر بالتصريح؛ كما قال ‏{‏حتى توارت بالحجاب‏}‏ص‏:‏ 32‏‏.‏ وقيل‏{‏فأثرن به‏}‏، أي بالعدو ‏{‏نقعا‏}‏‏.‏ وقد تقدم ذكر العدو‏.‏ وقيل‏:‏ النقع‏:‏ ما يبين مزدلفة إلى مني؛ قاله محمد ابن كعب القرظي‏.‏ وقيل‏:‏ إنه طريق الوادي؛ ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع‏.‏ وفي الصحاح‏:‏ النقع‏:‏ الغبار، والجمع‏:‏ نقاع‏.‏ والنقع‏:‏ محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه‏.‏ وفي الحديث‏:‏ أنه نهى أن يمنع نقع البئر‏.‏ والنقع الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء؛ والجمع‏:‏ نقاع وأنقع؛ مثل بحر وبحار وأبحر‏.‏

قلت‏:‏ وقد يكون النقع رفع الصوت، ومنه حديث عمر حين قيل له‏:‏ إن النساء قد اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد؛ فقال‏:‏ وما على نساء بني المغيرة أن يسفكن من دموعهن وهن جلوس على أبي سليمان، ما لم يكن نقع، ولا لقلة‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ يعني بالنقع رفع الصوت؛ على هذا رأيت قول الأكثرين من أهل العلم؛ ومنه قول لبيد‏:‏

فمتى ينقع صراخ صادق يحلبوها ذات جرس وزجل

ويروى ‏{‏يحلبوها‏}‏ أيضا‏.‏ يقول‏:‏متى سمعوا صراخا أحلبوا الحرب، أي جمعوا لها‏.‏ وقوله ‏{‏ينقع صراخ ‏}‏‏:‏ يعني رفع الصوت‏.‏ وقال الكسائي ‏:‏ قوله ‏{‏نقع ولا لقلقة‏}‏ النقع‏:‏ صنعه الطعام؛ يعني في المأتم‏.‏ يقال منه‏:‏ نقعت أنقع نقعا‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ ذهب بالنقع إلى النقيعة؛ وإنما النقيعة عند غيره من العلماء‏:‏ صنعة الطعام عند القدوم من سفر، لا في المأتم‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ يريد عمر بالنقع‏:‏ وضع التراب على الرأس؛ يذهب إلى أن النقع هو الغبار‏.‏ ولا أحسب عمر ذهب إلى هذا، ولا خافه منهن، وكيف يبلغ خوفه ذا وهو يكره لهن القيام‏.‏ فقال ‏:‏ يسفكن من دموعهن وهن جلوس‏.‏ قال بعضهم ‏:‏ النقع ‏:‏ شق الجيوب؛ وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه، وليس النقع عندي في الحديث إلا الصوت الشديد، وأما اللقطة‏:‏ فشدة الصوت، ولم أسمع فيه اختلافا‏.‏ وقرأ أبو حيوة‏{‏فأثرن‏}‏ بالتشديد؛ أي أرت آثار ذلك‏.‏ ومن خفف فهو من أثار‏:‏ إذا حرك؛ ومنه ‏{‏وأثاروا الأرض‏}‏الروم‏:‏ 9‏.‏

الآية رقم ‏(‏5‏)‏

‏{‏فوسطن به جمعا‏}‏

قوله تعالى‏{‏جمعا‏}‏مفعول بـ ‏{‏وسطن به جمعا‏}‏؛ أي فوسطن بركبانهن العدو؛ أي الجمع الذي أغاروا عليهم‏.‏ وقال ابن مسعود‏{‏فوسطن به جمعا‏}‏‏:‏ يعني مزدلفة؛ وسميت جمعا لاجتماع الناس‏.‏ ويقال‏:‏ وسطت القوم أسطهم وسطا؛ أي صرت وسطهم‏.‏ وقرأ علي رضي الله عنه ‏{‏فوسطن‏}‏ بالتشديد، وهي قراءة قتادة وابن مسعود وأبي رجاء؛ لغتان بمعنى، يقال‏:‏ جعلها الجمع قسمين‏.‏ بالتشديد والتخفيف وتوسطهم‏:‏بمعنى واحد‏.‏ وقيل‏:‏ معنى التشديد‏:‏ جعلها الجمع قسمين‏.‏ والتخفيف‏:‏ صرن في وسط الجمع؛ وهما يرجعان إلى معنى الجمع‏.‏

الآية رقم ‏(‏6‏)‏

‏{‏إن الإنسان لربه لكنود‏}‏

هذا جواب لنعم القسم؛ أي طبع الإنسان على كفران النعمة‏.‏ قال ابن عباس‏{‏لكنود‏}‏ لكفور جحود لنعم الله‏.‏ وكذلك قال الحسن‏.‏ وقال‏:‏ يذكر المصائب وينسى النعم‏.‏ أخذه الشاعر فنظمه‏:‏

يا أيها الظالم في فعله والظلم مردود على من ظلم

إلى متى انت وحتى متى تشكو المصيبات وتنسى النعم

وروى أبو أمامة الباهلي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏الكنود، هو الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده‏)‏‏.‏ و روى ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏ألا أنبأكم بشراركم‏)‏‏؟‏ قالوا بلى يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده‏)‏‏.‏ ‏"‏خرجهما الترمذي الحكيم في نوادر الأصول‏"‏‏.‏ وقد روي عن عباس أيضا أنه قال‏:‏ الكنود بلسان كندة وحضر موت‏:‏ العاصي، وبلسان ربيعة ومضر‏:‏ الكفور‏.‏ وبلسان كنانة‏:‏ البخيل السيئ الملكة؛ وقاله مقاتل‏:‏ وقال الشاعر‏:‏

كنود لنعماء الرجال ومن يكن كنودا لنعماء الرجال يبعد

أي كفور‏.‏ ثم قيل‏:‏ هو الذي يكفر باليسير، ولا يشكر الكثير‏.‏ وقيل‏:‏ الجاحد للحق‏.‏ وقيل‏:‏ إنما سميت كندة كندة، لأنها جحدت أبها‏.‏ وقال إبراهيم بن هرمة الشاعر‏:‏

دع البخلاء إن شمخوا وصدوا وذكرى بخل غانية كنود

وقيل‏:‏ الكنود‏:‏ من كند إذا قطع؛ كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر‏.‏ ويقال‏:‏ كند الحبل‏:‏ إذا قطعه‏.‏ قال الأعشى‏:‏

أميطي تميطي بصلب الفؤاد وصول حبال وكنادها

فهذا يدل على القطع‏.‏ ويقال‏:‏ كند يكند كنودا‏:‏ أي كفر النعمة وجحدها، فهو كنود‏.‏ وامرأة كنود أيضا، وكند مثله‏.‏ قال الأعشى‏:‏

أحدث لها تحدث لوصلك إنها كند لوصل الزائر المعتاد

أي كفور للمواصلة‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ الإنسان هنا الكافر؛ يقول إنه لكفور؛ ومنه الأرض الكنود التي لا تنبت شيئا‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ نزلت في الوليد بن المغيرة‏.‏ قال المبرد‏:‏ الكنود‏:‏ المانع لما عليه‏.‏ وأنشد لكثير‏:‏

أحدث لها تحدث لوصلك إنها كند لوصل الزائر المعتاد

وقال أبو بكر الواسطي‏:‏ الكنود‏:‏ الذي ينفق نعم الله في معاصي الله‏.‏ وقال أبو بكر الوراق‏:‏ الكنود‏:‏ الذي يرى النعمة من نفسه وأعوانه‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ الذي يرى النعمة ولا يرى المنعم‏.‏ وقال ذو النون المصري‏:‏ الهلوع والكنود‏:‏ هو الذي يرى النعمة ولا يرى النعمة ولا يرى المنعم‏.‏ وقيل‏:‏ هو الحقود الحسود‏.‏ وقيل‏:‏ هو الجهول لقدره‏.‏ وفي الحكمة‏:‏ من جهل قدرة‏:‏ هتك ستره‏.‏

قلت‏:‏ هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود‏.‏ وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم معنى الكنود بخصال مذمومة، وأحوال غير محمودة؛ فإن صح فهو أعلى ما يقال، ولا يبقى لأحد معه مقال‏.‏

