هل كان عبد الناصر ديكتاتورا ...الحلقة الأولي بقلم الأستاذ عصمت سيف الدولة

يحي الشاعر

كبير المؤرخين العسكريين
عضو مميز
إنضم
2 فبراير 2008
المشاركات
1,560
التفاعل
98 0 0
..." هل كان عبد الناصر ديكتاتورا "
الحلقة ألأولي من 7
بقلم الأستاذ عصمت سيف الدولة ...
ويبين فيه حقائق ونشأة هيئة التحرير ، وينشره تحت عنوان






نقرأ العديد من المقالات عن تطبيق الحكم خلا عهد جمال عبدالناصر ... والسادات ... ومبارك ...

من أهم نقاط النقد ، هو ما يوجه إلي الرئيس جمال عبدالناصر ، وحكمه ، بأنه كان "ديكتاتورا" ....

وعندما نقرا ... السطور .. والسطور المضادة ... بل عندما نقرأ عن أحداث تمت في تلك السنوات ... سنجد أن هناك العديد ممن ينكرون .. ولا يتقبلون أن تذكر هذه الصفة بأي شكل ..ز لأي من سنوات حكم الرئيس جمال عبدالناصر

أتذكر ، أولي مناقشاتي هنا ، وكانت مع الدكتور رجب ، وكيف أنني واجهت مقاومة من أشخاص ... ومنهم من طرد من المنتدي ... بسبب إتفاقي مع الدكتور رجب وغيره من الأفاضل ، في أن "الديكتاتورية" كانت أحد مزايا ... سنوات من حكم الرئيس جمال عبد الناصر ...


ومن الأفضل لمناقشاتنا عن هذه الفترة ، أن نتداول أيضا ... السطور التي كتبت وهي جزء من "النقد من الداخل" ...

وتعتبر سطور المحامي "محمد سيف الدولة" من سطور التحليل والنقد "الداخلي" الهامة التي نشرت عن هذه الفترة

نرفض ، أن نقرأ .. وجهة نظر واحدة .... ونرفض أن نوافق علي صورة واحدة ... فاليد لها وجها ن ... ولم يخلي تطبيق الحكم خلال سنوات عبدالناصر من "العديد منن ألخطاء" .... سواء التطبيقية .. أو غيره

لذلك ... أنشر حلقات سطور الدكتور سيف الدولة .... فهم يحتون علي العديد من الحقائق والأرقام عن هذه الفترة ....

بذلك ، نلقي ضوء .. ولو بسيط علي حقبة وسنوات خالدة ..ز لم تخلي من الأنجازات .. والأخطاء ...



د. يحي الشاعر


اقتباس:
هل كان عبد الناصر ديكتاتورا 1 - عصمت سيف الدولة
هل كان عبد الناصر ديكتاتوراً ؟

د.عصمت سيف الدولة



هناك اتصال عضوي بين الاشتراكية والديموقراطية حتى ليصدق القول بأن الاشتراكية هي ديمقراطية الاقتصاد كما أن الديموقراطية هي اشتراكية السياسة ..
جمال عبد الناصر



(1) مقدمات

الكتابة على جدار المعبد:
بعد 3199 سنة من وفاة الفرعون رمسيس الثاني أرسلت الدولة جثته الى باريس ليعالج الاخصائيون " بثورا " تكاد تشوه بشرته اليابسة . وأحيطت رحلته الى مدينة الجمال والتجميل باهتمام العالم كله. وهكذا نجح ذاك الفرعون في أن يجذب اليه اهتمام العالم ولو انه جثة. وفي أن يصبح جزءا من يوميات التاريخ المعاصر بعد وفاته بمئات القرون ، ولو كان حظه من تلك اليوميات ان يعرض على الناس فيثير دهشة المشاهدين .
ولا شك في ان كل هذا يسعد ويرضي روح رمسيس الثاني . فلقد كان رمسيس الثاني محبا لذاته الى حد العشق . كان مريضا بما نعرفه اليوم بمرض " النرجسية " . ومن آيات مرضه انه كان مفتونا بالخلود الى حد، استغرق جل نشاطه. كان يريد ان يكون خالدا. ولم يكن يدرك أن الخلود حكم تاريخي تملكه البشرية فيما يأتي من أجيال فأراد ان يخلد نفسه بأن يكتب هو التاريخ . ويكتبه على أكثر الاحجار مقاومة للزمن . وان يشيد من تلك الاحجار تماثيل ومعابد أقامها على طول وعرض أرض مصر. وهكذا استطاع فعلا ان يعيش في ذاكرة الاجيال المتعاقبة بشرا ثم مومياء ثم معابد وتماثيل وتاريخا مكتوبا الى ان يدرك عصر الذرة فيذهب الى معامل التجميل في باريس .
شئ واحد لم يفطن اليه رمسيس الثاني . ذلك هو ان الاجيال التي فتنته فكرة الخلود في ذاكرتها ستكتشف انه لم يكتب التاريخ بل زيفه . فقد اكتشف علماء التاريخ المصري القديم ان الفرعون رمسيس الثاني قد زيف التاريخ بقصد نسبة كل انتصار جليل الى ذاته . وزيفه بأسلوبين : اولهما بان سطر على جدران معابده تاريخ انتصارات لم يكن هو صاحبها ونسبها الى نفسه . وثانيهما بأن قوض أركان بعض ما شيده أسلافه من معابد، وانتقى منها أحجارها المسطورة بتاريخ النصر والحكمة وحشرها في بناء جدران معابده . وهكذا ترك لنا رمسيس الثاني مجموعة من التماثيل والمعابد تحمل تاريخا مغلوطا جمع مفرداته من خياله ومما سطر أسلافه من تاريخ .
ثم أضيفت على جدران المعابد كتابات جديدة . مئات الالوف من زوار المعابد، من كل الاجناس ، ومن كل الاعمار ، بهرتهم فكرة الخلود التي تثيرها آثار رمسيس الثاني ، و نمت فيهم بذور " النرجسية " الكامنة " بقدر " في كل انسان فأضافوا الى ما ترك رمسيس ، وبكل اللغات ، كتابات من عندهم نحتوها نحتا فجا شائها . تختلف تلك الكتابات مضمونا ولكنها- كلها- تحمل أسماءهم في أبرز مكان منها . أراد كل هؤلاء من أول الشيوخ الجادين الى الصبية العابثين ، ان يقفزوا الى مركبة التاريخ ولو في شكل أسماء منحوتة نحتاً فجا وشائها على اقدام تماثيل الفرعون النرجسي وجدران معابده .
شئ مثل هذا جرى ويجري فيما كتب ويكتب في الوطن العربي منذ بضع سنين حين طرح الرئيس أنور السادات مشكلة الديموقراطية في مصر فاهتبل البعض الفرصة ليكتبوا تاريخ عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر . مع فارق ملحوظ . ان الذين يتبارون في نقض ما شيده عبد الناصر، ويختارون من بين أنقاضه ما يضيفونه الى بناء معابدهم الخاصة أكثر عددا من كل فراعين مصر . أما الذين ينحتون أسماءهم نحتا فجا شائها على جدران معابد التاريخ الذي يكتب الآن فهم أكثر من ان يحصوا عددا.
الا نرى كيف ان كثيرا من الذين كتبوا او قالوا شيئا عن جمال عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر قد دخلوا الى ساحة الجدل مداخل ذاتية ، مدخل الوفاء او مدخل الجفاء او مدخل العداء، فهم يشاركون في حوار يدور حول مشكلة تهم الشعب كله ، وفي كتابة تاريخ أخصب مراحل تطور الامة العربية وأكثر ها تعقيدا ، بما يشبه " المذكرات الخاصة "، متأثرين بالمواقع التي كانوا يشغلونها، محصورين في حدود تجاربهم الخاصة، محدودي الرؤية بقدر ضيق الزوايا الفردية، مركزين كل مقدرتهم على نحت الكلمات في أسمائهم ذاتها..؟؟
بلى. انهم لا يسهمون في حل مشكلة مطروحة بل يسهمون في تزييف تاريخ يكتب .
والا،
فما هي المشكلة المطروحة وكيف طرحت؟؟

مشكلة تبحث عن حل :

طرحت مشكلة الديموقراطية في مصر العربية ، بعد أقل من عام على غياب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وما تزال مطروحة بقوة . ومما هو جدير بأكبر قدر من الانتباه ان الذي طرحها هو الرئيس أنور السادات نفسه . طرحها أولا، وتابع طرحها على مراحل متتابعة انتهت - حتى الآن - " الى قانون معروض على مجلس الشعب بشأن تنظيم الاحزاب ، وهو جدير بأكبر قدر من الاهتمام والانتباه لان طرح رئيس الدولة لمشكلة الديموقراطية في مصر يعني تماما ان هناك مشكلة ديموقراطية في مصرتبحث عن حل . ان سيادته، من موقع قيادته، وبحكم رؤيته الأكثر اتساعا، ومعرفته بما قد لا يعرفه غيره ، لا شك قد أدرك أكثر من أي شخص اخر ان هناك مشكلة حقيقية للديموقراطية في مصر، وانها قد بلغت من الحدة ما اقتضى ان يتصدى لطرحها والبحث عن حل لها رئيس الدولة نفسه . بعد هذا القدر المتيقن من موقف الرئيس قد يختلف الناس في طبيعة المشكلة والحلول المناسبة لها، وهم يختلفون فعلا، ولكن لا أحد يستطيع أن يجادل في وجود المشكلة.
ولقد طرحت المشكلة من خلال مواقف متتابعة...
في 15 مايو 1971 صفى الذين أطلق عليهم اسم "مراكز القوى " باسم الديموقراطية ، وحلت- بقرار من رئيس الجمهورية - كافة المؤسسات الدستورية والشعبية حتى تلك التي قامت بدور أساسي في تصفية مراكز القوى ( مجلس الشعب) وأعيد تشكيلها من جديد . ولكن التشكيل الجديد وقف ، بالنسبة الى الإتحاد الاشتراكي العربي ، عند مستوى اللجنة المركزية و لم تشكل أبدا اللجنة التنفيذية العليا . و باسم الديموقراطية صدر الدستور (الدائم) واستفـتى فيه الشعب في 11 سبتمبر 1971 ، بعد ان كان الشعب قد استفتى في عام 1968 في بيان " 30 مارس " الذي تضمن قرارا بتأجيل اصدار الدستور الدائم الى ما بعد ازالة آثار العدوان . وقد تضمن الدستور الجديد احكاما جديدة لم تكن من قبل . منها انه لم يعد من حق رئيس الجمهورية حل مجلس الشعب الا بعد اجراءات بالغة التعقيد . ومنها النص على ان المسؤولية المترتبة على الاعتداء على الحريات لا تسقط بمضي المدة . ومن ناحية اخرى فقد خول الدستور لرئيس الدولة سلطات لم تكن له من قبل أهمها ما نصت عليه المادة 74 ، المأخوذة عن الفقرة الاولى من الدستور الفرنسي الصادر في عهد الرئيس ديجول عام 1958 . بمقتضى هذه الم! ادة أصبح لرئيس دولة مصر العربية اذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية او سلامة الوطن او يعوق مؤسسات الدولة عن اداء دورها الدستوري ان يتخذ الاجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر ويوجه بيانا للشعب ويجري الاستفتاء على ما اتخذه من اجراءات خلال ستين يوما من اتخاذها. وقد بقيت هذه المادة بدون استعمال الى ان استعملها الرئيس أنور السادات يوم 3 فبراير 1977 باصدار القانون رقم 2 لسنة 1977 الذي رفع العقوبة على انشاء الأحزاب او الجمعيات السياسية او الجماعات ، او الدعوة لها او تحبيذها او تشجيعها الى الاشغال الشاقة المؤبدة .. مثل الخيانة او القتل العمد.
ولقد كان النشاط السياسي المنظم خارج اطار الاتحاد الاشتر اكي العربي محرما بنص في قانون الوحدة الوطنية رقم 34 لسنة 1972. جاء فيه " الاتحاد الاشتراكي العربي هو التنظيم السياسي الوحيد المعبر عن تحالف قوى الشعب العاملة. وهو يكفل أوسع مدى للمناقشة الحرة داخل تشكيلاته والتنظيمات الجماهيرية المرتبطة به . ولا يجوز انشاء تنظيمات سياسية خارج الاتحاد الاشتراكي العربي ". وهكذا دخل التشريع المصري لاول مرة منذ عام 1953 نص صريح يحرم النشاط السياسي المنظم خارج الاتحاد الاشتراكي العربي . و مع قانون الوحدة الوطنية صدر قانون حماية حريات المواطنين رقم 37 لسنة 1972. وبه الغى قانون تدابير أمن الدولة الذي كان قد صدر عام 1964. والغيت الحراسات . ولكنه أعاد تأكيد حق رئيس الجمهورية في حالة الطوارئ - وهي قائمة في مصر منذ 1967- في " وضع قيود على حرية الاشخاص في الاجتماع والانتقال والاقامة والمرور في أماكن وأوقات معينة والقبض على المشتبه فيهم او الخطرين على الامن والنظام العام واعتقالهم والترخيص في تفتيش الاشخاص والاماكن دون التقيد بأحكام قانون الاجراءات الجنائية - والامر بمراقبة الرسائل أيا كان نوعها ومر! اقبة الصحف والنشرات والمطبوعات والمحررات والرسوم وكافة وسائل التعبير والدعاية والاعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها وتعطيل واغلاق أماكن طبعها على ان تكون الرقابة على الصحف والمطبوعات ووسائل الاعلام مقصورة على الامور التي تتصل بالسلامة العامة او اغراض الامن القومي - وتحديد مواعيد فتح المحال العام واغلاقها وكذلك الامر باغلاق هذه المحال كلها او بعضها- وتكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الاعمال والاستيلاء على أي منقول او عقار ويتبع في ذلك الاحكام المنصوص عليها في قانون التعبئة العامة فيما يتعلق بالتظلم وتقدير التعويض- وسحب التراخيص بالاسلحة او الذخائر او المواد القابلة للانفجار او المفرقعات على اختلاف أنواعها والامر بتسليمها وضبط واغلاق مخازن الاسلحة - واخلاء بعض المناطق او عزلها وتنظيم وسائل النقل وحصر المواصلات وتحديدها " .
في مواجهة هذه السلطات الشاملة أعطى قانون حماية الحريات لمن يصدر أمر باعتقاله او القبض عليه حق التظلم أمام " محكمة امن الدولة " وأبقى لرئيس الجمهورية حق الاعتراض على قرارات الافراج التي تصدر منها.
وفي 15 مايو 1974 أصدر الرئيس أنور السادات " ورقة اكتوبر " وطرحت على الاستفتاء الشعبي فأقرها . ولقد جاء فيها على لسان السيد رثيس الجمهورية : " لقد أرتضى الشعب نظام تحالف قوى الشعب العامل اطارا لحياته السياسية. واننا في معركة البناء والتقدم لاحوج ما نكون لهذا التجمع . ومن ثم فاني ( أي السيد رئيس الجمهورية) أرفض الدعوة الى تفتيت الوحدة الوطنية بشكل مصطنع عن طريق تكوين الاحزاب ". وفي أوائل عام 1976 تشكلت لجنة برئاسة السيد المهندس سيد مرعي رئيس مجلس الشعب أطلق عليها اسم " لجنة مستقبل العمل السياسي " وجمعت واستمعت الى كافة الآراء التي دارت حول " ورقة تطوير الاتحاد الاشتر اكي العربي " التي وضعها رئيس الجمهورية نفسه . وكونت لجانا أربع لتجميع وتحليل كل ما قيل أمامها وما نشر في الصحف وانتهت الى ان الرأي العام في مصر العربية يرفض الاحزاب ويبقى على الاتحاد الاشتر اكي مع السماح - داخله- بالمنابر والاتجاهات الفكرية المتميزة . وعرض تقريرها على الهيئة البرلمانية للاتحاد الاشتر اكي العربي ( أي أعضاء مجلس الشعب) ولجنته المركزية مجتمعتين فأقرتاه . كان ذلك في 16 مارس 1976. لكن المنابر الثلاثة ل! م تلبث ان تحولت الى تنظيمات ثلاثة مستقلة القيادة والهيكل و العضوية .
ثم بعد سبعة أشهر فقط ، أي في 11 نوفمبر 1976، ألقى السيد رئيس الجمهورية بيانا في مجلس الشعب بمناسبة افتتاح دورة انعقاده الاول جاء فيه : " لقد اتخذت قرارا سيظل تاريخيا يرتبط بكم وبيوم افتتاح مجلسكم الموقر هو ان تتحول التنظيمات الثلاثة ، ابتداء من اليوم ، الى أحزاب ... ان هذا القرار ينطوي على تحول أعمق مما يبدو منه وعلى مسؤوليات أكثر مما ترى العين من النظرة الاولى ".
وبينما استجابت التنظيمات لقرار تحويلها الى أحزاب فتحولت ، عرضت على مجلس الشعب ثلاثة مشروعات بقوانين تستهدف تنظيم الاحزاب وما تزال معروضة لم تصدر بعد .
وتشير الصحف الصادرة أخير ا الى ان المعالم التي اتضحت من القانون المنتظر هي اقرار شرعية الاحزاب الثلاثة القائمة بدون شروط ، واشتراط عضوية عشرين نائبا في مجلس الشعب لاقامة أي حزب جديد... الى آخره .
ولم يكن هذا بدون افعال وبدون ردود افعال . ولم يذهب بدون ان يجذب الى مشكلة الديموقراطية في مصر انتباه الشعب ومساهمات القادرين على القول او الفعل . بل نستطيع ان نقول ان الرئيس أنور السادات قد استطاع بنجاح فائق ، من خلال طرحه مشكلة الديموقراطية في مصر ومتابعة طرحها ، ان يدخل الحوار حول الديموقراطية مشكلة والديموقراطية حلا ، حتى في أكواخ الفلاحين ، وان يجعلها قضية حية في أحاديث كل الاحياء في مصر العربية أيا كانت مواقفهم الاجتماعية او مواقفهم السياسية او حظهم من الثقافة والعلم .. هذا- طبعا- بالاضافة الى أجهزة الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والندوات و المحاضرات والكتب والنشرات .. التي لم تكف - منذ عام 1971- عن طرح ومناقشة مشكلة الديموقراطية والابقاء عليها مشكلة حاضرة في الحياة اليومية للشعب ...
هكذا طرحت مشكلة الديموقراطية في مصر وما تزال مطروحة. وكان كل ذلك ، ولم يزل ، على أكبر قدر من الايجابية ، اذ ما دامت الديموقراطية في مصر مشكلة فمن الايجابى ان تطرح وان تبقى مطروحة الى أن تجد حلها المناسب .
ولكن،
أين تقع المشكلة ويقع الحل على خط الزمان ؟.. أفي الماضي أم في المستقبل؟
هذا سؤال في صميم صميم مشكلة الديموقراطية في مصر.

التقدم الى الخلف:
لا يمكن القول- علميا- بان مشكلة الديموقراطية في مصر قد نشأت اليوم او في هذا العام او بضعة أعوام قبله. تقطيع عمر التاريخ إلى سنوات منفصلة مستحيل القبول به علمياً لأن التاريخ حركة تراكم مستمرة. وعلى هذا نستطيع - اذا أردنا- ان نتتبع جذور مشكلة الديموقراطية حتى بدء تاريخ مصر الحديث . ولن يكون هذا الا سردا لما يعرفه المؤرخون من أزمات وصراعات دارت أحقابا طويلة بين الشعب العربي في مصر وبين المستبدين به من أبنائه ومن غير أبنائه.
ثم ان كثيرا من الاسباب لا تكشف عن نتائجها الا بعد زمن يتجاوز رؤية الذين بدأوها أو توقعاتهم . ولا شك في أن سعيد بن محمد علي، والي مصر، حين رأى ان يقطع أوصال أخصب جزء من أرض مصر ويوزعه " أبعديات " على من يريد لم يكن يعلم انه ينشئ النظام الذي أفرخ الاقطاعيين (كبار ملاك الأراضي الزراعية) منذ عهده حتى الآن ، وانه يسهم بذلك في تكوين مشكلة الديموقراطية في مصر . كما انه لا شك في ان طلعت حرب ، حين أراد ان يستفيد من الظروف الدولية التي صاحبت وتلت الحرب الاوروبية الاولى (1914- 1918) للعمل على استقلال مصر اقتصاديا، كما كان يعتقد، فأنشأ بنك مصر وشركاته لم يكن يعلم انه يرسي قواعد النظام الذي أفرخ الرأسماليين منذ عهده الى الآن ويمد بذلك في ابعاد مشكلة الديموقراطية في مصر. وهل كان يعلم او يتوقع ان سيأتي أحد تلاميذه- أحمد عبود- فيستطيع ان يقيم الوزارات ويسقطها ويدفع الثمن لمن بيده القيام والسقوط فيكون واحدا من الذين أفسدوا حكم مصر ورشحوها للثورة؟
يكفي أن نذكر تاريخ دستور 1923، وهو أول دستور في تاريخ مصر كما يقولون ( الواقع ان اول دستور صدر عام 1882 إبان تصاعد الحركة الشعبية التي انتهت بالثورة العرابية ولم يطبق الا 47 يوما) . لقد وضعت دستور 1923 لجنة من ثلاثين أسماها سعد زغلول زعيم الشعب وقتئذ " لجنة الاشقياء ". وأصدره الملك فؤاد عام 1923 وخرقه خرقا مشينا عام 1924. وعطله محمد محمود عام 1928. وألغاه اسماعيل صدقي عام 1930. وعاد عام 1935 ليعطل فعليا عام 1939 باعلان الاحكام العسكرية ووضع مصر- أرضا وشعبا- في خدمة الحلفاء في الحرب الاوروبية الثانية (1939- 1945).
وأهدرت أحكامه اهدارا مشينا عام 1942 حين حمل حزب الوفد الى الحكم بقوة السلاح . وأهدرت أحكامه اهدارا مشينا حين تآمرت ، أحزاب الاقلية مع الملك فتولوا الحكم في مرحلة ما بعد الحرب. وأهدرت أحكامه اهدارا مشينا حين دفع حزب الوفد ثمن استرداده موقعه الشرعي في الحكم صلحا مع الملك . وأهدرت أحكامه اهدارا مشينا حين أقيل حزب الاغلبية من الحكم بعد حريق القاهرة في يناير 1952 لتأتي تلك الوزارات مقطوعة الصلة بالشعب ويكون آخر قرار يصدر منها هو القرار الذي أصدره مرتضى المراغي وزير الداخلية يوم 12 أبريل 1952 بايقاف الانتخابات .
وسنعرف مما يأتي من حديث، بعد هذه المقدمات، ان عبد الناصر قد عاش ومات تصاحبه مشكلة الديموقراطية في مصر . وان ثورة 23 يوليو 1952، تحت قيادته ، قد كانت في جوهرها ثورة من أجل الديموقراطية. وانها قد حاولت بأساليب عديدة حل مشكلتها ، ولكنها- الى ان توفي قائد الثورة- لم تكن قد حلتها الحل الصحيح وان كانت قد اتجهت اليه . كما سنعرف ان قدرا من التطورات التي مرت بها مشكلة الديموقراطية منذ 1952 قد كان أقل مما توقعت قيادتها أو أكثر مما توقعت او كانت خارج نطاق توقعها.
كل هذا يقدم أسبابا مشروعة للحديث عن الماضي القريب او البعيد حين تطرح مشكلة الديموقراطية في مصر، لنتزود منه بالمعرفة الكافية بأسباب المشكلة المطروحة ومقدماتها حتى نستطيع ان نجد لها حلا صحيحا. ان هذا يعني ان تناول الماضي لا بد- ليكون مشروعا- من ان يكون مقدمة للتقدم الى المستقبل. هذا- على الاقل - بالنسبة الى من يريدون حقا ان يسهموا في تطوير مجتمعاتهم عن طريق الاسهام في حل مشكلات تطورها، تاركين كتابة التاريخ للمؤرخين ذوي الاذهان الباردة المحايدة ..
اما ان نبدأ بالمشكلة المطروحة لنتقدم الى الماضي- الى الخلف - فهي ردة عابثة . نريد ان نقول انه حين طرح الرئيس أنور السادات مشكلة الديموقراطية في مصر فهم الذين تعنيهم - قبل أي شئ وأي احد- مصلحة الشعب العربي في مصر ان سيادته قد فتح أبواب الاجتهاد في البحث عن أفضل صيغ المستقبل ، ولم يفتح أبواب المحاكم ليقيم كل قادر من نفسه " مدعيا عاما " لاتهام الماضي و ادانته . كأنهم يريدون- الآن- حل مشكلة الديموقراطية في مرحلة تاريخية انقضت بدلا من أن يحلوا مشكلة الديموقراطية كما طرحها الرئيس أنور السادات في المرحلة القائمة . ويجهلون او يتجاهلون انهم بهذا لا يقدمون الى الشعب العربي في مصر او الى رئيس مصر العربية مساهمة ايجابية لحل مشكلة الديموقراطية. بل يطيلون في عمر المشكلة المطروحة بقدر ما يبددون من جهد ويشدون من انتباه الناس الى مشكلة لم تعد مطروحة.
ونحن نقدم الآن لحديث يدور عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر . أي اننا سنتحدث عن الماضي القريب. ولكن أحدا لن يخطى- فيما نرجو- في ادراك اننا ننظر الى الماضي او نعيد النظر اليه ، من خلال متطلبات المستقبل . او ان أحدا لن يخطىء - فيما نرجو- في ادراك ان حديثنا عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر هو مقدمة تاريخية لحديث عن حل مشكلة الديموقراطية في مصر، سواء أكملنا الحديث او حال حائل دون اكماله...
فمن أين نبدأ؟؟

قال روسو وآخرون:
في عام 1762 قال جان جاك روسو في كتابه " العقد الاجتماعي " : " لو كان هناك شعب من الآلهة لحكم نفسه بأسلوب ديموقراطي اذ ان هذا النوع من الحكم الذي يبلغ حد الكمال لا يصلح للبشر ". وقال أيضا : " اذا أخذنا تعبير الديموقراطية بمعناه الدقيق فان الديموقراطية الحقيقية لم توجد أبدا ولن توجد ".
بالرغم من هذا التشاؤم، يأتي من فيلسوف الحرية ، فان الشعوب لم تكف عن محاولة الوصول الى هدف الديموقراطية المقدس . وهي تحقق في كل مكان ، وفي كل زمان ، خطوة مهما تكن قصيرة فانها تقربها من هدفها. قد تتعثر المسيرة او تتوقف او حتى ترتد في مكان محدود او في زمان معين ، ولكن الاتجاه العام لمسيرة الشعوب نحو الديموقراطية في تقدم مستمر . ولعل من علامات تقدمها ان أحدا لا يستطيع ان يجهر- الآن- وهو آمن بانه ضد الديموقراطية فنرى المستبدين يحرصون أكثر من غيرهم على الزعم بان استبدادهم هو الديموقراطية عينها . وليس أقل من هذا دلالة على تقدم الشعوب نحو الديموقراطية رهافة وحدة الشعور بالاستبداد . ان الشعوب تثور اليوم ، ان كانت قادرة على الثورة ، وتجهر معترضة ان كانت قادرة على الجهر او تصمت غاضبة اذا لم يتوفر لها الا أضعف الايمان ، ولكنها- في كل حالاتها- تنكر الاستبداد في صور كانت منذ قرنين حقوقا مقدسة، وكانت منذ قرن حقوقا طبيعية معقولة. هذه الرهافة والحدة في الشعور بالاستبداد هي التي حولت مشكلة الديموقراطية الى أزمة حادة اذ لا يمكن ان يشعر بثقل قيود العبودية الا الأحرار . وهي التي تفسر الانذار الد! ي أطلقه الفيلسوف الانجليزي هارولد لاسكي في تقديمه لكتابه " الحرية في الدولة الحديثة ". فهذا رجل عاش حياته في ظل نظام يقال انه نموذج التقدم الديموقراطي ، ومع ذلك فهو يقول : " كل من يعتبر الحرية أساس الحياة المتمدينة يمكنه ان يرى ان الاخطار التي تهددها هي جزء من أزمة عالمية لم يعد فيها الزمن الى جانبنا . فنحن نندفع بثبات نحو كارثة جديدة ليست أسبابها غامضة علينا ولا نحن جاهلين لطرق العلاج التي يمكننا ان نقابلها ونقاومها بها ولكن مأساتنا هي ان طبيعة تفكيرنا ما زالت مصوغة بأساليب تفكير القرن التاسع عشر ".
ان هذا لا يعني، في رأينا ، ان القيود في القرن العشرين قد أصبحت أكثر ضيقا منها في القرن التاسع عشر. ولكن يعني ان مضمون الحرية قد أصبح أكثر اتساعا، فضاقت به نظم الماضي ومع ذلك ، يبدو ان الفجوة التي تتسع مع الزمن بين مضمون الحرية من ناحية ونظم ممارستها من ناحية أخرى قد أدت الى شعور قريب من اليأس . فهذا مفكر فرنسي معاصر هو رينيه كابيتان يكتفي بعد قرنين من روسو (1972) بان تكون الديموقراطية مثلا أعلى يوجه و يقود جهد البشر وليست نظاما للحكم . ثم يندب جورج فيريير ، وهو مفكر فرنسي معاصر أيضا . يندب الديموقراطية فيقول ان مأساة الديموقراطية كامنة في انها لم تستطع ان تحقق الديموقراطية .
لسنا على هذا القدر من التشاؤم من مستقبل الديموقراطية لاننا نثق في مقدرة الانسان على الانتصار على مشكلاته . وهي ثقة يبررها التقدم الفكري والعلمي الذي أنجزه الانسان وينجزه بمعدلات متزايدة .
كل ما في الامر ان الديموقراطية ، وهي نظام حديث لم تعرفه البشرية الا منذ قرنين ، ما تزال غامضة الدلالة على المستوى النظري على وجه يسمح لاعدائها بادعائها . وماتزال غائمة المعالم على المستوى التطبيقي على وجه يسمح بان تنتحل اسمها أشد النظم استبدادا .
ان هذا يعني ، على وجه ، ان للديمقراطية مشكلات ما تزال تفتقد الحل وتستدعي كل قادر الى ان يسهم بما يستطيع في حل مشكلة تهم الناس جميعا . ويعني ، على وجه آخر، ان الكلمات الاخيرة في الديموقراطية لم تقل بعد وان باب الاجتهاد ما يزال مفتوحا .. وتكون أصعب نقاط البحث هي بدايته . اذ يكون علينا ان نختار من بين عديد المشكلات التي تثيرها الديموقراطية أكثرها حدة او أكثرها الحاحا.. بالنسبة للمجتمع الذي يعنيها : مجتمعنا .

التخلف الديمقراطي :
أهم مشكلات الديمقراطية على الاطلاق هو- في رأينا- التخلف الديموقراطي .. والتخلف الديموقراطي ليس صنو التخلف الاقتصادي دائما كما تزعم بعض المذاهب الفكرية وان كان يتأثر به حتما . ففي فرنسا المتقدمة صناعيا التي أنجبت أساتذة الديموقراطية فلسفة وأساتذة الديموقراطية نظاما، لا يكف أساتذة النظم السياسية، منذ ان دخل أسلوب الاستفتاء الشعبي في دستور 1958، عن التحذير من ان فقدان النضج السياسي الذي يميز بعض الشعوب ومنها- كما يقولون- الشعب الفرنسي يحيل الاستفتاء أداة خطرة في يد القادة. لان الشعب الفرنسي- كما يقولون أيضا- ما يزال، منذ جان دارك ، يبحث عمن يقوده لينقاد له .
اذا كان الامر على مثل هذا في دولة كفرنسا فان المشكلات التي يثير ها التخلف الديموقراطي في الشعوب النامية أشد وأنكى . فليس أسهل من صياغة الافكار ديموقراطيا الا صياغة النظام الديموقراطي نصوصا دستورية . الصعب حقا ان تعي الشعوب حقوقها وان تمارسها . والناس- أغلبية الناس- في المجتمعات النامية، ومنها مجتمعنا العربي، لا يعون حقوقهم وان وعوها لا يمارسوها لانهم يعيشون ازمة صدق وتصديق . الدساتير مصوغة على أعلى درجة ومستوى بلغته الدساتير في المجتمعات المتقدمة ديموقراطيا وهو ما يعني- ضمنا- ان الذين صاغوها مقطوعة الصلة بالواقع ، وان كانت أسمى منه، لم يصدقوا في انهم قد وضعوها لتنفذ فلم يجدوا بأسا في ان تقترب من الكمال في صيغتها على الاقل . والذين وضعت لهم الدساتير لا يصدقون ان لهم كل تلك الحقوق فلا يمارسونها ان بقيت ولا يفتقدونها ان الغيت ولا يدافعون عنها في أي حال . ولا يزالون- كعهد أجدادهم- يسلكون الى غايتهم مسالك الزلفى ويجتنبون الاستبداد بالسكوت . انه ميراث عهود طويلة من العبودية ربتهم على الخوف حتى أصبحوا بشرا خائفين ...
في هذه المجتمعات قد لا يفتقد احد الشكل الديموقراطي . حق التصويت العام . التصويت السري . المجالس المنتخبة.. الخ ، والحكومات لا تتردد في دعوة الشعب الى الانتخاب او الى الاستفتاء . ولكن كل هذا يتوقف على اللحظة التالية. حين يقف أخونا الانسان في لحظته المصيرية وهو يحاول جاهدا ان يبدي رأيه في مقار الاستفتاء او الانتخاب. انه هناك بعيد عن أي تدخل . لا أحد يملي عليه ارادته ولا أحد يكتب له رأيه لانه لا يعرف الكتابة مثلا . نفترض هذا افتراضا لنصل الى جوهر المشكلة . ان أخانا وراء الستار يبدي رأيه ليس وحيدا . انه يحمل فيه - ولا نقول معه- تراثه التاريخي . يحمل فقره الذي يشيع في نفسه الخوف من ان يكون في ستار السرية خرق تطل منه عين السلطة . يحمل تجربته وتجربة أجداده التي علمته وعلمتهم ان الامور في دولته لا تتوقف ، وما توقفت قط ، على ما يقوله الناخبون وراء الستار . باختصار انه في وحدته وراء الستار لا يجد معه الا خوفه مما هو حقيقي أحيانا وما هو وهمى في أغلب الاحيان . فيكون امام الخياريين رأيين : رأي الانسان الذي يريد ان يمارس حريته السياسية، ورأي الانسان الخائف الذي يخشى مزيدا من القيود . الار! جح انه سيختار الرأي الأخير. يخسفر الانتخاب او الاستفتاء عن رأي الاغلبية الخائفة، او عن ممثلين خائفين لن يلبثوا- بدورهم- ان يضيفوا الى خوفهم خوفآ من الهبوط إلى القاع بعد أن صعدوا إلى مقاعد البرلمانات وأصبحوا قريبين من السلطة... الى آخره.
وهكذا نجد ان مشكلة الديموقراطية في المجتمعات النامية، ومنها مجتمعنا العربى ، ليست مجرد مشكلة دساتير وقوانين وحقوق سياسية وضمانات لتلك الحقوق بل قبل هذا وفوقه مشكلة تخلف ديموقراطي . ان ادراكنا لهذه الحقيقة يضع في أيدينا اول مفاتيح الحديث المقبل . اننا لسنا في مبارا ة ديموقراطية مع الدول المتقدمة. أية مقارنة بين الافكار والنظم و الممارسات مقارنة غير واقعية . اننا نعيش مع تلك الدول في عصر واحد ولكن مجتمعاتنا متخلفة عنهم عصورا . هناك بذلت الشعوب على مدى قرون من دمائها، ثورات وحروبا، لتحصل على الديموقراطية وتفرضها على الحاكمين وهي تمارسها كأغلى وأثمن مكتسباتها التاريخية. أما هنا، فما أسهل ان نستعير او نقتبس تلك الدساتير بما فيها من حقوق مسطورة، ولكننا نفتقد- تاريخيا - المقدرة الشعبية على حراستها . لان شعوبنا لم تدفع بعد الاثمان الغالية التي دفعتها الشعوب المتقدمة مقابل انتزاع حرياتها.
اذن،
ان أي حديث جاد عن مشكلة الديموقراطية في مصر العربية او في أي قطر عربى آخر، لا بد له- ان أراد ان يكون علميا- من ان ينطلق من حقيقة ان الديموقراطية ليست مجرد نظام دستوري نطبقه بل حياة ديموقراطية نسعى الى تحقيقها. هنا ، لا يكون السؤال الاساسي هو: هل ثمة نظام ديموقراطي . بمقياس العصر ام لا، بل هل نحن نتقدم نحو نظام ديموقراطي بمقياس العصر ام لا ؟.. وتكون كل خطوة فكرية او قانونية او سياسية او اقتصادية او اجتماعية او تربوية تحررنا، او تساعد على تحررنا، من قيود التخلف الديوقراطي هي خطوة ديموقراطية نحو النظام الديموقراطي الذي سيبقى هدفا الى ان يستحقه الشعب. وهو يستحقه حين يستطيع ان يفرضه بارادته ويحرسه ضد ارادة المستبدين .

