1. هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز ). من خلال الاستمرار في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. تعرف على المزيد.
  1. البحرية عز وحرية

    • Well-Known Member
    إنضم إلينا في:
    ‏1 ديسمبر 2011
    المشاركات:
    3,212
    الإعجابات المتلقاة:
    440
    نقاط الجوائز:
    135
    Offline
    منذ مطلع التاريخ وظهور الجيوش والحروب شكلت الحرب غير النظامية أو ما يعرف أيضا بحرب العصابات تهديدا حقيقيا للجيوش النظامية التي لم تجد يوما حلا سهلا لها. ولطالما نظر الكتاب العسكريون والاستراتيجيون الغربيون بازدراء لحرب العصابات ومن شاركوا فيها. ولقد أطلقت العديد من الأسماء والصفات على رجال حرب العصابات منها ما كان ايجابيا وغالبها ما كان سلبيا. ومرد ذلك يعود لكون الدول العظمى والغازية هي من يحبذ الجيوش النظامية ويحتقر الفرق غير التقليدية التي كانت تشكلها عادة شعوب الدول المحتلة. كانت الاستثناءات الوحيدة عبر التاريخ الحديث المقاتلين الأحرار في فرنسا وروسيا ودول أخرى احتلتها جيوش قوات المحورخلال الحرب العالمية الثانية، والمجاهدين الأفغان قبل الانسحاب السوفياتي، والمقاتلين الشيشان.

    الا أن الأمور ازدادت سوءا بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 حيث لم يعد هناك في العالم أي صراع يعرف على أنه حرب تحرير أو ثورة شرعية. كل قوة غير نظامية تستخدم وسائل العنف لتحقيق أهدافها السياسية أو غيرها (بغض النظر عن أحقيتها) باتت تعرف على أنها ارهابية.

    لكن طبيعة الصراعات اليوم أخذت أشكالا أكثر تعقيدا مما كانت عليه، نتيجة الثورات التكنولوجية والمعلوماتية التي أوجدت وسائل ومجالات جديدة للمواجهة لم تكن متوفرة سابقا. فلقد وفر الانترنت وسيلة شبه مجانية لنشر المعلومات والتواصل وتجييش الرأي العام والحرب المعلوماتية، في حين وفر التلفون الخليوي وسيلة اتصال قوية محليا ودوليا. كما أدى التطور في علوم الكيمياء الى ظهور أنواع متعددة من المتفجرات التي يسهل اعدادها محليا. كما وفرت السوق السوداء المتنامية بفعل تحسن المواصلات والاتصالات أسلحة متقدمة وفعالة ضد الجيوش الحديثة.

    وعليه، فان التطور التكنولوجي على الأصعدة كافة قد أدى الى ظهور جيل جديد من القوى الثورية تعتمد أساليب وتكتيكات ووسائل جديدة لم تكن معروفة قبل نهاية الحرب الباردة. وبما أن الولايات المتحدة الأميركية كانت الدولة التي خرجت منتصرة من الحرب الباردة وباتت القوة العظمى الوحيدة، وبما أن أميركا هي الدولة التي تقود تحالفات دولية في حروب منذ عام 1990، بعضها ما زال مستمرا في أفغانستان والعراق، فان الباحثين العسكريين الأميركيين كانوا أول من وضع دراسات عن تطور حرب العصابات أو الحرب الثورية، التي باتت تعرف لديهم اليوم باسم "الحرب الهجينة."



    تعريف الحرب الهجينة

    بدأ تعبيير "الحرب الهجينة" يظهر في كتابات ودراسات المسؤولين الأميركيين منذ انتهاء حرب الشيشان، خلال العقد الأخير من القرن الفائت. ولقد ظهرت عدة تعريفات للحرب الهجينة؛ أول من عّرفها كان المقدم في الجيش الأميركي بيل نيميث، حين وصفها "بنموذج عصري لحرب العصابات حيث يستخدم فيها الثوار التكنولوجيا الحديثة وسبل حديثة لحشد الدعم المعنوي والشعبي." ويقصد هنا بالتكنولوجيا الحديثة الأسلحة المتطورة، والتي استخدمت ضمن تكتيكات حرب العصابات بشكل لم تعد الجيوش النظامية لدى الدول الكبرى قادرة على التمييز فيما اذا كانت تخوض حرب تقليدية أو غير تقليدية. فلقد استخدم المقاتلون الشيشان صواريخ حديثة مضادة للدروع والطائرات، انما في اطار حرب العصابات، وفي معارك لجأ فيها الشيشانيون الى عمليات انتحارية ونصب كمائن مع هجمات مرتدة.

    باحث أميركي آخر نايثان فراير عمل في مكتب وزير الدفاع وضع تعريفا آخرا للحرب الهجينة. فقال ان الحرب الهجينة هي عندما تستخدم مجموعة مسلحة اثنين أو أكثر من الأساليب الهجومية الأربع التالية: حرب تقليدية، حرب غير نظامية، ارهاب كارثي، استغلال التكنولوجيا لتهديد الاستقرار وتعطيل عمل الدول.