الآية رقم ‏(‏7‏)‏

‏{‏وإنه على ذلك لشهيد‏}‏

أي وإن الله عز وجل ثناؤه على ذلك من ابن آدم لشهيد‏.‏ كذا روى منصور عن مجاهد؛ وهو قول أكثر المفسرين، وهو قول ابن عباس‏.‏ وقال الحسن وقتادة ومحمد بن كعب‏{‏وإنه‏}‏ أي وإن الإنسان لشاهد على نفسه بما يصنع؛ وروي عن مجاهد أيضا‏.‏

الآية رقم ‏(‏8‏)‏

‏{‏وإنه لحب الخير لشديد‏}‏

قوله تعالى‏{‏وإنه‏}‏ أي الإنسان من غير خلاف‏.‏ ‏{‏لحب الخير‏}‏ أي المال؛ ومنه قوله تعالى ‏{‏إن ترك خيرا‏}‏البقرة‏:‏ 180‏‏.‏ وقال عدي‏:‏

ماذا ترجي النفوس من طلب الخير وحب الحياة كاربها

‏{‏لشديد‏}‏ أي لقوي في حبه للمال‏.‏ وقيل‏{‏لشديد‏}‏ لبخيل‏.‏ ويقال للبخيل‏:‏ شديد ومتشدد‏.‏ قال طرفة‏:‏

أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقلية مال الفاحش المتشدد

يقال‏:‏ اعتامه واعتماه؛ أي أختاره‏.‏ والفاحش‏:‏ البخيل أيضا‏.‏ ومنه قوله تعالى‏{‏ويأمركم بالفحشاء‏}‏البقرة‏:‏ 268‏‏ أي البخل‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ سمى الله المال خيرا؛ وعسى أن يكون شرا وحراما؛ ولكن الناس يعدونه خيرا، فسماه الله خيرا لذلك‏.‏ وسمى الجهاد سواء، فقال‏{‏فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء‏}‏آل عمران‏:‏ 174‏ على ما يسميه الناس‏.‏ قال الفراء‏:‏ نظم الآية أن يقال‏:‏ وإنه لشديد الحب للخير؛ فلما تقدم الحب قال‏:‏ شديد، وحذف من آخره ذكر الحب؛ لأنه قد جرى ذكره، ولرؤس الآي؛ كقوله تعالى‏{‏في يوم عاصف‏}‏إبراهيم‏:‏ 18‏ والعصوف‏:‏ للريح لا الأيام، فلما جرى ذكر الريح؛ كأنه قال‏:‏ في يوم عاصف الريح‏.‏

الآية رقم ‏(‏9 ‏:‏ 11‏)‏

‏{‏أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، إن ربهم بهم يومئذ لخبير‏}‏

قوله تعالى‏{‏أفلا يعلم‏}‏ أي ابن آدم ‏{‏إذا بعثر‏}‏ أي أثير وقلب وبحث، فأخرج ما فيها‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ بعثرت المتاع‏:‏ جعلت أسفله أعلاه‏.‏ وعن محمد بن كعب قال‏:‏ ذلك حين يبعثون‏.‏ الفراء‏:‏ سمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ‏{‏بحثر‏}‏ بالحاء مكان العين؛ وحكاه الماوردي عن ابن مسعود، وهما بمعنى‏.‏ ‏{‏وحصل ما في الصدور‏}‏ أي ميز ما فيها من خير وشر؛ كذا قال المفسرون‏:‏ وقال ابن عباس‏:‏ أبرز‏.‏ وقرأ عبيد بن عمير وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر ونصر بن عاصم ‏{‏وحصل‏}‏ بفتح الحاء وتخفيف الصاد وفتحها؛ أي ظهر‏.‏ ‏{‏إن ربهم بهم يومئذ لخبير‏}‏ أي عالم لا يخفى عليه منهم خافية‏.‏ وهو عالم بهم في ذلك اليوم وفي غيره، ولكن المعنى أنه يجازيهم في ذلك اليوم‏.‏ وقوله ‏{‏إذا بعثر‏}‏ العامل في ‏{‏إذا‏}‏‏{‏بعثر‏}‏، ولا يعمل فيه ‏{‏يعلم‏}‏؛ إذ لا يراد به العلم من الإنسان ذلك الوقت، إنما يراد في الدنيا‏.‏ ولا يعمل فيه ‏{‏خبير‏}‏؛ لأن ما بعد ‏{‏إن‏}‏ لا يعمل فيما قبلها‏.‏ والعامل في ‏{‏يومئذ‏}‏ ‏{‏خبير‏}‏، وإن فصلت اللام بينهما؛ لأن موضع اللام الابتداء‏.‏ وإنما دخلت في الخبر لدخول ‏{‏إن‏}‏ على المبتدأ‏.‏ ويروى أن الحجاج قرأ هذه السورة على المنبر يحضهم على الغزو، فجرى على لسانه‏{‏أن ربهم‏}‏ بفتح الألف، ثم استدركها فقال‏{‏خبير‏}‏ بغير لام‏.‏ ولولا اللام لكانت مفتوحة، لوقوع العلم عليها‏.‏ وقرأ أبو السمال ‏{‏أن ربهم بهم يومئذ خبير‏}‏‏.‏ والله سبحانه وتعالى أعلم
 
سورة القارعة

الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 3‏)‏

‏{‏القارعة، ما القارعة، وما أدراك ما القارعة‏}‏

قوله تعالى‏{‏القارعة، ما القارعة‏}‏ أي القيامة والساعة؛ كذا قال عامة المفسرين‏.‏ وذلك أنها تقرع الخلائق بأهوالها وأفزاعها‏.‏ وأهل اللغة يقولون‏:‏ تقول العرب قرعتهم القارعة، وفقرتهم الفاقرة؛ إذا وقع بهم أمر فظيع‏.‏ قال ابن أحمر‏:‏

وقارعة من الأيام لولا سبيلهم لزاحت عنك حينا

وقال آخر‏:‏

متى تقرع بمروتكم نسؤكم ولم توقد لنا في القدر نار

وقال تعالى‏{‏ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة‏}‏الرعد‏:‏ 31‏ وهي الشديدة من شدائد الدهر‏.‏ ‏{‏ما القارعة‏}‏ استفهام؛ أي أي شيء هي القارعة‏؟‏ وكذا ‏{‏وما أدراك ما القارعة‏}‏ كلمة استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها، كما قال‏{‏الحاقة‏.‏ ما الحاقة‏.‏ وما أدراك ما الحاقة‏}‏الحاقة‏:‏ 1‏ على ما تقدم‏.‏

الآية رقم ‏(‏4‏)‏

‏{‏يوم يكون الناس كالفراش المبثوث‏}‏

قوله تعالى‏{‏يوم‏}‏ منصوب على الظرف، تقديره‏:‏ تكون القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث‏.‏ قال قتادة‏:‏ الفراش الطير الذي يتساق في النار والسراج‏.‏ الواحد فراشة، وقاله أبو عبيدة‏.‏ وقال الفراء‏:‏ إنه الهمج الطائر، من بعوض وغيره؛ ومنه الجراد‏.‏ ويقال‏:‏ هو أطيش من فراشه‏.‏ وقال‏:‏

طويش من نفر أطياش أطيش من طائرة الفراش

وقال آخر‏:‏

وقد كان أقوام رددت قلوبهم إليهم وكانوا كالفراش من الجهل

وفي صحيح مسلم عن جابر، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي‏)‏‏.‏ وفي الباب عن أبي هريرة‏.‏ والمبثوث المتفرق‏.‏ وقال في موضع آخر‏{‏كأنهم جراد منتشر‏}‏القمر‏:‏ 7‏‏.‏ فأول حالهم كالفراش لا وجه له، يتحير في كل وجه، ثم يكونون كالجراد، لأن لها وجها تقصده‏.‏ والمبثوث‏:‏ المتفرق والمنتشر‏.‏ وإنما ذكر على اللفظ‏:‏ كقوله تعالى‏{‏أعجاز نخل منقعر‏}‏القمر‏:‏ 20‏ ولو قال المبثوثة ‏[‏فهو‏]‏ كقوله تعالى‏{‏أعجاز نخل خاوية‏}‏الحاقة‏:‏ 7‏‏.‏ وقال ابن عباس والفراء‏{‏كالفراش المبثوث‏}‏ كغوغاء الجراد، يركب بعضها بعضا‏.‏ كذلك الناس، يجول بعضهم في بعض إذا بعثوا‏.‏