الوقوف مع الشعب :
كانت فقرتنا السابقة على قدر من التجريد. لقد كنا نتحدث فنقول " نحن " فمن نحن؟ . ونقول " مجتمعنا " كأن الناس في مجتمعنا سواء في التخلف الديموقراطي . وهو غير صحيح . وهو غير صحيح على وجه خاص بالنسبة الى مصر العربية. ان في مصر العربية بضعة ملايين من المتعلمين والمثقفين والواعين سياسيا المتفوقين ديموقراطيا الذين لا يقلون مقدرة على الممارسة الديموقراطية، بأسلوب العصر، عن أمثالهم في أي مجتمع متقدم ومع ذلك فانهم أقلية.
مشكلة الديموقراطية بالنسبة إلى هؤلاء - ان وجدت - هي كيف يستعملون مواهبهم وما يملكون من مقدرات في حكم شعب يعلمون تماما ان أغلبيته الساحقة متخلفة عنهم . ان لديهم أفكارا وفلسفات وآراء يريدون التعبير عنها، فالديموقراطية عندهم هي- اولا- حرية الكتابة والخطابة والصحافة والنشر. وهم قادرون على أن يكونوا حكاما او هكذا يعتقدون فالديموقراطية عندهم هي- ثانيا- الاحزاب والترشيح والانتخابات ومقاعد المجالس النيابية. وهم قادرون بما يملكون على ان يشقوا طريقهم بأنفسهم فالديموقراطية عندهم هي- ثالثا- عدم تدخل الدولة في شؤونهم وشؤون الناس .
ولكن بجوار هؤلاء هناك أغلبية الشعب من الفلاحين والعمال والحرفيين وصغار التجار والمهنيين والطلاب والعاطلين ظاهرين ومقنعين . انهم الأغلبية. ولسنا نعتقد ان أي ديموقراطي او مدع للديموقراطية يستطيع ان ينكر- بحق- انه اذا لم تكن الديموقراطية هي حكم الشعب كله فهي على اليقين حكم الاغلبية. ان هذه الاغلبية لا تملك أفكارا او فلسفات او آراء ، تريد التعبير عنها، ولا هي راغبة او قادرة على ان تحكم، ولا هي مستغنية عن تدخل الدولة وبالتالي فان مشكلة الديموقراطية منسوبة اليها ليست- بالدرجة الاولى- حرية الكتابة والخطابة والصحافة والنشر والانتخابات. الى آخره. مشكلة الديموقراطية بالنسبة لهذه الأغلبية تتلخص- بشكل عام- في كيف يكون جهاز الحكم في خدمة مصالحهم الحياتية. ومن بين مصالحهم الحياتية ان يكون الحكم في موضوع الخدمة منهم لا في موضع الوصاية عليهم.
وهذا ليس مقصورا على مصر العربية بل هو انتباه عالمي حديث لابعاد كانت خافية من مشكلة الديموقراطية.
قال جورج بوردو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس ، في كتابه " الديموقراطية " : " ما أهمية ان يكون الانسان حرا في تفكيره اذا كان تعبيره عن الفكر يعرضه للاضطهاد الاجتماعي وان يكون حرا في رفض شروط العمل اذا كان وضعه الاقتصادي يرغمه على قبولها . وان يكون حرا في التمتع بالحياة اذا كان البحث عن لقمة العيش يستغرق كل حياته . وان يكون حرا في ان ينمي شخصيته بالثقافة واكتشاف العالم المتاح للجميع اذا كانت تنقصه الامكانيات المادية الحيوية ".
هناك اذن أكثر من مفهوم لمشكلة الديموقراطية في مصر العربية كما هو الحال في العالم . و هي مفاهيم متكاملة على المستوى الفكري المجرد . ولكنها على المستوي الواقعي في مجتمع معين في زمان معين يكون بعضها أكثر حدة من بعضها الآخر، فتفرض على كل جاد في البحث عن حل لمشكلة الديموقراطية اولويات يحددها التكوين الاجتماعي و درجة التطور الديموقراطي وتصبح كل جدوى من الحديث متوقفة على المقياس الموضوعي لتلك الاولويات .
ونحن نعتقد ان المقياس الموضوعي الوحيد للترجيح في شأن الديموقراطية هو الوقوف مع الشعب " أغلبية الشعب " والنظر الى المشكلة على ضوء معاناته. والبحث عن حلها في ضوء احتياجاته بدون انكار او تنكر للجوانب الاخرى من مشكلة الديموقراطية كما تعانيها القلة الممتازة . ذلك لان الديموقراطية نظام لحكم الشعوب وليست نظاما لطموح القلة الى الحكم . وسيكون هذا المقياس الموضوعي هو ضابط ما سيأتي من حديث عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر.
بهذا تكون هذه المقدمات التي يبدو انها طالت أكثر مما يجب قد انتهت الى ما أردناه بها . ولقد أردنا ان نحدد المقياس الموضوعي لحديثنا عن المشكلة . لنوفر على القارئين - منذ البداية- عناء البحث عن اجابات على الاسئلة التي تثور حول كل كاتب . أين يقف؟.. من أية زاوية يرى؟.. ما هو منهجه في الرؤية؟.. اذ حتى لو كانت كل الوقائع التاريخية معروفة ومسلما بصحتها فان لكل واحد منهجه في فهم التاريخ وتفسيره .

(2) لماذا قامت ثورة 1952

في سبيل الديموقراطية :
في اجتماع حاشد في ميدان التحرير، يوم 26 نوفمبر 1953، أكد جمال عبد الناصر بقوة ، على ان الهدف الاول للثورة كان الديمقراطية قال :
" اني أعلنها صريحة. ان هذه الثورة كان هدفها الاول الديموقراطية لاننا نؤمن بارادة الشعب وقوته. ولكن لن تكون للشعب قوة ولن تكون له ارادة الا اذا أحس بالديموقراطية. اننا، أيها المواطنون ، لم نفكر لحظة واحدة في الديكتاتورية لاننا لم نؤمن بها أبدا فهي تسلب الشعب ارادته وقوته ولن نتمكن من ان نفعل شيئا الا بقوة الشعب وارادته.
" هذا ا يها المواطنون هو هدف الثورة الاول فانها ثورة ديموقراطية تعمل لكم ومن أجلكم ليشعر كل انسان انه مصري وانه مصر كلها .. اننا ما قمنا بهذه الثورة التي تدعو الى الحرية لنتحكم فيكم او لنستبد بكم . ولكننا لا نريد الديموقراطية الزائفة. نريد ديموقراطية تعمل لكم ومن أجلكم، ليشعر كل انسان انه مصري ومتساو والفرص متساوية أمامه في هذا الوطن . ولذلك فاني أقول لكم ان واجبكم أكبر مما تتصورون . فأنتم يا أبناء مصر- وليس مجلس الثورة - أنتم الذين سترسمون الطريق الذي سنسير فيه، ويقرر مصير الوطن أجيالا طويلة. ولذلك فاني أوجه حديثي الى كل فرد واقول له أنت مسؤول عن وطنك وبلادك . ولن نتواكل ولن نسمع وعودا كاذبة كما كنا نفعل في الماضي . فطالما وعدنا وغرر بنا. فاذا أردنا ان نبني وطننا عزيزا ونحقق الحرية التي نؤمن بها جميعا فيجب أن نتبصر ونعرف طريقنا فالماضي يختلط بالمستقبل والحاضر يرسم الطريق للمستقبل .
" يجب أن نتحرر من الخوف. يجب ان نتحرر من الفزع . يجب ان يحرر كل منا نفسه وان نتخلص من السياسة التي رسمت في الماضي ، فقد كانوا يخلقون من كل مواطن طاغية ".
هكذا قال عبد الناصر.
ثم نتذكر ان الرئيس أنور السادات قد ردد في أكثر من مناسبة قصة الخلاف الذي ثار في مجلس قيادة الثورة حول الموقف من نظام الحكم . موجز ما قاله ان مجلس قيادة الثورة قد و اجه منذ البداية اختبار الاختيار بين الديموقراطية والديكتاتورية نظاما لحكم مصر. وقال ان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وحده، هو الذي اختار الديموقراطية لحكم شعب مصر في حين ان باقي أعضاء مجلس الثورة- كلهم- ومن بينهم الرئيس أنور السادات نفسه- كما قال سيادته- قد اختاروا الديكتاتورية نظامآ يحكمون به شعب مصر. وأصروا فاستقال جمال عبد الناصر. فتراجعوا فتراجع عن استقالته...
خلاصة ما قاله عبد الناصر وما قاله السادات معاً ، ان ثورة 23 يوليو سنة 1952، كانت- في وعي عبد الناصر- ثورة من أجل الديموقراطية، وكان هو منسجمآ مع الثورة التي قادها فكان ديموقراطياً .

أية ديموقراطية؟
ولكن كل تلك الأقوال تبدو على قدر كبير من التعميم . فلا نفهم منها أين كان القصور في الديموقراطية الذي حرك الثورة وما هي الديموقر اطية التي قامت الثورة من أجلها .
لقد كان في مصر دستور ليبرالي هو دستور 1923 يكاد يكون منسوخاً من أرقى دساتير أوروبا في ذلك الوقت وهو الدستور البلجيكي . وفي ظله كانت الأحزاب الليبرالية مباحة : الحزب الوطني، حزب الوفد، حزب الأحرار الدستوريين ، حزب الاتحاد، حزب الشعب، حزب مصر الفتاة ، حزب السعديين، حزب الكتلة الوفدية، حزب الفلاح ، جبهة مصر بالإضافة إلى جماعة الأخوان المسلمين . ولقد مورست في ظله قواعد الديموقراطية الليبرالية : ترشيحات وانتخابات ومجالس نواب ومجالس شيوخ وصحافة لكل حزب ولكل من يقدر.
وإذا كنا قد قلنا أنه دستور ليبرالي فلا يمكن لأحد أن يتهم الليبرالية بالتقصير في سرد الحريات " الطبيعية " ورصها في الدساتير، لأن الليبرالية ضد التدخل في حياة الأفراد من حيث المبدأ . وحتى إذا كان دستور 1923 قد تضمن بعض الأحكام الاستبدادية حفآطاً على امتيازات الملكية فإن بقية أحكامه لم تكن تحول دون إلغاء تلك الأحكام الاستبدادية. منع الدستور تغيير النظام الملكي والنظام البرلماني فقط .
والواقع أن عبد الناصر كان يرى ، حين قامت الثورة ، ان الدستور ( دستور 1923) يضارع أرقى الدساتير و ان الحياة البرلمانية والانتخابات المتتالية كان من الممكن أن تتيح للشعب حياة ديموقراطية سليمة. وقد عبر عن رؤيته تلك بعد ثلاثة أشهر من قيام الثورة محدداً هدف الثورة الديموقراطية بإعادة الحياة الدستورية . قال يوم 15 نوفمبر 1952 في ذكرى الشهداء " اني لا أود أن أغادر هذا المكان قبل أن أقول لكم أن حركة الجيش ما قامت إلا لتحرير الوطن وإعادة الحياة الدستورية السليمة للبلاد ".
الحياة الدستورية السليمة؟!
وما هي الحياة الدستورية السليمة التي كان يقصدها؟
يجيب عبد الناصر على هذا السؤال الجوهري في تاريخه وتاريخ الديموقراطية في مصر. فيقول في مدينة شبين الكوم يوم 23 فبراير 1953: " كان الظلم الاجتماعي يتجسم في كابوس الاقطاع البغيض فقد ورثنا طبقة من الحكام والأشراف ترفعوا عن الشعب وراحوا يتمتعون بنفوذهم وأموالهم . وانقسمت البلاد إلى فئتين كل منهما تكره الأخرى وهما من طينة واحدة . معسكر العبيد وطائفة الأسياد ".
ويربط هذا الوضع الاجتماعي بالدستور ومشكلة الديموقراطية في مصر فيقول في ميدان الجمهورية بالقاهرة يوم 16 سبتمبر 1953: " لقد حكمتم زهاء ربع قرن في ظل دستور يضارع أرقى الدساتير وفي برلمانات متعددة جاءت وليدة انتخابات متتالية . حكمتم باسم الديموقراطية ولكنكم باسم الديموقراطية المزيفة لم تنالوا حقوقكم ولم تنالوا استقلالكم . ولم تنعموا يوماً واحداً بالحرية والكرامة التي لم يكفلهما الدستور في عهودهم إلا لهم من دون الشعب فخسرتم كل شيء وكسبوا كل شيء حتى ثرتم على هذه الأوضاع فحطمتموها . فمن منا يمكن أن يقبل أن تسلم الثورة أمر الشعب باسم الديموقراطية الزائفة، باسم الدستور الخلاب ، و باسم البرلمان المزيف إلى تلك الفئة المخادعة؟. هؤلاء الذين عاشوا لتحقيق شهواتهم ومطامعهم من دماء هذا الشعب جيلأ بعد جيل . هؤلاء القوم الذين ثرتم من أجل تصرفاتهم ومظالمهم واستغلالهم " .
لا شك أن عبد الناصر لم يكن يرى مشكلة الديموقراطية في النظام الدستوري . كما لا شك في أنه لم يكن يراها في النظام الاقتصادي وإن كانت رؤيته متضمنة انتباها متقدماً للعلاقة بين مشكلة الديموقراطية ومشكلة الإقطاع بالذات . أوضح جوانب رؤيته في ذلك الحين كانت متصلة بالحاكمين أنفسهم . نظام دستوري " يضارع أرقى الدساتير " ولكن طغمة من الحكام الفاسدين لا يرعون الدستور ولا يحترمون البشر، أفسدوا الحياة الديموقراطية .
نتوقف هنا لنسأل : هل كانت هذه الرؤية مبررة من الواقع ؟

عودة إلى الواقع :
كان النظام الذي يسود مصر قبل 1952 نظاماً ليبرالياً سياسياً واقتصادياً . في هذا النظام كانت للمصريين حقوق سياسية وفيرة (الجانب السياسي) ولكنهم كانوا مجردين من المقدرة الفعلية على استعمالها بفعل النظام شبه الإقطاعي شبه الرأسمالي الذى كات سائداً ( الجانب الاقتصادي) . ذلك لأن القا نون الأساسي للنظام كله ، سياسياً واقتصادياً ، كان المنافسة الحرة . وقانون المنافسة الحرة يبيح لكل شخص أن يكسب معركة الديموقراطية كما يشاء . ولكن لا يكسبها فعلأ إلا القادرون اقتصادياً . فكانت المقدرة الاقتصادية- بشكل عام- هي التي تلعب الدور الحاسم - بعد استنفاد كل الطقوس الشكلية- لتحديد من يحكم ولمن إرادة التشريع والتنفيذ .
في القمة لا يرشح نفسه للانتخابات إلا القادرون مالياً ، كان يشترط في أعضاء مجلس الشيوخ أن يكونوا على سبيل الحصر من بين : " الوزراء ، الممثلين الدبلوماسيين ، رؤساء مجلس النواب ، وكلاء الوزارات ، النواب العموميون ، رؤساء ومستشاري محكمة الاستئناف أو أية محكمة أخرى من درجتها أو اعلى منها ، نقباء المحامين ، موظفي الحكومة من درجة مدير عام فصاعداً سواء في ذلك الحاليون أو السابقون ، كبار العلماء والرؤساء الروحيون ، كبار الضباط المتقاعدين من رتبة لواء فصاعداً النواب الذين قضوا مدتين في النيابة ، الملاك الذين يؤدون ضريبة لا تقل عن مائة وخمسين جنيهاً في العام (حوالي 3000 جنيه بسعر العملة الحالي) من لا يقل دخلهم السنوي عن ألف وخمسمائة جنيه (حوالي 30000 بسعر العملة الحالي) من المشتغلين بالأعمال المالية والتجارية أو الصناعية أو بالمهن الحرة " (المادة 78 من دستور 1923) وكان من حق الملك أن يختار ثلث الأعضاء ويعينهم .
أما بالنسبة إلى النواب فكان يشترط للترشيح دفع أمانة مقدارها 150 جنيهاً (حوالي 3000 جنيه بسعر العملة الحالي). هكذا كان يشترط قانون الانتخاب في مادته الخامسة والخمسين . ولقد اشترط هذا المبلغ عمدآ وبعد نقاش طويل . إذ كان الاتجاه عند وضع قانون الانتخاب إلى إشتراط أن يكون النائب من بين كبار الملاك أو ذوي الدخول الكبيرة . ولما كان هذا الشرط قد استنفد حين اشتراطه لعضوية مجلس الشيوخ ، فقد احتالوا لإعادة النص عليه بصيغة أخرى هي اشتراط أن يدفع المرشح مبلغآ مالياً ، كأمانة، يكون من الجسامة بحيث لا يستطيع دفعه إلا كبار الملاك أو ذوو الدخول الكبيرة .
هذا في القمة،
أما في القاع حيث يقبع الشعب، أغلبية الشعب التي يحتكم إليها المتنافسون في الانتخابات فإن الشعب كان مرتبطآ منذ أجيال من أمعائه بالمسيطرين عليه اقتصادياً القادرين على وصل الأرزاق وقطعها كان الفلاحون اقنانآ أو في مرتبة الأقنان بالنسبة لملاك الأراضي . فحرية الإرادة ، أو حرية التعاقد - ذلك الطوطم المقدس ليبراليا - كانت تعني أن الفلاحة مزارعة أو إيجاراً ، كانت خاضعة خضوعاً تاماً في انعقادها وفي استمرارها وفي انهائها وسعرها لإرادة المالك وحده . وأسعار المحاصيل كانت خاضعة خضوعاً تاماً لمضاربات الرأسماليين في السوق . وفي المتاجر والمصانع كان عقد العمل خاضعاً خضوعاً تاماً في انعقاده واستمراره وانهائه وقيمة الأجر فيه والجزاءات التي تقتطع منه لمالك المتجر أو المصنع وحده . وكانت النخاسة المقنعة التي يسمونها " توريد الأنفار " سوقاً رائجة من فرط البطالة وفيها يبيع المصريون قوة عملهم بأبخس الأثمان لكي يعيشوا ، ويدفعون من الثمن البخس قدرا معلوماً لمن يجد لهم العمل أو يضمن لهم الاستمرار فيه.
كان مطلوباً من كل هؤلاء الأقنان الاجراء العاطلين المرضى الجاهلين أن يستعملوها حقوقاً سياسية مقتبسة من دستور بلجيكا وأن ينافسوا غيرهم في سباق الديموقراطية . ولم يكن ذلك ممكناً . كان أجدى عليهم ، وأكثر واقعية ، أن يبيعوا حرياتهم السياسية لمن يشتريها أو أن يتنازلوا عنها مقابل الاستمرار في الحياة . ولقد كانوا- كما لاشك يذكر كل الذين عاصروا تلك المرحلة- يبيعونها أو يتنازلون عنها صفقة واحدة لكل عائلة من كل قرية ، وسيطها رئيس العائلة أو عمدة القرية ليكسب هو أيضاً . ولم يكن في أي من هذا شيء غريب . فقديماً قال روسو " ان الغني الفاحش والفقر المدقع متلازمان وعندما يجتمعان في مجتمع ما ، تباع فيه الحرية وتشترى ، يبيعها الفقراء ويشتريها الأغنياء " . ولم يكن روسو يلوم أحداً ولكنه كان ينقد نظاماً .
و لقد كان شعب مصر- أغلبية شعب مصر- قبل ثورة 1952 عاجزاً اقتصادياً عن الممارسة الفعلية لإرادته. كان حراً سياسياً بحكم الدستور مقهوراً اقتصادياً بحكم تبعيته الاقتصادية لملاك الأراضي والرأسماليين . ولا ذنب في هذا للسادة أو للعبيد انما هو ذنب النظام . فحيث يوجد سادة لا بد متن وجود العبيد . ولا عيب في الحرية السياسية ولكن العيب في العبودية الاقتصادية فحيث لا يكون الإنسان حراً اقتصادياً لا يستطيع أن يمارس حريته السياسية، فتبقى جملاً منمقة في الدساتير .
وهكذا كانت في دستور 1923.
و ما بين القاع والقمة كان اصدار الصحف مباحا ولكن لم يكن يصدر الصحف الا القادرون ماليا . وكانت حرية الكتابة مباحة ولكن لم يكن ينشر الا ما يرضى عنه ملاك الصحف أو من يمولونها عن طريق الاعانات والاعلانات . وكان تأسيس الاحزاب الليبرالية مباحا ولكن لم تكن تلك الاحزاب مؤثرة الا بقدر ما تملك من مال ليكون لها الدور والصحف ووسائل الانتقال والاتصال والاجتماع وفوق هذا وقبله أن يكون اعضاؤها من القادرين ماليا على اجتياز الانتخابات الى مجلس النواب أو الشيوخ .. ( لم تستطع جماعة الاخوان المسلمين بالرغم من قاعدتها الشعبية العريضة أن تحصل على مقعد في البرلمان في أية انتخابات ) . لقد كان مجتمع الـ ½ في المائة .
هل ½% حقاً ؟

حديث الأرقام:
ان حديث الارقام ثقيل ، ولكنه بليغ في دلالته . طبعا بشرط الا تكون أرقاما منتقاة سلفا للتدليل . فمن الذي يحدثنا حديث الارقام ؟ .. لن يكون عبد الناصر ، ولن يكون أحدا ممن شاركوا عبد الناصر مسئولياته طوال حياته . سنختار عالما اقتصاديا رأسماليا كان له من عبد الناصر وثورة 23 يوليو موقف سلبي . غادر مصر ولم يعد اليها الا بعد وفاة الرئيس الراحل . ولكنه من حيث هو عالم اقتصاد يجيد لغة الارقام . ومن حيث هو رأسمالي لا ينتقي لغة الدفاع عن عبد الناصر .
قال الاستاذ علي الجريتلي في دراسة نشرها أخيرا عن " التاريخ الاقتصادي للثورة " :
" قبل الثورة كان عدد قليل من الملاك يستأثرون بنحو ثلث الارض الزراعية ، وكانت هناك مظاهر للاحتكار في الصناعة منها الاحتكار المعزز من الحكومة التي تمتعت به شركات السكر والدخان والطيران والملاحة . وفضلا عن ذلك كان عدد قليل من الشركات الكبرى في صناعات الغزل والنسيج والاسمنت والمشروبات الروحية يملك التأثير في الاسعار ويؤلف انتاجها نسبة عالية من المعروض المحلي وراء سياج عال من الحماية الجمركية . ونظرا لقلة عدد ارباب الاعمال كانت تعقد بينهم اتفاقات لتحديد الاسعار والانتاج وتقسيم السوق ، ومن ذلك اتفاقية أسعار الخدمات المصرفية. وكانت هناك اتفاقات مماثلة بين شركات الحلج في الوجهين البحري والقبلي وبين شركات الكبس الكبرى .. وكانت تسيطر على القطن عشر بيوت بلغ نصيبها 80% و 90 % . من مجموع الصادرات ( كان القطن يمثل 90 % من صادرات مصر) وفي مراحل التصنيع الاولى كانت الشركات تتمتع باحتكار فعلي نظرا لقلة عددها وتعضيد الحكومة لها . وكانت الشركات الصناعية و المالية ترتبط مع الاحتكارات العالمية بوشائج وثيقة وتشترك معها في انشاء مشروعات مشتركة. ومن أمثلة ذلك اشتراك شركات التأمين العالمية (بورنج و! اسيكارزبوني) في انشاء شركة مصر للتأمين واتفاق شركات برادفورد وكالبكبووكوهوون مع بنك مصر لانشاء شركات غزل القطن وصباغته وتصنيع الحرير الصناعي بقصد تخطي (التهرب من) التعريفة الجمركية.
نستطيع بسهولة أن نحول هذه الفقرة الى أرقام مذهلة ليرى الجيل الجديد الذي لم يعاصر تلك المرحلة السوداء كيف كانت القوة الاقتصادية لمجموعة محدودة من الناس تسيطر على مقدرات شعب مصر او كيف كانت تحكم مصر. ولكننا نريد ان نبقى في حدود حديثنا عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية.
يكفي أن نلفت الانتباه الى قول الدكتور علي الجريتلي :
" عدد قليل من الملاك يستأثرون بنحو ثلث الأرض الزراعية " وهذا رمز لها :
61 مالكا يملك كل منهم أكثر من 2000 فدان ومجموع ملكيتهم 277258 فدانا
28 مالكا يملك كل منهم أكثر من 1500 فدان ومجموع ملكيتهم 97454 فدانا
99 مالكا يملك كل منهم أكثر من 1000 فدان ومجموع ملكيتهم 112216 فدانا
92 مالكا يملك كل منهم أكثر من 800 فدان ومجموع ملكيتهم 86472 فدانا
ومعنى ذلك ان 280 مالكا كانوا يملكون 583400 فدان ، أي ان واحدا من مائة الف من الشعب يملك 12% من الأرض .
هذا مثال من الاقطاع الثقيل ... الذي كان في ذهن جمال عبد الناصر وهو يتحدث عن مشكلة الديموقراطية في مصر . انه ذات الواقع الذي حدد هدفين أساسيين من أهداف الثورة الستة : القضاء على الاقطاع والقضاء على سيطرة رأس المال على الحكم .
الهدف الاول كان يعني تحرير الفلاحين من التبعية للملاك . والهدف الثاني كان يعني ان يكون الحكم في خدمة الشعب وليس تحت سيطرة رأس المال . وكلاهما كان هدفا ديموقراطيا لحل مشكلة الديموقراطية في مصر كما يحددها- موضوعيا- الواقع الاجتماعي الاقتصادي السياسي الذي كان سائدا قبل ثورة 1952.

لماذا الضباط الاحرار؟
ان في حديثنا ثغرة لا ينبغي ان نقفز عنها او ان نتجاهلها . قد يبدو واضحا من الواقع الاجتماعي الاقتصادي السياسي الذي كان سائدا قبل ثورة 1952 ان مصر كانت مرشحة موضوعيا لثورة يسترد بها الشعب حريته ومقدرته على فرض ارادته في حدود دستور 1923 أودستور يضعه بنفسه. ولكن هذا الواقع لايبرر وحده - ثورة 23 يوليو 1952 بكل خصائصها .
ولقد اتضحت اولى خصائصها مما قلنا من قبل . فبينما يؤكد الواقع الموضوعي للحياة الاجتماعية الاقتصادية والسياسية ان مشكلة الديموقراطية في مصر- قبل الثورة- كانت مشكلة " نظام " غير ديموقراطي كان قائد الثورة يراه " فسادا " أحدثه أشخاص فاسدون يستغلون نظاما دستوريا يضارع أرقى النظم . ألم يكن ذلك قصورا في الرؤية يكشف عن قصور في النظرية ؟
بلى .
ثم ان من خصائصها ان الشعب ، أغلبية الشعب ، لم تخطط لها ولم تسهم في تفجيرها لا عن طريق انتفاضة عفوية تكملها قوة منظمة ، ولا عن طريق حزب من الاحزاب الي كانت تقود الشعب في معارك الحفاظ على الدستور والديموقراطية . ألم يكن ذلك سلبا لشعبية الثورة لا يغني عنه تأييد الشعب لها بعد ان قامت ونجحت وأصبحت في السلطة ؟
بلى.
ثم ان من خصائصها ان الذين خططوا لها وأعدوا قوتها ونفذوها جماعة من ضباط القوات المسلحة لم يكن لتنظيمهم " السري " امتداد جماهيري ولم يكونوا هم معروفين شعبيا ولا كانت مزاياهم وأهدافهم معروفة. ألم يكن ذلك سلبا لديموقراطية الثورة ذاتها ؟
بلى.
كيف اذن يبدأ الحديث بربط الثورة بمشكلة الديموقراطية الى حد القول بانها كانت ثورة من أجل الديموقراطية اتكالا على ما قال قائدها او اتكالا على ان الواقع الاجتماعي و الاقتصادي والسياسي في مصر، قبل 1952 ، كان يرشحها لثورة من اجل الديموقراطية ، اذا كانت ثورة 23 يوليو 1952 بكل خصائصها المسلمة لا تحمل تأكيدا بانها هي الثورة التي كانت تستدعيها ظروف مصر قبل 1952 .
واذا أضفنا بعضا من سوء الظن يمكن أن نضيف سؤالا أذكر انه تردد في بعض الاوقات على ألسنة هواة الجدل النظري . يقول السؤال : لماذا لا تكون ثورة 23 يوليو 1952 انقلابا قام من أجل اجهاض وضع ثوري ليحول دون قيام ثورة شعبية ديموقراطية في مصر ؟
أسئلة على أكبر قدر من الجدية .
كل ما يعيبها هو الجهل المطبق ، أو التجاهل المتعمد، للواقع الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي في مصر . ذلك الواقع الذي كان من حظنا ان عاصرناه كبارا وعشناه نشاطا وطنيا سريا وعلنيا، سلميا وعنيفا، في مواقع شعبية ، وهياكل حزبية ، من أجل ذات الاهداف التي سبقنا اليها تنظيم الضباط الاحرار. وما كان يمكن ان تكون الثورة فكرا وقوة وبشرا الا كما كانت ، أعني ان الواقع الموضوعي في مصر ما كان يمكن ان يفرز قوة ثورية قادرة على الثورة الا تنظيم الضباط الاحرار، بكل خصائص الثورة التي لم ننكرها من قبل .
لماذا ؟..
بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 ، تدخل أساتذة النظم السياسية في الجامعات ليبرروا قيام الثورة بقوة من الضباط . قال أحدهم . " لأن الشعب أعزل من القوة المادية التي يمكن عن طريقها وحدها وضع الامور في نصابها " . ( الدكتور عبد الفتاح ساير داير) وقال آخر . " لأن الجبهة المدنية لا تستطيع القيام بمثل هذه الثورة لافتقادها الى الاسلحة والعتاد " ( الدكتور مصطفى أبو زيد فهمي) .. وقال استاذنا وأستاذهم المرحوم الدكتور سيد صبري : " لأن الضغط على صاحب التاج يحدث في البلاد العريقة في الديموقراطية بواسطة الشعب او ممثليه بينما تم الضغط في مصر عن طريق الجيش " ( مقال في جريدة الاهرام يوم 27 يوليو 1952).
وكل هذا صحيح الى حد محدود.
حد الصحة فيه انه يشير الى عجز الشعب عن القيام بالثورة ولكنه لم يقل لماذا كان الشعب عاجزا ومن المسئول عن هذا العجز ؟ .. ان يكن افتقاد السلاح فان الشعب قد ثار عام 1882 ووضع لنفسه أرقى دساتير العالم وقتئذ تحت قيادة عرابى ، وثار عام 1919 وواجه جيوش الاحتلال والشرطة التي كانت هي الاخرى تحت قيادة الانجليز وهو بدون عتاد او انه لم يفتقد العتاد فقد صنعه في نيران الثورة . وان يكن الاحتلال فإن الثورة قامت في ظل الاحتلال لتنهيه . وان يكن الملك فان الذين قاموا بالثورة ضباط أقسموا يمين الولاء لجلالته . وان تكن الاحزاب فلقد قامت الثورة ونجحت بدون حزب والغت الاحزاب.
كل هذه قد تكون عوامل مساعدة او معوقة للثورة الشعبية. ولكن عجز الشعب عن الثورة كان راجعا الى ذلك النظام الذي حرم الشعب من امكانيات الثورة فلم يبق إلا العسكريون ليثوروا . هو ذلك النظام الذي حرم الشعب من تكوين أحزابه الثورية فلم يجد العسكريون حزبا ثوريا يستندون اليه في ثورتهم. هو ذلك النظام الذي فشل في أن يمكن الشعب من خلال التربية الديموقراطية والممارسة الفعلية للديموقراطية من ان يمتلك المقدرة على ردع الذين لم يستجيبوا لارادته.
ان مجرد ان يصل شعب مصر في ظل دستور 1923، و بعد ثلائين عاما من الممارسة ، الى درجة من العجز تسمح لاعدائه باهدار دستوره واقصاء حزب أغلبيته ثم تحول دون ان يفرض هو ارادته دستوريا او بثورة شعبية فلا يقوم بالثورة التي توافرت أسبابها الموضوعية الا نفر من القوات المسلحة هو الدليل الحاسم على ان مشكلة الديموقراطية في مصر، قبل عام 1952، كانت قد وصلت الى حد المأساة الشعبية.