    أما العقيد المتقاعد في الجيش الأميركي جاك ماكون فهو يصف الحرب الهجينة بتلك التي تشن في وقت واحد على ثلاث جبهات أو محاور: داخل التجمع السكاني في منطقة الصراع، داخل منطقة النزاع الاقليمية، وعلى مستوى المجتمع الدولي." أي أن ماكون يشدد على البعد العقائدي والفكري كأدوات أساسية في تعريف الحرب الهجينة.

    آخر من قدم تعريف للحرب الهجينة كان الضابط في مشاة البحرية الأميركية فرانك هوفمان، الذي وصفها على الشكل التالي: "حين يقدم خصم على استخدام، وبشكل متزامن ومتقن، مزيج من الأسلحة التقليدية والتكتيكات غير النظامية والارهاب (مهاجمة مدنيين أو هجمات انتحارية) والتصرف الاجرامي في مجال أرض المعركة بمجمله (داخلي وخارجي) من أجل تحقيق أهدافه." أثار تعريف هوفمان تساؤلات حول خصائص الحرب الهجينة. فهل يجب التركيز على اسلوب القتال أوالهيكلية التي يمتلكها الخصم، وهل التزامن باستخدام القدرات ملزم أم يجوز التسلسل في تطبيقها، وهل المزج بالأساليب يعني بالضرورة تواجد قوى ومجموعات متعددت تعمل معا أو بشكل متجانس، وهل العمل الاجرامي أحد أشكال المواجهة أم فقط لتأمين موارد مالية للخصم. ولا يوجد أجوبة محددة حتى الآن بسبب تعدد الحالات وخصوصية كل منها بالرغم من أوجه الشبه في الخصائص والصفات.


    أمثلة وحالات


    يعتبر حزب الله من أنجح الأمثلة على القوى التي طبقت الحرب الهجينة بنجاح، بل أن اسلوب عمل الحزب وخصائصه باتت القدوة التي تصبوا الي تطبيقها قوى أخرى. وتمثل النجاح الأكبر لحزب الله في حرب صيف 2006 حين اعتمد مقاتلوه تكتيكات حرب العصابات مستخدمين صواريخ مضادة للدروع والسفن بنجاح مبهر. كما تمكنت صواريخه من تهديد الجبهة الخلفية للعدو، ونجحت أدواته الاعلامية من تحقيق نصر معنوي على العدو. حتى أن حزب الله تمكن من اختراق أجهزة اتصال العدو والتجسس على حركته ومنعه من أختراق صفوفه ما أوقع الجيش الاسرائيلي بحال من الضياع الكبير أدى الى هزيمته ميدانيا. وشاهدنا لاحقا كيف حاولت حماس أن تعتمد اسلوب حزب الله، وانما بشكل مصغر في حرب غزة.

    يعتبر تنظيم القاعدة أو التنظيمات المرتبطه به بشكل مباشر أو غير مباشر من القوى التي تعتمد ما يعرف بالحرب الهجينة، وانما بأشكال أو مستويات مختلفة طبقا لمكان تواجدها ونوعية مسرح العمليات. ففي داخل الدول التي تملك حكومات وأنظمة قوية ومتماسكة يقتصر دور القاعدة على عمليات انتحارية وهجمات محدودة ضد منشآت حكومية وعسكرية، كما هو حال القاعدة في بلاد المغرب. أما في الدول التي لا توجد فيها سيطرة قوية للحكومة، مثل العراق فقد شنت حرب عصابات مصحوبة بهجمات انتحارية، واعتمدت الجريمة المنظمة (خطف ونهب بنوك) لتمويل عملياتها التي شملت أحيانا قصفا بالمدفعية والصواريخ لأهداف أميركية وعراقية. كما اعتمدت وسائل الكترونية متقدمة للترويج لفكرها وحشد صفوف مؤيديها.

    وتعمل القاعدة اليوم باسلوب "الفرانشايز" أي فروع تمول نفسها انما تسوق للفكر والعقيدة والأهداف الاستراتيجية نفسها. وعليه فان القاعدة تمثل اسلوبأ لا مركزيا في الحرب الهجينة على مستوى دولي، لن تكون محاربتها سهلة في حال أعتمدت وسائل عسكرية فقط دون سواها من وسائل فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية. هذا في حين تسعى القوى التي تستخدم الحرب الهجينة لاستنزاف وارهاق خصومها لارغامهم على الانسحاب من أراض محتله أو التخلي عن سياسة خارجية معينة، وهي استراتيجية تكون أكثر فعالية ضد الدول التي لديها أنظمة ديمقراطية وشديدة التأثر بالرأي العام. وفي تلك الحال تكون أميركا وأوروبا أكثر تأثرا بالحرب الهجينة من الدول التي تملك أنظمة ديكتاتورية أو شمولية.