الآية رقم ‏(‏5‏)‏

‏{‏وتكون الجبال كالعهن المنفوش‏}‏

أي الصوف الذي ينفش باليد، أي تصير هباء وتزول؛ كما قال جل ثناؤه في موضع آخر‏{‏هباء منبثا‏}‏الواقعة‏:‏ 6‏ وأهل اللغة يقولون‏:‏ العهن الصوف المصبوغ‏.‏ وقد مضى في سورة ‏{‏سأل سائل‏}‏‏.‏

الآية رقم ‏(‏6 ‏:‏ 11‏)‏

‏{‏فأما من ثقلت موازينه، فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه، فأمه هاوية، وما أدراك ما هيه، نار حامية‏}‏

قد تقدم القول في الميزان في ‏{‏الأعراف والكهف والأنبياء‏}‏‏.‏ وأن له كفة ولسانا توزن فيه الصحف المكتوب فيها الحسانات والسيئات‏.‏ ثم قيل‏:‏ إنه ميزان واحد بيد جبريل يزن أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجوع‏.‏ وقيل‏:‏ موازين، كما قال‏:‏

فلكل حادثة لها ميزان

وقد ذكرناه فيما تقدم‏.‏ وذكرناه أيضا في كتاب التذكرة وقيل‏:‏ إن الموازين الحجج والدلائل، قاله عبدالعزيز بن يحيى، واستشهد بقول الشاعر‏:‏

قد كنت قبل لقائكم ذا مرة عندي لكل مخاصم ميزانه

‏{‏عيشة راضية‏}‏ أي عيش مرضي، يرضاه صاحبه‏.‏ وقيل‏{‏عيشة راضية‏}‏ أي فاعلة للرضا،وهو اللين والانقياد لأهلها‏.‏ فالفعل للعيشة لأنها أعطت الرضا من نفسها، وهو اللين والانقياد‏.‏ فالعيشة كلمة تجمع النعم التي في الجنة، فهي فاعلة للرضا، كالفرش المرفوعة، وارتفاعها مقدار مائة عام، فإذا دنا منها ولي الله أتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفع كهيئتها، ومثل الشجرة فرعها، كذلك أيضا من الارتفاع، فإذا أشتهى ولي الله ثمرتها تدلت إليه، حتى يتناولها ولي الله قاعدا وقائما، وذلك قوله تعالى‏{‏قطوفها دانية‏}‏الحاقة‏:‏ 23‏.‏ وحيثما مشى أو ينتقل من مكان إلى مكان، جرى معه نهر حيث شاء، علوا وسفلا، وذلك قوله تعالى‏{‏يفجرونها تفجيرا‏}‏الإنسان‏:‏ 6‏.‏ فيروى في الخبر ‏(‏إنه يشير بقضيبه فيجري من غير أخدود حيث شاء من قصوره وفي مجالسه‏)‏‏.‏ فهذه الأشياء كلها عيشة قد أعطت الرضا من نفسها، فهي فاعلة للرضا، وهي أنزلت وانقادت بذلا وسماحة‏.‏ ‏{‏فأمه هاوية‏}‏ يعني جهنم‏.‏ وسماها أما، لأنه يأوي إليها كما يأوي إلى أمه، قاله ابن زيد‏.‏ ومنه قول أمية بن أبي الصلت‏:‏ فالأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقابرنا وفيها نولد وسميت النار هاوية، لأنه يهوي فيها مع بعد قعرها‏.‏ ويروى أن الهاوية اسم الباب الأسفل من النار‏.‏ وقال قتادة‏:‏ معنى ‏{‏فأمه هاوية‏}‏ فمصيره إلى النار‏.‏ عكرمة‏:‏ لأنه يهوي فيها على أم رأسه‏.‏ الأخفش‏{‏أمه‏}‏‏:‏ مستقره، والمعنى متقارب‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

يا عمرو لو نالتك أرماحنا كنت كمن تهوي به الهاوية

والهاوية‏:‏ المهواة‏.‏ وتقول‏:‏ هوت أمه، فهي هاوية، أي ثاكلة، قال كعب بن سعد الغنوي‏:‏

هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا وماذا يؤدي الليل حين يؤوب

والمهوي والمهواة‏:‏ ما بين الجبلين، ونحو ذلك‏.‏ وتهاوى القوم في المهواة‏:‏ إذا سقط بعضهم في إثر بعض‏.‏ ‏{‏وما أدراك ما هيه‏}‏ الأصل ‏{‏ما هي‏}‏ فدخلت الهاء للسكت‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وابن محيصن ‏{‏ما هي نار‏}‏ بغير هاء في الوصل، ووقفوا بها‏.‏ وقد مضى في سورة الحاقة بيانه‏.‏ ‏{‏نار حامية‏}‏ أي شديدة الحرارة‏.‏‏"‏ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة‏"‏‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم‏)‏ قالوا‏:‏ والله إن كانت لكافية يا رسول الله‏.‏ قال ‏(‏فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلها مثل حرها‏)‏‏.‏ وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال‏:‏ إنما ثقل ميزان من ثقل ميزانه، لأنه وضع فيه الحق، وحق لميزان يكون فيه الحق أن يكون ثقيلا‏.‏ وإنما خف ميزان من خف ميزانه، لأنه وضع فيه الباطل، وحق لميزان يكون فيه الباطل أن يكون خفيفا‏.‏ وفي الخبر عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أن الموتى يسألون الرجل يأتيهم عن رجل مات قبله، فيقول ذلك مات قبلي، أما بربكم‏؟‏ فيقولون لا والله، فيقول إنا لله وإنا إليه راجحون‏!‏ ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم، وبئست المربية‏)‏‏.‏ وقد ذكرناه بكماله في كتاب التذكرة ، والحمد لله‏.‏
 
سورة التكاثر

الآية رقم ‏(‏1 ‏:‏ 2‏)‏

‏{‏ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر‏}‏

قوله تعالى‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ ‏{‏ألهاكم‏}‏ شغلكم‏.‏ قال‏:‏

فألهيتها عن ذي تمائم مغيل

أي شغلكم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتى متم ودفنتم في المقابر‏.‏ وقيل ‏{‏ ألهاكم‏}‏‏:‏ أنساكم‏.‏ ‏{‏التكاثر‏}‏ أي من الأموال والأولاد، قال ابن عباس والحسن‏.‏ وقال قتادة‏:‏ أي التفاخر بالقبائل والعشائر‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ أي ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة‏.‏ يقال‏:‏ لهيت عن كذا بالكسر ألهى لهيا ولهيانا‏:‏ إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه‏.‏ وألهاه‏:‏ أي شغله‏.‏ ولهاه به تلهية أي علله‏.‏ والتكاثر‏:‏ المكاثرة‏.‏ قال مقاتل وقتادة وغيرهما‏:‏ نزلت في اليهود حين قالوا‏:‏ نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ نزلت في فخذ من الأنصار‏.‏ وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي‏:‏ نزلت في حيين من قريش‏:‏ بني عبد مناف، وبني‏:‏ سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، وأكثر عائذا، فكثر بنو عبد مناف سهما‏.‏ ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ بأحيائكم فلم ترضوا ‏{‏ حتى زرتم المقابر‏}‏ مفتخرين بالأموات‏.‏ وروى سعيد عن قتادة قال‏:‏ كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من بني فلان؛ وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله مازالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم‏.‏ وعن عمرو بن دينار‏:‏ حلف أن هذه السورة نزلت في التجار‏.‏ وعن شيبان عن قتادة قال‏:‏ نزلت في أهل الكتاب‏.‏

قلت‏:‏ الآية تعم جميع ما ذكر وغيره‏.‏ وفي صحيح مسلم عن مطرف عن أبيه قال‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ قال‏:‏ ‏(‏يقول ابن آدم‏:‏ مالي مالي‏!‏ وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ‏(‏وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس‏)‏‏.‏ و‏"‏روى البخاري عن ابن شهاب‏‏:‏ أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لو أن لابن آدم واديا من ذهب، لأحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب‏)‏‏.‏ قال ثابت عن أنس عن أبي‏:‏ كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وهذا نص صحيح مليح، غاب عن أهل التفسير فجهلوا والحمد لله على المعرفة‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏ألهاكم التكاثر‏}‏ قال‏:‏ تكاثر الأموال‏:‏ جمعها من غير حقها، ومنعها من حقها، وشدها في الأوعية ‏(‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏حتى زرتم المقابر‏}‏ أي حتى أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زوار، ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار‏.‏ يقال لمن مات‏:‏ قد زار قبره‏.‏ وقيل‏:‏ أي ألهاكم التكاثر حتى عددتم الأموات، على ما تقدم‏.‏ وقيل‏:‏ هذا وعيد‏.‏ أي أشغلتم بمفاخرة الدنيا، حتى تزوروا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله عز وجل‏.‏ ‏{‏المقابر‏}‏ جمع مقبرة ومقبرة بفتح الباء وضمها‏.‏ والقبور‏:‏ جمع القبر قال‏:‏