نريد ان نقول ان طبيعة مشكلة الديموقراطية في مصر قبل عام 1952 هي التي عينت طريقة حلها: ثورة عسكرية.. ومن رحم النظام الذي كانت تحكم به مصر قبل 1952، وبكل خصائصه، ولدت ثورة 23 يوليو 1952 بكل خصائصها وما كان يمكن ان يكون المولود غريبا عن والدته... الا- طبعا- في اذهان المثاليين .
نضرب مثلا...

وفاة الدستور:
في يوم 19 نوفمبر 1924 قتلت احدى المنظمات الوطنية السرية السير لي ستاك قائد الجيش المصري وحاكم السودان . فاستغل الانجليز الفرصة وقدموا الى حكومة سعد زغلول مطالب لا تمت أغلبها الى الحادث بصلة ( الاعتذار- عقاب الجناة- منع اللمظاهرات - دفع غرامة مليون جنيه - ارجاع الجيش المصري من السودان - اطلاق يد الانجليز في تحديد مساحة الأرض التي تزرع قطنا في السودان).
رفضت حكومة سعد زغلول وأعلن استقالته أمام البرلمان يوم 24 نوفمبر 1924 واكتفى البرلمان بالاحتجاج . فأصدر الملك أمرا الى أحمد زيور بتأليف الوزارة التي يسميها المؤرخون " وزارة تسليم ما يمكن تسليمه ". فسلمت بمطالب الانجليز وصدر مرسوم يوم 25 نوفمبر 1924 بتأجيل انعقاد البرلمان شهرا . وفي 9 ديسمبر 1924 عين إسماعيل صدقي وزيراً للداخلية كمؤشر لاتجاه النية الى حل مجلس النواب واجراء انتخابات جديدة " يطبخها ". وفعلا في يوم 24 ديسمبر 1924 أي قبل نهاية الشهر المضروب لتأجيل البرلمان بيوم واحد ، استصدرت الحكومة مرسوما بحل مجلس النواب وتحديد يوم 6 مارس 1925 لانعقاد المجلس الجديد، كانما تريد ان تحتكم الى الشعب . ولكنها سوفت في الانتخابات الى ان أنشأ الملك حزب الاتحاد يوم 25 يناير 1925، والى ان غير اسماعيل صدقي الدوائر الانتخابية بما يتفق مع رغبات مرشحي الحكومة، وأخيرا حدد للانتخابات يوم 12 مارس 1925.
 
فما الذي حدث؟
أطاع شعب الفلاحين، صاحب ثورة 1919، بكل ما أراده الانجليز والملك والحكومة. وما ان افتتح البرلمان يوم الاثنين 23 مارس 1925 حتى انتخب سعد زغلول رئيسا له. كان ذلك في الجلسة الصباحية. وفي الجلسة المسائية كان قد صدر مرسوم جديد بحل مجلس النواب، وتقرر وقف الانتخابات.. واعتبر الشعب ان هذا الحل غير شرعي فتربص حتى اقترب يوم 21 نوفمبر 1925، اليوم المحدد دستوريا لانعقاد البرلمان ، وقامت حركة شعبية عارمة تجمع النواب والشيوخ من بيوتهم وتحملهم على الاجتماع في احد الفنادق تحت حراسة الشعب الذي بقي محتشدا أمام الفندق (الكونتننتال- ميدان الاوبرا) يحرس نوابه.. وأدى كل هذا الى اذعان الحكومة للحركة الشعبية فحددت موعدا للانتخابات يوم 22 مايو 1926..
الى هنا لا يستطيع احد ان يقول ان شعب مصر كان عاجزا عن فرض ارادته ، او انه كان عاجزا عن استئناف نشاطه الثوري الذي بدأه عام 1919، او انه كان في حاجة الى ضباط من القوات المسلحة ليثوروا بدلا منه..
ولكن لنتأمل ما فعل السادة في مجتمع الـ ½ في المائة؟..
في يوم 3 ابريل 1926 عقدت الاحزاب اجتماعا عقدوا فيه اتفاقا أذاعوه في اليوم نفسه. كان الاتفاق يتضمن امتهانا لأي معنى من معاني الديموقراطية . ويمثل مؤامرة موجهة أساسا ضد الشعب نفسه. ذلك لأن الاحزاب قد اتفقت على ان تقتسم فيما بينها الدوائر الانتخابية فاختص حزب الوفد بمائة وستين دائرة ( وقع بالنيابة عنه سعد زغلول) واختص حزب الاحرار الدستوريين بخمس وأربعين دائرة (وقع بالنيابة عنه محمد محمود) واختص الحزب الوطني بتسع دوائر ( وقع بالنيابة عنه محمد حافظ رمضان) وهكذا عينت الاحزاب " نواب الشعب " وحرمت الشعب في بدء تجربته الديموقراطية من أن يختار نوابه... وقتل الحلف الاقطاعي الرأسمالي دستور 1923 بعد ثلاثة سنوات فقط من أصداره .
ومنذ عام 1926، تكررت اللعبة عشرات المرات، وانحصرت أطرافها في شريحة قليلة تتصارع على كراسي الحكم في القاهرة ، ولم يكن الشعب- في أي يوم من الأيام- طرفا أصيلا في هذه اللعبة. كان يدعى الى الانتخابات فينعقد سوق بيع الاصوات وشرائها . وينقض السوق فيعود الشعب الى عزلته الواعية. الواعية بانه، منذ أن تآمرت عليه الاحزاب التي قاتل ضد الملك من أجل تمكينها من الحكم عام 1925، لم يعد طرفا في الصراعات الحزبية و لا شريكا في لعبة كراسي الحكم .
وقبيل 1952، كانت السيطرة الاقتصادية والسياسية قد تحولت الى سيطرة اجتماعية ونفسية وأخلاقية أيضا. كانت تلك السيطرة قد أصبحت مقبولة اجتماعيا ونفسيا وأخلاقيا وتحولت الى " قيم وأخلاق وسلوك القرية " التي أضفت على تلك السيطرة نوعا من القدسية وحصنتها ضد الرفض والتمرد بآداب القناعة الذليلة التي تعبر عنها الامثال الشعبية : " الفلاح لا فلح " .. " العين لاتعلى على الحاجب " .. " الاصابع مش متساوية " .. " من يتزوج أمي أقول له ياعمي " .. " القناعة كنز لا يفنى " .. الخ .
وحين يصل القهر المتصل بأحد الشعوب الى حد عدم الاحساس بالقهر ، يكون من المثالية أن نتوقع منه أن يثور ضد قاهريه .. وسنعرف فيما بعد أن أكثر جوانب مشكلات الديموقراطية في مصر تعقيدا كانت - قبل ثورة 1952 - عدم وعي أغلبية الشعب بأن ثمة مشكلة ديموقراطية . سنعرف هذا ونعرف كيف واجهت ثورة 23 يوليو 1952 وقائدها عبد الناصر هذا الجاني المعقد من المشكلة .

قال .. فهل فعل ؟
يكفينا الآن أن قد عرفنا " شيئاً " عن مشكلة الديموقراطية في مصر قبل عام 1952، وان الثورة قد قامت من أجل حلها ، و ان عبد الناصر، قائد الثورة ، كان واعيا ان على الثورة ان تحل المشكلة التي قامت من أجل حلها ، وانه هو- شخصيا- كان مع الديموقراطية ضد الديكتاتورية وانه كان يمتلك - حين قام بالثورة- قوة قاصرة نظريا وشعبيا وديموقراطيا .. أضاف اليها- بانتصار الثورة- قوة جهاز الدولة التي ثار ضدها والمتميز أساسا بانه كان غير ديموقراطي ..
بعد عشرين شهرا من قيام الثورة ، أي في يوم 13 أبريل1954، قال جمال عبد الناصر ضمن خطاب ألقاه في قرية " الفاروقية " :
" ماذا يعنون بالحرية التي ينشدونها والبرلمان الذي يريدونه؟ . انهم يعنون بذلك الاستغلال في أبعد حدوده والاحتماء في الاستعمار من أجل مصالحهم في القرى وفي الأرض وفي البنوك وفي كل شيء بالرغم من ان الفلاحين يمثلون الاغلبية العظمى اذ يبلغ عددهم 18 مليون نسمة يعيشون وقد حرموهم الشعور بالحرية والعزة والحرية الاجتماعية ولقمة العيش . حرموهم وحرموا اخوانهم في الريف. ومن بدرت منه بادرة الدفاع عن حق مشروع كان له جزاء خاص !.. فماذا كات يحدث لهم أيها الاخوان وماذا كان يذوقون على أيدي سادة مصر المنحلين في العهود الغابرة ؟
" أنا أعرف جيدا وأنتم تعرفون كذلك ان أصحاب الاقطاع الذين يتحكمون فيكم كانوا يخرجون الرجل بعائلته وأولاده شريدا لا يجد لقمة العيش . هل هذه هي الحرية التي ينادون بها ؟ .
" لقد قامت الثورة لتحرير الشعب من الاستعباد و الاحتكار وقد حققنا الحرية للمواطنين جميعا "
هكذا قال عبد الناصر، فهل كانت الثورة قد حققت الحرية للمواطنين جميعا بعد عشرين شهراً من قيامها؟؟ ..

(3) خطان في الحركة الوطنية
بريد الامبراطورية:
عام 1919
" زفتي " مدينة صغيرة في وسط الدلتا . يتكون شعبها من الفلاحين . ويحكمها مأمور المركز تسانده قوة محدودة من رجال الشرطة وبعض الموظفين الاداريين و من بينهم مسئول مكتب البريد . وكما قد نصادف بعض الزهور البرية في الارض القاحلة ، كان يمكن ان نصادف زهورا مصرية من أبناء الفلاحين كان من حظهم ان يعبروا بجامعة القاهرة ويتخرجوا فيها . كان من بينهم يوسف أحمد الجندي. محام لم يبلغ الثلاثين .. في زفتي .
ثم انفجرت ثورة 1919 الوطنية. ودخل الشعب كله في المدن والقرى معاركها الشرسة ضد قوات الاحتلال . ولما لم تكن ثمة قيادة مركزية للنشاط الثوري فقد أفرزت كل مدينة وكل قرية قياداتها ونظمت قواها ووضعت خططها وخاضت معاركها و قدمت ضحاياها... تحت الشعار الموحد " الاستقلال التام او الموت الزؤام " … شعار ثورة 1919.
ولقد استطاعت القوات الانجليزية ان تسيطر على الموقف بسرعة نسبية في الريف مستفيدة بعزلة القرى وغياب القيادة المركزية . وأخمدت بقسوة ووحشية ثورة الفلاحين . قتلت الآلاف وحرقت مئات القرى . وسلبت المحاصيل والماشية . وهتكت الاعراض .. كانت مذابح جماعية تعرض لها الفلاحون على اثر معارك غير متكافئة استعملت فيها قوة الاحتلال كل ما تملك من جيوش وعتاد حى الطائرات .
ولما كانت زفتي تقع عند مفترق طرق برية و نهرية وحديدية فقد بادر الانجليز الى مهاجمتها بقوة كثيفة. وصمدت زفتي . فلما حوصرت أعلنت استقلالها باسم " امبراطورية زفتي " . هو اسم ينبىء تركيبه المرح عن أرفع مستويات التحدي للواقع . وتكونت حكومتها المستقلة تحت رئاسة يوسف الجندي من أعضاء ظاهرين وأعضاء مستترين . يهمنا الاعضاء المستترون . انهم ممثلو السلطة المركزية الانجليزية ذاتها. المأمور الذي كان يتبع قيادته الانجليزية . ومعاون المالية الذي كان يتبع وكيل الوزارة الانجليزي . ومسئول مكتب البريد الذي كان يتبع مديرها الانجليزي .
وكانت القوات المسلحة في زفتي تتكون من الفلاحين أنفسهم . تساندهم - للحق والتاريخ - قوة " كوماندوز " من الذين كانوا هاربين من القانون . تحولوا في أتون الثورة من مجرمين الى ثوار . المهم أن زفتي قد استطاعت أن تصمد للحصار وان تقاتل ضد محاولات " فتحها " مدة تجاوزت صمود الثورة في القاهرة ذاتها ...
وفي كل دولة، حتى ولو كانت " امبراطورية زفتي " الثائرة يوجد الخونة والعملاء . وقد كان فيها نفر قليل يكتبون " رسائل الخيانة الى الحكومة ويفشون أسرار الثورة . غير ان في كل دولة ثائرة ومنها " زفتي " رقابة على الرسائل . فكان موظف البريد " يراقب " الرسائل التي تسلم اليه ويحجز منها ما يضر " بأمن الثورة " . وهكذا تجمعت لديه أسماء الخائنين وهم لا يعلمون .. فلما ان أطبقت القوات الانجليزية على زفتي ، وغادرتها القيادة خفية الى مقر الثورة في القاهرة ، لم يبق الا الفلاحون والمأمور وموظفو الحكومة . وأقسم الفلاحون - كل الفلاحين رجالا ونساء - أغلظ الايمان انهم لا يعرفون ما حدث ولا كيف حدث ولا من أحدثه .. فلم تجد سلطة الاحتلال الا ان تطلب من المأمور ومعاونيه ان يقدموا اليها - فورا- المسئولين عن ثورة زفتي والا كانوا هم مسئولين . اذ لا يعقل ان تقوم ثورة في مدينة هم حكامها وممثلو السلطة فيها ثم لا يعرفون منظميها وقادتها . الا اذا كانوا متواطئين!! وقدم المأمور قائمة المسئولين عن الثورة فلاقوا جزاءهم فورا
نفس قائمة الخونة الذين كان موظف البريد قد رصد اسماءهم .
وليست زفتي الا مثلا ..

حتى لانخطيء:
كان ذلك هو شعبنا العربي في مصر وكانت تلك هي روحه ومقدرته الثورية على التحدي والتنظيم والقتال والصمود بدون أن يفقد ذرة من " مرحه " الشهير . ولكن ذلك قد كان عام 1919 إبان الثورة الوطنية. فهل كانت هذه الروح الثورية قد انطفأت ، فانتهت الحركة الوطنية بعد الثورة ببضع سنين .
يبدو فعلاً من حديثنا أن الحركة الوطنية في مصر قد انتهت بعد ثورة 1919. ثم انبثقت مرة أخرى كمعجزة من فراغ عام 1952. كأن جمال عبد الناصر بطل أسطوري خرافي جاء إلى مصر من خارجها ليشعل الثورة في جثة شعب ميت .
لا. أبداً. أن هذا خطأ جسيم في فهم التاريخ عامة وتاريخ مصر خاصة ، وتاريخ عبد الناصر و مشكلة الديموقراطية بالذات . ثم أنه خطأ في فهم ما قلنا من قبل . لقد أردنا فقط أن نقول في حديث عن مشكلة الديموقراطية ، ان شعبنا العربي في مصر الذي كان يموج ثورة 1919 واستطاع في عام 1924 أن يصل بقيادته الى الحكم ثم استطاع عام 1926 أن يفرضها مرة أخرى ضد إرادة الاحتلال والملك والحكومة معاً ، قد تآمرت ضده الأحزاب التي كونها قادة ثورة 1919 أنفسهم فعزلوه عن شئون السياسة بعد أن تحولوا من ثوار إلى ساسة ، وأخضعوه للسلطة بعد أن أصبحوا شركاء للمحتلين والملك في السلطة ، وما زالوا به يقهرونه باسم الوطنية بعد أن كانوا يحرضونه على الثورة باسم الوطنية ، ويستولون من دونه على خيرات الوطن بعد أن قادوه إلى التضحية في سبيل الوطن .. حى اقنعوه فاقتنع، أو حتى يئس فأقتنع ، أو حتى تعلم فاقتنع ، أن مشكلة الديموقراطية كما كانت مطروحة في ذلك الوقت ليست مشكلته. فلم يرفع اصبعا واحداً لحلها .
الى من تنتمي إذن ، ثورة 1952، ومن أين جاء جمال عبد الناصر ؟
إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي أن نلقي نظرة سريعة وعامة على الحركة الوطنية في مصر وهو أمر مؤسف . أعني انه من المؤسف ألا نستطيع - في سياق هذا الحديث - الا الاكتفاء بنظرة سريعة وعامة... ذلك لأننا نستطيع أن نقطع بأن أغلب من كتبوا عن ثورة 23 يوليو 1952 أو قالوا عنها شيئاً ، لم يحددوا موقعها من الحركة الوطنية في مصر تحديداً صحيحاً . ربما لأن أحداً لم يهتم بتحديد ذلك الموقع .
ننتهز نحن فرصة هذا الحديث لنلقي نظرة سريعة وعامة لعلها تكون كافية لمعرفة الانتماء السياسي لثورة 1952 وقائدها جمال عبد الناصر .. وستفيدنا هذه النظرة إلى حد بعيد في فهم الصراع المرير الذي خاضته الثورة و قاثدها ، فور قيامها ، ضد فصائل أخرى من قوى الحركة الوطنية حول " مشكلة الديموقراطية " والأثر السلبي الذي تركه ذلك الصراع على امكانيات حلها .

في البدء كانت الوحدة:
باختصار شديد...
من المفارقات التاريخية الملفتة أن الحركة الوطنية في مصر قد بدأت من خلال الكفاح من أجل الديموقراطية وليس من أجل التحرر الوطني . ذلك لأنها بدأت قبل الاحتلال الانجليزي بثلاثة أعوام تقريباً . واتخذت شكل تنظيم سري أسماه أعضاؤه " الحزب الوطني " وجعلوا مركزه في مدينة حلوان خارج القاهرة .. كان من مؤسسيه الضباط أحمد عرابي و عبد العال حلمي وعلي فهمي أبطال الثورة العسكرية ضد الخديوي فيما بعد .. وقد بدأ نشاطه داخلياً يوم 4 نوفمبر 1879 إذ أصدر بياناً سياسياً طبع منه عشرين ألف نسخة ووزعها . وامتد نشاطه خارج مصر فاوفد أديب إسحاق إلى باريس حيث أصدر أولى الصحف الوطنية باسم " القاهرة " . تطبع في باريس وتوزع في مصر …
في أول يناير 1882 نشرت جريدة التايمز الإنجليزية برنامج الحزب . وجاء فيه :
" يخضع الحزب للجناب الخديوي الحالي . وهو يصمم على تأييد سلطته ما دامت أحكامه جارية وفقا للعدل والقوانين حسب ما وعد به المصريين في شهر سبتمبر سنة 1881. وقد قرن رجاله هذا الخضوع بالعزم الأكيد على عدم عودة الاستبداد والأحكام الظالمة التي أورثت مصر الذل ، وبالإلحاح على الحضرة الخديوية بتنفيذ ما وعدت به من الحكم النيابي واطلاق عنان الحرية للمصريين ، ويعدونه بمساعدته قلباً و قالباً ، كما أنهم يحذرونه من الاصغاء إلى الذين يحسنون إليه الاستبداد والاجحاف بحقوق الأمة أونكث المواعيد التي وعد بإنجازها " .
يشير البر نامج إلى وعد أصدره الخديوي في سبتمبر 1881.
فما هي حكايته ؟
في عصر يوم الجمعة 9 سبتمبر 1881 حاصرت القوات المسلحة، بقيادة أحمد عرابى ، قصر عابدين لتعرض على الخديوي " طلبات عادلة تتعلق بإصلاح البلاد وضمان مستقبلها " يقول المؤرخون .
" كان أول من حضر إلى الميدان آلاي الفرسان بقيادة أحمد بك عبد الغفار ، ثم جاء عرابى ممتطياً جواده، شاهراً سيفه يقود آلأي العباسية ويصحبه آلاي المدفعية يقوده اسماعيل بك صبري ولما وصل عرابي تفقد على بك فهمي فلم يجده ، وأخبره بعض الضباط أنه وزع آلاي الحرس داخل السراي .. فبعث إليه من فوره بالملازم محمد أفندي علي ليستدعيه، فحضر علي بك فهمي ، فسأله عرابي عن سبب جعله العسكر على أبواب السراي ومنافذها و لم يكن هذا اتفاقهم من قبل ، فطمأنه علي بك فهمي وقال له : ان السياسة خداع ، أي أنه لم يفعل هذا إلا لمخادعة الخديوي ، وأنه باق على عهده ، فطلب إليه عرابي أن يسحب الآلاي من السراي ويأخذ مكانه في الميدان ففعل .. وجاء بعد ذلك الآلاي الثاني من قصر النيل يقوده بعض ضباطه وهم أحمد أفندي صادق اليوزباشي ، وأحمد أفندي عبد السلام ورسول أفندي اليوزباشي ، وذلك لامتناع قائد الأمير الاي محمد بك شوقي ، والبكباشية عن الاشتراك في الحركة، ثم جاء الآلاى الثالث قادماً من القلعة بقيادة البكباشي فودة أفندي حسن ، والآلاي السوداني قادماً من طرة بقيادة عبد العال بك حلمى ثم أورطة المستحفظين (الشرطة العسكرية) يقوده! ا القائمقام إبراهيم بك فوزي وبذلك اكتمل الجيش في ميدان عابدين ".
" فلما جاء الخديوي " في هذه المواجهة فإنه صاح بالضباط الذين جاؤا خلف عرابي :
" أن أغمدوا سيوفكم وعودوا إلى بلوكاتكم (ثكناتكم) فلم يفعلوا، وظلوا وقوفاً في أماكنهم، وكانوا كحرس خاص لعرابي، فلم يغادروه حتى انتهى الحوار بينهما:
الخديوي : ما هي اسباب حضورك بالجيش إلى هنا؟
عرابي : جئنا يا مولاي لنعرض عليك طلبات الجيش و الأمة وكلها طلبات عادلة .
الخديوي : وما هي هذه الطلبات؟
عرابي : هي عزل رياض باشا، وتشكيل مجلس النواب وإبلاغ عدد الجيش إلى العدد المعين في الفرمانات السلطانية.
الخديوي : كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها وأنا خديوي البلد وأعمل زي ما أنا عاوز.
عرابى : و نحن لسنا عبيداً ولا نورث بعد اليوم .
وانتهى الحوار.. وخضع الخديوي للثورة .. إلى حين .
بالمناسبة، ينسب المؤرخون الثورة التي قادها أحمد عرابي إلى قائدها فيسمونها " الثورة العرابية " مجارين في ذلك المؤرخين الأوروبيين .. و لكنها - في أيامها- كانت تسمي " ثورة العرب " أو ثورة " أولاد العرب " ضد سيطرة العناصر الشعوبية من أتراك وشركس .. ولقد كان أحمد عرابى حريصاً على تأكيد انتمائه للعرب وأنه من نسل قبيلة عربية وفدت من العراق .. فلعل هذه الملحوظة العابرة أن تفيد المشغولين بالسؤال والتساؤل عن عروبة مصر.
وبعد،
فلست أعتذر عن استرجاع صورة تاريخية بكل تفاصيلها وبأسماء قادتها . لا لأنها تذكرنا بصورة قريبة الشبه لقواتنا المسلحة وهي تحاصر قصر عابدين صباح يوم 23 يوليو 1952، ولا لأنني أكاد أسمع صوت عرابي ابن الفلاحين وهو يقول : " لسنا عبيداً ولن نورث بعد اليوم " في صوت عبد الناصر ابن الفلاحين وهو يقول : " ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد " ، ولكن لأنني أشعر بنشوة سعادة عارمة، يؤججها الوفاء ، حين استعيد أسماء أبطال مصر الذين لم يعد أحد يذكر حتى أسمائهم ...
لقد كانوا حريصين على أن يثبتوا في ذاكرتنا أسماء الذين انهزموا واستسلموا ، أما الأبطال الذين قاتلوا واستشهدوا فلا يذكرهم أحد .. ومن الذي يذكر الآن أحد أبطال ثورة " أولاد العرب " اليوزباشي (النقيب) حسن أفندي رضوان الذي قاد ثلاثة الآف مصري ضد أحد عشر ألفاً من المشاة و 2000 من الفرسان وستين مدفعاً يقودهم الجنرال ولسلي في معركة التل الكبير، فلما أبيدت القوة المصرية وأسر قائدها الشاب جريحاً تقدم إليه الجنرال الإنجليزي وقدم إليه سيفه تقديراً لبسالة ضابط وطني لم يسلم ولم يستسلم ولم ينسحب إلى أن أبيدت قواته وسقط جريحاً ..
على أي حال ،
فإن الحركة الوطنية التي بدأت موحدة من أجل الديموقراطية لم تلبث أن أضافت إلى أهدافها مقاومة الإحتلال الإنجليزي الذي بدأ في الساعة السابعة من صباح يوم الثلاثاء 11 يوليو 1882. وما أن بدأ القتال حتى انحاز الخديوي وبطانته إلى المحتلين ولجأ إلى الإسكندرية ليكون في حماية أسطولهم. والتحم الجيش بالشعب في معارك متتابعة اشترك فيها شعبنا العربى في مصر رجالاً ونساء وأطفالاً بكل ما يملكون من قوة وعتاد وأموال .. ثم انهزمت الثورة واحتل الإنجليز مصر... فتغيرت طبيعة وقوى ومهمات وخطط الحركة الوطنية..

بين الثورة والإصلاح :
ابتداء من الاحتلال، وبعد استبعاد الخونة والعملاء وصنائع المحتلين، انقسمت الحركة الوطنية فى مصر الى اتجاهين . سار كل منهما على خط متميز. ولم يكن يفرق بينهما الرغبة في الاستقلال ، بل أسلوب تحقيق الاستقلال . أحدهما الخط الثورى الذي يرفض الاحتلال وينكر شرعيته ولا يتعامل معه ، ولا يتولى الحكم في ظله ، ولا يفاوضه ، ويلتمس إلى مقاومته كل سبيل ، علني أو سري ، محلي أو دولي، سلمي أو عنيف.. والخط الثاني يقبل الاحتلال كأمر واقع ، ويتعامل معه ويلتمس إلى إنهائه التدرج الإصلاحي في التعليم والتربية والتقدم الإقتصادي ، ثم التفاوض مع المحتلين أنفسهم بقصد إقناعهم أن شعب مصر قد بلغ من التمدين- على الطريقة الأوروبية- ما يجعله مستحقاً للاستقلال مؤهلاً لحماية نفسه.
الخط الأول : كان مشغولاً ، بالدرجة الأولى، بالتعبئة الشعبية لمقاومة المحتلين .
الخط الثاني : كان مشغولاً ، بالدرجة الأولى ، بالتربية الشعبية في ظل الاحتلال .
ولقد تجسد كل من الخطين ، بعد الاحتلال ، في قوى منظمة (أحزاب) .
أما عن الخط الأول، الثوري، فقد عرفنا أنه بدأ قبل الاحتلال في شكل منظمة سرية تحت إسم " الحزب الوطني " فلما ان انهزمت الثورة اختفى الحزب الوطني كمنظمة . وبعد الاحتلال بعشر سنوات ، وعلى وجه التحديد، في عام 1893 دعا لطيف سليم ، أحد ضباط الثورة العرابية بعضاً من رفاقه القدامى وبعضاً من شباب الجيل الجديد، حينئذ، إلى منزله في حلوان ، حيث تشكل الحزب الوطني لأول مرة عام 1879 وأعيد تشكيل المنظمة السرية وباسم " الحزب الوطني " أيضاً . وكان ألمع المؤسسين هو الزعيم الوطني مصطفى كامل فاختير زعيماً للحزب وكان سنه 20 عاماً وكان شعار الحزب " لا مفاوضة إلا بعد الجلاء " .
ولقد استطاع الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل أن يوقظ الشعب ويعبئه ضد الاحتلال وأن يصدر ثلاث صحف يومية ، بالعربية ( اللواء عام 1900 وبالإنجليزية ( ذي اجيبشيان ستاندرد عام 1907) وبالفرنسية ( ليندرا اجيبشيان عام 1907) ، قبل أن يصبح حزباً علنياً ذلك لأنه لم يؤسس علنياً إلا عام 1907، وكان ذلك لمواجهة الخط الوطني الإصلاحي .
كانت في مصر شركة تجارية مساهمة تصدر صحيفة بإسم الجريدة تأسست في أغسطس 1906 من " الأثرياء وذوي المراكز العليا في البلاد " كما قال مؤسسوها . وفي 20 سبتمبر 1907 قررت الجمعية العمومية للشركة تحويل الشركة إلى حزب بإسم " حزب الأمة " . جاء في برنامجه :
(1) تأييداً لسلطة الخديوية فيما تضمنتها الفرامانات من استقلال مصر الإداري .
(2) الاعتماد على الوعود والتصريحات التي أعلنتها بريطانيا العظمى عند احتلال القطر المصري ومطالبتها بتحقيقها والوفاء بها .
(3) المطالبة بمجلس نيابي مصري يكون تام السلطة فيما يتعلق بالمصريين والمصالح المصرية.
من هذا البرنامج يتضح ما عرف في تاريخ الحركة الوطنية في مصر " بخط حزب الأمة " أو " مدرسة حزب الأمة ".. تقديم مطلب الدستور والحكم النيابي ( الديموقراطية) على مطلب الإستقلال . حينئذ تخوف الزعيم مصطفى كامل من أن يؤدي إستمرار غياب الكيان التنظيمي العلني " للحزب الوطني " إلى أن ينجح حزب الأمة والأحزاب الجديدة ذات الكيانات التنظيمية ( كان الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد قد أعلن نيته في تأليف حزب الإصلاح الذي ينتمي إلى مدرسة حزب الأمة أيضاً ).. في استقطاب أنصار الحزب الوطني فأجتمع 1019 واعتذر 846 ، وانعقدت الجمعية التأسيسية يوم 27 ديسمبر 1907 وأعلن برنامجه :
(1) إستقلال مصر مع سودانها وملحقاتها استقلالاً تاماً غير مشوب بأية حماية أو وصاية أو سيادة أجنبية أو أي قيد يقيد هذا الاستقلال .
(2) إيجاد حكومة دستورية في البلاد حيث تكون السيادة للأمة وتكون الهيئة الحاكمة مسئولة أمام مجلس نيابى تام السلطة... الخ .
وهكذا تميز الخطان ، الثوري والإصلاحي، في تنظيمين لم يلبثا أن أصبحا مدرستين أو تيارين قاد الأول مصطفى كامل ثم من بعده محمد فريد ثم من بعده انتمى الى مدرسته من المعاصرين لثورة 23 يوليو 1952 ، الحزب الوطني ، الحزب الوطني الجديد ، الحزب الاشتراكي ، وإلى حد كبير جماعة الاخوان المسلمين التي كانت تشارك في الاحتفال بذكرى مؤسسي المدرسة الوطنية وتتخذ منهم نماذج تقتدى في تربيتها السياسية لكوادرها .
والخط الثاني انتمت إليه أعداد كثيفة من الأحزاب، حزب الإصلاح على المباديء الدستورية (عام 1907)، حزب النبلاء (1908) الحزب المصري (1908) حزب الأحرار ( 1907 ) الحزب الدستوري ( 1910 ) حزب الوفد (23 نوفبر 1918) ، حزب الأحرار الدستوريين (1922) الهيئة السعدية (1938) الكتلة الوفدية (1942) .
وبالرغم من تعدد الأحزاب والفصائل المنتمية إلى كل خط من خطوط الحركة الوطنية، ظل الفارق بينهما واضحاً، حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952، حول أسلوب التحرر من الاستعمار وما يتبعه من تقرير الأولوية بين هدف الاستقلال .. و هدف الديموقراطية..
ولقد ضرب المحتلون " الخط الوطني " ضربة قاسية على إثر قيام الحرب الأوروبية الأولى 1914، وفرض الحماية على مصر، فنفيت بعض قياداته وهرب بعضهم إلى أوروبا وسجن الباقون إلى أن انتهت الحرب.. وكان زعم الحزب الوطني هارباً من حكم صادر ضده بالحبس .. ومقيماً في أوروبا فأوصى رجال الحزب الباقين في مصر بالانضمام إلى الوفد فانضموا وكان من بينهم " مصطفى النحاس " الذي سيصبح فيما بعد رئيسآ للوفد وخليفة لسعد، ويثبت في مواقف عدة انه خريج مدرسة الحزب الوطني ... ولما أصبح زعماء حزب الأمة حكاماً ، وتوفي زعيم المدرسة الوطنية محمد فريد في ألمانيا شريداً فقيراً ، لم يهتموا حتى

إنتهي الجزء الأول من 7


د. يحي الشاعر
 
"


..." هل كان عبد الناصر ديكتاتورا 2 - "
الحلقة الثانية

بقلم الأستاذ عصمت سيف الدولة
...



بين الثورة والأصلاح


في الجزء الثاني من تحليله .. ونقده
يتعرض الدكتور عصمت سيف الدولة إلي حقائق ... نساهم العديد ....