    الحرب المركبة


    ان مزج أساليب القتال من حرب تقليدية وحرب غير نظامية ليس بالأمر الجديد، اذ أن دولا عدة استخدمت هذه العقيدة العسكرية ضمن سياستها الدفاعية. ولتفريقها عن الحرب الهجينة وعدم مقارنة نفسها مع حركات تحرر وحروب ثورية أخرى عمد الكتاب الغربيون وخاصة في أميركا مثل توماس هوبر الى اطلاق اسم خاص عليها وهو "الحرب المركبة." وتقدم أمثله على هذا النوع من الحروب الثورة الأميركية ضد بريطانيا حين شكلت فرقا نظامية أميركية مدعومة من ميليشيات محلية لمهاجمة الجيش البريطاني وطرده من الولايات المتحدة الأميركية التي كانت قد أعلنت استقلالها عن المملكة المتحدة. ولقد استخدمت الميليشيات الأميركية حينها تكتيكات شبيهة الى حد بعيد بتكتيكات استخدمتها حركات ثورية وتحررية أخرى تعتبر اليوم ارهابية. ويقول المؤرخون في الغرب ان الحرب المركبة ُتعتمد من قبل دول، في حين أن الحرب الهجينة تستخدم من قبل لاعبين من خارج الدول، أي منظمات لا تخضع لنظام الدولة حسب التعريف الدولي للأمم.

    يعتبر المثل السويسري اليوم من أنجح سياسات الدفاع حيث هناك جيش نظامي وجيش شعبي يتم استنفارهما وتعبأتهما بسرعة لمواجهة أي تهديد خارجي، كل ضمن أنظمة محددة للمواجهة والتنسيق مع بعضها البعض. وبذلك تكون القوى المسلحة السويسرية مهيأة للقتال باسلوب تقليدي وبنهج حرب العصابات في آن واحد ومنذ اليوم الأول للحرب. وقبل ذلك، وتحديدا في الاتحاد السوفياتي لعب الأنصار دورا كبيرا الى جانب الجيش السوفياتي النظامي في دحر القوات النازية المحتلة وطردها. ولاتعتبر السياسة الدفاعية للجمهورية الاسلامية الايرانية تطبيقا دقيقا للحرب المركبة حيث أن الحرس الثوري الايراني بات مسلحا اليوم بشكل أقرب الى الجيش النظامي منه الى ميليشيات تعتمد حرب العصابات. كما أن ميليشيا الباسيج تستخدم لمهام حماية النظام من التهديدات الداخلية أكثر منها للخارجية. وعليه فان سياسة الدفاع الايرانية فريدة من نوعها الى حد منها ولكنها لا تزال تعتبر أقرب للحرب المركبة.

    أظهرت الحروب الأخيرة في المنطقة أن الدول الكبرى باتت تمتلك تفوقا عسكريا كبيرا في الحرب التقليدية، الى حد باتت معه أية محاولة من دولة عادية لمواجهتها بشكل تقليدي فاشلة وأقرب للانتحار. وخير مثال على ذلك عملية اجتياح الكويت والتي تمت في ساعات، بسبب التفوق العسكري الكبير للجيش العراقي وغياب أي ميليشيات منظمة في الكويت بحينه. ويتكرر المثل ثانية في الهجوم الروسي على جورجيا، حيث كادت القوات الروسية أن تحتل أراضي جورجيا كافة في أيام قليلة، لولا التدخل الدولي والضغوط الدبلوماسية. ان اعتماد جورجيا على قواتها النظامية فقط لوقف جيش جرار بحجم الجيش الروسي دون أي ميليشيات تحارب باسلوب حرب العصابات جعلها تخسر الحرب بشكل سريع ومخز.



    الخاتمة


    لقد أثرت التطورات التكنولوجية بقدر كبير على شكل الحروب والنزاعات وجعلتها أكثر تعقيدا، خاصة على الدول الكبرى التي تسعى الى حماية مصالحها وتأمين سيطرتها على الساحة الدولية. لم تعد مسألة حسم المعارك والحروب واخضاع الدول والشعوب بالسهولة التي كانت عليها. فماذا يعتبر هزيمة للقوى التي تعتمد الحرب الهجينة؟ هذا سؤال يصعب الاجابة عليه كون الطرف الذي ينتهجها يستخدم أساليبا ويحمل صفاتا يصعب حسمها ودحرها في معركة واحدة أو حتى في عدة معارك. سيبقى البعد الفكري والعقائدي من أصعب الأهداف التي على الغرب محاولة هزيمتها دون تغيير سياساته الخارجية نحو المنطقة. كما أن منع الخصم من تطوير ترسانته من الأسلحة الحديثة واستخدام الجريمة المنظمة لتمويل ذاته سيبقى تحديا صعبا، اذ يتطلب تحقيقه تعاونا استراتيجيا ودوليا لأقصى المجالات. ويجب على الدول الصغرى أن تعتمد عقيدة الحرب المركبة ضمن سياساتها الدفاعية من أجل تعزيز قدراتها على مواجهة أي هجوم أو محاولة غزو من قبل دولة كبرى لأراضيها. وعلى الدول الصغرى استغلال مواردها البشرية والطبيعية والاقتصادية كافة للدفاع عن نفسها.



    * الرئيس التنفيذي لمؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري - اينجما

مشاركة هذه الصفحة

الاعضاء الذين يشاهدون محتوى الموضوع(عضو: 0, زائر: 0)