أرى أهل القصور إذا أميتوا بنوا فوق المقابر بالصخور

أبوا إلا مباهاة وفخرا على الفقراء حتى في القبور

وقد جاء في الشعر المقب قال‏:‏

لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد

وهو المقبري والمقبري‏:‏ لأبي سعيد المقبري؛ وكان يسكن المقابر‏.‏ وقبرت الميت أقبره وأقبره قبرا، أي دفنته‏.‏ وأقبرته أي أمرت بأن يقبر‏.‏ وقد مضى في سورة ‏{‏عبس ‏}‏ القول فيه‏.‏ والحمد لله‏.‏

لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة‏.‏ وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسي؛ لأنها تذكر الموت والآخرة‏.‏ وذلك يحمل على قصر الأمل، والزهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة‏)‏ ‏"‏رواه ابن مسعود؛ أخرجه ابن ماجه‏"‏‏.‏‏"‏ وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة‏"‏‏:‏ ‏(‏فإنها تذكر الموت‏)‏‏.‏‏"‏ وفي الترمذي عن بريدة‏"‏‏:‏ ‏(‏فإنها تذكر الآخرة‏)‏‏.‏ قال‏:‏ هذا حديث حسن صحيح‏.‏ وفيه عن أبي هريرة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور‏.‏ قال‏:‏ وفي الباب عن ابن عباس وحسان بن ثابت‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ وهذا حديث حسن صحيح‏.‏ وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور؛ فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن‏.‏

قلت‏:‏ زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه للنساء‏.‏ أما الشواب فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد فمباح لهن ذلك‏.‏ وجائز لجميعهن‏.‏ ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال؛ ولا يختلف في هذا إن شاء الله‏.‏ وعلى هذا المعنى يكون قوله‏:‏ ‏(‏زوروا القبور‏)‏ عاما‏.‏ وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال والنساء، فلا يحل ولا يجوز‏.‏ فبينا الرجل يخرج ليعتبر، فيقع بصره على امرأة فيفتتن، وبالعكس فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا غير مأجور‏.‏ والله أعلم‏.‏

قال العلماء‏:‏ ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه، أن يكثر من ذكر هاذم اللذات، ومفرق الجماعات، وموتم البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين‏.‏ فهذه ثلاثة أمور، ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه؛ فإن أنتفع بالإكثار من ذكر الموت، وأنجلت به قساوة قلبه فذاك، وإن عظم عليه ران قلبه، واستحكمت فيه دواعي الذنب؛ فإن مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول؛ لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير‏.‏ وفي مشاهدة من أحتضر، وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة؛ فلذلك كان أبل من الأول؛ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ليس الخبر كالمعاينة‏)‏ رواه ابن عباس‏.‏ فأما الاعتبار بحال المحتضرين، فغير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات‏.‏ وأما زيارة القبور فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر‏.‏ فينبغي لمن عزم على الزيارة، أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه منها التطواف على الأحداث فقط؛ فإن هذه حاله تشاركه فيها بهيمة‏.‏ ونعوذ بالله من ذلك‏.‏ بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن والدعاء، ويتجنب المشي على المقابر، والجلوس عليها ويسلم إذا دخل المقابر وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا، وأتاه من تلقاء وجهه، لأنه في زيارته كمخاطبته حيا، ولو خاطبه حيا لكان الأدب استقباله بوجهه؛ فكذلك ها هنا‏.‏ ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر؛ فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه، وهول لم يرتقبه‏.‏ فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقرانه الذين بلغوا المال، وجمعوا الأموال؛ كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم، ومحا التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، واقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم‏.‏ وليتذكر ترددهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمواتاة الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب‏.‏ وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع، والهلاك السريع، كغفلتهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه‏.‏ وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خوله وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه، ويضحك لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه، وليتحقق أن حاله كحاله، ومآل كمآله‏.‏ وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ويقبل على الأعمال الأخروية، فيزهد في دنياه، ويقبل على طاعة مولاه، ويلين قلبه، وتخشع جوارحه‏.‏

الآية رقم ‏(‏3 ‏:‏ 4‏)‏

‏{‏كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون‏}‏

قوله تعالى‏{‏كلا‏}‏ قال الفراء‏:‏ أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر والتمام على هذا ‏{‏كلا سوف تعلمون‏}‏ أي سوف تعلمون عاقبة هذا ‏{‏ثم كلا سوف تعلمون‏}‏‏:‏ وعيد بعد وعيد؛ قاله مجاهد‏.‏ ويحتمل أن يكون تكراره على وجه التأكيد والتغليظ؛ وهو قول الفراء‏.‏ وقال ابن عباس‏{‏كلا سوف تعلمون‏}‏ ما ينزل بكم من العذاب في القبر‏.‏ ‏{‏ثم كلا سوف تعلمون‏}‏‏:‏ وعيد بعد الآخرة إذا حل بكم العذاب‏.‏ فالأول في القبر، والثاني في الآخرة؛ فالتكرار للحالتين‏.‏ وقيل ‏{‏كلا سوف تعلمون‏}‏ عند المعاينة، أن ما دعوتكم إليه حق‏.‏ ‏{‏ثم كلا سوف تعلمون‏}‏‏:‏ عند البعث أن ما وعدتكم به صدق‏.‏ وروى زر بن حبيش عن علي رضي الله عنه، قاله‏:‏ كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة، فأشار إلى أن قوله‏{‏كلا سوف تعلمون‏}‏ يعني في القبور‏.‏ وقيل‏{‏كلا سوف تعلمون‏}‏؛ إذا نزل بكم الموت، وجاءتكم رسل لتنزع أرواحكم‏.‏ ‏{‏ثم كلا سوف تعلمون‏:‏ إذا دخلتم قبوركم، وجاءكم منكر ونكير، وحاط بكم هول السؤال، وانقطع منكم الجواب‏.‏

قلت‏:‏ فتضمنت السورة القول في عذاب القبر‏.‏ وقد ذكرنا في كتاب التذكرة أن الإيمان به واجب، والتصديق به لازم؛ حسبما أخبر به الصادق، وأن الله تعالى يحيي العبد المكلف في قبره، برد الحياة إليه، ويجعل له من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه؛ ليعقل ما يسأل عنه، وما يجيب به، ويفهم ما أتاه من ربه، وما أعد له في قبره، من كرامة وهوان‏.‏ وهذا هو مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة من أهل الملة‏.‏ وقد ذكرناه هناك مستوفى، والحمد لله، وقيل‏{‏كلا سوف تعلمون‏}‏ عند النشور أنكم مبعوثون‏{‏ ثم كلا سوف تعلمون‏}‏ في القيامة أنكم معذبون‏.‏ وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة من بعث وحشر، وسؤال وعرض، إلى غير ذلك من أهوالها وأفزاعها؛ حسب ما ذكرناه في كتاب التذكرة، بأحوال الموتى وأمور الآخرة ‏.‏ وقال الضحاك‏{‏كلا سوف تعلمون‏}‏ يعني الكفار، ‏{‏ثم كلا سوف تعلمون‏}‏‏:‏ قال المؤمنون‏.‏ وكذلك كان يقرؤها، الأولى بالتاء والثانية بالياء‏.‏