وتبين السطور التطورات التي حدثت في الطريق .... إلي الأصلاح ...
فقد كان الأصلاح أحد أهداف الثورة وعرضها إلي العديد من النقد .. كما إتسم التطبيق بالعديد من العوامل التي إستدعت وما زالت تستدعي التمعن والتقييم التحليل "الحيادي" ، إذ أن مصر اليوم ، ما زالت تتسم بالعديد من صفات ... مصر الثورة


د. يحي الشاعر


اقتباس:
هل كان عبد الناصر ديكتاتورا 2 - عصمت سيف الدولة
بين الثورة والإصلاح :



ابتداء من الاحتلال، وبعد استبعاد الخونة والعملاء وصنائع المحتلين، انقسمت الحركة الوطنية فى مصر الى اتجاهين . سار كل منهما على خط متميز. ولم يكن يفرق بينهما الرغبة في الاستقلال ، بل أسلوب تحقيق الاستقلال . أحدهما الخط الثورى الذي يرفض الاحتلال وينكر شرعيته ولا يتعامل معه ، ولا يتولى الحكم في ظله ، ولا يفاوضه ، ويلتمس إلى مقاومته كل سبيل ، علني أو سري ، محلي أو دولي، سلمي أو عنيف.. والخط الثاني يقبل الاحتلال كأمر واقع ، ويتعامل معه ويلتمس إلى إنهائه التدرج الإصلاحي في التعليم والتربية والتقدم الإقتصادي ، ثم التفاوض مع المحتلين أنفسهم بقصد إقناعهم أن شعب مصر قد بلغ من التمدين- على الطريقة الأوروبية- ما يجعله مستحقاً للاستقلال مؤهلاً لحماية نفسه.
الخط الأول : كان مشغولاً ، بالدرجة الأولى، بالتعبئة الشعبية لمقاومة المحتلين .
الخط الثاني : كان مشغولاً ، بالدرجة الأولى ، بالتربية الشعبية في ظل الاحتلال .
ولقد تجسد كل من الخطين ، بعد الاحتلال ، في قوى منظمة (أحزاب) .
أما عن الخط الأول، الثوري، فقد عرفنا أنه بدأ قبل الاحتلال في شكل منظمة سرية تحت إسم " الحزب الوطني " فلما ان انهزمت الثورة اختفى الحزب الوطني كمنظمة . وبعد الاحتلال بعشر سنوات ، وعلى وجه التحديد، في عام 1893 دعا لطيف سليم ، أحد ضباط الثورة العرابية بعضاً من رفاقه القدامى وبعضاً من شباب الجيل الجديد، حينئذ، إلى منزله في حلوان ، حيث تشكل الحزب الوطني لأول مرة عام 1879 وأعيد تشكيل المنظمة السرية وباسم " الحزب الوطني " أيضاً . وكان ألمع المؤسسين هو الزعيم الوطني مصطفى كامل فاختير زعيماً للحزب وكان سنه 20 عاماً وكان شعار الحزب " لا مفاوضة إلا بعد الجلاء " .
ولقد استطاع الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل أن يوقظ الشعب ويعبئه ضد الاحتلال وأن يصدر ثلاث صحف يومية ، بالعربية ( اللواء عام 1900 وبالإنجليزية ( ذي اجيبشيان ستاندرد عام 1907) وبالفرنسية ( ليندرا اجيبشيان عام 1907) ، قبل أن يصبح حزباً علنياً ذلك لأنه لم يؤسس علنياً إلا عام 1907، وكان ذلك لمواجهة الخط الوطني الإصلاحي .
كانت في مصر شركة تجارية مساهمة تصدر صحيفة بإسم الجريدة تأسست في أغسطس 1906 من " الأثرياء وذوي المراكز العليا في البلاد " كما قال مؤسسوها . وفي 20 سبتمبر 1907 قررت الجمعية العمومية للشركة تحويل الشركة إلى حزب بإسم " حزب الأمة " . جاء في برنامجه :
(1) تأييداً لسلطة الخديوية فيما تضمنتها الفرامانات من استقلال مصر الإداري .
(2) الاعتماد على الوعود والتصريحات التي أعلنتها بريطانيا العظمى عند احتلال القطر المصري ومطالبتها بتحقيقها والوفاء بها .
(3) المطالبة بمجلس نيابي مصري يكون تام السلطة فيما يتعلق بالمصريين والمصالح المصرية.
من هذا البرنامج يتضح ما عرف في تاريخ الحركة الوطنية في مصر " بخط حزب الأمة " أو " مدرسة حزب الأمة ".. تقديم مطلب الدستور والحكم النيابي ( الديموقراطية) على مطلب الإستقلال . حينئذ تخوف الزعيم مصطفى كامل من أن يؤدي إستمرار غياب الكيان التنظيمي العلني " للحزب الوطني " إلى أن ينجح حزب الأمة والأحزاب الجديدة ذات الكيانات التنظيمية ( كان الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد قد أعلن نيته في تأليف حزب الإصلاح الذي ينتمي إلى مدرسة حزب الأمة أيضاً ).. في استقطاب أنصار الحزب الوطني فأجتمع 1019 واعتذر 846 ، وانعقدت الجمعية التأسيسية يوم 27 ديسمبر 1907 وأعلن برنامجه :
(1) إستقلال مصر مع سودانها وملحقاتها استقلالاً تاماً غير مشوب بأية حماية أو وصاية أو سيادة أجنبية أو أي قيد يقيد هذا الاستقلال .
(2) إيجاد حكومة دستورية في البلاد حيث تكون السيادة للأمة وتكون الهيئة الحاكمة مسئولة أمام مجلس نيابى تام السلطة... الخ .
وهكذا تميز الخطان ، الثوري والإصلاحي، في تنظيمين لم يلبثا أن أصبحا مدرستين أو تيارين قاد الأول مصطفى كامل ثم من بعده محمد فريد ثم من بعده انتمى الى مدرسته من المعاصرين لثورة 23 يوليو 1952 ، الحزب الوطني ، الحزب الوطني الجديد ، الحزب الاشتراكي ، وإلى حد كبير جماعة الاخوان المسلمين التي كانت تشارك في الاحتفال بذكرى مؤسسي المدرسة الوطنية وتتخذ منهم نماذج تقتدى في تربيتها السياسية لكوادرها .
والخط الثاني انتمت إليه أعداد كثيفة من الأحزاب، حزب الإصلاح على المباديء الدستورية (عام 1907)، حزب النبلاء (1908) الحزب المصري (1908) حزب الأحرار ( 1907 ) الحزب الدستوري ( 1910 ) حزب الوفد (23 نوفبر 1918) ، حزب الأحرار الدستوريين (1922) الهيئة السعدية (1938) الكتلة الوفدية (1942) .
وبالرغم من تعدد الأحزاب والفصائل المنتمية إلى كل خط من خطوط الحركة الوطنية، ظل الفارق بينهما واضحاً، حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952، حول أسلوب التحرر من الاستعمار وما يتبعه من تقرير الأولوية بين هدف الاستقلال .. و هدف الديموقراطية..
ولقد ضرب المحتلون " الخط الوطني " ضربة قاسية على إثر قيام الحرب الأوروبية الأولى 1914، وفرض الحماية على مصر، فنفيت بعض قياداته وهرب بعضهم إلى أوروبا وسجن الباقون إلى أن انتهت الحرب.. وكان زعم الحزب الوطني هارباً من حكم صادر ضده بالحبس .. ومقيماً في أوروبا فأوصى رجال الحزب الباقين في مصر بالانضمام إلى الوفد فانضموا وكان من بينهم " مصطفى النحاس " الذي سيصبح فيما بعد رئيسآ للوفد وخليفة لسعد، ويثبت في مواقف عدة انه خريج مدرسة الحزب الوطني ... ولما أصبح زعماء حزب الأمة حكاماً ، وتوفي زعيم المدرسة الوطنية محمد فريد في ألمانيا شريداً فقيراً ، لم يهتموا حتى بإحضار جثمانه فأحضره أحد تجار طنطا على حسابه ..
وفي 23 يوليو 1952 قامت الثورة بقيادة عبد الناصر. والسؤال الآن هو : إلى أي الخطين كان ينتمي جمال عبد الناصر قائد الثورة ..؟؟
إن أغلب الذين أرخوا لثورة 23 يوليو 1952 وقاثدها ، خدعوا في الترتيب الزمني فاعتبروا أن ثورة 23 يوليو 1952، إذ جاءت بعد قيادة حزب الوفد للحركة الوطنية ، تكون خليفة في خطه لتكمل مسيرته.. وهو خطأ فظيع حال دون هؤلاء المؤرخين وبين تفسير أو فهم موقف الثورة بعد نجاحها من الوفد ومدرسته حول قضية " الديموقراطية "..
نحن نقطع بيقين . أن ثورة 23 يوليو 1952، تنتمي إلى الخط الوطني الثوري وان عبد الناصر كان القائد الرابع لهذا الخط بعد عرابي - مصطفى كامل - محمد فريد . ولنا على هذا خمسة أدلة قاطعة :
أولاً : ان التنظيم الثوري السري ، الذي كان موجوداً ونشيطاً منذ 1907 كامتداد- تحت الأرض- للحزب الوطني العلني هو الذي بدأ تشكيل الضباط الأحرار . ان هذه قصة طويلة وممتدة من تاريخ الحركة الوطنية في مصر وتاريخ ثورة 23 يوليو .. قد نكتبها في يوم من الأيام .. بعد أن يستنفد كل الراغبين في نسبة حركة الضباط الأحرار إليهم أشواقهم إلى القفز في مركبة التاريخ . يكفي الآن أن أقول ان مؤسس تنظيم الضباط الأحرار هو " عبد العزيز علي " (أطال الله بقاءه) الذي كان يقود التنظيم الثوري السري في الحركة الوطنية . وان أول ضابط حمل هذا الإسم وأقسم اليمين أمام عبد العزيز على هو " وجيه أباظة " من سلاح الطيران .. وانه بانضمام جمال عبد الناصر إلى التنظيم أدرك عبد العزيز علي ، الذي كان عبد الناصر يعتبره بمثابة والده الروحي ، ان تنظيم الضباط الأحرار قد وجد قيادته القادرة . فاكتفى بأن يكون أبا روحياً ومستشاراً للضباط الأحرار ولعبد الناصر..
ان الذين لا يعرفون أسرار الحركة الوطنية، ولا أسرار الضباط الأحرار، قد أصابتهم دهشة بالغة حين رأوا عبد الناصريختار موظفاً صغيراً في القسم المالي بمحافظة القاهرة ليكون وزيراً في أول وزارة للثورة . رجل لعب أخطر الأدوار في النضال الثوري في مصر ابتداء من 1910، أراد أحد تلاميذه أن يكرمه فأظهره من " تحت الأرض " وأولاه الوزارة . كان ذلك هو وزير الشئون البلدية في وزارة عبد الناصر الأولى : عبد العزيزعلي .
ثانياً : بعد أن ألغى رئيس الوفد مصطفى النحاس ( خريج مدرسة الحزب الوطني) معاهدة 1936 يوم الإثنين 8 أكتوبر 1951 وبدأ الكفاح الشعبي المسلح ضد الاحتلال في منطقة ومحافظة الشرقية، تألفت، وتحت مظلة المد الشعبي الذي اندفعت إلى المشاركة فيه كل القوى الحزبية، قوة مقاتلة مشتركة من كوادر الحزب الوطني والضباط الأحرار.. قدم الحزب المتطوعين وتولى الضباط الأحرار التدريب في داخل معسكرات الجيش نفسه. وتحمل الحزب ( شباب الحزب من وراء ظهر شيوخه) مسئولية القيادة السياسية وتولى الضباط الأحرار مسئولية القيادة العسكرية. وكان القائد العسكري هو- مرة أخرى- وجيه أباظة.. أما القائد السياسي فلا مبرر لذكر اسمه .. وكان حلقة الاتصال هو الضابط عبد المجيد فريد الذي أصبح فيما بعد سكرتيراً لرئاسة الجمهورية طوال عهد عبد الناصر .. وقد انتهت الحركة بحريق القاهرة يوم السبت 26 يناير 1952.. وكانت كتيبة " مصطفى كامل " آخر من غادر قطاع نشاطها ( في محافظة الشرقية) يوم 30 يناير 1952…
ثالثاً : لهذا لم يكن غريباً أبداً ، وإن كان قد استغربه وما زال يستغربه الكثيرون من أصحاب " المذكرات الشخصية " أن أول وزارة ألفتها الثورة بعد انتصارها عام 1952 كانت مناصفة تقريباً بين الضباط الأحرار والحزب الوطني . خمسه من الضباط الأحرار على رأسهم جمال عبد الناصر وخمسة من رجال الحزب الوطني على رأسهم سليمان حافظ .. ليس غريباً لأن وراءه تجربة مشتركة وانتماء موحداً إلى مدرسة وطنية أو خط وطني واحد ..
رابعاً : وهو- في رأينا- دليل على أكبر قدر من الأهمية : الاتجاه الشعبي . لقد كانت مدرسة الحزب الوطني ترفض الاحتلال، ولا تقبل المشاركة في الحكم في ظله وترفض التفاوض معه، كما عرفنا، فلم يكن لها مصدر قوة من السلطة أو التشريع . فاتجهت من البداية إلى الشعب تطرح عليه أفكارها وتستمد منه قوتها.. ولقد استطاع مصطفى كامل في حياته أن يستقطب إلى الخط الوطني الأغلبية الساحقة من الشعب . ثم من بعده جاء محمد فريد (1908) فاتجه بعد التعبئة إلى التنظيم . الجامعة المصرية مشروع من مشروعاته ، نادي المدرسة العليا (مقارب لاتحاد الطلاب) مشروع من مشروعاته.
المدارس الليلية فتحها الحزب في كل الأحياء الشعبية وكان قادته يلقون فيها بجوار دروس محو الأمية.. الدروس السياسية.. " التعاونيات الزراعية " انشأها الحزب للفلاحين .. ثم نقابات العمال ..
يقول أستاذ الاقتصاد الإنجليزي فريزر عن تاريخ الحركة النقابية في العالم أنه منذ أن وجدت أول نقابة عمالية في التاريخ ( في نيوزيلاندة) كان تطور الحركة النقابية يبدأ من النقابة، ثم باللجان الانتخابية لمساعدة بعض العمال على الوصول الى البرلمان ، ثم ينتهي إلى حزب سياسي تابع للحركة النقابية ومعبر عنها في الوقت ذاته .. الا- هكذا يقول فريزر- استثناء واحد حدث في مصر سبق الحزب فيه النقابة، إذ أن الحزب الوطني الذي أنشأ نقابات العمال ضمن اهتمامه بالحركة الشعبية وتنظيمها...
هذا الاهتمام ، أو لنقل الانتباه ، الى القواعد الشعبية من عمال و فلاحين وطلبة وغيرهم .. الذي كان مميزاً تقليدياً لمدرسة الحزب الوطني ، كبديل عن ممارسة السلطة التي انتبهت إليها مدرسة حزب الأمة، سنجده - بعد غيبة بدأت عام 1914- يبرز مرة أخرى في موقف ثورة 23 يوليو وانتباه عبد الناصر، فنعرف منه، ربما أكثر من أي شيء آخر، إلى أي خط وطني تنتمي ثورة 1952 وقائدها .
خامساً وأخيراً : فإن عبد الناصر نفسه يفصح عن انتمائه حين يقيّم الأحزاب خلال الحوار الذي دار يوم 19 مارس عام 1963 بمناسبة مباحثات الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسوريا فيقول : " كل الأحزاب عندنا كانت أحزاب رجعية وتعاونت مع الاستعمار ما عدا الحزب الوطني .. ثانياً : الحزب الوطني كانت قواعده قليلة .. أما بقية الأحزاب كلها فإما أحزاب إقطاعية أو أحزاب رجعية ".



عودة إلى المشكلة :
هذا التعليق الأخير الذي قاله عبد الناصر يعود بنا إلى مشكلة الديموقراطية بعد أن يلقي عليها ضوءاً قوياً . في عام 1952 كان الخط الثوري الوطني قد أصبحت " قواعده قليلة " بعد ضرب " تنظيمه العلني عام 1914، وبقيادة سعد زغلول ( أحد أركان مدرسة حزب الأمة) ثورة الشعب عام 1919 التي أنهاها هو " نفسه بعد صدور الدستور ليتولى الحكم ، ومن مدرسة حزب الأمة خرجت أحزاب كثيرة كلها " رجعية وتعاونت مع الاستعمار " . وضد هذه المدرسة السائدة قام فصيل من فصائل المدرسة الوطنية الثورية ، تشكل تحت اسم الضباط الأحرار فقاد ثورة 1952، واستولى على السلطة، ليعيد الأولويات طبقاً لمنطق مدرسته : التحرر والديموقراطية أو الديموقراطية في إطار متطلبات التحرر. ثم يعود إلى تقاليد مدرسته التي أرساها محمد فريد فينتبه إلى أن مشكلة الديموقراطية، وحل مشكلة الديموقراطية، كليهما كامنان في القاعدة الشعبية..
وسنعرف على ضوء هذا كيف نفسر، ونبرر، ونفهم، وننقد أيضاً ، كثيراً من المواقف التي اتخذتها ثورة 23 يوليو 1952، وعبد الناصر شخصياً ، من مشكلة الديموقراطية في مصر. تلك المواقف التي ما كنا لنفهمها لولا معرفتنا " الخلفية السياسية " أو " الخط السياسي " الذي تنتمي إليه الثورة وقائدها، والذي ما يزال مجهولاً ، من هواة " الكتابة " على جدار المعبد ... أو هواة التقدم إلى الخلف ...


الأمبراطورية الأخرى :
ولكنا نعرف من الآن أن مشكلة الديموقراطية كانت ثائرة وحاضرة في ساحة الصراع السياسي في مصر. واننا إذا كنا قد قلنا ان الشعب بعد عام 1926 خاصة، قد تراجع عن النشاط الديموقراطي إلى أن أصبح راكداً ، فلأن الديموقراطية ومشكلاتها وحلولها قد أصبحت في مصر من صلاحيات الحلف الإقطاعي الرأسمالي ومثقفيه وصحافته وأبعد الشعب عمداً ، عن ممارسة حقوقه السياسية، وجرد، عمداً ، من إمكانيات المقاومة ولعب القهر الاقتصادي الدور الأساسي في الأبعاد والتجريد ...
في هذه الحدود لا أحد ينكر المواقف البطولية لحزب الوفد ضد الملك حفاظاً على الدستور ولا المعارك التي خاضها المثقفون من الطلبة ضد أحزاب الأقلية ، وكلها مواقف ومعارك من أجل الديموقراطية. ولكن، كما سألنا من قبل أية ديموقراطية؟.. انها ديموقراطية السادة في القمة.. وفي غيبة الشعب.
ومع ذلك، كما يحدث دائماً ، لم تخل معارك السادة من التفاتة إلى الشعب ، ولا ينكر أحد ما كان يفيده الشعب، فعلاً، من فترات حكم الوفد . كما لا ينكر أحد أن تلك الأحزاب - وخاصة الوفد- كان قد بدأ- قبل عام 1952 - يفرز جيلأ جديداً يحاول أن يشرك الشعب في قضية الديموقراطية باعتباره صاحبها الأصيل...
ومن المؤشرات المبكرة لهذا الذي لا ننكره ، أن يوسف الجندي ، الذي عرفناه أمبراطوراً لمدينة " زفتي " الثائرة يقود قوات الفلاحين ، قد أصبح نائباً عن مدينته في أول برلمان عام 1924، وعضواً في حزب الوفد الذي يرأسه سعد زغلول زعيم الحزب ورئيس الحكومة . وقد استهل سعد زغلول وحزبه عهده بمحاولة تعديل قانون الانتخاب على وجه ينتقص من حق الفلاحين الأميين فانبرى يوسف الجندي يعارض زعيمه وحزبه وكان من بين ما قاله : " ان الحكومة تكلف الشخص - سواء كان أمياً أو غير أمي - اداء الخدمة العسكرية فيتقلد سلاحه ويدافع عن بلاده مهاجماً ومدافعاً . فالحكومة تعرض أبناءها قبل بلوغ العشرين سنة لرصاص الأعداء والآن يراد ألا يكون لهم رأي في شئون بلادهم قبل سن الرابعة والعشرين ... الخ (23 يوليو 1924).
ثائر ديموقراطي .. نعم ، في حزب لاثوري ولا ديموقراطي .. نعم أيضاً .
كانت في مصر إذن حركة وطنية ديموقراطية قبل 1952 ولكنها تدور في إطار مدرسة إصلاحية وتقودها أحزاب الإقطاع والرأسماليين . وضد هذا الإطار وتلك المدرسة بالذات وضد قياداتها قامت ثورة 1952 تحت قيادة عبد الناصر.
فلم تنبثق الثورة من فراغ ، ولم يكن قائدها معجزة، بل كانت وكان الرد الطبيعي على ما كان سائداً قبلها.. وكان انتصار جمال عبد الناصر عام 1952 هو انتصار عرابي ومصطفى كامل ومحمد فريد وخطهم الثوري بعد سبعين عاماً من الكفاح الوطني .
حتى لاننسى:
ثورة 23 يوليو 1952، وعبد الناصر ينتميان إلى الخط الوطني الثوري ، الذي يتميز أساساً عن الخط الوطني الإصلاحي، بأنه يعطي مشكلة التحرر أولوية على مشكلة الديموقراطية وحين يتصدى لحل مشكلة الديموقراطية يعطي الأولوية لجانبها الشعبي.
لو نسينا هذه المقولة البسيطة لن نفهم شيئاً من الحديث عن " عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر "... ذلك لأن مشكلة التحرر الوطني- بالذات- كانت ذات أثر بالغ على فهم عبد الناصر ومواقفه من مشكلة الديموقراطية في مصر، كما أن أولوية الجانب الشعبي كانت ذات أثر بالغ على فهم عبد الناصر ومواقفه من حل مشكلة الديموقراطية في مصر...
فأرجو ألا ننسى .


(4) القيود.. و الحدود


من البداية الى النهاية:
خطونا، حتى الان ، ثلاث خطوات على الطريق للالتقاء بالرئيس جمال عبد الناصر في مواجهة مشكلة الديموقراطية في مصر. كانت الخطوة الاولى تعريفا بالزاوية التي ننظر منها الى هذه المواجهة، وكانت الخطوة الثانية تعريفا بمشكلة الديموقراطية في مصر قبل ان تواجه عبد الناصر، وكانت الخطوة الثالثة تعريفاً بعبد الناصر قبل ان يواجه مشكلة الديموقراطية في مصر... وكانت كلها خطوات محدودة بموضوع الحديث وحدوده .
فكان المفروض او المتوقع ان تكون الخطوة الحالية خطوة نبتعد بها عن الموضوع لنترك عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية يحكيان لنا قصتهما بدون التدخل منا . ولنتابع جولات الصراع المرير بين قائد ثورة ومشكلة شعب الذي استمر ثمانية عشر عاماً .
ولكنا قد تبينا ان ذلك قد بدأ واستمر وانتهى تثقل حركته مجموعة من القيود، وتتحكم في مداه مجموعة من الحدود . وهي قيود ورثها عبد الناصر ولكنه لم يستطع أبدا ان يحرر الحركة الديموقراطية في مصر منها، وما تزال حتى هذه اللحظة تثقل حركة التطور الديموقراطي ، فهي عنصر ثابت في عهد عبد الناصر- من عناصر مشكلة الديموقراطية في مصر . اما عن الحدود فهي معطيات موضوعية نشأت مع ثورة 23 يوليو وتحكمت ، طوال حياة عبد الناصر، في نظام الممارسة الديموقراطية وأسلوبها. او انها - على وجه- قد حددت مضمون مشكلة الديموقراطية في مصر- وبالتالي- حددت نوعية حلها، فهي أيضا عنصر ثابت من عناصر مشكلة الديموقراطية في مصر في عهد عبد الناصر.
فرأينا، بدلا ان نشير اليها في كل خطوة نخطوها، او نعود اليها في كل خطوة لبيان ثقلها وما تفرضه على الحركة الديموقراطية من حدود لا تستطيع ان تتجاوزها ، ان نخصص لها هذا الجزء من الحديث، حى اذا ما بدأنا- فيما بعد- نراقب من بعد قريب جولات الصراع المثير بين قائد الثورة ومشكلة الشعب نكون واعين بان الصراع لم يكن " مصارعة حرة " بل كان يدور مثقلا بقيود لم يستطع أن يتحرر منها، في مجال محدود، لم يستطع ان يتجاوزه . وسنعرف من تطور الصراع ذاته من المسئول عن القيود والحدود...
نبدأ بالقيود


نحن خديوي مصر:
قلنا من قبل ان دستور 1923 كانت فيه بعض الاحكاء الاستبدادية ولكنه لم يكن يحول دون الشعب وممارسته الديوقراطية، بل لم يكن يحول دون الغاء الاحكام الدستورية التي كانت تحمي امتيازات الملكية. وانه اذا كنا قد قلنا انه دستور ليبرالي فلا يمكن لاحد ان يتهم الليبرالية بالتقصير في سرد الحريات " الطبيعية " ورصها في الدساتير لان الليبرالية ضد التدخل في حياة الافراد من حيث المبدأ.
قصرنا حديثنا على الدستور ولم نتناول القوانين واللوائح والقرارات الاستبدادية لاننا كنا نريد ان نركز على الاساس في النظام . لنتبين بأكبر قدر من الوضوح انه، بصرف النظر عن الحكام ونواياهم وقوانينهم، أي حتى لو صدق الدستور الليبرالي فيما وعد من حريات سياسية فان القهر الاقتصادي سيسلب هذه الحريات اذ يحرم أصحابها من المقدرة الفعلية على ممارستها.
لم يكن كل ذلك يعني ان الليبراليين لا يتدخلون عن طريق القوانين لشل حركة الشعب حين يستشعرون ان الشعب او قطاعا منه قد تحرك، او ممكن ان يتحرك، للمساس بسيادتهم، ابدا. ان الليبراليين لا يترددون لحظة واحدة في تقنين سيطرتهم الاقتصادية ولو اقتضى الامر مخالفة مبادئهم الليبرالية. وقد يصل بهم الامر الى الديكتاتورية كما هو الحال في الفاشية. فليست الفاشية الا ذلك النظام الاستبدادي الذي يقيمه الرأسماليون لحماية سيطرتهم الاقتصادية بقوة الدولة البوليسية حين يستشعررن ان ذلك هو البديل الوحيد عن ثورة شعبية متوقعة.
على أي حال فان سادة مصر قبل عام 1952 لم يتركوا فرصة للمخاطرة بمصالحهم، واتخذوا من سيطرتهم على الحكم وسيلة للتحوط ضد مخاطر أية حركة شعبية. نختار أمثلة لها بضعة قوانين " ارهابية وبربرية ".. ارهابية لأنها موجهة ضد الشعوب وبربرية لأنها مخالفة لمبادئ التشريع المعترف بها في العالم . ثم اننا قد اخترناها لأنها ، منذ أن بدأ اصدارها " خديوي مصر " ما تزال سارية حتى الان .


الجريمة.. الملحوظة :
في كل بلاد العالم المتمدين لا يعاقب القانون على النوايا اطلاقاً . ولا يعاقب على الاعمال التحضيرية لارتكاب الجرائم إذا وقف الامر عند الاعمال التحضيرية أي اذا عدل صاحب المشروع الاجرامي عن اكماله. هل سمع أحد عن رجل حوكم لأن امرأته دخلت عليه فوجدته يشحذ سكينا ، قالت مابالك ، قال اني أحضرها لذبح فلان لذات السبب الذي تعرفينه فقالت له : يا رجل دعه لله فانه المنتقم الجبار، فقال: صدقت والله.. وألقى سكينه؟.. تلك أعمال تحضيرية لجريمة قتل عمد لا عقاب عليها لأن صاحبها قد عدل عن مشروعه .
ان القانون في كل بلاد العالم المتمدين لا يعاقب على الاتفاق والمساعدة او التحريض على أية جريمة الا اذا ادى هدا الاتفاق أو المساعدة او التحريض الى وقوع الجريمة فعلا . وهل سمع احد عن محاكمة وسجن أسرة لأن امرأة قالت لزوجها لا بد ان تقتل فلانا للسبب الذي تعرفه . فجمع أولاده واتفقوا على ان يقتلوه ولما افتقدوا السلاح قال خالهم اليكم سلاحي وأنجزوا ما وعدتم به امكم فبعثوا بواحد منهم يترصد الذي أرادوا قتله فقيل لهم انه غادر البلاد... او مات؟... ذلك تحريض واتفاق ومساعدة على جريمة قتل عمد لا عقاب عليه لأن الجريمة لم تتم .
هذا في كل بلاد العالم المتمدين . اذ ما دام الافراد لم يبدأوا فعلا تنفيذ الفعل الممنوع فان فرض عقوبة لا يكون مقصودا به حماية المجتمع ولكن محاسبتهم على نواياهم وأقوالهم أي - باختصار- ارهابهم . ولم تزل الشريعة الاسلامية أكثر مدنية من كل الشرائع فلا عقاب فيها الا على ما وقع من فعل وتركت لما قبل ذلك باب الرجوع عن الخطأ مفتوحا تشجيعاً على التوبة . حتى الكفر لا عقاب عليه ما دام كامنا في ضمير صاحبه .. الى ان يلتقي بالمطلع على السرائر. ولقد كان قانون العقوبات في مصر يحترم هذه المبادئ حى عام 1910.
كان رئيس مجلس النظار (رئيس الوزراء) في ذلك الوقت واحدا من الذين يحفظ لهم التاريخ خياناتهم لمصر ( بطرس غالي) . فأراد ان يمد امتياز قناة السويس فوثب عليه بعض الشباب الوطني وقتله. فاتهمت النيابة تسعة من الشباب. أولهم ( ابراهم الورداني) بتهمة القتل العمد ، و الباقين بتهمة الاشتراك في الجريمة. وتبين من المحاكمة أن الشباب جميعاً أعضاء في جمعية وطنية سرية. تجمعهم مبادىء واحدة ولكنهم لم يشاركوا في مقتل بطرس غالي . فصدر الحكم باعدام القاتل ، ولم يعاقب الآخرون .
فاستصدرت الحكومة من خديوي مصر القانون رقم 28 لسنة 1910 باضافة المادة 47 مكرر الى قانون العقوبات لتفرض العقاب على مجرد اتفاق شخصين او أكثر على أي شيئ اذا كان ارتكاب الجنايات او الجنح من الوسائل التي " لوحظت " في الوصول اليه .
" لوحظت " مبنية للمجهول دون تحديد من الذي " لاحظ " ودون ان يكون المتفقون قد أدخلوها صراحة في اتفاقهم، ودون ان تكون قد أدت فعلا الى ارتكاب أية جريمة.
كان ذلك هو اول سيف أصلت على رقاب الناس في مصر لمنع أي نشاط سياسي شعبي حتى لو اقتصر على ثلاثة ، حى لو توقف عند التفكير معا، حتى لو كانت غايتهم مشروعة ما دام ما فكروا فيه واتفقوا عليه قد " لوحظ " ان الوصول اليه قد يؤدي الى ارتكاب جنحة ( توزيع منشورات مثلا) ، وحتى لو لم يفعلوا الا مجرد الكلام ، ثم " يعفى من العقوبة " كل من بادر منهم باخبار الحكومة بوجود اتفاق . وبهذه الفقرة بدا التخريب الاخلاقي وتشجيع الناس على الخيانة والغدر والتجسس على غيرهم مقابل مكافأتهم باعفائهم من العقوبة. وبها بدأ تدريب الناس على عدم ثقة بعضهم ببعض .
ومنذ عام 1910 كانت هذه المادة هراوة ترهب كل الجماعات والجمعيات والاحزاب والتحركات التي تفكر مجرد تفكير في مقاومة الاستبداد . وتفسد الضمائر وتعلم الناس الحذر من مجرد الحوار خوفا من ان يؤدي الحوار الى اتفاق . وتشكك الناس في أقرب الناس اليهم خوفا من التبليغ عما يتحاورون فيه او يتفقون عليه حتى في جلساتهم العائلية الخاصة .


سبب آخر لتحديد النسل:
هذا قانون آخر أصدره خديوي مصر في 18 اكتوبر 1914 برقم 10 وما يزال ساريا حى الان . وهو يسد ثغرة في قانون 1910 . اذ ماذا يحدث لو ان بعض المصريين قد اجتمعوا لمراقبة حدث او بمناسبة حدث اجتماعا تلقائيا بدون اتفاق سابق او لاحق وبدون ان يكون وراءهم او امامهم من نظمهم او ينظمهم؟ وماذا يحدث لو ان معتوها او مجنونا أو صبيا صغيرا قد ارتكب في هذا الاجتماع او التجمع جريمة ما؟.. يقول القانون انه اذا زاد عدد المجتمعين عن خمسة فهو" تجمهر" ويفرض العقاب على المتجمهرين اذا أمرهم رجال السلطة بالتفرق فلم يفعلوا .، او اذا كان غرضهم " التأثير " على السلطة في أعمالها. اما اذا وقعت جريمة بقصد تنفيذ الغرض من التجمهر فان جميع الذين حضروا التجمهر يعتبرون مسئولين عن الجريمة حتى لو لم يعرف فاعلها او ثبت ان الاخرين لا يعرفونه، حتى لو كانوا يعرفونه ولكنهم لم يتوقعوا الجريمة ولم يوافقوا عليها.
وهكذا كان على الناس منذ الخديوي ان يحذروا ان يزيد عدد المجتمعين منهم على خمسة حتى لا يكونوا تجمهرا.. فان وافاهم مصادقة صديق سادس فعليهم ان ينفضوا . وكان على العقلاء او الحريصين منهم على سلامتهم أن يسارعوا بالاختفاء في أقرب مكان اذا لاحظوا- ولو على بعد- لفيفا من المتجمهرين يقفءلى طريقهم . وكان عليهم ان يدخلوا السجن اذا عنّ لواحد او مدسوس في تجمهر ان يرتكب جنحة ( توزيع منشور مثلا) فانهم جميعا سيكونون مسئولين عنه، من رأى مثل من لم ير.
ولما كان " الخمسة " اقل من متوسط عدد افراد الاسرة في مصر، وكان من عادة الاسر في مصر أن يخرجوا معا في ليالي الصيف لينعموا بالاجتماع على ضفاف النيل ، فقد يكون على الاسر المصرية ان تحدد نسلها فلا تتجاوز الاسرة خمسة والا كان من حق أي شرطي ان يعتبرهم تجمهرا ويأمرهم ان ينفضوا..


ضيوف بحكم القانون:
وماذا يحدث لو ان بعض المصريين قد رأوا الا يتركوا الامر للمصادفات فأرادوا ان يجتمعوا اجتماعا منظما. هذا من حقهم . ذلك لان القانون رقم 14 لسنة 1923 (30 مايو 1923 ) يقول في مادته الاولى : " الاجتماعات العامة حرة على الوجه المقرر في القانون ". أما الوجه المقرر في القانون فهو :
بالنسبة الى الاجتماعات العامة فانها تعتبر " عامة " اذا كانت في مكان عام او محل عام او " خاص " يدخله او يستطيع ان يدخله أشخاص ليس بايديهم دعوات شخصية فردية . او - وهذا هو بيت القصيد- اذا رأى المحافظ او المدير او سلطة البوليس ، بسبب " موضوعه " او عدد الدعوات او طريقة توزيعها او " بسبب أي ظرف آخر " انه اجتماع عام . اي ان مناط اعتبار الاجتماع عاما او خاصا هو في النهاية ما تراه السلطة حتى ولو كان اجتماعا بين أصدقاء في شقة مغلقة ما دام موضوعه عاما (سياسيا بالدرجة الاولى) .
مثل هذا الاجتماع الحر " يتعين إخطار السلطة به قبل موعده بثلاثة أيام وان يشمل الاخطار موضوعه والغرض منه وان تشكل لجنة مسئولة عنه وان يوقع الاخطار خمسة من المواطنين " المعروفين بحسن السمعة " ( كذا..) و للشرطة حق حضوره ، واختيار المكان الذي يستقر فيه رجالها وان تفضه ولو بالقوة " اذا القيت في الاجتماع خطب او حدث صياح او أنشدت أناشيد مما يتضمن الدعوة الى الفتنة " .. " او " خرج الاجتماع عن الصفة المعينة له في الاخطار " كما للشرطة ان تمنع هذا الاجتماع من البداية اذا رأت ان من شأنه ان يترتب عليه اضطراب في النظام .. والامر متروك لتقديرها .