الآية رقم ‏(‏5‏)‏

‏{‏كلا لو تعلمون علم اليقين‏}‏

قوله تعالى‏{‏كلا لو تعلمون علم اليقين‏}‏ أعاد ‏{‏كلا‏}‏ وهو زجر وتنبيه، لأنه عقب كل واحد بشيء آخر؛ كأنه قال‏:‏ لا تفعلوا، فإنكم تندمون، لا تفعلوا، فإنكم تستوجبون العقاب‏.‏ وإضافة العلم إلى اليقين، كقوله تعالى‏{‏إن هذا لهو حق اليقين‏}‏الواقعة‏:‏ 95‏.‏ وقيل‏:‏ اليقين ها هنا‏:‏‏ الموت؛ قاله قتادة‏.‏ وعنه أيضا‏:‏ البعث؛ لأنه إذا جاء زال الشك، أي لو تعلمون علم البعث وجواب ‏{‏لو‏}‏ محذوف؛ أي لو تعلمون اليوم من البعث ما تعلمونه إذا جاءتكم نفخة الصور، وأنشقت اللحود عن جثثكم، كيف يكون حشركم‏؟‏ لشغلكم ذاك عن التكاثر بالدنيا‏.‏ وقيل‏{‏كلا لو تعلمون علم اليقين‏}‏ أي لو قد تطايرت الصحف، فشقي وسعيد‏.‏ وقيل‏:‏ إن ‏{‏كلا‏}‏ في هذه المواضع الثلاثة بمعنى ‏{‏ألا‏}‏ قاله ابن أبي حاتم، وقال الفراء‏:‏ هي بمعنى ‏{‏حقا‏}‏ وقد تقدم الكلام فيها مستوفى‏.‏

الآية رقم ‏(‏6 ‏:‏ 7‏)‏

‏{‏لترون الجحيم، ثم لترونها عين اليقين‏}‏

قوله تعالى‏{‏لترون الجحيم‏}‏ هذا وعيد آخر‏.‏ وهو على إضمار القسم؛ أي لترون الجحيم في الآخرة‏.‏ والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار‏.‏ وقيل‏:‏ هو عام؛ كما قال‏{‏وإن منكم إلا واردها‏}‏مريم‏:‏ 71‏‏ فهيئ للكفار دار، وللمؤمنين ممر‏.‏‏"‏ وفي الصحيح‏"‏‏:‏ ‏(‏فيمر أولهم كالبرق، ثم كالريح، ثم كالطير‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏ وقد مضى في سورة مريم ‏.‏ وقرأ الكسائي وابن عامر ‏{‏لترون‏}‏ بضم التاء، من رأيته الشيء؛ أي تحشرون إليها فترونها‏.‏ وعلى فتح التاء، هي قراءة الجماعة؛ أي لترون الجحيم بأبصاركم على البعد‏.‏ ‏{‏ثم لترونها عين اليقين‏}‏ أي مشاهدة‏.‏ وقيل‏:‏ هو إخبار عن دوام مقامهم في النار؛ أي هي رؤية دائمة متصلة‏.‏ والخطاب على هذا للكفار‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏لو تعلمون علم اليقين‏}‏ أي لو تعلمون اليوم في الدنيا، علم اليقين فيما أمامكم، مما وصفت‏{‏لترون الجحيم‏}‏ بعيون قلوبكم؛ فإن علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك؛ وهو أن تتصور لك تارات القيامة، وقطع مسافاتها‏.‏ ‏{‏ثم لترونها عين اليقين‏}‏‏:‏ أي عند المعاينة بعين الرأس، فتراها يقينا، لا تغيب عن عينك‏.‏ ‏{‏ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏}‏‏:‏ في موقف السؤال والعرض‏.‏

الآية رقم ‏(‏8‏)‏

‏{‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏}‏

قوله تعالى‏{‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏}‏ ‏"‏روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة‏"‏، قال‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة، فإذا هو بأبي بكر وعمر؛ فقال‏:‏ ‏(‏ ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة‏)‏‏؟‏ قالا‏:‏ الجوع يا رسول الله‏.‏ قال‏:‏‏(‏وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما قوما‏)‏ فقاما معه؛ فأتى رجلا من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت‏:‏ مرحبا وأهلا‏.‏ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أين فلان‏)‏‏؟‏ قالت‏:‏ يستعذب لنا من الماء؛ إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبيه، وثم قال‏:‏ الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضافيا مني‏.‏ قال‏:‏ فانطلق، فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال‏:‏ كلوا من هذه‏.‏ وأخذ المدية فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إياك والحلوب‏)‏ فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا؛ فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم، يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم‏)‏‏.‏ خرجه الترمذي، وقال ‏[‏فيه‏]‏‏:‏ ‏(‏هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة‏:‏ ظل بارد، ورطب طيب، وماء بارد‏)‏ وكنى الرجل الذي من الأنصار، فقال‏:‏ أبو الهيثم ابن التيهان‏.‏ وذكر قصته‏.‏

قلت‏:‏ اسم هذا الرجل الأنصاري مالك بن التيهان، ويكنى أبا الهيثم‏.‏ وفي هذه القصة يقول عبدالرحمن رواحة، يمدح بها أبا الهيثم بن التيهان‏:‏

فلم أر كالإسلام عزا لأمة ولا مثل أضياف الإراشي معشرا

نبي وصديق وفاروق أمة وخير بني حواء فرعا وعنصرا

فوافوا لميقات وقدر قضية وكان قضاء الله قدرا مقدرا

إلى رجل نجد يباري بجوده شموس الضحى جودا ومجدا ومفخرا

وفارس خلق الله في كل غارة إذا لبس القوم الحديد المسمرا

ففدى وحيا ثم أدنى قراهم فلم يقرهم إلا سمينا متمرا

وقد ذكر أبو نعيم الحافظ، عن أبي عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال‏:‏ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر فدعاه، فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه، فخرج إليه، فانطلق حتى دخل حائطا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط‏:‏ ‏(‏أطعمنا بسرا‏)‏ فجاء بعذق، فوضعه فأكلوا، ثم دعا بماء فشرب، فقال‏:‏ ‏(‏لتسألن عن هذا يوم القيامة‏)‏ قال‏:‏ وأخذ عمر العذق، فضرب به الأرض حتى تناثر البسر نحو وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يا رسول الله، إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏نعم إلا من ثلاث‏:‏ كسرة يسد بها جوعته، أو ثوب يستر به عورته، أو حجر يأوي فيه من الحر والقر‏)‏‏.‏ واختلف أهل التأويل في النعيم المسؤول عنه على عشرة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ الأمن والصحة؛ قال ابن مسعود‏.‏ الثاني‏:‏ الصحة والفراغ؛ قال سعيد بن جبير‏.‏ وفي البخاري عنه عليه السلام‏:‏ ‏(‏نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس‏:‏ الصحة والفراغ‏)‏‏.‏ الثالث‏:‏الإدراك بحواس السمع والبصر؛ قال ابن عباس‏.‏ وفي التنزيل‏{‏إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا‏}‏الإسراء‏:‏ 36‏‏.‏‏"‏ وفي الصحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد‏"‏ قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يؤتي بالعبد يوم القيامة، فيقول له‏:‏ ألم أجعل لك سمعا وبصرا، ومالا وولدا 000 ‏)‏،‏"‏ الحديث‏.‏ خرجه الترمذي وقال فيه‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏‏"‏ الرابع‏:‏ ملاذ المأكول والمشروب قاله جابر بن عبدالله الأنصاري‏.‏ وحديث أبي هريرة يدل عليه‏.‏ الخامس‏:‏ أنه الغداء والعشاء؛ قال الحسن‏.‏ السادس‏:‏ قول مكحول الشامي‏:‏ أنه شبع البطون وبارد الشراب،وظلال المساكن، واعتدال الخلق؛ ولذة النوم‏.‏ ورواه زيد بن أسلم عن أبيه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لتسألن يومئذ عن النعيم‏)‏ يعني عن شبع البطون فذكره‏.‏ ذكره الماوردي،وقال‏:‏ وهذا السؤال يعم الكافر والمؤمن، إلا أن سؤال المؤمن تبشير بأن يجمع له بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة‏.‏ وسؤال الكافر تقريع أن قابل نعيم الدنيا بالكفر والمعصية‏.‏ وقال قوم‏:‏ هذا السؤال عن كل نعمة، إنما يكون في حق الكفار، فقد روي أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال‏:‏ يا رسول الله، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان، من خبز شعير ولحم وبسر قد ذنب، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه‏؟‏ فقال عليه السلام‏:‏ ‏(‏ذلك للكفار؛ثم قرأ‏{‏وهل نجازي إلا الكفور‏}‏سبأ‏:‏ 17‏‏.‏ ذكره القشيري أبو نصر‏.‏ وقال الحسن لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار‏.‏ وقال القشيري‏:‏ والجمع بين الأخبار‏:‏ أن الكل يسألون، ولكن سؤال الكفار توبيخ، لأنه قد ترك الشكر‏.‏ وسؤال المؤمن سؤال تشريف، لأنه شكر‏.‏ هذا النعيم في كل نعمة‏.‏

قلت‏:‏ هذا القول حسن، لأن اللفظ يعم‏.‏ وقد ذكر الفريابي قال‏:‏ حدثنا ورقاء ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قوله تعالى‏{‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏}‏ قال‏:‏ كل شيء من لذة الدنيا‏.‏ وروى أبو الأحوص عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏إن الله تعالى ليعدد نعمه على العبد يوم القيامة، حتى يعد عليه‏:‏ سألتني فلانة أن أزوجكها، فيسميها باسمها، فزوجتكها‏)‏‏.‏ ‏"‏وفي الترمذي عن أبي هريرة‏"‏ قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية‏{‏ثم لتسألن يومئذ عن النعيم‏}‏ قال الناس‏:‏ يا رسول الله، عن أي النعيم نسأل‏؟‏ فإنما هما الأسودان والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏إن ذلك سيكون‏)‏‏.‏ وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة - يعني العبد - أن يقال له‏:‏ ألم نصح لك جسمك، ونرويك من الماء البارد‏)‏ قال‏:‏ حديث ابن عمر قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إذا كان يوم القيامة دعا الله بعبد من عباده، فيوقفه بين يديه، فيسأله عن جاهه كما يسأل عن ماله‏)‏‏.‏ والجاه من نعيم الدنيا لا محالة‏.‏ وقال مالك رحمه الله‏:‏ إنه صحة البدن، وطيب النفس‏.‏ وهو القول السابع‏.‏ وقيل‏:‏ النوم مع الأمن والعافية‏.‏ وقال سفيان بن عيينة‏:‏ إن ما سد الجوع وستر العورة من خشن الطعام واللباس، لا يسأل عنه المرء يوم القيامة، وإنما يسأل عن النعيم‏.‏ قال‏:‏ والدليل عليه أن الله تعالى أسكن آدم الجنة‏.‏ فقال له‏{‏إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى‏.‏ وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى‏}‏طه‏:‏ 118‏‏.‏ فكانت هذه الأشياء الأربعة - ما يسد به الجوع، وما يدفع به العطش، وما يستكن فيه من الحر، ويستر به عورته - لآدم عليه السلام بالإطلاق، لا حساب عليه فيها، لأنه لابد له منها‏.‏

قلت‏:‏ ونحو هذا ذكره القشيري أبو نصر، قال‏:‏ إن مما لا يسأل عنه العبد لباسا يواري سوأته، وطعاما يقيم صلبه، ومكانا يكنه من الحر والبرد‏.‏

قلت‏:‏ وهذا منتزع من قول عليه السلام‏:‏ ‏(‏ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال‏:‏ بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماء‏)‏‏"‏ خرجه الترمذي‏"‏‏.‏ وقال النضر بن شميل‏:‏ جلف الخبز‏:‏ ليس معه إدام‏.‏ وقال محمد بن كعب‏:‏ النعيم‏:‏ هو ما أنعم الله علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي التنزيل‏{‏لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم‏}‏آل عمران‏:‏164‏.‏ وقال الحسن أيضا والمفضل‏:‏ هو تخفيف الشرائع، وتيسير القرآن، قال الله تعالى‏{‏وما جعل عليكم في الدين من حرج‏}‏الحج‏:‏ 78‏‏، وقال تعالى‏{‏ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر‏}‏القمر‏:‏17‏‏.‏

قلت‏:‏ وكل هذه نعم، فيسأل العبد عنها‏:‏ هل شكر ذلك أم كفر‏.‏ والأقوال المتقدمة أظهر‏.‏ والله أعلم
 
سورة العصر

الآية رقم ‏(‏1‏)‏

‏{‏والعصر‏}‏

قوله تعالى‏{‏والعصر‏}‏ أي الدهر؛ قاله ابن عباس وغيره‏.‏ فالعصر مثل الدهر؛ ومنه قول الشاعر‏:‏

سبيل الهوى وعر وبحر الهوى غمر ويوم الهوى شهر وشهر الهوى دهر

أي عصر أقسم الله به عز وجل؛ لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها، وما فيها من الدلالة على الصانع‏.‏ وقيل‏:‏ العصر‏:‏ الليل والنهار‏.‏ قال حميد بن ثور‏:‏

ولن يلبث العصران‏:‏ يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما

والعصران أيضا‏:‏ الغداة والعشي‏.‏ قال‏:‏

وأمطله العصرين حتى يملني ويرضى بنصف الدين والأنف راغم

يقول‏:‏ إذا جاءني أول النهار ووعدته آخره‏.‏ وقيل‏:‏ إنه العشي، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها؛ قاله الحسن وقتادة‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏

تروح بنا يا عمر قد قصر العصر وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر

وعن قتادة أيضا‏:‏ هو آخر ساعة من ساعات النهار‏.‏ وقيل‏:‏ هو قسم بصلاة العصر، وهي الوسطى؛ لأنها أفضل الصلوات؛ قال مقاتل‏.‏ يقال‏:‏ أذن للعصر، أي لصلاة العصر‏.‏ وصليت العصر؛ أي صلاة العصر‏.‏ وفي الخبر الصحيح ‏(‏الصلاة الوسطى صلاة العصر‏)‏‏.‏ وقد مضى في سورة البقرة بيانه‏.‏ وقيل‏:‏ هو قسم بعصر النبي صلى الله عليه وسلم، لفضله بتجديد النبوة فيه‏.‏ وقيل‏:‏ معناه ورب العصر‏.‏

قال مالك‏:‏ من حلف ألا يكلم رجلا عصرا‏:‏ لم يكلمه سنة‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ إنما حمل مالك يمين الحالف ألا يكلم امرأ عصرا على السنة؛ لأنه أكثر ما قيل فيه، وذلك على أصله في تغليظ المعنى في الأيمان‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ يبر بساعة؛ إلا أن تكون له نية، وبه أقول؛ إلا أن يكون الحالف عربيا، فيقال له‏:‏ ما أودت‏؟‏ فإذا فسره بما يحتمله قبل منه، إلا أن يكون الأقل، ويجيء على مذهب مالك أن يحمل على ما يفسر‏.‏ والله أعلم‏.‏

الآية رقم ‏(‏2‏)‏

‏{‏إن الإنسان لفي خسر‏}‏

هذا جواب القسم‏.‏ والمراد به الكافر؛قاله ابن عباس في رواية أبي صالح‏.‏ وروى الضحاك عنه قال‏:‏ يريد جماعة من المشركين‏:‏ الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبدالمطلب بن أسد بن عبد العزى، والأسود بن عبد يغوث‏.‏ وقيل‏:‏ يعني بالإنسان جنس الناس‏.‏ ‏{‏لفي خسر‏}‏ لفي غبن‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ هلكة‏.‏ الفراء‏:‏ عقوبة؛ ومنه قوله تعالى‏{‏وكان عاقبة أمرها خسرا‏}‏الطلاق‏:‏ 9‏.‏ ابن زيد‏:‏ لفي شر‏.‏ وقيل‏:‏ لفي نقص؛ المعنى متقارب‏.‏ وروي عن سلام ‏{‏والعصر‏}‏ بكسر الصاد‏.‏ وقرأ الأعرج وطلحة وعيسى الثقفي ‏{‏خسر‏}‏ بضم السين‏.‏ وروى ذلك هارون عن أبي بكر عن عاصم‏.‏ والوجه فيهما الإتباع‏.‏ ويقال‏:‏ خسر وخسر؛ مثل عسر وعسر‏.‏ وكان علي يقرؤها والعصر ونوائب الدهر، إن الإنسان لفي خسر‏.‏ وإنه فيه إلى آخر الدهر ‏.‏ وقال إبراهيم‏:‏ إن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم، لفي نقصى وضعف تراجع؛ إلا المؤمنين، فإنهم تكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم؛ نظيره قوله تعالى‏{‏لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم‏.‏ ثم رددناه أسفل سافلين‏}‏‏.‏ ‏[‏التين‏:‏ 5‏]‏‏.‏ قال‏:‏ وقراءتنا ‏{‏والعصر إن الإنسان لفي خسر‏}‏، وإنه في آخر الدهر ‏.‏ والصحيح ما عليه الأمة والمصاحف‏.‏ وقد مضى الرد في مقدمة الكتاب على من خالف مصحف عثمان، وأن ذلك ليس بقرآن يتلي؛ فتأمله هناك‏.‏