قوانين تحت الطلب:
أما بالنسبة الى المظاهرات.. فانها- بالرغم من انها منظمة - تخضع لاحكام التجمهر فيكون كل من يشترك فيها مسئولاً عن كل ما يقع من أي فرد اشترك فيها . ولكن- لانها منظمة - فيجب ان يتم اخطار الشرطة عن خط سيرها وللشرطة ان تختار لها خط سير آخر ، ولها بداهة ان تمنعها من البداية وان تفضها في اي وقت ولو من اجل " تأمين المرور في الطرق والميادين " هكذا يقول القانون .
هذه القوانين التي تحرم اتفاق الناس ، وتحرضهم على الغدر ، وتمنعهم من التجمهر أو الاجتماع وتأخذ البريء منهم بذنب المذنب ، وتفرض على الناس مسئولية جماعية بصرف النظر عن نواياهم أو مواقفهم ، تبدو في غاية السخف الذي يجردها من امكانية التطبيق الجاد . هو كذلك انها لا تطيق " عادة " .. مثلها مثل عشرات الجرائم المستعارة من قوانين لا تمت الى مجتمعاتنا بصلة ( زحم الطريق العام - غسل عربة في الطريق - ترك الحيوانات تركض - الاصوات المرتفعة في الليل - العويل في الجنازات - القاء مياه في الطريق - قطع الخضرة في الحدائق - المشاجرات الخفيفة … الخ .
ولكنها ما تزال قائمة وسارية منذ ان أصدرها الخديوي فهي قوانين " تحت الطلب " تطبق حين يراد لها ان تطبق وتتجاهلها السلطة حين ترى تجاهلها . ومحصلة كل هذا عمليا ان الامكانية الفعلية للاتفاق او الاجتماع او التظاهر متوقفة على ارادة السلطة .. فان وقع ما لا تريده فان لديها كل ما تحتاج اليه من القوانين الرادعة . ويعلم الناس هذا فيهمهم - قبل أي شيئ آخر- ان يعرفوا ما اذا كانت السلطة تريد لهم التجمهر او الاتفاق او الاجتماع او التظاهر أم لا .


القيد الحديدي :
اذا كانت تلك قيود واهنة فان ثمة قيدا فرض يوم 25 أغسطس 1939 وما يزال قائما حتى الان . كان اسمه قانون الاحكام العسكرية يوم ان صدر لاول مرة بمناسبة دخول " الحلفاء " الحرب . ثم أصبح اسمه قانون الطوارئ حتى عام 1972 فادخلت عليه تعديلات ضمن قانون " حماية حريات المواطنين"...
ولقد سبق أن أشرنا الى السلطات التي تمنحها حالة الطوارئ للحكومة . يكفي ان نجمل القول هنا فنقول انه في ظل قانون الطوارئ منذ 1939 تصبح للحكومة سلطة مطلقة لا حدود لها من دستور او قانون ولا مجال فيها لأي نوع من الحريات السياسية او المدنية. ولا رقابة عليها من أية هيئة قضائية.


رؤوس الذئاب الطائرة:
كانت تلك هي القيود الحديدية والواهنة. ولقد بلغ من قسوة الاولى وسخافة الثانية انها لم تستعمل الا قليلا، وحين تريد السلطة . ولكن حياتها الطويلة منذ أوائل هذا القرن حولها الى قيود وحدود للحياة العادية للبشر. وأدت تلك المعايشة الطويلة الى آثار لا يستطيع ان يتجاهلها الا الواهمون . وان آثارها لأكثر خطورة ، بالنسبة لمشكلة الديموقراطية ، من عقوباتها . هذه الاثار هي تدريب الناس على معايشتها وتحولها، وهي صامتة في نصوص القوانين ، الى ضوابط لافكار الناس وسلوكهم . استطاعت تلك القيود الى حد كبير ان تعود الناس " ضيق " الحركة حتى بدون ان تكبل أرجلهم . ولم يعتادوا ذلك بدون مبرر، بل ان رؤوس الذئاب الطائرة كثيرة علمتهم - منذ الخديوي عباس الثاني- الا يراهنوا بسلامتهم على قانون نائم مادام القانون يستطيع ان يجد في أي لحظة، من يوقظه.


والحدود :
أما الحدود فقد ولدت مع ثورة 23 يوليو عام 1952.
لقد قامت الثورة ومصر محتلة عسكريا منذ سبعين عاما. وجاءت هي ذاتها حلقة من حلقات النضال الوطني من أجل انهاء ، الاحتلال الانجليزي . وكان اول أهدافها المعلنة : " القضاء على الاستعمار وأعوانه ".. وكان عبد الناصر القائد الرابع للخط الثوري التحرري الذي بدأ بأحمد عرابي ثم مصطفى كامل ثم محمد فريد...
ولقد أصرت الثورة على هدف التحرر الوطني منذ مولدها وفي كل مراحلها ولم تنخدع - كغيرها- حين غير الاستعمار شكله فتحول من الاحتلال العسكري الى التبعية . وتعرضت الثورة في سبيل التحرر الوطني لكل أنواع الاعتداء الخارجي والتآمر الداخلي . وخاضت معاركه على ساحته داخل مصر وخارجها. والتحمت بأعدائها في كل أرض وبكل وسيلة وعلى كافة المستويات. وانتصرت مرارا وانهزمت مرارا. ولكنها لم تتخاذل . ولم تساوم ولم تستسلم أبدا حتى خسرت كل شيئ تقريبا الا ارادة التحرر كما حدث عام 1967. وكان قائدها، جمال عبد الناصر رمزا مصريا ، ثم عربيا ، ثم دوليا لابطال معارك التحرر الوطني الذين لا يستسلمون ، ومن هنا - بالدرجة الاولى- استحق مكانته العالية بين أبطال التاريخ .
ولقد دفع الشعب المصري في مصر وخارج مصر ثمن النضال التحرري تحت قيادة جمال عبد الناصر.. ولقد كان الثمن في بعض الاوقات فادحا . ولعل من أفدح الاثمان التي دفعتها مصر مقابل تحررها، والحفاظ على حريتها، بعد الضحايا البشرية الغالية، ما أصاب قضية الديموقراطية.
لا ينكر احد ان المعارك الخارجية تفرض حدودا ضيقة للنشاط الديموقراطي في الداخل . ولدى كل دولة من دول العالم سلسلة جاهزة من القوانين، ما ان يتهدد سلامتها خطر، حتى تعطل بها أكثر احكام الدساتير الديموقراطية وتوقف بها أعز الحريات التقليدية . ولقد جرب الشعب المصري (العربي) في مصر تلك الحدود الضيقة . فلاكثر من خمس سنوات ابتداء من عام 1939، عاش معدوم الحرية تقريبا: حرية المأكل ، حرية الملبس، حرية المتاجرة ، حرية الانتقال ، حرية الرأي والنشر والاجتماع وحرية اختيار حكومة ولو اختيارا شكليا . في 4 فبراير 1942 فرضت على مصر حكومة بقوة السلاح الانجليزي . بل ان كل قيمة من قيم هذا الشعب قد انتهكت علنا تحت أقدام الجند من أشتات البشر الذين أبيحت لهم مصر أكثر من خمس سنوات . ولا يزال جيلنا يذكر كيف كان المصريون يجتنبون المذلة والاذلال بان يقبعوا في بيوتهم . وكيف كانت الحياة تسلب و الاموال تغتصب والاعراض تنتهك علنا في المدن والقرى والطرقات في وضح النهار، تحت حكم أحزاب مصر .. " لتأمين سلامة قوات الحلفاء والترفيه عن جنودهم ". ولم يذرف أي من المنافقين اليوم دمعة واحدة على الحرية او على الديموقرقراطية! .
ان عزاء الشعوب في هذا ان الحرب موقوتة مهما طالت . وهو عزاء مشروع . اذ حيث تكون سلامة الوطن في خطر تتحدد الديموقراطية مشكلة والديموقراطية حلا بحدود سلامة الوطن . أما الذين لا يرون علاقة بين معارك التحرر الوطني ومشكلة الديموقراطية فهم جاهلون . وأما الذين يرفعون أصواتهم فوق صوت المعركة هاتفين للديموقراطية فهم يريدون ان ينسحبوا من المعركة تحت غطاء الدعوة الى الديموقراطية . انم يريدون - نفاقا - ان يقال عنهم ديموقراطيون بدلا من انهزاميين .
ولقد طالت معارك التحرر الوطني التي خاضتها ثورة 23 يوليو تحت قيادة عبد الناصر حتى كادت ان تستغرق كل حياتها وأثرت في مشكلة الديموقراطية وحلها في مصر من نواح عدة .


الحرية والتحرر:
فرضت معارك التحرر الوطني حدودا للحرية على ثورة 23 يوليو وقائدها عبد الناصر.. نريد ان نقول ان عبد الناصر قد واجه مشكلة الديموقراطية في مصر داخل نطاق تلك الحدود لم يستطع ، ولم يرغب في ، ان يتخطاها بدون انكار لاثرها على المشكلة وامكانات حلها . ما هي تلك الحدود ؟
- منها الاصرار على الوحدة الوطنية وعدم السماح بأي صراع اجتماعي حاد او سياسي عنيف او أية انقسامات في الجبهة الداخلية . وقد أثر هذا في موقفه من الاحزاب التي لم يسمح بتعددها ابدا بالرغم من انه كان يتوقع نشوء الاحزاب وتعددها في مصر ولا يعترض عليه . قال يوم 10 مارس 1957 في حديث الصحفي الهندي كارنجيا ممثل صحيفة بليتز : " ان الزعماء الوطنيين المخلصين سينتخبون وان البرلمان ستقوم فيه تكتلات ومجموعات وربما تكون فيه معارضة في المدى الطبيعي للاحداث كما تبرز بعد ذلك، طبعا، قوى سياسية جديدة ، ومن المحتمل ان تكون هناك أحزاب ". ولا شك في ان الوحدة الوطنية تمثل حدا على النشاط الديموقراطي يجعل الفاصل ، بين النشاط المشروع والنشاط المعادي او بين المعارضة والتآمر فاصلا دقيقا وقد يختلطان على مستوى القاعدة النشيطة او في تقدير السلطة المتوترة ، فتدفع الحركة الديموقراطية ثمن التآمر او الخوف من التآمر.
- ومنها استمرار حالة الطوارئ مما تستدعيه من تركيز في السلطة ورقابة على الصحف ووسائل النشر وأجهزة الاتصال والاجتماع وتحركات الوافدين والمقيمين واستبدال المحاكم الاستثنائية بالمحاكم الطبيعية وتجاوز اجراءات التحقيق العلني الى التحقيق السري والاعتقال والحبس المطلق .. الخ . وكلها حدود ضيقة تحصر او تحاصر النشاط الديموقراطي . الغى عبد الناصر حالة الطوارئ عام 1964 ولكنه لم يلبث ان أعاد اعلانها بمناسبة عدوان 1967. ولا تزال قائمة.
- ومنها صعود القوات المسلحة الى المركز الاول من مراكز القوى في الدولة على أساس انها المسئولة الاولى عن سلامة الوطن . واكتسابها، بحجة الحرب او خطر الحرب او الاستعداد للحرب ، سلطة تعلو في كثير من المجالات على السلطة المدنية التي تصبح احدى وظائفها الاساسية تنفيذ متطلبات القوات المسلحة ماديا و اقتصاديا و بشريا وتأمينا وأمنا ، وتحصينها ضد المعرفة او النشر او النقد . أي قيام دولة عسكرية فوق الدولة المدنية . وقد بلغ أمر هذا الصعود حد صدور قانون (160 لسنة 1962) يحرم على ديوان الموظفين والوزارات والمصالح والهيئات والشركات العامة والخاصة والجمعيات تعيين أي موظف او عامل في أية وظيفة الا بعد أخطار مكتب نائب القائد الاعلى ( المرحوم المشير عبد الحكيم عامر)، ثم الانتظار شهرا لمعرفة ما اذا كان لدى سيادته من افراد القوات المسلحة العاملين فعلا من يرشحه لاشغال الوظيفة الخالية. فاذا ما رشح لها أحدا أصبحت له الاولوية في التعيين على المرشحين معه من نفس مرتبة النجاح . ثم- وهذا أغرب- اذا تم تعيين مرشح القيادة فانه لا ينتقل اليها ليشغلها فعلا بل تبقى شاغرة ويحتفظ له بها ويكون في حكم المعار الى القوا! ت المسلحة أي يتقاضى راتبها . صدر هذا القانون بمناسبة حرب اليمن وكاد يشل الجهاز المدني للدولة . كما ان الذين تابعوا او يتابعون اجراءات اسقاط الدولة العسكرية التي اتخذها عبد الناصر بعد هزيمة 1967 وما جرى من محاكمات وما لا يزال يجري عن جرائم التعذيب لا بد قد لاحظ ان كل الجرائم قد ارتكبت في السجن الحربي التابع للقوات المسلحة وان كل المتهمين من أفراد وقيادات القوات المسلحة ( الشرطة العسكرية او المخابرات العامة) وان كان أغلب المجني عليهم مدنيين أسندت اليهم اتهامات بارتكاب جرائم تدخل في نطاق القانون العام .. ثم انه لم تحدث حادثة تعذيب لاي متهم ابتداء من عام 1968. علة ذلك ان " الدولة العسكرية " كانت قد استطاعت ان تجرد وزارة الداخلية وأجهزتها ، بما فيها جهاز أمن الدولة ومصلحة السجون ، من سلطاتها وتسند الى الاجهزة العسكرية وظائف المحافظة على الامن الداخلي فما ان سقطت " الدولة العسكرية " وعادت صلاحيات وزارة الداخلية اليها انقطع سيل الجرائم الجسيمة التي كان بعض المتهمين يتعرضون لهـا.
- ومنها ، مصيبة العصر في العالم كله ، تضخم أجهزة الامن الداخلي ( أمن الدو لة) و الخارجي (المخابر ات العامة) وتزويدها بامكانات مالية غير معروفة و غير قابلة للمعرفة ، وبسلطات مطلقة الا من حد الحفاظ على أمن الدولة كما تقدره هي ، وبمعدات خيالية تسمح لها بان تضع كل مواطن تحت مجهرها من حيث لا يدري ، وبالمقدرة على ان تباشر مهمتها خفية : تراقب خفية، وتتابع خفية، وتدرس خفية، وتقرر خفية، وتنفذ خفية كأنها أشباح محبطة. ذلك - كما يقال- لتستطيع ان تصارع أشباحا لا تقل عنها خفاء تمثلها أجهزة التجسس والتخريب التابعة لدول معادية أكثر مالا وأدوات ورجالا مزروعين خفية أيضا في قلب المجتمع . تستطيع أجهزة الأمن- لمن يريد ان يعرف - ان تلتقط، وهي على بعد كيلومترين او أكثر أي حديث يدور ولو في حجرة مغلقة . نعرف هذا من القضايا التي طرحت على المحاكم . وعرفنا من الصحف ، ورأينا على صفحاتها صور عقل الكتروني قالت الصحف انه يستطيع ان يدلي بكافة المعلومات عن أي مواطن في أقل من دقيقة . وهذا يعني ان كافة المعلومات الخاصة بأي مواطن كانت قد جمعت من قبل وأودعت بطن الجهاز ذي الذاكرة الحديدية. وكل هذا مخيف ومصدر للخو! ف . الخوف من المجهول قبل الخوف من المعلوم . والخوف شلل يصيب البشر فيعجزهم عن الششاط الديموقراطي .
- ومنها خضوع الاعلام ووسائله الحديثة بالغة التأثير (الصحف والاذاعة والتليفزيون والكتب) لمقتضيات معارك التحرر، اما عن طريق الرقابة الصريحة او الضمنية واما بواعز الحذر الوطني السليم من التورط في خدمة العدو او اضعاف ثقة الشعب بنفسه. وليس من بين وظائف الاعلام، خلال الصراع من أجل التحرر الوطني ، ان يتطوع بوضع الحقائق الاقتصادية او الاجتماعية او السياسية أو العسكرية تحت تصرف أجهزة الاستماع المعادية . بل من وظائفه ان يذيع وينشر ما يخدم معركته الوطنية ( بلغ مجموع السفن الالمانية التي أعلن الحلفاء اغراقها في الحرب الاوروبية الثانية 1939- 1945 أضعاف أضعاف ما ملكته المانيا من سفن في كل تاريخها منذ غزوات الفيكنغ . وخاضت مصر وسورية حربا اعلامية مدعومة فكريا وسياسيا واحصائيا استمرت عاما ثم انتهت في لقاء في أقل من خمس دقائق مصافحة في مؤتمر الرياض لتتعانق أجهزة الاعلام في الهواء وعلى الورق وفي رؤوس البشر) .
ولما كانت معرفة الحقائق هي المادة الخام التي يكوّن منها المواطنون آراءهم ويحددون على ضوئها مواقفهم ويمارسون- على أساسها حرياتهم ، او ينكصون عن ممارستها فان كل تزييف في الحقائق ولو كان لتضليل الاعداء وحماية الوطن ، ينعكس زيفا على الديموقراطية وممارستها .
- ومنها أخيرا وليس آخرا ، تحمل الاقتصاد الوطني أعباء المعارك التحررية اقتطاعا من بنية اقتصادية ضعيفة أصلا . ولقد أصبحت تكلفة المعارك أبهظ من ان تطيقها الدول المتقدمة اقتصاديا مما حمل دولة مثل بريطانيا على قبول تصفية امبراطوريتها ، وربما حمل الدول الاستعمارية كافة على أن تستغني بالاستعمار الجديد (التبعية الاقتصادية) عن الاستعمار القديم لتوفر- كما كان ذلك ممكنا- نفقات جيوش الاحتلال . فما بالنا بالدول الفقيرة او النامية . في مثل هذه الدول تعوق معارك التحرر التي لا بد منها بتكلفتها الباهظة حركة التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي . فتبقى على الفقر ولا تسمح بالانتقاص منه الا قليلا. ليبقى الفقراء عائقا فعليا - أكثر العوائق صلابة في الواقع - دون الممارسة الديموقراطية.
ولقد كان هذا موجودا حدودا وقيودا على عهد عبد الناصر.


قبل اللقاء:
في تلك الحدود واجه عبد الناصر مشكلة الديموقراطية في مصر وحاول حلها. وابتداء من الان سنترك الحديث لعبد الناصر والمشكلة التي واجهها . وسنكتفي بمراقبة الصراع بينهـما. وسيلتقي معنا كل القراء في موقع المراقبة . فدعونا نتفق ، من الان على أمرين :
الاول : ان يحاول كل منا، وبقدر ما يستطيع، ان يحتفظ لنفسه باحكامه السابقة على مشكلة الديموقراطية في مصر او على عبد الناصر وان يكتفي بالمراقبة الى ان ينتهي الحديث على الاقل . ان الحيدة، او اصطناع الحيدة - مؤقتا- سيجعل المراقبة أكثر فائدة وأكثر متعة أيضا . وليس أسخف من القول " لو كنت مكان عبد الناصر لفعلت كذا... " الا القول " لو كنت عبد الناصر لفعلت كذا.. فلا احد غير عبد الناصر كان في مكانه . وعبد الناصر الذي مات لا يتكرر . دعونا اذن نراقب حديث الرجل مع مشكلة الديموقراطية في مصر بأكبر قدر من الموضوعية.
الثاني : اذا لم تكن الحيدة ممكنة، وهي على أي حال صعبة ، فعلى كل واحد ان يحدد موقفه من حرية وطنه قبل أن يحدد موقفه من حريته الشخصية . وقبل ان يتشدق أي واحد منا بالكلمات الكبيرة عن الديموقراطية عليه ان يختار بين الاستقلال والتبعية . لقد اختار عبد الناصر، قائد ثورة 23 يوليو حرية الوطن واستقلاله منذ البداية . وقضى وهو في ميدان معارك التحرر العربي . وسيكون على أي منصف مهما يكن اختياره ، ان يتتبع تاريخه مع مشكلة الديموقراطية في مصر انطلاقا من البداية التي اختارها الرئيس الراحل ... الى النهاية .


(5) البحث عن الطريق


التجربة والخطأ:
في يوم 21 مايو 1962 قدم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الى المؤتمر الوطني للقوى الشعبية " ميثاق العمل الوطني " بقوله : " الميثاق عبارة عن مبادئ عامة واطار للعمل او للخطة . نتج عن ايه؟.. نتج عن تجربة وممارسة عشر سنوات .. العشر سنوات اللي فاتت كانت فترة تجربة، فترة ممارسة.. كانت فترة مشينا فيها بالتجربة والخطأ !.
ولم تكن تلك هي المناسبة الوحيدة التي ذكر فيها الرئيس الراحل افتقاد الثورة ، حين قامت عام 1952، نظرية ومنهجا، وانتهاجها التجربة والخطأ أسلوبا للممارسة . تجرب فتخطىء فتصحح . قال يوم 7 أبريل 1963: " بالنسبة لنا تجربتنا قابلتنا أسئلة كثيرة بهذا الشكل . وكان لا بد ان نوضحها في أول يوم لم يكن عندنا منهج . لم يكن عندنا نظرية. ولم يكن عندنا منظمة شعبية ولكن كان عندنا المباديء الستة ".
وقد أسند الرئيس جمال عبد الناصر تلك الظاهرة ، أعني الاسلوب التجريبي ، الى أسبابها التاريخية وظروف قيام ثورة 1952 ذاتها : تلك الظروف التي أشرنا الى بعضها من قبل . قال يوم 25 نوفمبر 1961: " ناس كتير بيقولوا ما عندناش نظرية. بدنا والله نقول لنا نظرية . فين النظرية اللي احنا ماشيين عليها؟ بيقول اشتر اكية ديموقراطية تعاونية . إيه هي النظرية ؟ إيه حدود النظرية؟.. انا بأسال، ايه هي أهداف النظرية؟.. انا باقول اني ما كنش مطلوب مني ابدا في يوم 23 يوليو اني اطلع يوم 23 يوليو معايا كتاب مطبوع واقول ان هذا الكتاب هو النظرية . مستحيل . لو كنا قعدنا نعمل الكتاب ده قبل 23 يوليو ما كناش عملنا 23 يوليو لان ما كناش نقدر نعمل العمليتين مع بعض " .
وهكذا مع الاعتراف بغيبة النظرية ، طرح المشكلة الفكرية طرحا يتضمن الاشارة الى سباق بين الفكر الذي لا بد له من كل الوقت اللازم والكافي لنضجه وبلورته وهو وقت قد يستغرق حياة جيل او أجيال، وبين موقف مصر المتردي بسرعة متزايدة . قبل 1952، مما كان يستوجب الانقاذ بالممكن بدون انتظار لما يجب ان يكون . وكان الممكن هو ما عرف باسم المبادئ الستة للثورة ومن بينها اقامة ديموقراطية سليمة.
هذا فضلا عما يعرفه الذين كابدوا مشاق المعرفة العلمية من ان اشعال الثورة أسهل بكثير من ابداع نظرية. المهم ان هذا المنهج التجريبي قد أدى إلى ان كان لثورة 23 يوليو أكثر من موقف واحد من مشكلة الديموقراطية في مصر. وفي بعض الاوقات تغير موقف الثورة من المشكلة من النقيض الى النقيض في شهر واحد. ويبدو هذا واضحا من تتبع القرارات المتتالية التي أصدرتها الثورة في سنواتها الاولى .


قرارات .. للالغاء:
بعد الثورة مباشرة أبقت الثورة علي دستور 1923. واستبدلت بملك فاسد ملكا طفلا بريئاً تحت الوصاية. وشاورت الاحزاب وحاورتها . وارتضت منها ان تطهر نفسها من بعض قادتها وان تعيد صياغة برامجها كما لو كانت مشكلة الديموقراطية مشكلة أشخاص فاسدين ان سقطوا قامت الحياة الديموقراطية السليمة.
هذا موقف.
ومع هذا فقبل ان ينقضي عام 1952 رأت قيادة الثورة ان مشكلة الديموقراطية أكثر من مشكلة أشخاص فاسدين فأصدرت يوم 10 ديسمبر 1952 قرارا جاء فيه : " أعلن باسم الشعب سقوط ذلك الدستور، دستور 1923 وانه ليسعدني ان أعلن في نفس الوقت الى بني وطني ان الحكومة آخذة في تأليف لجنة تضع مشروع دستور جديد يقره الشعب ويكون منزها عن عيون الدستور الزائل محققا لآمال الامة في حكم نيابى نظيف وسليم ".
وهذا موقف آخر.
أغرب من الموقفين موقفها من النظام الملكي . فقد أسقطت دستور الملك في 10 ديسمبر 1952 ولم تعلن سقوط الملكية وقيام الجمهورية الا بعد ستة أشهـر تقريبا في 18 يونيو 1953.
ثم انها ارتضت من الاحزاب تطهير نفسها واعادة صياغة برامجها ، وأصدرت أول قانون لتنظيم الاحزاب في تاريخ مصر، تقول مادته الثانية : " للمصريين الحق في تكوين الاحزاب السياسية ولكل مصري الحق في الانتماء لاي حزب ". وتقول مادته الثالثة : " ان الحزب لا يحل الا بحكم قضائي يصدر من محكمة القضاء الاداري بمجلس الدولة . "
هذا موقف.
 

ولكن قبل أن ينقضي ثلاثة أشهر أصدرت يوم 16 يناير 1953، اعلانا بحل الاحزاب السياسية القائمة وتحريم انشائها في المستقبل (مرسوم 37 لسنة 1953) . وجاء في الاعلان : " اتضح لنا ان الشهوات الشخصية والمصالح الحزبية التي أفسدت أهداف ثورة 1919 تريد ان تسعى بالتفرقة في هذا الوقت الخطير من تاريخ الوطن فلم تتورع بعض العناصر عن الاتصال بدولة أجنبية وتدبير ما من شأنه الرجوع بالبلاد الى حالة الفساد السابقة.. ".
وهذا موقف آخر.
ثم انها أصدرت يوم 13 يناير 1953 مرسوما بتشكيل لجنة من خمسين عضوا لتعمل في " وضع دستور يتفق مع أهداف الثورة " . ومع انها لم توقف عمل اللجنة ولم تلغها الا انها لم تصبر الا يومين حتى أصدرت اعلان 16 يناير 1953: " بتحديد فترة انتقال لمدة ثلاث سنوات ". وأصدرت يوم 10 فبراير 1953 اعلانا دستوريا ببيان نظام الحكم في فترة الانتقال : يتولى مجلس قيادة الثورة أعمال السيادة العليا. يتولى مجلس الوزراء السلطة التشريعية. ويتولى السلطة التنفيذية مجلس الوزراء والوزراء كل فيما يخصه. ويتولى المتابعة والمراقبة مؤتمر يتألف من مجلس الوزراء ومجلس قيادة الثورة مجتمعين .
فبدا كما لو كانت الثورة قد اختارت تأجيل حل مشكلة الديموقراطية الى ما بعد فترة الانتقال . هذا موقف . غير انه لم يمض عام واحد على هذا الموقف حى أصدرت الثورة في 5 مارس 1954 قرارا ينص على : " اتخاذ الاجراءات فورا ( لاحظ فورا ..) لعقد جمعية تأسيسية تنتخب عن طريق الاقتراع العام المباشر على ان تجتمع خلال شهر يوليو 1954 وتكون لها مهمتان : الاولى مناقشة مشروع الدستور الجديد و اقراره . والثانية القيام بمهمة البرلمان الى الوقت الذي يتم فيه عقد البرلمان الجديد وفقا لاحكام الدستور الذي ستقره الجمعية التأسيسية ".
فبدا كما لو كانت الثورة قد اختارت ، النظام البرلماني حلا لمشكلة الديموقراطية.
غير ان هذا القرار لم ينفذ .
اذ ما لبثت الثورة ، وقبل مرور شهر واحد على اصداره ، ان أصدرت يوم 26 مارس 1954 قرارا آخر جاء فيه : " اولا : ارجاء تنفيذ القرارات التي صدرت يوم 5 مارس الحالي حتى نهاية فترة الانتقال . ثانيا: يكل فورا ( فورا ايضا..) مجلس وطني استشاري يراعى في تمثيله الطوائف والهيئات والمناطق المختلفة ويحدد تكوينه واختصاصاته بقانون " . وهو قرار مستخرج من عصور ما قبل الديموقراطية يوم ان كان الملوك يختارون ممثلين للطوائف والمناطق في مجالس استشارية تكون مهمتها مقصورة على ابداء الرأي والنصيحة بدون التزام او الزام .
ولسنا في حاجة الى القول بان قانون تكوين ذلك المجلس الوطني الاستشاري لم يصدر قط وبالتالي فان قرار 29 مارس 1954، في هذه الجزئية ، لم ينفذ أيضا .
ثم ، أخيرا وليس آخرا ، ان لجنة الخمسين التي كانت قد تشكلت بمرسوم 13 يناير 1953 لوضع مشروع دستور " يتفق مع مباديء الثورة " كما جاء في قرار تشكيلها ، او دستور يحقق " امال الامة في حكما نيابى نظيف وسليم " كما جاء في اعلان سقوط دستور 1923 ، قد أعدت مشروعها وقدمته فعلا الى مجلس الوزراء يوم 17 يناير 1955. ولكن قيادة الثورة لم تقبله بحجة ان نظام الحكم فيه نيابي أكثر مما يجب ووضعت بدلا منه دستورا الغته يوم 16 يناير 1956 اخر يوم في فترة الانتقال وأرجأت العمل به الى يونيو 1956 التاريخ الذي كان محددا لتمام اجلاء قوات الاحتلال البريطاني .
ولم يكن دستور 1956 هو آخر المواقف . فهو ذاته قد الغي قبل مرور عامين (5 مارس 1958). بمناسبة الوحدة بين مصر وسوريا ثم عاد ذاته بعد أربعة أعوام تقريبا (27 سبتمبر 1962) . بمناسبة الانفصال، ثم ألغي مرة اخرى بعد عامين ، بصدور دستور جديد مؤقت (23 مارس 1964) .
هذه أمثلة ضربناها من التطور الدستوري لتعدد مواقف الثورة من مشكلة الديموقراطية ( في جانبها القانوني) خلال تجربة البحث عن طريق حلها . ولقد أثارت تلك التجارب وما صاحبها من صراع علني وخفي كاد يصل في مارس 1954 الى حد انهاء الثورة ذاتها .
ولا شك في ان متغيرات موضوعية كثيرة قد أسهمت في تعدد مواقف الثورة ، وتناقضها في بعض الاوقات ، من مشكلة الديموقراطية . ولكن هذا لا يحجب العامل " التجريبي " ودوره الاساسي في ان الثورة قد افتقدت لفترة طويلة المنهج العلمي الذي كان قادراً ، لو توفر لها ، على أن يمكنها من السيطرة على تلك المتغيرات ودفع حركة التطور في اتجاه الموقف الذي تحدده لها نظريتها في الديموقراطية .


التجربة الخصيبة :
بدأ جمال عبد الناصر ، اذن ، قائدا ينتهج التجربة والخطأ أسلوباً . ولم يبدأ مثقفا يملك كل الوقت اللازم للاجتهاد الفكري لمجرد، ويملك- بشكل خاص- ان يحجب أفكاره او يراجعها و يغيرها قبل ان يطرحها على الناس افعالا تؤثر في حياتهم العينية . ذلك لأنه كان قائد ثورة مهمته الاولى ان يغير ويطور وينفذ ويصحح في الواقع الاجتماعي بما يحمله من أفكار . ولكن عبد الناصر الذي لم يبدأ بنظرية قد كان- بالضرورة- أكثر قبولا للتعلم من التجربة من أصحاب النظريات . وفي حياته تجربة انسانية خصيبة لامتزاج التقدم الفكري بالتقدم العملي . فقد أعطى التجربة أفكاره واسترد من التجربة أفكارا أكثر نموا فعاد وأعطاها للتجربة ثم استرد منها .. وهكذا في عملية نمو فكري خصيبة ما تزال في حاجة الى دراسات علمية مطولة . اذ لا شك في ان دراسة عبد الناصر المفكر شيء أكثر لزوما وفائدة وصعوبة من دراسة أي مفكر آخر لم يتحمل بنفسه عبء وضع أفكاره موضع التنفيذ . كما لا شك في ان دراسة عبد الناصر الثائر أكثر لزوما وفائدة وصعوبة أيضا من دراسة أي ثائر كان قصارى دوره ان يغير ويطور وينفذ نظرية وضعت له والتزم بها من قبل ان يثور .
على أي حال فان خصوبة التجربة ستبقى مقصورة على ما تتيحه للدراسة من مجالات واسعة وخبرات هائلة في كيفية ابداع التصحيح ، خلال الممارسة ، من بين التجربة والخطأ . ولكن خصوبتها لن تطهرها من المعاناة الفعلية لآثار التجريب في حياة الشعوب . وسيبقى الخطأ خطأ حتى لو لاحقه التصحيح .
وكلاهما محسوب على التجربة وصاحبها.
غير أننا لا نستطيع إلا أن نؤكد ما أكده عبد الناصر نفسه في لقائه وفود المعلمين بالقاهرة يوم 26 يونيو 1956. قال : " ولكني أقول لكم إذا أخطأت في المستقبل فإنما يكون هذا الخطأ عن يقين وتأكد من أن العمل في مصلحة مصر وفي مصلحة أبناء مصر" .
نؤكد هذا لأن الخطأ في التجربة ، نتيجة لقصور في المنهج والنظرية ، لا يمكن أن ينال ، على أي وجه، من أن جمال عبد الناصر قد عاش ومات ابناً باراً ومخلصاً إخلاصاً مطلقاً لشعبه وأمته . ويكفيه نبلاً أنه لم يدع في أي وقت أنه يملك أكثر مما يملك فعلاً وهو كثير . وأنه لم يخطىء قط إلا واعترف بالخطأ وبادر إلى تصحيحه بما يستطيع . فلقد كان - عليه رحمة الله - أكثر الناس صدقاً مع نفسه وهي قمة الفضائل في الحاكمين .


أزمة المثقفين:
في 25 نوفمبر1961 كانت قد انقضت على قيام الثورة تسع سنوات تقريباً ، ومع ذلك لم تكن الثورة قد امتلكت بعد منهجاً أو نظرية . لماذا ؟ .. لا يكفي ، بعد تسع سنوات من التجربة والخطأ ، أن نعود فنسند غياب النظرية إلى الأسباب التاريخية التي سبقت ثورة 1952 أو صاحبت قيامها. لماذا إذن؟
لنستمع - أولأ- إلى جواب عبد الناصر على هذا السؤال الجوهري .
قال في ذلك اليوم ، 25 نوفمبر 1961، " ما نقدرش نقول ان احنا عملنا نظرية. ويا جمال إعمل لنا نظرية. انتم اللي عليكم تعملوا النظرية . المثقفين هم اللي عليهم يعملوا نظرية . يوم ما لاقي كتاب طالع عن الاقتصاد بتاعنا والتجربة بتاعتنا أو إيه اللي يجب أن يحصل فيها بأشعر بأن هذا الكتاب هو جزء كبير من النظرية ".
على هذا الوجه حدد الرئيس الراحل مسئولية البناء النظري للثورة وأسلوب هذا البناء . فمسئوليته تقع على عاتق المثقفين .
والواقع أن هذا بديهي . ففي مصر وفي غير مصر لا يمتلك القدرة اللازمة للبناء الفكري إلا المثقفون. بل انهم يتميزون بصفتهم هذه تمييزاً لمقدرتهم تلك . غير أنه ينبغي الانتباه هنا إلى من كان يعنيهم جمال عبد الناصر بالمثقفين .
في الحوار الذي دار يوم 9 أبريل 1963 في الاجتماع الخامس لمباحثات الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسوريا اقترح أحد أعضاء الوفد السوري التفرقة بين المثقفين الثوريين والمثقفين غير الثوريين . فعلق الرئيس جمال عبد الناصر على تلك التفرقة وقال : " فيه فرق بين المثقفين والمتعلمين. يعني ممكن واحد متعلم يبقى بورجوازي .. ده ما اقدرش أقول عليه مثقف . أنا بأقول عليه أنه متعلم وأستاذ كبير في أي فرع من فروع العلم .. يمكن .. لكن المفروض بالمثقف أنه مثقف اجتماعياً . زي ما بتقول مثقف اجتماعياً .. لكن إذا أطلقنا تعبير المثقفين على كل المتعلمين يبقى تعبيرنا بالنسبة لهذه العمليات غلط ".
خلاصة هذا أن عبد الناصر كان يرى أن عبء البناء النظري للثورة يقع على عاتق المثقفين اجتماعياً ، وهو ما يمكن فهمه على أنهم المثقفون النشطون في الحقل السياسي أو العاملون بالقضايا العامة .
أما عن كيفية أو أسلوب البناء النظري فقد كان عبد الناصر يرى أنه تأصيل وتطوير " التجربة بتاعتنا " ولو من خلال الدراسات التخصصية المقصورة كل منها على أحد المجالات أو بعضها . وهو يقول في الميثاق ان : " الثورة العربية وهي تواجه هذا !لعالم لا بد لها من أن تواجهه بفكر جديد لا يحبس نفسه في نظريات مغلقة يقيد بها طاقته وان كان في نفس الوقت لا ينعزل عن التجارب الغنية التي حصلت عليها الشعوب المناضلة بكفاحها ". ويقول : " ان التسليم بوجود قوانين طبيعية للعمل الاجتماعي ليس معناه القبول بالنظريات الجاهزة والاستغناء بها عن التجربة الوطنية . أن الحلول الحقيقية لمشاكل أي شعب لا يمكن استيرادها من تجارب شعوب غيره .. ان التجربة الوطنية لا تفترض مقدماً تخطئة جميع النظريات السابقة عليها أو تقطع برفض الحلول التي توصل إليها غيرها فإن ذلك تعصب لا تقدر أن تتحمل تبعاته ، خصوصاً وإن إرادة التغيير الاجتماعي في بداية ممارستها لمسئولياتها تجتاز فترة أشبه بالمراهقة الفكرية تحتاج خلالها إلى كل زاد فكري . ولكنها في حاجة إلى أن تهضم كل زاد تحصل عليه وان تمزجه بالعصارات الناتجة من خلاياها الحية ".
وهو صريح في أن البناء الفكري للثورة لا يكون بالانكفاء والاكتفاء " بالتجربة بتاعتنا "، والرفض المتعصب للتراث الفكري العالمي، ولا يكون باستعارة أسس فكرية غريبة عن تجربتنا لنسند إليها تلك التجربة، ولكن باستيعاب التراث الفكري العالمي والتجربة الخاصة معاً كمقدمة لإبداع فكري يكون خلاصة تفاعلهما الجدلي يقوم به.. " المثقفون ".
هذا ما كان يراه عبد الناصر حتى عام 1961.
فلماذا لم يقم المثقفون في مصر بدورهم ذاك؟
لأن معركة ضارية حول " مشكلة الديموقراطية في مصر " كانت قد نشبت بين عبد الناصر قائد الثورة وجماعة المثقفين . إنها المعركة التي عرفت باسم " أزمة مارس " .. والتي قال عنها عبد الناصر فيما بعد (7 أبريل 1963) : " احنا اجتزنا عقبات كثيرة قوي وقابلنا مراحل أرادت الرجعية فيها أن تستولي على السلطة. وكانت أقرب ما يكون أن تستولي على السلطة في سنة 1954.. وحصل تحالف بين الرجعية والشيوعية ".


كل يغني على ليلاه:
نحن نعرف الآن أن الوجه السياسي لعملة الرأسمالية هي الديموقراطية الليبرالية التي كانت ساثدة في مصر قبل الثورة . وحين حددت الثورة أحد أهدافها في " القضاء على سيطرة الرأسمالية على الحكم " كانت تتقدم- حتى بدون أن تدري- إلى مواقع الصدام مع الليبراليين وأفكارهم الخاصة عن الديموقراطية أي مع مثقفي مرحلة ما قبل الثورة . نقول حتى بدون أن تدري لأن الثورة لم تكن تدري فعلأ أن أولى معاركها الخطيرة ستكون مع أنصار الديموقراطية الليبرالية . وقد كان للديموقراطية أنصارها التقليديون من الأحزاب وجماعات المثقفين في مصر قبل الثورة . وكان بعض من هؤلاء المثقفين قد دافعوا دفاعاً مجيداً وقدموا تضحيات فعلية في دفاعهم عن الدستور الليبرالي ضد الاستبداد الملكي . وبالتالي فقد كان هؤلاء مع الثورة منذ البداية من أجل " الديموقراطية " كما يفهمونها . أما بعد الثورة فقد أصبح للديموقراطية الليبرالية أنصار جدد مرحليون أولئك هم الماركسيون . ولم تلبث المعركة أن نشبت فعلاً في أوائل مارس 1954.
بدأت المعركة في القمة ( مجلس قيادة الثورة ) وامتدت الى الشعب فشارك فيها. أما في القمة فقد كان السؤال هو : استمرار الثورة أم إعادة الحياة البرلمانية ؟ وكانت القرارات المختلفة والمتناقضة التي ذكرناها من قبل تمثل المراحل المتتابعة لانتصار فريق على فريق .
في ذلك الصراع اختار الليبراليون داخل مجلس الثورة ، ورمزهم محمد نجيب ، يساندهم رجال الأحزاب المنحلة وجماعات المثقفين العودة إلى النظام البرلماني الليبرالي . وكانت حججهم المعلنة أن الثورة وقد نجحت في القضاء على " المفسدين " للديموقراطية ( الملك والأقطاع ) فقد استنفدت غايتها وعليها أن تنهي ذاتها لتعود الحياة الديموقراطية الليبرالية إلى استئناف مسيرتها التي عوقها المفسدون. وان على مجلس قيادة الثورة وضباط القوات المسلحة أن يعودوا إلى ثكناتهم لاستئناف دورهم في حماية الحدود وأن يسلموا السلطة إلى حزب الأغلبية ( الوفد) . كانت تلك هي الحجة الظاهرة تساندها حجج خفية أهمها أن مجلس قيادة الثورة نفسه لم يكن يملك في ذلك الوقت بديلا لحل مشكلة الديموقراطية في مصر عن الحل الليبرالي . ولقد سبق أن أشرنا إلى ما وعدت به الثورة من عودة الحياة الدستورية وإلى أنها كانت ترى في دستور 1923 الليبرالي نموذجاً راقياً لنظام الحكم الديموقراطي وإلى أن رؤيتها لمشكلة الديموقراطية في مصر كانت محصورة أو مقصورة على من أفسدوا النظام وليس على فساد النظام نفسه . يضاف إلى هذا ان الأحزاب كانت قد قبلت شروط الثورة فاستغن! ت عن بعض قياداتها وأعادت صياغة برامجها قبل أن تلغيها الثورة . يضاف إليه النظرة المتعالية التي كان ينظر بها المثقفون الليبراليون وقادة الأحزاب السابقة إلى " شوية الضباط " صغار السن غير المعروفين من الشعب المجردين من الخبرة حتى لو كانوا غير مجردين من الإخلاص ... الخ.
كان أولئك انصاراً تقليديين للديموقراطية الليبرالية.
أما الأنصار المرحليون فكان يمثلهم في مجلس قيادة الثورة خالد محي الدين يسانده الماركسيون ( رشح محمد نجيب اليميني خالد محي الدين اليساري ، في أزمة مارس 1954، ليكون رئيساً للوزراء في مقابل انهاء الثورة) . أما لماذا انحاز الماركسيون إلى الليبراليين فلأنهم لم يكونوا من القوة بحيث يفرضون مذهبهم التقليدي في ديكتاتورية البروليتاريا أو مذهبهم المتطور في الديموقراطية الشعبية فانحازوا إلى الليبراليين على أساس ان الليبرالية - كما اعتقدوا- ستتيح لهم فرصة أكبر لتعميق التناقضات الطبقية وتعبئة الجماهير تحت قيادة الطبقة العاملة للاستيلاء في النهاية على السلطة. وكما هي العادة كانت هناك أسباب مساعدة منها أن تطوراً سابقاً كان قد حدث في حزب الوفد نفسه فأصبح يضم جناحاً شبابياً متنامياً يتجه بإطراد إلى اليسار وبالتالي يقترب بإطراد أيضاً من الماركسيين أو جناحهم الأيمن . وقد تعاون الجناحان من قبل في مواقف عدة أهمها المظاهرات الطلابية التي قامت عام 1946 وأسقطت مشروع الأتفاق مع إنجلترا المسمى مشروع صدقي- بيفن . وقد تعرض الطلاب في ذلك الوقت لعنف بالغ استحق بسببه يوم 21 فبراير 1946 أن يكون يوم الطلاب ا! لعالمي كما استحقت أحداث شيكاغو يوم 30 مايو سنة 1886 أن يكون يوم أول مايو عيد العمال العالمي . المهم أن المواقف المشتركة بين الماركسيين و الجناح الشبابي في الوفد ، واقتران عودة الليبرالية بعودة الوفد كانا - في تقدير الماركسيين- مبرراً كافياً أو مساعداً لانحيازهم إلى أنهاء الثورة وعودة الليبرالية .
يضاف إلى هذا سبب تاريخي لا بد من الإشارة إليه. ذلك ان الماركسيين كانوا قد انتهوا قبل الثورة ، من تحليلهم النظري ، وعلى ضوء الانقلابات العسكرية التي حدثت في سورية بفعل المخابرات المركزية الأميركية إلى أن انقلاباً عسكرياً أمريكياً مشابهاً متوقعاً في مصر. فما أن قامت الثورة بقيادة الضباط الأحرار حتى وقفوا منها الموقف الذي كانوا يدخرونه للانقلاب الذي كانوا يتوقعونه وقد انقضت سنون طويلة قبل أن يدركوا الخطأ الجسيم الذي ارتكبوه عندما راهنوا بكل ما يملكون على جواد النظرية.
أياً ما كان الأمر فإن الماركسيين عامة قد تبنوا ، في أزمة مارس 1954، الموقف الليبرالي وأصبح الصراع حول مشكلة الديموقراطية في مصر قائماً بين الليبراليين والثوريين . فأي الفريقين كان ديموقراطياً؟
كلاهما!!!
الأولون كانوا ديموقراطيين بالمفهوم الليبرالي للديموقراطية .
والآخرون كانوا ديموقراطيين بالمفهوم الشعبي للديموقراطية .
الأولون انحازوا إلى القلة الممتازة الحاضرة . إلى أنفسهم . والآخرون انحازوا إلى الأغلبية المسحوقة الغائبة . إلى الشعب .
هذا على مستوى التفسير النظري حتى لو كان غامضاً ، ولكن يمكن إستخلاصه بسهولة من فكرة المساواة التي كانت حجة عبد الناصر الأساسية في أزمة مارس . المساواة بين الأقلية الممتازة والأغلبية المسحوقة، إذ ان المساواة هنا تعبر عن موقف " منحاز إلى المسحوقين . قال عبد الناصر في احتفال رابطة سائقي القطارات يوم 31 مارس 1954 : " انني أعتقد جازماً بأن الثورة بدأت تحقق أهم أهدافها الرئيسية في المساواة بين أبناء هذا البلد الذي كانت تتحكم فيه قلة في الماضي .. كان في البلد 18 مليوناً ليس لهم حزب والباقي إما مخدوعون وإما مغلوبون على أمرهم وإما مضللون . " وقال في نادي رجال الإدارة ؟ مساء يوم 15 أبريل 1954 : " أنتم كرجال أتيحت لكم الفرصة لكي تأخذوا حظكم من التعليم ولكن هناك 18 مليوناً لم ينالوا هذا الحظ ويجب أن ننظر إلى أولئك الذين لم تتح لهم الفرصة لنأخذ بيدهم " .
أما على المستوى الواقعي ، نعني واقع مصر عند قيام الثورة ، فإن الأولين لم يكونوا ديموقراطيين بأي معنى وكان الثوار وحدهم هم الديموقراطيين . ذلك لأن القلة الممتازة التي انحاز اليهما الليبراليون لم تكن تعاني من أية مشكلة ديموقراطية . فهي قادرة فكراً وعلماً وخبرة ومالاً على ممارسة حقوقها السياسية. وقد استنفذت ثلاثين عاماً قبل الثورة وهي تمارسها . الذي كان يعاني مشكلة ديموقراطية حقيقية هو الشعب ، أغلبية الشعب ، الراكد الغائب الضعيف المستضعف المحكوم بدون أي أمل في أن يشارك في الحكم . وكان اختيار الليبراليين العودة إلى نظام ما قبل الثورة يعتي تماماً ابقاء مشكلة الديموقراطية في مصر بدون حل . وكان موقف الثوريين ( أنصار استمرار الثورة) يتضمن ، كحد أدنى ، معرفة صحيحة باين تقع مشكلة الديموقراطية في مصر، وإرادة متمسكة بضرورة حلها ، حتى لو لم يكونوا في ذلك الوقت عارفين على وجه التحديد العلمي كيف تحل .


تحيا الحرية.. تسقط الحرية!!
ولقد كان الصراع في الشارع المصري أكثر تحديداً ووضوحاً في الصراع في القمة . أبطال الليبرالية من المثقفين والكتاب والصحفيين و المهنيين ورجال الأحزاب .. إلى آخرهم احتشدوا في مبنى نقابة المحامين وأعلنوا انتهاء الثورة التي لم يقوموا بها وعودة الضباط إلى ثكناتهم وتسليم السلطة إلى المدنيين . يعنون أنفسهم .
أما العمال ( النقل العام خاصة) فقد احتشدوا في الشوارع يعلنون تمسكهم باستمرار الثورة ويهتفون بأعلى أصواتهم " تسقط الحرية " .. " يسقط المحامون الجهلة "!! و نشهد أن الهتاف قد استفزنا حتى كدنا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة تحديدا للعمال الأشداء . فقد كنا شباباً ندعي الثقافة وكان هتاف العمال بسقوط الحرية يتحدى كل الأفكار المنمقة الرومانسية الجميلة التي تعلمناها في الكتب . وكنا من بين القلة القليلة من المحامين الشبان الذين دافعوا عن استمرار الثورة في مقر نقابتهم وتعرضوا لموقف يكاد يكون جماعياً يتراوح بين السخرية بهم والإشمئزاز منهم ومع ذلك فإن العمال لم يفرقوا وهتفوا بجهل المحامين كافة.
ولكنا الآن بعد قدر من النضج ولو بحكم السن إن لم يكن بحكم العلم والتعلم نتذكر فنسأل : ما هي الحرية التي هتف العمال بسقوطها في مارس 1954 ؟ .. ونجيب : انها ذات الحرية التي رفع الليبراليون الويتها الممزقة في مجلس قيادة الثورة أو في مبنى نقابة المحامين . انها الحرية التي نصلي الآن كل يوم داعين الله أن يسقطها في كل مكان في العالم " . ( لم نعد نستطيع إلا الصلاة ) انها الحرية بمفهومها الليبرالي : عدم تدخل الدولة وترك المنافسة الحرة تصفي حسابات البشر كما يحدث بين الوحوش في الغابات ، وتحدد أسعار السلع . والعمال في الاقتصاد الليبرالي ليسوا إلا سلعاً تباع وتشترى ويخضع ثمنها (الأجر) للمضاربة في سوق العمل . وكما تلقى السلع المستهلكة في صناديق القمامة يلقي البشر غير المرغوب فيهم أو العاجزون عن العمل على الأرصفة . ليموتوا أو يسرقوا أو يتسولوا.. ولقد كان المتسولون من المعالم الرئيسية لشوارع مدينة القاهرة قبل الثورة . إلى درجة أنه حين تحسب المواقف التي مهدت الثورة تحتل مكاناً منها صورة نشرتها مجلة " الاشتراكية " التي كان يصدرها الأستاذ أحمد حسين تتضمن عدداً من المتسولين تحت عنوان واحد : ! " هؤلاء رعاياك يا مولاي " . كيف يمكن أن ننسى ؟ نهايته .
ولقد كان وراء موقف العمال في مارس 1954 أنهم كانوا قد تلقوا من الثورة القانون 165 لسنة 1953 الذي حرم فصلهم من العمل بدون مبرر وقضى لمن يفصل تعسفياً بأن يوقف قرار فصلة على وجه الاستعجال وان يدفع له راتبه حتى لو لم يقبل رب العمل إعادته إلى عمله . وتلقوا من الثورة قرارها الصادر يوم 16 أبريل بعدم جواز توقيع أكثر من عقوبة واحدة عن المخالفة الواحدة وعدم جواز الجمع بين أية عقوبة واقتطاع جزء من الأجر . وكان إنقاص الأجر عن طريق توقيع عقوبات الخصم منه هي " الهواية المفضلة " لأصحاب الأعمال يمارسونها بدون رقابة إدارية أو قضائية. وكان العمال في مارس 1954 قد تلقوا من الثورة القانون رقم 244 لسنة 1953 بحصر كل العمال العاطلين في مصر وإنشاء سجل لهم وتشغيلهم وإلزام أصحاب الأعمال بالإبلاغ عن طلبات العمل ومنع الوساطة وكفالة الدولة لمصروفات نقل العامل وأسرته من محل إقامته إلى حيث يقدم إليه العمل .
باختصار كان العمال في ذلك الوقت ، مارس 1954، قد بدأوا يلمسون ، لأول مرة في تاريخ مصر، " الحرية " المتحققة لهم بتدخل الدولة لحمايتهم من الفصل والاستغلال والبطالة فبدأو يدركون زيف " الحرية " الموهومة حين لا تتدخل الدولة في علاقات العمل . حرية التعاقد وحرية الفصل وحرية تحديد الأجر وحرية الاقتطاع منه . ومن واقع الدفاع عن حريتهم هتفوا بسقوط حرية الليبراليين . وكانوا في ذلك أكثر ديموقراطية من أنصار الردة في مجلس قيادة الثورة وأنصار الليبرالية من المحتشدين في نقابة المحامين لأنهم كانوا أكثر منهم واقعية . ونندم على أننا في يوم من أيام الشباب لم نفهم لغة الشعب الذي ننتمي إليه فلم نعرف كم كانت صادقة التعبير عن الحقائق الاجتماعية. وقد كان من الحقائق الاجتماعية في مارس 1954 ان المحتشدين في مبنى نقابة المحامين كانوا " يجهلون " فعلاً مشكلة الديموقراطية كما يعانيها العمال .
ثم نعجب إلى حد الدهشة ممن وضعوا أنفسهم في مقاعد التقدمية ثم كتبوا ذكرياتهم عن تلك المرحلة، أو سودوا ما توهموا انه تاريخها فقالوا ان الصراع كان يدور في القمة بين الديموقراطيين وأنصار الديكتاتورية، وهذا صحيح ، ثم أخطأوا خطأ فاحشاً فقالوا أن دعاة انهاء الثورة والعودة إلى الليبرالية وأحزابها كانوا هم الديموقراطيين . كأن الديموقراطية، كلمة تقال وليست حرية مكتسبة . كأن الديموقراطية هي حكم الأقلية وليس حكم الأغلبية ". كأن ثورة 23 يوليو 1952 ما قامت إذ قامت إلا من أجل أن يستأنف حزب الوفد وأحزاب مدرسة " حزب الأمة " حكمها الشعب العربى في مصر بعد اكثر من سبعين عاماً من تحالفها ضد الخط الوطني الثوري وبعد ثلاثين عاما من ممارستها الفاشلة للديموقراطية الليبرالية في مصر .

إنتهي الجزء الثاني من 7



د. يحي الشاعر
 
"هل كان عبد الناصر ديكتاتورا" الحلقة 3 بقلم عصمت سيف الدولة هل كان عبدالناصر ديكتاتور

..." هل كان عبد الناصر ديكتاتورا 3 - "
الحلقة الثانية

بقلم الأستاذ عصمت سيف الدولة
...


هل كان عبد الناصر ديكتاتورا




في الجزء الثالث من تحليله .. ونقده يتعرض الدكتور عصمت سيف الدولة إلي حقائق ... ما زلنا ننتقدهم حتي اليوم ....

ومما يلفت النظر ، هو الأستعداد لتقبل النقد الذاتي حول سنوات تلك الفترة ، فينشر موقع الفكر القومي العربي جميع حلقات هذه الدراسة ...

هذه يهني ، أن "التعلم من الأخطاء" ...هو الهدف الذي يؤدي في االنهاية إلي الأصلاح ... وعدم تكرار الخطأ والأخطاء مرة أخري



د. يحي الشاعر

اقتباس:

هل كان عبد الناصر ديكتاتوراً :

كان عبد الناصر في ذروة الصراع في مجلس قيادة الثورة قد استقال . وكانت حجته في ذلك ديموقراطية. لقد اختارت الأغلبية انهاء الثورة وكان هو مع استمرارها . وكان على الأقلية أن تخضع لرأي الأغلبية. وعبد الناصر لا يريد أن يخضع ويريد في الوقت ذاته أن يبقى ديموقراطياً فوجد الحل في الانسحاب . هذا الموقف لا بد أن نتذكره لأننا سنعود إلى دلالته فيما بعد. يهمنا هنا أن ننبه إلى أن قبول رأي الأغلبية حتى في المسائل المبدئية موقف ديموقراطي ليبرالي . ولكن رفض الخضوع لرأي الأغلبية والانسحاب ليس موقفاً ليبرالياً . وموقف عبد الناصر بشقيه - يعتبر- مؤشراً واضح الدلالة على أن عبد الناصر في ذلك الوقت لم يكن قد كوّن رأياً قاطعاً في الديموقراطية الليبرالية . لم يكن يرفضها تماماً ولم يكن يقبلها تماماً . وسيكون لهذا الموقف دلالات أخرى وآثار عميقة فيما يأتي من صراع بين عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية.
نكتفي الآن بالقول بأنه وقد حسم الصراع في الشارع فقد عاد عبد الناصر الى موقعه من قيادة الثورة. وسقطت كل القرارات التي صدرت في 5 مارس 1954 ( اتخاذ الاجراءات فوراً لعقد جمعية تأسيسية تنتخب عن طريق الاقتراع العام المباشر على أن تجتمع خلال شهر يوليو 1954 وتكون مهمتها الأولى مناقشة مشروع الدستور الجديد وإقراره . والثانية القيام بمهمة البرلمان إلى الوقت الذي يتم فيه عقد البرلمان الجديد . وبقي قرار 13 يناير 1953 بتشكيل لجنة وضع الدستور وقرار 16 يناير 1953 بإلغاء الأحزاب وتحديد فترة انتقال لمدة ثلاث سنوات .
ومنذ ذلك الوقت، منذ مارس 1954، أولت الثورة ظهرها لليبراليين ولم تثق في مثقفي الليبرالية ودعاتها ولا في الماركسيين قط بعد مارس 1954 ولسنين طويلة . ولم يثق فيها أولئك المثقفون بدورهم وقامت تلك القطيعة التي استمرت عشر سنوات تقريباً . ولقد كانت ذات آثار خطيرة على مشكلة الديموقراطية في مصر وعلى مقدرة الثورة وقيادتها على حلها وذلك من نواح عدة :
أولاً : إن المثقفين في مصر لم يقوموا بدورهم التاريخي في البناء النظري للثورة وهو الدور الذي لم ينكره عليهم عبد الناصر قط ولم يدعه لنفسه من دونهم قط فبقي بدون إنجاز لمدة طالت أكثر مما يجب .
ثانياً : إن أسلوب التجربة والخطأ قد استمر يحكم موقف عبد الناصر في معالجته مشكلة الديموقراطية في مصر أكثر من تسع سنوات بعد قيام الثورة .
ثالثاً : إن الثورة قد اعتمدت في إدارة الدولة وإنجاز مشروعات التنمية- بدلاً من المثقفين الذين قاطعوها وقاطعتهم - على التكنوقراطيين البيروقراطيين الذين لم يلبثوا أن تحولوا إلى طبقة جديدة ، عازلة تحيط بقيادة الثورة . وهي طبقة بحكم تكوينها ومصالحها تعتبر من أعدى أعداء الديموقراطية لا في مصر وحدها ولكن في كل العالم وفي كل النظم . وسيستنفد عبد الناصرقدراً كبيراً من جهده ومن فترة حكمه في محاولات حل التناقض بين الثورة ومضامينها المتطورة وبين الطبقة البيروقراطية المعادية للثورة واتجاهها غير الديموقراطي، والتي لا تستطيع الثورة - في الوقت نفسه- الاستغناء عنها لأنها كانت البديل الوحيد المتاح بعد مقاطعة المثقفين للثورة أو مقاطعة الثورة للمثقفين على أثر أزمة مارس 1954.
ويقول كثير من الذين يؤرخون لأزمة مارس 1954 إن الديكتاتورية قد انتصرت في تلك الأزمة على الديموقراطية وإن عبد الناصر قد أصبح منذ ذلك التاريخ ديكتاتوراً صريحاً ، ولهم على ذلك شواهد عدة. فهل كان عبد الناصر ديكتاتوراً ؟

(6)
تحرير ا لفلاحين

فذلكة فكرية :
الحديث عن غائب إلى غائبين صعب إذا صاحبه شعور قوي بالمسئولية . حينئذ لا يبرز الحديث إلا بعد أن يشق له طريقاً وعراً خلال ركام من الأسئلة التي يتصور المتحدث أنها ثائرة أو يمكن أن تثور في اذهان الذين يتحدث إليهم . ويكون عليه أن يجعل من الحديث حواراً من طرف واحد وهو أمر عسير. أو يكون عليه أن يقاوم - بصعوبة أيضاً - اغراء الهرب المريح من أسئلة يتصور أنها تحاصره وان كان لا يعرف أصحابها . والهرب هنا سهل أيضآ بالنسبة للطرفين . ما على المتحدث إلا أن يتجاهل تصوراته ويستمر في الحديث كما لو كان يتحدث إلى نفسه . وما على القارىء إلا أن يكف عن قراءة حديث لا يشعر بأنه موجه إليه ما دام يتجاهل أسئلة يثيرها في ذهنه . فتكون قطيعة سهلة ولكنها مجردة من الشعور بالمسئولية.
هناك مصدر آخر لصعوبة الحديث عن غائب إلى غائبين . ذلك هو أن لكل حديث موضوعاً ينبغي أن يلتزم حدوده . ولما كان كل موضوع ، وأي موضوع ، ذا صلة بموضوعات أخرى فإن الاستجابة إلى تداعي المعاني أو الرغبة المشروعة في أن يجيب الحديث على كل الأسئلة التي يمكن أن يثيرها الموضوع هي إستجابة مغامرة . إذ أنها تتضمن مخاطر تجاوز حدود موضوع الحديث ليصبح " دردشة" في موضوعات غير محددة وهو عقيم .
نحن لا نريد هرباً أو قطيعة أو دردشة فما العمل ؟
لا بد من الانتقاء . نواجه الأسثلة التي نكاد نوقن بأنها ، في مكان ما، قد ثارت ولا ينبغي تجاهلها لأنها وثيقة الصلة بسياق الحديث . ونعتذر عن الإجابة على الأسئلة التي قد تثور وتستحق الإجابة عليها في حديث آخر.
ولقد خطر لنا كل هذا حين انتهينا في حلقة سابقة من هذا الحديث إلى انتماء ثورة 23 يوليو وقائدها جمال عبد الناصر إلى الخط الوطني الثوري الذي بدأه أحمد عرابي . وتجسمت لنا مصاعب الحديث إلى غائبين حين ركزنا تركيزاً قوياً على هذا الانتماء السياسي ورجونا القراء ألا ينسوه . حينئذ خطر لنا أنه في مكان ما قد ثار سؤال عاطف أو عاصف أو ممتعض يمكن أن تكون صيغته : " لماذا هذا التركيز على الانتماء السياسي لثورة 23 يوليو وعبد الناصر؟ وما قيمته العلمية "؟ ان المقياس العلمي للانتماء هو الانتماء الطبقي ، وليس الموقف السياسي إلا انعكاساً له ، ولقد كان أجدر وأجدى أن يقول لنا صاحب الحديث إلى أية طبقة كان ينتمي الضباط الأحرار وجمال عبد الناصر لنستطيع - بدون عناء - أن نفهم ونفسر ونبرر مواقفهم السياسية من كافة القضايا بما فيها قضية الديموقراطية ؟
سؤال جاد لا مهرب منه.
ومع ذلك فإن الإجابة " الوافية " عليه تخرج بنا، حتماً ، من نطاق موضوع حديثنا إلى مجالات فكرية مجردة تكاد تكون غير محدودة . ذلك أن الطريق إلى الإجابة عليه يعبر بسؤال قبله يمكن أن تكون صيغته: ما هي العلاقة بين الموقع الاجتماعي والموقع السياسي لكل إنسان على حدة ؟.... وهذا السؤال يسبقه سؤال: ما هي العلاقة بين الموضوع والذات؟.. و هذا يسبقه سؤال : ما هي العلاقة بين العيني والمجرد ؟ .. وهذا يسبقه سؤال : ما هي العلاقة بين المادة والفكر؟..
و نكاد نخرج من الموضوع ومع ذلك لا مهرب .
فنقول بإختصار.. ونترك التفاصيل في المراجع لمن يريد.. ان مقولات كثيرة مثل : " أن حركة الفكر ليست إلا انعكاساً لحركة المادة منقولة إلى دماغ الإنسان " (ماركس) أو : " ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بالعكس فإن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم " (ماركس) .. قد أصبحت حتى عند أصحابها مقولات تقليدية.
ولقد كان من شأن التسليم بصحة تلك المقولات أن يكون الموقف السياسي انعكاساً للموقع الطبقي حتماً .. ولكن - كما قلنا - أصبحت مقولات تقليدية . فمن قبل أعتذر أحد صاحبي هذه المقولات بقوله : " لقد كنا، ماركس وأنا ، مسئولين جزئياً عن تركيز الشباب على الجانب الاقتصادي تركيزاً أكثر مما يستحقه . لقد كان لا بد لنا ، نحن من أن نركز على المبدأ الأساسي في مواجهة معارضينا الذين ينكرونه . ولم يكن يتوافر لنا دائماً ، الوقت والمكان والفرصة المناسبة لنسمح للعناصر الأخرى بالتدخل في التأثير المتبادل بالقدر الذي تستحقه " (انجلز) . ومن بعده قال واحد من كبار ثوار التاريخ يصحح من واقع التجربة نظريته: " ان عقل الإنسان لا يعكس العالم الواقعي فحسب بل يخلقه " . والان يقولون " إن المعرفة ليست مجرد انعكاس للموضوع المدرك وإنما هي أيضاً خلق جديد وتغيير لحالته بهدف تلبية احتياجات الإنسان. إن نظرية الأستجابة السلبية والمدخل الانعكاسي السلبي تجاه المعرفة لا يروح لها إلا العوام وبعض الفلاسفة الذين يتصورون أنفسهم ماديين دياكتيكيين . ذلك أن هذه النظرية تتصور الذات العارفة ، لا على أنها فاعلة وخلاقة، ولا على أنها هادفة الى تحقيق إرادتها ورغبتها ، ولا على أن منشئها المجتمع بل ان هذه النظرية تلحق هذه الصفات كلها بموضوع المعرفة ومن ثم فإن الذات العارفة تنحول من كونها محددة ومحركة لعملية المعرفة إلى كونها محددة من قبل الموضوع المعروف . وهكذا تتحول العلاقة المعرفية إلى علاقة شيئية، علاقة بين أشياء (دبوفاسكوي وشيلين) .
وخلاصة هذا أن العيني لم يعد وحده الذي يحدد المجرد، وان الموضوعي لم يعد هو وحده الذي يحدد الذاتي وان... الانتماء الطبقي لم يعد هو وحده الذي يحدد الموقف السياسي . وبالتالي فاننا لا نستطيع أن نعرف أو نفهم أو نفسر الموقف السياسي لعبد الناصر- مثلأ- على ضوء موقعه الطبقي وحده . وذلك لأن " بين نقطة البداية ونقطة النهاية ثمة عمليات بيولوجية ونفسية و اجتماعية " كما يقولون الآن ( النيكف) وهي أقوال تصوغ حصيلة الممارسة. تلك الممارسة التي حملت أبناء " البورجوازية " من أمثال ماركس ( دكتور في الفلسفة) وانجلز ( رجل أعمال ) ولينين ( دكتور في القانون) وماو وتسي تونغ (أديب وشاعر رومانتيكي) .. إلى آخرهم ، من مواقعهم الطبقية إلى مراكز القيادة السياسية للطبقة العاملة .. وهي الممارسة التي حملت أحمد عرابي ( فلاح مجند) ، ومصطفى كامل (محام) ومحمد فريد ( اقطاعي أنفق كل ثروته على الحركة الوطنية ومات معدماً ).. من مواقعهم الطبقية المختلفة إلى موقف سياسي واحد في مركز القيادة للخط الثوري الوطني في مصر .
لذلك نترك الانتماء الطبقي لمن يريد أن يبحث عن انعكاسه في الموقف السياسي لعبد الناصر ونكتفي بموقفه السياسي لأن ذلك هو الموقف الذي اختاره وتعامل منه مع مشكلة الديموقراطية في مصر وهو ما يهمنا في حدود هذا الحديث .
وقبل أن نعتذر عن الاختصار في الإجابة لأصحاب النظريات نضع أمامهم هذه الحقيقة الاجتماعية مادة يستطيعون أن " يحللوها " كما يشاؤن : ان جمال عبد الناصر ينتمي إلى قرية " بني مر " في صعيد مصر. ولكنه لم يكن فلاحاً ، و لا كان ابن فلاح ، ولا عاش مع الفلاحين ، وما كان هو أو والده أو أعمامه أطرافاً في علاقة إنتاج زراعية ، ولم تكن " بني مر " بالنسبة إلى عبد الناصر إلا قرية مثل كل قرى مصر، وقد نشأ وشب وتعلم وناضل ومات ، وهو ينتمي إلى أبناء الموظفين سكان المدن .
ومع ذلك ، أو- اذا أردتم - بالرغم من ذلك ...
فإن تحرير الفلاحين من القهر الاقتصادي والاجتماعي والسياسى الذي كانوا يعانونه كان أوضح أهداف عبد الناصر منذ أن قامت الثورة إلى أن انتقل إلى جوار ربه. كما أن أوضح جوانب مشكلة الديموقراطية في مصر، في وعي عبد الناصر، كان الجانب المتصل بالحقوق السياسية للفلاحين .. وكانت نسبة متفوقة من كل انجازات عبد الناصر موجهة بالدرجة الأولى إلى الفلاحين ... بحيث لو أردنا أن نختار عنواناً ، لثورة 23 يوليو لكان أقرب العناوين إلى حقيقتها انها ثورة تحرير الفلاحين في مصر...