الآية رقم ‏(‏3‏)‏

‏{‏إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر‏}‏

قوله تعالى‏{‏إلا الذين آمنوا‏}‏ استئناء من الإنسان؛ إذ هو بمعنى الناس على الصحيح‏.‏ ‏{‏وعملوا الصالحات‏}‏ أي أدوا الفرائض المفترضة عليهم؛ وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال أبي بن كعب‏:‏ قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏والعصر‏}‏ ما تفسيرها يا نبي الله‏؟‏ قال‏{‏والعصر‏}‏ قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار‏{‏إن الإنسان لفي خسر‏}‏‏:‏ أبو جهل ‏{‏إلا الذين آمنوا‏}‏‏:‏ أبو بكر، ‏{‏وعملوا الصالحات‏}‏ عمر‏.‏ ‏{‏وتواصوا بالحق‏}‏ عثمان ‏{‏وتواصلوا بالصبر‏}‏ علي‏.‏ رضي الله عنهم أجمعين‏.‏ وهكذا خطب ابن عباس على المنبر موقوفا عليه‏.‏ ‏{‏وتواصوا‏}‏ أي تحابوا؛ أوصى بعضهم بعضا وحث بعضهم بعضا‏.‏ ‏{‏بالحق‏}‏ أي بالتوحيد؛ كذا روى الضحاك عن ابن عباس‏.‏ قال قتادة‏{‏بالحق‏}‏ أي القرآن‏.‏ وقال السدي‏:‏ الحق هنا هو الله عز وجل‏.‏ ‏{‏وتواصوا بالصبر‏}‏ على طاعة الله عز وجل، والصبر عن معاصيه‏.‏ وقد تقدم‏.‏ والله أعلم
 
سورة الهمزة

الآية رقم ‏(‏1‏)‏

‏{‏ويل لكل همزة لمزة‏}‏

قد تقدم القول في ‏{‏الويل‏}‏ في غير موضع، ومعناه الخزي والعذاب والهلكة‏.‏ وقيل‏:‏ واد في جهنم‏.‏ ‏{‏لكل همزة لمزة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ هم المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب؛ فعلى هذا هما بمعنى‏.‏ وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏شرار عباد الله تعالى المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب‏)‏‏.‏ وعن ابن عباس أن الهمزة‏:‏ الذي يغتاب اللمزة‏:‏ العياب‏.‏ وقال أبو العالية والحسن ومجاهد وعطاء بن أبي رباج‏:‏ الهمزة‏:‏ الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل، واللمزة‏:‏ الذي يغتابه من خلفه إذا غاب؛ ومنه قول حسان‏:‏

همزتك فاختضعت بذل نفس بقافية تأجج كالشواظ

واختار هذا القول النحاس، قال‏:‏ ومنه قوله تعالى ‏{‏ومنهم من يلمزك في الصدقات‏}‏التوبة‏:‏ 58‏]‏‏.‏ وقال مقاتل ضد هذا الكلام‏:‏ إن الهمزة‏:‏ الذي يغتاب بالغيبة، واللمزة‏:‏ الذي يغتاب في الوجه‏.‏ وقال قتادة ومجاهد‏:‏ الهمزة‏:‏ الطعان في الناس، والهمزة‏:‏ الطعان في أنسابهم‏.‏ وقال ابن زيد الهامز‏:‏ الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة‏:‏ الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم‏.‏ وقال سفيان الثوري يهمز بلسانه، ويلمز بعينيه‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏ الهمزة الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ، واللمزة‏:‏ الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بعينه ورأسه وبحاجبيه‏.‏ وقال مرة‏:‏ هما سواء؛ وهو القتات الطعان للمرء إذا غاب‏.‏ وقال زياد الأعجم‏:‏

تدلي بودي إذا لاقيتني كذبا وإن أغيب فأنت الهامز اللمزة

وقال آخر‏:‏

إذا لقيتك عن سخط تكاشرني وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة

الشحط‏:‏ العبد‏.‏ والهمزة‏:‏ اسم وضع للمبالغة في هذا المعنى؛ كما يقال‏:‏ سخرة وضحكة‏:‏ للذي يسخر ويضحك بالناس‏.‏ وقرأ أبو جعفر محمد بن علي والأعرج ‏{‏همزة لمزة‏}‏ بسكون الميم فيهما‏.‏ فإن صح ذلك عنهما، فهي معنى المفعول، وهو الذي يتعرض للناس حتى يهمزوه ويضحكوا منه، ويحملهم على الاغتياب‏.‏ وقرأ عبدالله بن مسعود وأبو وائل والنخعي والأعمش‏{‏ويل للهمزة اللمزة‏}‏‏.‏ وأصل الهمز‏:‏ الكسر، والعض على الشيء بعنف؛ ومنه همز الحرف‏.‏ ويقال‏:‏ همزت رأسه‏.‏ وهمزت الجوز يكفي كسرته‏.‏ وقيل لأعرابي‏:‏ أتهمزون الفارة‏؟‏ فقال‏:‏ إنما تهمزها الهرة‏.‏ الذي في الصحاح‏:‏ وقيل لأعرابي أتهمز الفارة‏؟‏ فقال السنور يهمزها‏.‏ والأول قاله الثعلبي، وهو يدل على أن الهر يسمى الهمزة‏.‏ قال العجاج‏:‏

ومن همزنا رأسه تهشما

وقيل‏:‏ أصل الهمز واللمز‏:‏ الدفع والضرب‏.‏ لمزه يلمزا‏:‏ إذا ضربه ودفعه‏.‏ وكذلك همزه‏:‏ أي دفعه وضربه‏.‏ قال الراجز‏:‏

ومن همزنا عزه تبركعا على أسته زوبعة أو زوبعا

البركعة‏:‏ القيام على أربع‏.‏ وبركعه فتبركع؛ أي صرعه فوقع على أسته؛ قاله في الصحاح‏.‏ والآية نزلت في الأخنس بن شريق، فيما روى الضحاك عن ابن عباس‏.‏ وكان يلمز الناس ويعيبهم‏:‏ مقبلين ومدبرين‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ في الوليد بن المغيرة، وكان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه، ويقدح فيه في وجهه‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في أبي بن خلف‏.‏ وقيل‏:‏ في جميل بن عامر الثقفي‏.‏ وقيل‏:‏ إنها مرسلة على العموم من غير تخصيص؛ وهو قول الأكثرين‏.‏ قال مجاهد‏:‏ ليست بخاصة لأحد، بل لكل من كانت هذه صفته‏.‏ وقال الفراء‏:‏ بجوز أن يذكر الشيء العام ويقصد به الخاص، قصد الواحد إذا قال‏:‏ لا أزورك أبدا‏.‏ فتقول‏:‏ من لم يزرني فلست بزائره؛ يعني ذلك القائل‏.‏

الآية رقم ‏(‏2‏)‏

‏{‏الذي جمع مالا وعدده‏}‏

أي أعده - زعم - لنوائب الدهر؛ مثل كرم وأكرم‏.‏ وقيل‏:‏ أحصى عدده؛ قال السدي‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ أي أعد مال لمن يرثه من أولاده‏.‏ وقيل‏:‏ أي فاخر بعدده وكثرته‏.‏ والمقصود الذم على إمساك المال عن سبيل الطاعة‏.‏ كما قال‏{‏مناع للخير‏}‏ق‏:‏ 25‏‏، وقال‏{‏وجمع فأوعى‏}‏المعارج‏:‏ 18‏.‏ وقراءة الجماعة ‏{‏جمع‏}‏ مخفف الميم‏.‏ وشددها ابن عامر وحمزة والكسائي على التكثير‏.‏ واختاره أبو عبيد؛ لقوله‏{‏وعدده‏}‏‏.‏ وقرأ الحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية ‏{‏جمع‏}‏ مخففا، ‏{‏وعدده‏}‏ مخففا أيضا؛ فأظهروا التضعيف، لأن أصله عده وهو بعيد؛ لأنه وقع في المصحف بدالين‏.‏ وقد جاء مثله في الشعر؛ لما أبرزوا التضعيف خففوه‏.‏ قال‏:‏