الاصلاح الزراعي :
كان الهدف الأول ، الأكثر وضوحاً ، لثورة 23 يوليو هو تحرير الفلاحين . ومن أجله صدر قانون الإصلاح الزراعي يوم 9 سبتمبر 1952، أي بعد شهر ونصف من قيام الثورة . ولقد كان تحديد الملكية الزراعية هو التحدي الظاهر الذي واجهت به الثورة الأحزاب فرفضته . قال عبد الناصر في المؤتمر الشعبي الذي انعقد في الأسكندرية يوم 26 يوليو 1955 !؟ " منذ أول يوم من أيام الثورة قلنا لهم إذا أردتم فعلأ أن تحققوا الحرية التي طالما طالبتم بها وناديتم بها لهذا الشعب ، هذا الشعب الطيب الذي خدعتموه تحت إسم الحرية.. فلتوافقوا ولتعلنوا معنا القضاء على الاقطاع ولتعلنوا تحديد الملكية ".
ومنذ أن صدر قانون الإصلاح الزراعي لم تتوقف دراسته ونقده وتعديله والإضافة إليه .
ولقد أنصبت أغلب الدراسات على جانبه الاقتصادي وبلغ التحيز ضده إلى حد اسناد كثير من متاعب الإنتاج الزراعي إليه . وبلغ التحيز اليه حد القول بأنه قانون اشتراكي . والواقع كما نراه أن قانون الإصلاح الزراعي لا يستمد أهميته من علاقته بالاقتصاد لأنه لم يصدر من أجل زيادة الإنتاج . ولا من علاقته بالنظام الاشتراكي لأنه لم يغير من علاقات الإنتاج . و لكنه - إذا صح رأينا- القانون الديموقراطي الأول في تاريخ مصر الحديث . ذلك لأنه يتضمن محاولة لحل مشكلة الديموقراطية بالنسبة لأغلبية الشعب من الفلاحين . ولقد اتجهت تلك المحاولة اتجاهين : اتجاهاً إلى الإقطاعيين بالحد من قوتهم وكسر شوكتهم ، وتحطيم ما تراكم لهم من هيبة طاغية في الريف . والاتجاه الثاني إلى الفلاحين لخلخلة القيود التي تكبلهم وتشجيعهم على " التمرد " أو الفكاك من التبعية وتدريبهم على الجرأة على تحدي استغلال الملاك وهيبة الاقطاعيين .
و لقد كان الاتجاه الأول محدود الأثر اقتصادياً و ديموقراطياً ، فقصارى ما أصاب الاقطاعيين أن نزل بالحد الأقصى لملكية الفرد منهم إلى مائتي فدان . فلما احتالوا على الحد فوزعوا ما يملكون على أفراد أسرهم لكل منهم مائتا فدان صدر القانون رقم 34 لسنة 1958 أي بعد خمس سنوات كاملة من قيام الثورة يقضي بألا يزيد ما يمتلكه الشخص هو وزوجته وأولاده القصر عن ثلاثمائة فدان . ولقد كان أثر هذا التحديد تافهاً لأسباب كثيرة .
منها انه ، بالنسبة إلى ضيق المساحة المزروعة في مصر وكثافة السكان في الريف وتدني مستوى المعيشة، كانت الثلاثمائة فدان أو المائتان أوحتى المائة كافية وأكثر من كافية للإبقاء على سيطرة الملاك على الأغلبية الساحقة من سكان الريف المعدمين أو شبه المعدمين . لأن التبعية تتوقف على العلاقة النسبية بين طرفيها، ومهما كان من أثر تحديد الملكية بالنسبة الى الملاك فإنه لم يغير شيئاً من موقع التابعين .
ومنها أن السيطرة الاقتصادية كانت قد تحولت الى سيطرة اجتماعية ونفسية وإخلاقية أيضا ، كانت تلك السيطرة قد أصبحت مقبولة اجتماعياً ونفسيا وأخلاقيا وتحولت إلى " قيم وأخلاق وسلوك القرية " كما ذكرنا من قبل . ولم يكن من شأن تحديد الملكية على الوجه الذي جاء به القانون أضعاف هذه السيطرة القبلية أو غيرها من القيم القروية البالية. فبالرغم من أن الفلاحين قد وقفوا " يتفرجون " على مملكة الاقطاعيين تنتهك وهيبتهم تجرح وقصورهم تقتحم وفائض أطيانهم يسترد ورأوا الطغاة يشكون " ويتمسكنون " ، إلا أن الأمر سرعان ما عاد ببعضهم إلى ما كان عليه وبلغ الأمر حد أن بعض الفلاحين لم يصدقوا أنهم قد أصبحوا ملاكاً لأراضي سادتهم فكانوا يحملون إليهم المحاصيل خفية .
ومنها ، أخيراً ، وربما أهمها، أن تحديد الملكية لم يمس إلا شريحة ضئيلة من الملاك لا تزيد عن ألفي شخص هم أصحاب الملكيات الواسعة . أولئك كانوا في الواقع قد تحولوا من إقطاعيين إلى رأسماليين زراعيين ، وأصبحت ممتلكاتهم مزارع متقدمة الأدوات مخصصة لانتاج البضائع الزراعية من أجل المضاربة في السوق . وكان جلّهم قد قطعوا علاقتهم بالقرى وأقاموا في المدن وتولى وكلاؤهم و عملاؤهم مهمة إدارة تلك الممتلكات وممارسة الجانب القهري في علاقتهم المباشرة مع الفلاحين . ولكن القانون لم يمس شريحة أعرض من الملاك يبلغ عددها 64822 وهم الذين يملكون ما بين خمسة أفدنة ومائتي فدان ويواجهون- في ساحة الصراع الاجتماعي في الريف - ثلاثة ملايين ونصف مليون تقريباً - ممن يملكون أقل من خمسة أفدنة والمعدمين وأسرهم .
هذه الشريحة تعتبر موضوعياً أعدى أعداء تحرر الفلاحين لأنهم هم الذين يقومون بدور الوسطاء والمقاولين بين الاقطاعيين والفلاحين . وهم الذين يضاربون على الأرض بيعاً وشراء ورهناً . وهم المرابون الذين يتخذون من الأقراض بالربا وسيلة ناجحة للاستحواذ على مزيد من الأرض . وهم الذين يضاربون على حاجة الفلاح إلى الأرض فيرفعون الإيجار ويشتركون بالمزارعة في المحصول ويقدمون الخدمات الزراعية إلى الفلاحين بأثمان باهظة ثم يطردون المستأجرين ليعيدوا تأجير أرضهم وأرض الإقطاعيين للحصول على مزيد من عرق الفلاحين . وهم الأقرب إلى السلطات المحلية فهم الذين يستعدونها ويرشونها و يستخدمونها في قهر الفلاحين . وأخيراً هم وسطاء الانتخابات الذين كانوا يبيعون الاصوات صفقات أو صفقة واحدة في كل قرية...
هذه الشريحة المفسدة لم تتاثر بتحديد الملكية، بالعكس ، لقد كانوا هم أنفسهم " أعياناً " من الدرجة الثانية فأصبحوا " أعياناً " من الدرجة الأولى ، كانوا وسطاء للسادة فاحتلوا المواقع التي خلت وأصبحوا هم السادة ولم يكن ينقصهم التدريب على قهر الفلاحين وإذلالهم .. وسنرى فيما بعد كيف أفسدت هذه الشريحة كل ما كان مأمولاً من قانون الاصلاح الزراعي إقتصادياً وديموقراطياً .
هذا عن الاتجاه الأول : تحديد الملكية.

الوجه الديموقراطي:
الاتجاه الثاني، الذي لا توليه الدراسات اهتماماً كبيراً ، كان أكثر أثراً في حل مشكلة الديموقراطية في ريف مصر. ذلك لأن القانون قد أنصب فيه على علاقة الفلاحين بالملاك عموماً سواء كانوا اقطاعيين أو غير اقطاعيين . وحاول أن يحررهم مما يخشاه الفلاح خشية الموت ونعني به فقدان الأرض التي يزرعها . فجاء القانون وحرم تأجير الأرض إلا لمن يزرعها . وبذلك قضى على طائفة الوسطاء الذين كانوا يستأجرون الأرض الزراعية ليعيدوا تأجيرها من الباطن لمن يزرعها مستفيدين بفارق الأسعار التي يقبلونها أو يفرضونها. ثم حدد القيمة الإيجارية بسبعة أمثال الضريبة الأصلية المروبطة عليها . مع ابقاء عبء الضريبة على المالك . وبذلك حرم المضاربة على الانتفاع بالأرض واستغلال حاجة الفلاحين لفرض إيجارات باهظة وعطل قانون المنافسة الحرة بين الفلاحين من أجل الحصول على الأرض، تلك المنافسة التي كانت تزيد من أعبائهم المالية وتزيد من تبعيتهم للملاك أيضاً . ثم أوجب القانون أن يكون عقد الإيجار ثابتاً بالكتابة حتى يستطيع أن " يضبط " المخالفات ويوقع عليها العقوبة وحتى يجرد الملاك من المقدرة على المقدرة على إنكار علاقة التأجير تمهيداً لطرد الفلاحين . ثم أوجب أن تكون مدة الإيجار ثلاث سنوات على الأقل حتى يطمئن الفلاحون إلى استقرار بقاثهم في الأرض لمدة معقولة . وقد امتدت العقوبة بقوانين متتالية حتى عام 1961 . ثم إن القانون قد حرم إخراج المستأجرين من الأرض وكانت تلك ضربة قاضية لقيد الخوف من فقدان الأرض ذلك الخوف الذي استعبد الفلاحين دهراً .
بالإضافة إلى هذا حاول القانون الزج بمجموع الفلاحين زجاً إلى مواقف جماعية إيجابية يواجهون بها احتياجاتهم بدلاً من علاقة الاتكال والتواكل التي كانوا قد اعتادوا عليها سنين طويلة . فأنشأ الجمعيات التعاونية الزرأعية واشترط أن تكون عضويتها لمن تقل ملكيتهم عن خمسة أفدنة وجعل من مهامها الحصول لصالح أعضائها على السلف الزراعية ومدهم بالبذور والسماد والماشية والآلات الزراعية وتنظيم زراعة الأرض واستغلالها وبيع المحصولات الرئيسية لحساب أعضائها والقيام بجميع الخدمات الزراعية الأخرى التي تتطلبها حاجات الأعضاء وكذلك القيام بمختلف الخدمات الاجتماعية.



مثال من الهند:
هذا هو الجانب الديموقراطي من قانون الاصلاح الزراعي وبه نستطيع أن نقول إنه كان قانون تحرير الفلاحين من القهر الاقتصادي الذي مارسه الملاك وتحطيم علاقة التبعية التي تربطهم بسادتهم الأقدمين ولقد نعرف ، وسنعرف فيما بعد ، إلى أي مدى استفاد الفلاحون - فعلاً - من هذا القانون الديموقراطي . يكفينا الآن أن نسجل أنه حيث كان جانب من مشكلة الديموقراطية في مصر قبل 1952 يتمثل في سيطرة الاقطاعيين وكبار الملاك الزراعيين على الفلاحين فإن الثورة ، منذ بدايتها ، قد اتجهت إلى الحد من سيطرة الاقطاعيين وكبار الملاك . وحيث كان جانب من مشكلة الديموقراطية يتمثل في استسلام الفلاحين للقهر وقبول المذلة والعبودية وتبريرها وتحويلها الى قيم قروية قبلية منحطة فإن الثورة اتجهت منذ بدايتها إلى محاولة تحصينهم ضد الخوف من فقدان الارض وتأمين استمرارهم في العمل الزراعي بدون مضاربة فأتيحت لهم ، لأول مرة ، فرصة ممارسة الديموقراطية … كيف ؟
هل لمجرد أن أصبح الفلاحون باقين في الأرض يزرعونها قد أصبحوا ديموقراطيين ؟
لا .
إنما تحقق لهم شرط التحرر من سيطرة الملاك فأتيحت لهم - في هذه الحدود- فرصة الممارسة. لم يعودوا مضطرين - اقتصادياً - إلى بيع أصواتهم في مقابل البقاء في الأرض أو الحصول على الخدمات الزراعية التي كان الملاك يحتكرون توريدها إليهم . وهذا أكثر ديموقراطية من كل ما سطره فلاسفة الليبرالية منذ مونتسكيو حتى الآن .
لقد قيل في نقد قانون الإصلاح الزراعي أنه أفسد أخلاق الفلاحين إذ علمهم الجرأة والتطاول والفظاظة و" قلة الأدب " مع أسياد البلاد، وأفسد حياتهم إذ حرمهم من الكنز الذي لا يفنى (القناعة) وفتح عيونهم فشعروا أكثر من أي وقت مضى بمدى ما يعانونه من حرمان ، وعلمهم التطلع والطموح فلم يعد يرضيهم شيء ولا حتى قانون الإصلاح الزراعي . فمن وزعت عليهم الأرض المستردة لم يدفعوا ثمنها، ومن بقوا مستأجرين لم يسددوا الإيجار في مواعيده ، وأصبح العمال الزراعيون يعملون بالساعات ويحددون الأجور. وأصبح الشغل الشاغل للفلاحين عقد المقارنات بين ما لديهم وما لدى الآخرين فما أن تسأل فلاحاً شيئاً أو تلومه على شيء حتى يصعر خده ويقول " بجلافة "... أشمعنى فلان ...
ان كان هذا قد حدث فالحمد لله . لتمد نجحت الثورة - إذن - وتحرر الفلاحون . لأن هذا هو على وجه التحديد ما كان الفلاحون في حاجة إليه فعلاً لتحل مشكلة الديوقراطية في مصر. صحيح أنه شيء تافه بالنسبة إلى سكان المدن ، و هو لا يستحق الالتفات عند جماعة المثقفين ، وهو شيء مقزز عند السادة ومع ذلك فهو هو الذي كان يحتاجه الفلاحون فعلياً وواقعياً لحل مشكلة الديموقراطية بالنسبة إليهم . والأمور نسبية حتى الديموقراطية. ونحن ننسب أمور الديموقراطية إلى الأغلبية. ولا بأس في أن نضرب مثلأ ولو لتخفيف حدة الحديث .
حين أراد المشرعون في الهند إصدار قانون العقوبات (القانون الجزائي) استغرق عملهم أربع سنوات. استنفد القانون كله سنتين واستنفدت المواد الخاصة بالدفاع الشرعي - وحدها- سنتين . ذلك لأن الدفاع الشرعي هو تلك الحالة التي يباح فيها للأفراد أن يستعملوا القوة دفاعآ عن انفسهم أو أموالهم . وقالت اللجنة التي وضعت القانون ، في تقريرها ، أن صعوبة تنظم الدفاع الشرعي في الهند لم يكن راجعاً إلى ذلك الاتجاه التقليدي في الدول الأوروبية إلى تضييق الحدود التي يباح فيها للأفراد استعمال القوة دفاعاً عن أنفسهم بل العكس تماماً : كيف يمكن تشجيع الأفراد في الهند على استعمال القوة دفاعاً عن أنفسهم وأموالهم. إذ كانت سلبية الفرد الهندي ، نتيجة عوامل تاريخية فكرية وروحية ونتيجة الاستبداد الطويل به، أكبر مشجع للصوص وقطاع الطرق على الاعتداء .
ولقد كانت مشكلة الديموقراطية في ريف مصر تتلخص في كيف يمكن اقناع الفلاحين " بالمساواة " بينهم وبين الاقطاعيين ، وكيف يمكن تشجيعهم على الاستقلال بإرادتهم عن إرادة المسيطرين عليهم اقتصادياً فاجتماعياً فسياسياً ؟ وكان قانون الاصلاح الزراعي هو الإجابة التي قدمتها الثورة على هذا السؤال .

الجديد.. هو الحرية:
حين أصدرت الثورة قانون الإصلاح الزراعي لم يكن مطلب تحديد الملكية الزراعية جديداً على ساحة الحياة السياسية في مصر . بالعكس . لقد وصلت الثورة في قانونها الأول إلى أقل بكثير مما كان يطالب به غيرها من قبل .
ففي يوم 25 يونيو 1945، قدم السيد محمد خطاب ، عضو مجلس الشيوخ ، مشروعاً بقانون يقضي بأن يكون الحد الأقصى للملكية الزراعية خمسين فداناً . ولقد قبلته لجنة الشئون الاجتماعية والعمل من حيث المبدأ ورفعت الحد إلى مائة فدان . وهو الحد الذي كان يطالب به الحزب الشيوعي المصري (السري) في ذلك الوقت . ولكن المشروع واجه معارضة قوية عند المناقشة ووصف - فعلاً - بأنه مشروع شيوعي. المهم أنه رفض في النهاية . وقد عاد صاحبه إلى عرضه مرة أخرى في المؤتمر الزراعي الثالث عام 1949 فأصدر المؤتمر توصية بوضع حد أعلى للملكية الزراعية دون أن يحددها . ولقد كان الشيوعيون والإخوان المسلمون وحزب مصر الفتاة - قبل الثورة - يساندون ، الدعوة إلى تحديد الملكية الزراعية.
ومع ذلك فإن هناك فارقاً أساسياً بين دعوات الإصلاح الزراعي قبل الثورة و الإصلاح الزراعي بعدها. كانت بواعث الدعوات قبل الثورة ومبرراتها وأغراضها اقتصادية بحتة . ترشيد الانتاج الزراعي بالحد من الملكيات الكبيرة وتشجيع الملكيات المتوسطة باعتبارها النموذج الامثل للوصول بالانتاج الزراعي إلى أعلى مستوى . لهذا كانت المبررات التي استند إليها مجلس الشيوخ في رفض مشروع محمد خطاب دفاعاً عن الملكيات الكبيرة وفائدتها الاقتصادية وعن قدرة المالك الكبير على تحسين الانتاج وزيادته . ولم يحظ الفلاحون في كل تلك الدعوات والمشروعات باكثر مما تحظى به- أدوات الانتاج المادية فهم، باعتبارهم أدوات انتاج بشرية " ، محتاجون إلى حد أدنى من العناية الصحية والتعليم ليكونوا أكثر مقدرة على " الخدمة " في المزارع . ولم يحدث أن تضمنت الدعوة إلى تحديد الملكية، قبل الثورة، إعادة لصياغة العلاقات بين الملاك الزراعيين على أي وجه يمس سيطرة الملاك على الفلاحين أو يحد من حريتهم المطلقة في تحديد الأجور والإيجار وطرد الزارع المستأجر أو العامل الزراعي في أي وقت . كانت كلها دعوات ومشروعات وملاك الأراضي أنفسهم لاصلاح " بيوتهم "
عكس هذا تماماً ما جاء في قانون الإصلاح الزراعي الذي أصدرته الثورة كما أوضحنا من قبل . فقد غير تغييراً كاملاً وجذرياً العلاقة بين المالك والمستأجر وبينه وبين العامل الزراعي . فهل كان ذلك مقصوداً لذاته أم جاء بالتبعية لتحديد الملكية أم كان مصادفة ؟ هل كانت الثورة معنية- بالدرجة الأولى - بالإصلاح الزراعي أو بالإصلاح الديموقراطي ؟
نسمع الجواب من عبد الناصر.
 
ماذا كان يريد عبد الناصر:
لم يركزعبد الناصر قط على المبرر الاقتصادي للاصلاح الزراعي . ولكنه برره دائماً تبريراً تحررياً ديموقراطيا. وهو ما يعني أن الإصلاح الزراعي كان مرتبطاً في وعيه بمشكلة الديموقراطية في مصر. وان مشكلة الديموقراطية أو حل مشكلة الديموقراطية في مصر كان - في ذهنه- الهدف الأساسي من الإصلاح الزراعي .
قال يوم 13 أبريل 1954: " وأنتم أدرى الناس بالاقطاع وكيف كان يؤثر في الحياة السياسية. ان طلبنا الرئيسي لم يكن اقتصادياً وإنما تحرير الفلاح من سيطرة السيد ".
وقال يوم 19 أبريل 1954 ضمن خطبة ألقيت في وفود الفلاحين : " الحقيقة يا أخواني أننا إذا تكلمنا عن تحديد الملكية وإذا تكلمنا عن الإصلاح الزراعي وإذا تكلمنا عن توزيع الأرض وعن تمليك الأرض ، إذا تكلمنا عن كل هذا، آ فيجب أن نفهم ما هو المعنى الأساسي لهذا التمليك وما مغزاه .. أن أهم شيء في تحديد الملكية ، هذا التحديد الذي خلصنا من الاقطاع الذي استمر سنين طويلة، انه يعبر عن معنيين أساسيين : الأول هو الحرية السياسية والثاني هو التخلص من الاستبداد السياسي . فقد كانت الأرض التي يملكها الاقطاعي والتي يعمل فيها الفلاح هي العامل الأول الذي كان يستغل دائماً في التوجيه السياسي . العامل الذي كان يستغل دائماً في التحكم في مصير الفلاح وفي مورد رزقه ولا يترك له فرصة للتخلص من الاتجاه السياسي الذي كان يدفعه إليه صاحب الاقطاع . وكانت النتيجة هي تحكم الاقطاع فى الحكم وفي سياسة الدولة ولذلك استمر أصحاب الاقطاع طوال السنين الماضية يتحكمون في مصيرنا ".
وقال يوم 2 مايو 1954 في قرية باتاج بمناسبة حفل توزيع الأراضي المستردة على الفلاحين : " فلما قامت الثورة وجدت أن الفلاح الذي يعتبر الدعامة الأولى في هذا البلد يجب أن يتحرر، وانه لن ينال هذه الحرية بالكلام وحده ولكن ينالها بالعمل . ولهذا بدأنا بتحديد الملكية الزراعية لنحرر الفلاح من الاستعباد ونحرره من الاستغلال فإن الهدف الأول لهذه الثورة كان مركزاً في كلمة واحدة هي " الحرية ".
وقال في يوم 3 يوليو 1955 في حفل توزيع الأراضي المستردة على الفلاحين في نجع حمادي : " ولكن تحرير الأرض يحرر الفرد من كل أنواع الذل والاستعباد والاقطاع . كيف يتحرر هذا الفلاح الذي يعمل عند الاقطاعي ويشعر أنه تحت رحمته يستطيع أن يخرجه متى شاء هو وأولاده . ومعنى هذا أنه لن يطمئن على حريته ولن تتحقق حرية الفلاح إذا كان مهدداً في رزقه وفي حياته. وإذا كانت الحرية كلاماً وخداعاً فاننا لا نوافق على الخداع لأننا نؤمن أن حرية الوطن لا يمكن أن تتم إذا لم يتحرر الفرد. وكيف يتحرر الوطن والغالبية العظمى لم تتحرر؟ " .
هذه نماذج مما قاله عبد الناصر معبراً عن معنى واحد هو ان الحرية والديموقراطية لا يمكن أن تتحققا بالنسبة إلى الفلاحين ، أغلبية شعب مصر، إلا بعد تحريرهم من سيطرة الاقطاعيين والتبعية لملاك الأرض. هذا المعنى الذي يربط بين الواقع الاجتماعي والاقتصادي وبين الحرية والديموقراطية كان يتضمن- كمالا شك - نلاحظ - بدور المفهوم الاشتراكي للديموقراطية التي ستنبت ثم تنمو ثم تثمر " الميثاق " بعد عشر سنوات .

السؤال.. مرة أخرى :
نعيد السؤال الذي طرحناه في نهاية الحلقة السابقة من هذا الحديث . هل كان عبد الناصر ديكتاتوراً ؟؟
يجيب الفلاحون في مصر.... لا.
فهل ثمة جواب آخر؟

(7) اسطورة المستبد العادل

مسافة... من فضلك :
في 11 يونيو 1940 طار ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا وقائدها في الحرب الاوروبية الثانية (1939- 1945) الى مدينة " تور " في فرنسا لمحاولة اقناع القادة الفرنسيين بالاستمرار في الحرب ضد الغزو الالماني . لم تكن باريس قد سقطت بعد ( سقطت في 14 يونيو 1940) ولكن القادة الفرنسيين كانوا قد استسلموا هم فقرروا ان تستسلم فرنسا فلما تجد زيارة تشرشل شيئاً .
فلما ان هم بدخول طائرة العودة دخل معه جنرال فرنسي شاب . كان هو الجنرال ديجول الذي اختار وحده ان يقاوم الغزو الالماني وان يحرر فرنسا . كانت كل المعطيات الموضوعية ضد اختياره . قوة العدو كاسحة. وفرنسا مسحوقة . وبطل فرنسا العتيد " الماريشال بيتان "، الذي كان يحظى من اجلال الفرنسيين بما يقارب التقديس هو رئيس الحكومة التي قررت الاستسلام . وانجلترا الحليف الوحيد لفرنسا كانت تقف وحيدة في جزيرتها تنتظر ما كان يبدو مصيراً محتوماً بالسقوط . وكان شارل ديجول وحيداً أيضا . لم يكن وراءه حزب ، ولا جماهير ولا جيوش ولا أموال ولا حتى أعوان . كان كل ما يملكه " ايمانا صوفيا مطلقا " بانه قادر على تحرير وطنه وانه يجب ان يحرره . ولقد بدأت به " فرنسا الحرة "، او فلنقل ان قد بدأت " فيه " فرنسا الحرة فلم يبقى وحيدا . انحاز اليه الاحرار في فرنسا وفيما وراء البحار بدون تردد وبدون مناقشة ، كما لو كانوا ينحازون الى فرنسا ذاتها . ولقد كان ديجول مؤمنا ايمانا صوفيا مطلقا بانه رمز فرنسا وتجسيدها العيني في انسان . وكان أحرار فرنسا يقبلون منه هذا الايمان ويؤمنون به ويعترفون له اعترافا غير قابل للمناقشة بانه رمز فرنسا وتجسيدها البشري . حتى لو كانوا ينقدون بعض ما يفعل .
لم تلبث فرنسا الحرة ان أصبحت تملك الجيوش وتشارك في الحرب وفي تحرير فرنسا . وبعد تحرير باريس يوم 25 أغسطس 1944 احتشد مئات الالوف من الفرنسيين على جانبي شارع الشانزليزيه في باريس وهم يهتفون لمسيرة النصر، ويكاد بعضهم ان يجن انفعالا وهم يرقبون قائد فرنسا العظيم شارل ديجول يتقدم المسيرة مترجلا متجها الى قوس النصر يتبعه كل أبطال تحرير فرنسا . وخطر لاحد اولئك الابطال ان يقترب حتى يوازي القائد . فلم تحجب انفعالات يوم تحرير باريس دلالة هذا الاقتراب من فطنة ديجول . فالتفت الى رفيقه في النضال قائلا " مسافة.. من فضلك " .. معبراً بذلك عن حرصه على حقيقة لا ينبغي ان يحجبها التواضع او المجاملة او الحرج . هي ان من حق الشعوب ان تتعرف على أبطالها بدون لبس او غموض وان تبقى بين القائد التاريخى ورفاقه مسافة مميزة للقيادة حتى لا يختلط الامر على الشعوب .. ولعل ديجول كان يعرف ان الأمة الواحدة ذات التاريخ الواحد و المصير الواحد لا يمثلها الا رمز واحد كما لا تصلح لها الا دولة قومية واحدة ، وبالتالي حرص على الا تختلط الرموز او تتعدد في أذهان شعب الامة الفرنسية يوم تحريرها.
أياً ما كان الامر فتلك عناصر نفسية وذاتية تدخل في بناء التاريخ وتصعد في بعض مراحله الى المرتبة الاولى من تكويناته اثرا بحيث ان جهلها او تجاهلها قد يؤدي الى عدم المقدرة على فهم التاريخ او تفسيره . ولم تزل في بولندا شعبة من المدرسة الماركسية تحاول تفسير كفاح الطبقة العاملة على أسس من علم النفس .. ولم يزل علم السياسة يعترف بظاهرة " البطل التاريخي " ..
المهم ان هذه المسافة " التاريخية " بين القائد ورفاقه كانت محفوظة في علاقة عبد الناصر بأعضاء مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952.. والضباط الاحرار، بحيث لم يحتج عبد الناصر طوال حياته الى ان يقول لاحد: مسافة.. من فضلك . فلقد كان الواقع التاريخي والممارسة قد حددا تلك المسافة على وجه لا يقبل تجاوزها... وكل من حاول تجاوزها سقط .
فمن حيث الواقع التاريخي كان تنظيم الضباط الاحرار هو تنظيم جمال عبد الناصر . لقد ذكرنا من قبل ان اول تشكيل للضباط الاحرار قد بدأ (1940) كمحاولة لمد التنظيم الوطني السري الذي كان يقوده عبد العزيز علي الى صفوف القوات المسلحة .. ولكن ابتداء من عام 1942 أصبح جمال عبد الناصر- الذي عاد لتوه من الخدمة في السودان - هو القائد المنظم للضباط الاحرار . ولم يكن أي واحد غير عبد الناصر والى ان توفي يعرف العدد الحقيقي لاعضاء التنظيم ولا كل أسماء أعضائه . ثم ان عبد الناصر هو الذي طور الشكل التنظيمي للضباط الاحرار فأنشأ لهم قيادة جماعية تحت اسم " الهيئة التأسيسية للضباط الاحرار " في عام 1950 أي بعد ثماني سنوات كاملة كان فيها هو المؤسس والمجند و المنظم والقائد . وكان كل ذلك معترفا به ولم يناقش فيه أحد . ولقد بلغ الاعتراف بالوضع التاريخي المتميز لعبد الناصر انه في سنة 1951، أي قبل الثورة بعام واحد رأى ان يضم الى الهيئة التأسيسية (القيادة) ضابطا لم يكن من قبل عضوا في تنظيم الضباط الاحرار . فقبل عضوا في القيادة مباشرة دون ان يمر على مستويات التنظيم قبولا لرأي عبد الناصر. كان ذلك الضابط هو أنور السادات الذي سيصبح خليفة لعبد الناصر في رئاسة الجمهورية بعد ذلك بعشرين عاما..
ومما يذكر ويشكر للرئيس أنور السادات انه كان واحداً من الذين لم يكفوا في أي وقت طوال حياة عبد الناصر عن الاعتراف بالمسافة التاريخية التي كانت بين قائد الثورة وأعضاء مجلس قيادتها . و لقد عبر سيادته عن هذا الاعتراف بكل أدوات التعبير وأقواها دلا لة . ولا يمكن ان ينسى الشعب لسيادته انه يوم أن ألقى كلمته التاريخية أمام مجلس الشعب وهو يتلقى قرار ترشيحه خلفا لعبد الناصر، بعد ان أنهى كلمته وهم بالخروج من القاعة ومر أمام تمثال عبد الناصر ، استدار وركع امام تمثال عبد الناصر تحية واجلالا لقائد الثورة العظيم . ولم يكن ذلك الموقف جديدا على الرئيس السادات .
يقول موسى صبري في كتابه "وثائق 15 مايو " (1977) وهو كتاب لا يمكن ان يتهم بانه " مع " عبد الناصر ولا بأنه " ضد " أنور السادات " فيقول :
" أعطى أنور السادات صوته في مجلس الثورة مع عبد الناصر دائما.. وأعلن انه يؤيد كل قرار يصدره عبد الناصر حتى لو كان غائبا . وضع السادات صوته في مجلس الثورة في جيب عبد الناصر تعبيراً عن الثقة المطلقة . واقتناعا كاملا بأن عبد الناصر رجل عميق التحليل للامور ، صائب الرأي في الوصول الى قراره . لا يتعجل ولا يصدر القرار الا بعد دراسة كاملة لكل جوانبه . وثبت هذا في اجتماعات مجلس الثورة. وعندما صدر قرار مجلس قيادة الثورة بعودة محمد نجيب كان أنور السادات يستمع الى القرار من الراديو ولم يكن حاضرا للاجتماع واستمع الى اسمه وفي ترتيب أقدميته من مصدري القرار… " .
ان هذه الفقرة لا تكتفي بالاعتراف بالمسافة التاريخية التي كانت بين قائد الثورة وأعضاء مجلس القيادة ، بل تضيف ان تلك المسافة كانت من الاتساع بحيث كاد القائد ان يكون متفردا بالقيادة وكاد الاعضاء ان يتلاشوا لدرجة ان أكثر الاعضاء خبرة بالعمل السياسي قد وضع صوته في جيب عبد الناصر، سواء أحضر الاجتماعات أم لم يحضر.. وأخيراً فان هذه الفقرة " الشهادة " تجيب على ما أصبح مادة للتشهير بعد وفاة عبد الناصر . هل كان تميز عبد الناصر " تسلطا " منه على رفاقه في مجلس قيادة الثورة هل الغى عبد الناصر وجود مجلس قيادة الثورة وفرض رأيه على أعضائه ؟.. أم ان مسافة " تاريخية " ، من الوعي والعلم والمقدرة كانت تفصل بينه وبينهم ، يعترفون بها ، فيتلقون عنه الرأي ثقة في تفوقه ؟
تقول الفقرة ان أنور السادات قد وضع صوته في جيب عبد الناصر " تعبيرا عن الثقة المطلقة واقتناعا كاملا بان عبد الناصر رجل عميق التحليل للامور " صائب الرأي في الوصول الى قرار، لا يتعجل ولا يصدر القرار الا بعد دراسة كاملة لكل جوانبه " .
هذا عن الرئيس السادات . لم يفرض عليه عبد الناصر رأيا ولكنه اقتنع اقتناعا كاملا بعبد الناصر فقبل ان يؤيده تأييداً مطلقا . فماذا عن باقي الاعضاء ؟ ..
يقول موسى صبري : " ظل عبد الناصر متمسكا بالعمل الجماعي مع مجلس الثورة حتى عام 1956. واستطاع ان يفرض نفسه وان يفرض شخصيته على أعضاء المجلس . كيف ؟ كان هو الذي يدعو الى الاجتماع . كانت الموضوعات التي يعرضها مدروسة منه من كافة جوانبها . وكانت مفاجئة للاعضاء . لأنها تعرض أثناء الاجتماع . فكان طبيعيا ، ان تصدر منهم آراء غير مدروسة . وكان طبيعيا ان تظهر لهم المرة بعد المرة سلامة رأي عبد الناصر. كان يعرف كل موضوع . وكان يبسط الحجج التي تؤيده والتي تعارضه. وكان يعبر عن الاسباب التي دعته الى التأييد او الرفض . وكان يستمع الى كل الاراء ثم يصدر القرار وأخذ وضعه تماما رئيسا لمجلس الثورة ..
وأستطيع ان أقول ان بعض أعضاء المجلس الذين كانت تربطهم صلات قديمة بعبد الناصر وكانوا يعرفون خبايا طبيعته البشرية.. كانوا يتساءلون في أحاديثهم الخاصة : هذه ليست طبيعة عبد الناصر؟.. ماذا جرى ؟ .. هل هو فعلا قد تحول.. ام ان هذا قناع يحكم ارتداؤه .
هذا الذي كان يردده بعض الاعضاء ويجب ان يكون سؤالا للباحثين والمحللين لتاريخ جمال عبد الناصر وخبايا شخصيته متعددة الجوانب .
ولكن يجب تسجيل .. ان عبد الناصر التزم بالعمل مع مجلس الثورة من 1952 الى 1956، وانه فرض شخصيته على المجلس . وانه ثبت في أكثر من قراراته انه أبعد نظرا.. ".
بالرغم من الاستعمال المتحرر لمفردات اللغة فان هذا الجانب من " الشهادة " يجيب بعضه على بعضه. ولا يحتاج الامر الى ان يطرح سؤال او تساؤل على الباحثين والمحللين عن خبايا شخصية عبد الناصر. لم يكن ثمة شيئ خبئ . لقد كان أكثر علما وأوفى درسا وأعمق تحليلا وأبعد نظرا وأصوب رأيا.. وأكثر ديموقراطية بكثير كان قبل ان ينعقد المجلس بمثابة " سكرتير " لهم يجمع عناصر الموضوع ويحضرها ويبوبها ثم يعرضها . وحين عرضها كان أستاذا يعرض عليهم كل ما يثيره الموضوع من آراء مؤيدة وآراء معارضة . ثم بعد عرضه كان يستمع الى كل الأراء بدون مقاطعة او تسفيه واستنكار او استعلاء. فاذا أبدى رأيه فهو يعرضه عرض العالم الدارس المحلل ويؤيده بحجته ولا يكتفي بل يعرض عليهم الحجج المضادة لرأيه.. ثم يصدر القرار . ليس هو الذي يصدره . فقد كانت القرارات في مجلس الثورة تصدر بالاغلبية.. بعد كل هذا ثبت لاعضاء المجلس مرة بعد المرة انه أصوبهم رأيا وأبعدهم نظرا
فنصحح بعض الالفاظ ونقول انه لم يفرض نفسه عليهم .. بل أخذ مكانا استحقه فاعترفوا له باستحقاقه. ثم نسأل " هل كان عبد الناصر ديكتاتورا في مجلس قيادة الثورة؟
لا .
وهو جواب نفي يضاف الى جواب نفي الفلاحين .
فهل ثمة جواب آخر؟
نشوف !!!