مهلا أمامة قد جريت من خلقي إني أجود لأقوام وإن ضَنِنوا

أراد‏:‏ ضنوا وبخلوا، فأظهر التضعيف؛ لكن الشعر موضع ضرورة‏.‏ قال المهدوي‏:‏ من خفف ‏{‏وعدده‏}‏ فهو معطوف على المال؛ أي وجمع عدده فلا يكون فعلا على إظهار التضعيف؛ لأن ذلك لا يستعمل إلا في الشعر‏.‏

الآية رقم ‏(‏3 ‏:‏ 7‏)‏

‏{‏يحسب أن ماله أخلده، كلا لينبذن في الحطمة، وما أدراك ما الحطمة، نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة‏}‏

قوله تعالى‏{‏يحسب‏}‏ أي يظن ‏{‏أن ماله أخلده‏}‏ أي يبقيه حيا لا يموت؛ قاله السدي‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ أي يزيد في عمره‏.‏ وقيل‏:‏ أحياه فيما مضى، وهو ماض بمعنى المستقبل‏.‏ يقال‏:‏ هلك والله فلان ودخل النار؛ أي يدخل‏.‏ ‏{‏كلا‏}‏ رد لما توهمه الكافر؛ أي لا يخلد ولا يبقى له مال‏.‏ وقد مضى القول في ‏{‏كلا‏}‏ مستوفى‏.‏ وقال عمر بن عبدالله مولى غفرة‏:‏ إذا سمعت الله عز وجل يقول ‏{‏كلا‏}‏ فإنه يقول كذبت‏.‏ ‏{‏لينبذن‏}‏ أي ليطرحن وليلقين‏.‏ وقرأ الحسن ومحمد بن كعب ونصر بن عاصم ومجاهد وحميد وابن محيصن‏:‏ لينبذان بالتثنية، أي هو وماله‏.‏ وعن الحسن أيضا ‏{‏لينبذنه‏}‏ على معنى لينبذن ما له‏.‏ وعنه أيضا بالنون ‏{‏لينبذنه‏}‏ على إخبار الله تعالى عن نفسه، وأنه ينبذ صاحب المال‏.‏ وعنه أيضا ‏{‏لينبذن‏}‏ بضم الذال؛ على أن المراد الهمزة واللمزة والمال وجامعه‏.‏

قوله تعالى‏{‏في الحطمة‏}‏ وهي نار الله؛ سميت بذلك لأنها تكسر كل ما يلقي فيها وتحطمه وتهشمه‏.‏ قال الراجز‏:‏

إنا حطمنا بالقضيب مصعبا يوم كسرنا أنفه ليغضبنا

وهي الطبقة السادسة من طبقات جهنم‏.‏ حكاه الماوردي عن الكلبي‏.‏ وحكى القشيري عنه‏{‏الحطمة‏}‏ الدركة الثانية من درك النار‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ وهي الدرك الرابع‏.‏ ابن زيد‏:‏ اسم من أسماء جهنم‏.‏

‏{‏وما أدراك ما الحطمة‏}‏ على التعظيم لشأنها، والتفخيم لأمرها‏.‏ ثم فسرها ما هي فقال‏{‏نار الله الموقدة‏}‏ أي التي أوقد عليها ألف عام، وألف عام، وألف عام؛ فهي غير خامدة؛ أعدها الله للعصاة‏.‏ ‏{‏التي تطلع على الأفئدة‏}‏ قال محمد بن كعب‏:‏ تأكل النار جميع ما في أجسادهم، حتى إذا بلغت إلى الفؤاد، خلقوا خلقا جديدا، فرجعت تأكلهم‏.‏ وكذا روى خالد بن أبي عمران عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أن النار تأكل أهلها، حتى إذا اطلعت على أفئدتهم انتهت، ثم إذا صدروا تعود، فذلك قوله تعالى‏{‏نار الله الموقدة‏.‏ التي تطلع على الأفئدة‏}‏‏.‏ وخص الأفئدة لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه‏.‏ أي إنه في حال من يموت وهم لا يموتون؛ كما قال الله تعالى‏{‏لا يموت فيها ولا يحيى‏}‏طه‏:‏ 74‏‏ فهم إذاً أحياء في معنى الأموات‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏تطلع على الأفئدة‏}‏ أي تعلم مقدار ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب؛ وذلك بما استبقاه الله تعالى من الأمارة الدالة عليه‏.‏ ويقال‏:‏ أطلع فلان على كذا‏:‏ أي علمه‏.‏ وقد قال الله تعالى‏{‏تدعوا من أدبر وتولى‏}‏المعارج‏:‏ 17‏‏.‏ وقال تعالى‏{‏إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا‏}‏الفرقان‏:‏ 12‏‏.‏ فوصفها بهذا، فلا يبعد أن توصف بالعلم‏.‏

الآيةرقم ‏(‏8 ‏:‏ 9‏)‏

‏{‏إنها عليهم مؤصدة، في عمد ممددة‏}‏

أي مطبقة؛ قال الحسن والضحاك‏.‏ وقد تقدم في سورة البلد القول فيه‏.‏ وقيل‏:‏ مغلقة؛ بلغة قريش‏.‏ يقولون‏:‏ آصدت الباب إذا أغلقته؛ قال مجاهد‏.‏ ومنه قول عبيدالله بن قيس الرقيات‏:‏

إن في القصر لو دخلنا غزالا مصفقا موصدا عليه الحجاب

‏{‏في عمد ممددة‏}‏ الفاء بمعنى الباء؛ أي موصدة بعمد بعمد ممددة؛ قاله ابن مسعود‏.‏ وهي في قراءته ‏{‏بعمد ممددة‏}‏ في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏ثم إن الله يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار، ومسامير من نار وعمد من نار، فتطبق عليهم بتلك الأطباق، وتشد عليهم بتلك المسامير، وتمد بتلك العبد، فلا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح، ولا يخرج منه غم، وينساهم الرحمن على عرشه، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم، ولا يستغيثون بعدها أبدا، وينقطع الكلام، فيكون كلامهم زفيرا وشهيقا؛ فذلك قوله تعالى‏{‏إنها عليهم مؤصدة‏.‏ في عمد ممددة‏}‏‏.‏ وقال قتادة‏{‏عمد‏}‏ يعذبون بها‏.‏ واختاره الطبري‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ إن العمد الممددة أغلال في أعناقهم‏.‏ وقيل‏:‏ قيود في أرجلهم؛ قاله أبو صالح‏.‏ وقال القشيري‏:‏ والمعظم على أن العمد أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار‏.‏ وتشد تلك الأطباق بالأوتاد، حتى يرجع عليهم غمها وحرها، فلا يدخل عليهم روح‏.‏ وقيل‏:‏ أبواب النار مطبقة عليهم وهم في عمد؛ أي في سلاسل وأغلال مطولة، وهي أحكم وأرسخ من القصيرة‏.‏ وقيل‏:‏ هم في عمد ممددة؛ أي في عذابها وآلامها يضربون بها‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى في دهر ممدود؛ أي لا انقطاع له‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ‏{‏في عمد‏}‏ بضم العين والميم‏:‏ جمع عمود‏.‏ وكذلك ‏{‏عمد‏}‏ أيضا‏.‏ قال الفراء‏:‏ والعمد‏:‏ جمعان صحيحان لعمود؛ مثل أديم أدم وأدم، وأفيق وأفق وأفق‏.‏ أبو عبيدة‏:‏ عمد‏:‏ جمع عماد؛ مثل إهاب‏.‏ واختار أبو عبيد ‏{‏عمد‏}‏ بفتحتين‏.‏ وكذلك أبو حاتم؛ أعتبارا بقوله تعالى‏{‏رفع السموات بغير عمد ترونها‏}‏الرعد‏:‏ 2‏‏.‏ وأجمعوا على فتحها‏.‏ قال الجوهري‏:‏ العمود‏:‏ عمود البيت، وجمع القلة‏:‏ أعمدة، وجمع الكثرة عمد، وعمد؛ وقرئ بهما قوله تعالى‏{‏في عمود ممددة‏}‏‏.‏ وقال أبو عبيدة‏:‏ العمود، كل مستطيل من خشب أو حديد، وهو أصل للبناء مثل العماد‏.‏ عمدت الشيء فانعمد؛ أي أقمته بعماد يعتمد عليه‏.‏ وأعمدته جعلت تحته عمدا‏.‏ والله أعلم
 
عودة
أعلى