اسطورة المستبد العادل :
ما أثر تلك المسافة التاريخية بين عبد الناصر وبقية رفاقه على علاقة عبد الناصر بمشكلة الديموقراطية؟ وهل كنا نتحدث عن تلك المسافة التاريخية اعتباطا أو نفاقا او تشهيراً ؟ .. كلا .
إنما هي حقيقة ذكرناها لأنها أدت الى حقائق نذكرها .
ذكرنا من قبل انه في يوم 10 ديسمبر 1952 أعلنت الثورة سقوط دستور 1923. وفي يوم 16 يناير 1953 أعلنت حل الاحزاب القائمة وتحريم انشاء أحزاب في المستقبل ( المرسوم 37 لسنة 1953) وتحديد فترة انتقال لمدة ثلاث سنوات يتم خلالها وضع دستور يحقق " الديموقراطية السليمة " ويتفق مع أهداف الثورة . وفي يوم 10 فبراير 1953 أصدرت اعلانا دستوريا ببيان نظام الحكم في فترة الانتقال . خلاصة النظام ان يتولى مجلس قيادة الثورة ، وكان يرئسه محمد نجيب ، أعمال السيادة العليا . ويتولى مجلس الوزراء ، وكان يرئسه محمد نجيب ، السلطة التشريعية . ويتولى الوزراء ، كل حسب صلاحياته السلطة التنفيذية . ويتولى مجلس مشترك من مجلس الوزراء ومجلس قيادة الثورة ، وكان يرئسه محمد نجيب ، أعمال المتابعة والرقابة. وكان جمال عبد الناصر نائبا لمحمد نجيب في كل مناصبه .
واذا تذكرنا ان محمد نجيب الذي يحمل ألقاب قائد الثورة ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس الوزراء ... الخ لم يكن في حقيقته الا " ديكورا " سياسيا وضع على و اجهة الثورة يوم قيامها، وبدون علمه، وانه قد انتزع ورد الى حيث موقعه الحقيقي حين خطر له - لا أدري كيف- انه جزء أصيل من بنيانها، نستطيع بسهولة ان نقول ان عبد الناصر كان هو الرئيس الفعلي للجمهورية و الرئيس الفعلي لمجلس قيادة الثورة والرئيس الفعلي لمجلس الوزراء والرئيس الفعلي للمؤتمر المشترك من مجلس قيادة الثورة و مجلس الوزراء . أي ان عبد الناصر كان الموجه الحقيقي لسلطة السيادة والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية . ( احتفظ الاعلان الدستوري الصادر يوم 10 فبراير 1953 للسلطة القضائية باستقلالها عن كل السلطات بما فيها مجلس قيادة الثورة ) .
ثم إذا تذكرنا المسافة التاريخية التي تحدثنا عنها في الفقرة السابقة نستطيع بسهولة أيضاً أن نقول أنه ابتداء من أوائل عام 1953 كان الرأي الأخير في ممارسة كافة السلطات السيادية والتشريعية والتنفيذية لعبد الناصر شخصياً . هذا بدون انكار لما لم ينكره أحد من أنه كان يمارس تلك السلطات بالاشتراك مع زملائه سواء في مجلس قيادة الثورة أو في مجلس الوزراء أو في المؤتمر المشترك بينهما . عدم انكار ذلك المسلك الديموقراطي " التطوعي " في قمة أجهزة السلطة لا يحجب آثار الواقع الذي صاغه التاريخ امتيازاً بشرياً أبقى بين عبد الناصر ورفاقه مسافة أدت - واقعياً - إلى أن المرجع الفعلي في ممارسة كافة السلطات كان عبد الناصر .
انه ، إذن ، الاستبداد … وبه أصبح عبد الناصر حاكماً مستبداً .
هذا القول في حاجة الى ملحوظتين قبل ان يقبل أو يرفض أحدهما موجهة الى الجيل الجديد من الشباب العربي الذي لم يعاصر مرحلة ما قبل ثورة 23 يوليو 1952 حين كان كل شيء مختلفاً عما هو عليه الآن حتى دلالات الكلمات . والثانية عن دلالات الكلمات ذاتها حتى لا يقع أحد ضحية المعاني المجردة .
أما الملحوظة الاولى فهي انه منذ ان أطلق الامام الشيخ محمد عبده ، في مطلع القرن الحالي شعار " لا ينهض بالشرق الا مستبد عادل " لم تكن فكرة الاستبداد مقرونة- كما هي اليوم- بالقهر والتسلط . كانت توحي الى الاذهان برموز قريبة من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي ذهب به الاستبداد العادل الى حد حرمان المؤلفة قلوبهم من نصيب في الفيء تقرر لهم بنص في القرآن الكريم وإلى حد منعه الملكية الخاصة للارض السواد ( العراق) بحجة اجتهادية انها ملك للاجيال المتعاقبة من المسلمين فلا يتملك رقبتها جيل الفاتحين ولم يأخذ في شأنها بسابقة توزيع ارض الطائف . وتلك معان للاستبداد العادل بعيدة أشد البعدعن المعاني التي علمناها من الفاشية او الديكتاتورية . ونحن أبناء الجيل الذي كان واعيا مرحلة ما قبل الثورة 23 يوليو 1952 نذكر جيدا ان المستبد العادل كان على رأس فرسان أحلامنا بمستقبل أفضل لمصر. وكان محمد علي بالذات " بكل ما صاحب استبداده من- نهضة عمرانية وصناعية وزراعية وتعليمية وطموحاته العربية والدولية وانتصاراته العسكرية ، كان يبرز من حين الى حين رمزاً لقائد فرسان أحلامنا .
يقول احمد حمروش في كتابه " قصة ثورة 23 يوليو " :
... في هذه المرحلة أيضا ( يقصد مرحلة ما قبل الثورة) كانت صيحة المناداة بالحاكم المستبد العادل قد علت وترددت ووصلت إلى الذروة سواء في الخارج او في الداخل . نشر الكاتب الامريكي ستيوارت اليسوب مقالا في صحيفة شيكاغو صن تايمز يقول فيه :
" ان الحديث عن انعاش الديموقراطية في بلد كمصر يعيش فيه " أغلبية الشعب عيشة أحط من عيشة الحيوانات لغو فارغ . ان مصر لا تحتاج الى ديموقراطية بل تحتاج الى رجل فرد . الى رجل ككمال أتاتورك ليقوم بالاصلاحات الضرورية اللازمة للبلد .. لكن مشكلة مصر في كيفية العثور على الديكتاتور فليس بين رجالها من لديه المؤهلات اللازمة للديكتاتورية ".. وكتب احسان عبد القدوس مقالا بعنوان ( ان مصر في حاجة الى ديكتاتور.. فهل هو علي ماهر) " تحمس فيه للدفاع عنه وقال أنه يعتد برأيه الى حد لا يسمح معه للوزراء بالتفكير ثم قال .. " ومصر تقبل معه ان يعتد برأيه الى حد ان يصبح ديكتاتورا للشعب لا على الشعب .. ديكتاتورا للحرية لا على الحرية ، ديكتاتورا يدفعها الى الامام ولا يشدها الى الخلف .. " هكذا كتب أحمد حمروش في كتاب لا يمكن " اتهامه " بأنه مع عبد الناصر ، شاهداً معاصراً لذلك الجيل النشيط قبل 1952 ومثله الأعلى الذي كان يحلم به . مستشهدا بما قاله كاتب ينتمي الى ذلك الجيل ذاته هو احسان عبد القدوس الذي لعب دورا مرموقا في التمهيد الفكري والاعلامي لثورة 23 يوليو. ولقد عبر احسان عبد القدوس عن مواصفات ذلك المثل الاعلى ووظيفته حين قال " ديكتاتورا للشعب لا عليه.. ديكتاتورا للحرية لا عليها " .
وانه لمثل أعلى " اسطوري " أسهم في تكوينه فكريا تيار التجديد الاسلامي الذي بدأه جمال الدين الافغاني وتلامذته العديدون في مصر . وأسهم في تقبله العام الفشل الذريع الذي صادف تجربة الديموقراطية الليبرالية في مصر .
ولقد بلغ القبول العام لهذا المثل الاعلى حد أن أنصار الديموقراطية الليبرالية أنفسهم لم يكونوا ينكرونه بل كانوا يتخذونه مبررا للقرارات ظاهرة الاستبداد .

الزعامة المقدسة:
كان حزب الوفد منذ تأسيسه ليبراليا ومدافعا صلبا عن الديموقراطية الليبرالية بحيث تكاد معاركه ضد القصر وأحزاب الاقلية ودفاعه عن الدستور والحريات الليبرالية تستغرق كل حياته. وهي- على أي حال- أنصع صفحات نضاله ، ومع ذلك فانه منذ تأسيسه أيضا لم تخضع قيادته لرأي غالبية الاعضاء الا في المسائل التي لا تهم القيادة . وأعطى قائد الوفد سعد زغلول ومصطفى النحاس؟ نفسيهما " استبدادية " في مواجهة أعضاء الحزب تكررت حتى استقرت تقليدا في الحزب الليبرالي العتيد . ففي عام 1921 قرر سعد زغلول- منفردا- فصل أغلبية أعضاء الوفد (عشرة من أربعة عشر- والوفد هنا تطلق على القيادة العليا للحزب) . وفي عام 1932 كرر مصطفى النحاس الامر ذاته فاتخذ قرارا منفردا بفصل أغلبية الوفد (ثمانية من احد عشر). ولقد كان هذا التقليد الاستبدادي من بين أسباب الانشقاقات المتتابعة التي حدثت في الحزب
وكانت السبب الرئيسي في خروج ( او فصل ) المرحوم الاستاذ عباس محمود العقاد والسيدة روز اليوسف والدكتور أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي على الوفد او عنه .
ولقد فصل محمود فهمي النقراشي يوم 13 سبتمبر 1937. ولم يكن النقراشي عضوا عاديا في حزب الوفد . كان يلقب باسم " ابن سعد " وكانت تسانده الى أبعد الحدود " السيدة الجليلة " ام المصريين " أرملة " سعد زغلول . وكان يعد نابغة التنظيم في الوفد ويحظى باعجاب أغلبية قواعده ، وكان كما وصفته جريدة التايمز، أحد زعماء الوفد الأربعة البارزين وضابط الاتصال بينهم وبين الصحف الاجنبية . و منظم صفوفهم الاكبر . وقد وصفته جريدة الديلي ووكر الشيوعية البريطانية بانه " ينتمي الى حزب اليسار في الوفد ويمثل الآراء الرحبة الواسعة بين الموظفين المستنيرين والطلبة وجزء من طبقات العمال . هذا بالاضافة الى نزاهته المطلقة واستقامته الخلقية وجهاده البطولي في سبيل الاستقلال وضد قوى الاحتلال بأساليب استحق عليها السجن ومخاطر الاعدام " …
بسبب ذلك المكان المرموق للنقراشي لم يمر قرار فصله بسهولة . وطرحت من خلال الدفاع عنه أو الهجوم عليه " ايديولوجية " ما عرف في تاريخ الوفد باسم الزعامة المقدسة . واستعاد أنصار النحاس ما كانت قد نشرته الجريدة الوفدية " كوكب الشرق " يوم 3 يناير 1936 عن الزعامة . قالت : " ماخلت نهضة عامة من زعامة ولا أقفرت حركة وطنية من قيادة ، ولا قامت ثورة إلا على توجيه . ومن ثم كان للزعيم في الحركات القومية قداسة لا يمسها شئ ومقام لا ترتفع اليه ظلال الشبهة، واوج لا يبلغه اتهام . ان الجماعات هي التي تختار زعمائها ولكن الاختيار نفسه لا يلبث ان يحيط ذاته بالقداسة والتكريم الواجبين للمعنى المتمثل به فان الزعيم هو الجماعات نفسها في فرد، كما ان الجماعات هي الفرد نفسه ممثل فيه . " وردد مصطفى النحاس نفسه هذا المعنى ونسبه الى ذاته يوم 10 سبتمبر 1937، تمهيدا لفصل النقراشي بعده بيومين قال : " ما كنت في يوم من الايام رئيس حزب او هيئة ، بل زعيم أمة بأسرها ، فمن خرج عليها صبت عليه غضبها، ومن وقف في طريقها كان كمن يقف أمام التيار الجارف يكتسحه فيلقيه في قاع اليم، فلا يجد لنفسه مخرجا ولا إلى الحياة طريقا ". تلك كانت فكرة الزعامة المقدسة التي يستند اليها رؤساء حزب الوفد ليبرروا قراراتهم الاستبدادية . اعني القرارات التي تصدر غير متفقة مع قواعد اتخاذ القرارات جماعياً وسيادة رأي الأغلبية . ولقد كان المرحوم الاستاذ الاستاذ عباس محمود العقاد من الذين أنكروا تلك الفكرة واستنكرها وتساءل : " كيف تتحقق الديموقراطية مع فكرة تقديس الزعامة ؟ " والواقع أن الاستاذ العقاد كان ينكر ويستنكر ، بمنطق ليبرالي غربي خالص بينما كانت فكرة الزعامة ذات جذور أكثر عمقاً في التراث العربي . فقد اختار ذلك التراث الرموز المتفرقة في تاريخه وقام على محاورها أو لنقل زعمائها بنيان التاريخ كله . فكان التاريخ العربى المكتوب او المدرس على نمط التاريخ الشعبى المتداول في القصص الشعبي ، سلسلة متصلة من " السير الذاتية " سير الابطال او كاد يكون ذلك . ولو جمعنا خصائص اولئك الذين ذكرهم التاريخ من الابطال لما أسفر البحث الا عن مجموعة من " الشجاعة والحكمة والعدل " وذلك هو المستبد العادل المثل الاعلى لكل حاكم كما هو كامن في وجدان شعب عانى أجيالا من الخوف والجهل والظلم . وهنا نتبين ان " المستبد العادل " لم يكن في وجدان الشعب شخصا بل كان رمزا لما ينقص الشعب نفسه او ما يحتاج اليه الشعب نفسه .
أيا ما كان المبرر التاريخي لفكرة " المستبد العادل " وسيطرتها على العقل العربي قبل عام 1952 فإن " الزعامة المقدسة " لم تكن الا صيغة وفدية لتلك الفكرة ، وضعت في التطبيق وسيطرت على تصرفات أكثر الأحزاب ليبرالية في ذلك العهد .



البيعة على الطاعة :
ولقد كان " الاخوان المسلمون " قبيل ثورة 1952، أكثر الجماعات المنظمة بعد الوفد او ربما قبله ، قبولا من الشعب ، وكان المستبد العادل هو نموذج الحاكم الذي يدعو له الاخوان صراحة . بل ان تنظيمهم ذاته قد قام منذ البداية على أسس من بينها التسليم بصحة هذه الفكرة كشرط لقبول الانتماء اليه . فمنذ أسس المرحوم حسن البنا " جماعة الاخوان المسلمين " " في الاسماعيلية في ذي القعدة من عام 1347 هجري- مارس 1928 (هكذا تقول وثائق الجماعة مع ان ذي القعدة 1347 يوافق أياما مشتركة من شهري ابريل ومايو سنة 1929) ، نشأت ونمت على أساس من نظام " البيعة والتسليم الكامل للقيادة " احتجاجاً بقوله تعالى : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " . وكان على كل أخ مسلم من أعضاء الجماعة أن يتأكد من صدق ولائه للدعوة بأن يسأل نفسه عما إذا كان مستعداً لأن يفترض في نفسه الخطأ وفي القيادة الصواب إذا ما خالف رأيه رأي القيادة ولم يكن كل ذلك إلا ترجمات بصيغ مختلفة لفكرة " المستبد العادل " .
اذن ، في تلك المرحلة من التاريخ العربي ، يا أيها الجيل الجديد من الشباب ، لم يكن الاستبداد أقل أمنية يتمناها الجيل المصري الذي كان في ذلك الوقت جديداً . فإن اردتم أن تحاكموا " استبداد " عبد الناصر عام 1953 فحاولوا - ان استطعتم - أن تحاكموه طبقا لقوانين جيله . ولقد علمتم الآن كيف أن حجة الذين انكروا على عبد الناصر في عام 1953 ، استئثاره بالسلطة كانت حجة داحضة . فلقد كانوا يسلمون أمورهم الى قيادتهم تسليما غير مشروط وينكرونه على عبد الناصر . أعني أنهم لم يكونوا على أي وجه ديموقراطيين ليقيم الشعب وزناً لدعاويهم الديموقراطية . ولقد كانت مطالب الليبراليين في ذلك الوقت تنتهي - كخلاصة : إلى أن يسلم عبد الناصر السلطة الى " الزعيم " مصطفى النحاس أو الى " الامام " حسن الهضيبي ، ولم يكن في ذلك شيء يمت بصلة الى الديموقراطية . فحتى لو افترضنا فيهم جميعا العدالة فقد كان كل منهم - عند انصاره - مستبداً عادلاً . ولم يكن عبد الناصر ، قائد الثورة ، أقل انصاراً .
تلك كانت آراؤهم ولكن هل يمكن أن يكون المستبد عادلاً ؟؟؟
هنا موقع الملحوظة الثانية .


إنتهي الجزء الثالث من 7



د. يحي الشاعر
 
"هل كان عبد الناصر ديكتاتورا " الحلقة 4 بقلم عصمت سيف الدولة حقائق ونشأة هيئة التحرير


..." هل كان عبد الناصر ديكتاتورا 4 - "
الحلقة ألرابعة

بقلم الأستاذ عصمت سيف الدولة ...
حقائق ونشأة هيئة التحرير

"هل كان عبد الناصر ديكتاتورا " الحلقة 4 بقلم عصمت سيف الدولة حقائق ونشأة هيئة التحرير



في الجزء الرابع من تحليله ونقده يتعرض الدكتور عصمت سيف الدولة إلي حقائق ما زلنا ننتقدهم حتي اليوم ....

هيئة التحرير وما يتصل بها من تطورات ... وكيف ومتي ولماذا نشأت هيئة التحرير

ومما يلفت النظر ، هو الأستعداد لتقبل النقد الذاتي حول سنوات تلك الفترة ، فينشر موقع الفكر القومي العربي جميع حلقات هذه الدراسة ...

هذه يعني ، أن "التعلم من الأخطاء" ...هو الهدف الذي يؤدي في االنهاية إلي الأصلاح ... وعدم تكرار الخطأ والأخطاء مرة أخري



د. يحي الشاعر

اقتباس:

الحلقة الرابعة بقلم الأستاذ عصمت سيف الدولة ... ويبين فيه حقائق ونشأة هيئة التحرير ، وينشره تحت عنوان ..." هل كان عبد الناصر ديكتاتورا 4 - "



هيئة التحرير:
بعد أسبوع واحد من حل الأحزاب في 16 يناير 1953 أعلنت الثورة قيام هيئة التحرير يوم 23 يناير 1953 أثناء الاحتفالات بمرور ستة أشهر على قيام الثورة . وصاحب انشاء هيثة التحرير وتلاه نزول قادة الثورة إلى الشعب . وشهد عام 1953 طواف عبد الناصر بين المحافظات والمراكز والقرى والكفور ومواقع العمل يفتح فروع الهيئة الجديدة ويخطب ويشرح ويناقش ويبشر معرفاً الناس بالهيئة وغاياتها داعياً الناس إلى الانضمام إلى أول مشروع لحل مشكلة الديموقراطية في مصر .
قال عنها في خطاب القاه في مدينة المنصورة يوم 19 أبريل 1953: ".. أن هيئة التحرير ليست حزباً سياسياً يجر المغانم على أصحابه أو يستهدف شهوة الحكم والسلطان وإنما هي أداة لتنظيم قوى الشعب وأعادة بناء مجتمعه على أسس جديدة صالحة اساسها الفرد . فنحن نؤمن بأن أي نهضة لا يمكن أن تقوم الا إذا آمن الفرد ببلده وقدرته . وأن إعادة بناء هذا الوطن لن تتم إلا إذا قام كل فرد بواجبه . فلن نستطيع وحدنا أن نقيم هذا البناء . وأن الفساد الذي عم جميع مرافق البلاد طوال عشرات السنين فيحتم علينا أن نعمل كل في اتجاهه من اجل ازالته والقضاء عليه. واعلموا ان الطريق طويل وشاق فعلينا أن نتذرع بالصبر فالإرادة التي لا تعرف اليأس لا يقف أمامها أي عائق وسنصل باذن الله وسننتصر".
وقد يكون من المفيد أن نتعرف على بعض وثائق تأسيس هيئة التحرير. تلك الوثائق التي لم تحظ بمكان لائق في ذاكرة أغلب المؤرخين ومؤلفي المذكرات ، بالرغم من أن هيئة التحرير كانت ، منذ قيامها، تتضمن جوهر رؤية عبد الناصر لحل مشكلة الديموقراطية في مصر، وكانت هي التجربة الأولى لتجسيد تلك الرؤية. ولم يكن الاتحاد القومي ومن بعده الاتحاد الاشتراكي العربي ومنظمة الشباب الاشتراكي ، و طليعة الاشتراكيين إلا تعديلات تقع في نطاق تصحيح التجربة الأولى ولكنها تحتفظ بجوهر رؤية عبد الناصر للمشكلة وحلها..

الميثاق الأول:
قامت " هيئة التحرير " على ميثاق . ولا شك أنه مما يلفت الانتباه الحاح فكرة " الميثاق " على ذهن عبد الناصر منذ البداية إلى أن أخر صيغة كاملة لأفكاره عام 1962 فأسماها أيضاً الميثاق . فالميثاق ، كما نعرف ، هو العهد ولكنه يتضمن شيئاً أكثر من مجرد التعهد أو الالتزام الإرادي . يتضمن الثقة والائتمان المضمونين بحيث يكون النكوص عن الوفاء ليس مجرد تراجع بل غدراً و خيانة . على أي حال فإن العلاقة الوثيقة بين الالتزام السياسي و الالتزام الخلقي تمثل جانباً مثيراً من مفاهيم عبد الناصر ومفتاحاً رئيسياً من مفاتيح شخصيته ما يزال في حاجة إلى دراسة متخصصة . فقد كان لهذا الجانب اثار بالغة الخطورة في حياة عبد الناصر ومسيرة ثورة 23 يوليو . يكفي أن نذكر الدور الذي لعبه الجانب الذاتي في موقف عبد الناصر من كثير من أعضاء مجلس قيادة الثورة وبوجه خاص من " صديقه وزميله " عبد الحكيم عامر. لقد أدخل عبد الناصر عنصرالوفاء في علاقات كانت بطبيعتها لا تحتمل شيئا أقل من الحسابات الجامدة المجردة من العاطفة. غبر أن هذا يخرجنا عن نطاق حديثنا فلنرجع إلى ميثاق هيئة التحرير. يقول : " نحن أعضاء هيئة التحرير. قد ألينا على أنفسنا أن نجلي الغاصب عن وادي النيل بلا قيود أو شروط وأن نكفل للسودان تقرير مصبره دون أي مؤثر خارجي ، وأن نقيم في وطننا مجتمعاً قوياً أساسه الإيمان بالله والوطن والثقة بالنفس ، وان نكفل الحقوق والحريات للمواطنين ، فينال كل مواطن حقه في حياة كريمة ، تقوم على المساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص ، وتضافر قوى الشعب لتحقيق رسالة الاصلاح الكبرى ، وأن نجعل نصب أعيننا وحدة الوطن المقدسة، وتعبئته في تنفيذ برامج التعمير والانشاء، وأن نعمل مامن شأنه قيام مصر برسالتها العالمية ، دولة قوية تحمل مشعل العدل والحرية ، و تسعى لخير الإنسان ، وتعاون الشعوب العربية ، وترعى المباديء القويمة التي نصت عليها المواثيق الدولية " .
كان ذلك هو برنامج عبد الناصر والثورة عام 1953 وهو أكثر وضوحاً بكثير من مباديء الثورة الستة كما أنه يتضمن كافة الأحلام التي أراد لها عبد الناصر أن تتحقق وحاول تحقيقها حتى وفاته بعد أن علمته التجربة كيف يكملها فكراً وكيف يطور أساليب تحقيقها .
و مع الميثاق صدر بيان إنشاء هيئة التحرير. يقول في بعض فقراته : " أن أيسر ما يقال في تأييد هيئة التحرير أنها طريق للعمل مفتوح أمام المصريين أجمعين . فهي ليست حزباً ينتفع بمزايا منفردة دون غيره ، ويتعصب أفراده لهذا الرأي دون ذاك . وهي ليست جمعية خاصة للإصلاح الاجتماعي أو النهوض بهذه أو تلك من جوانب الحياة المصرية. وهي ليست نادياً رياضياً يشجعه هواة الرياضة دون غيرهم من الناس ، بل هي مصر كلها منظمة في هيئة واسعة متشغبة الجوانب ، متعددة وجوه النشاط ، وأياً كان المصري ، وأيما كانت نزعاته وميوله ، فهو واحد في هيئة التحرير سبيلاً للعمل والخدمة والانتاج " .
ان التطابق الواضح بين هذا التعريف بهيئة التحرير وبين تعريف عبد الناصر لها لا يدع مجالاً للشك في أن عبد الناصر هو صاحب فكرتها ومنشئها وكاتب وثائقها . وتلك هي أهميتها بالنسبة إلى دراسة " عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر". لقد كانت مشروعه الأول لحل المشكلة.

لماذا هيئة التحرير؟
الذين كتبوا تاريخ تلك الفترة أو مذكراتهم عنها يكادون يجمعون ، ببساطة شديدة على أن الثورة أنشأت هيئة التحرير لتملأ الفراغ الذي تركه حل الأحزاب . وهو قول لا توازي بساطته إلا غرابته. فمن ناحية قامت هيئة التحرير مكتملة التأسيس بعد أسبوع واحد من حل الأحزاب . ولا بد أن مشروع هيئة التحرير كان محل دراسة وتحضير قبل أن يعلن قيامه مكتمل التأسيس بشهور. ومن ناحية ثانية فإن أسبوعاً بعد حل أحزاب كانت قائمة لا يكفي أن تشعر الثورة أن حلها قد ترك فراغاً فعلياً لا بد من ملئه. ومن ناحية ثالثة فإن الغاية من انشاء هيئة التحربر كانت مختلفة تماماً ، بل نقول مناقضة للغايات التي كانت تسعى إليها الأحزاب. لم تقم الثورة بتأييد من تلك الأحزاب حتى إذا ما حلتها سارعت إلى إنشاء بديل مؤيد. ولم تقم هيئة التحرير لتنظيم رجال الأحزاب المنحلة حتى لا يعانوا من فراغ تنظيمي . ولم تقم لتكون منبر الليبراليين ومثقفيهم وأداة لهم في الانتخابات البرلمانية لتملأ الفراغ الحزبي في نظام برلماني . أن القول البسيط بأن هيئة التحرير قد أنشئت لملء الفراغ الذي تركته الأحزاب المنحلة، بالإضافة إلى أنه يسلبها أصالها كتجربة رائدة ، يدل بشكل مأساوي على أن تاريخ مصر عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية لم يحظ حتى بالانتباه الجاد بله الدراسة العلمية . لقد بقي " الفراغ " الذي تركته الأحزاب ، مباديء وقوى ووظيفة، فارغاً ولم تهتم الثورة قط بملئه لأن الثورة كانت مهتمة بملء فراغ آخر تاريخي ، لم تكن الأحزاب مهتمة بملئه نريد أن نقول ان الفراغ الذي قامت هيئة التحرير لملئه كان يقع خارج نطاق مكان الأحزاب الذي أصبح فارغا بعد حلها. و ذاك فرق جوهري بين موقف الثورة وموقف الأحزاب من مشكله الديموقراطية في مصر.
لماذا، إذن، هيئة التحرير... نجتهد فنقول :
الوحدة من أجل التحرير:
علينا الآن أن نتذكر ونستفيد مما رجونا من قبل ألا ننساه :
" ثورة 23 يوليو عبد الناصر ينتميان إلى الخط الوطني الثوري الذي يتميز أساساً عن الخط الوطني الإصلاحي بأنه يعطي مشكلة التحرر أولوية على مشكلة الديموقراطية. وحين يتصدى لحل مشكلة الديموقراطية يعطي الأولوية لجانبها الشعبي .
(الحلقة 3 من هذا الحديث) .
إذا تذكرنا هذا أصبح محتوماً علينا: أولاً : أن نتوقع أن عبد الناصر كان في تلك الفترة مشغولاً بحل مشكلة الاحتلال الإنجليزي قبل أن يكون مشغولاً بمشكلة الأحزاب والديموقراطية وثانياً : أن عبد الناصر كان يبحث عن حل لمشكلة الديموقراطية في مصر يتفق مع متطلبات حل مشكلة احتلال مصر. وثالثاً : ان عبد الناصر كان يبحث عن حل مشكلة الديموقراطية في صفوف الشعب ذاته .
وهذا ما كان فعلا . ومن تلك الابعاد الثلاثة تحددت صيغة ومضمون مشروع حل مشكلة الديموقراطية الاول في مصر : هيئة التحرير .
فأولاً ،
منذ اليوم الأول للثورة بدأ الأعداد للمعركة المحتملة ضد الأحتلال الانجليزي . لم يكن طرد الملك إلا مقدمة تخلصت بها الثورة من العميل الأول . وتلتها تدابير صارمة وسرية. فقد كان عبد الناصر يمثل الخط الوطني الثوري الذي عرفنا عنه أنه كان يرفع شعار " لا مفاوضة إلا بعد الجلاء ". ولكن عبد الناصر هو القائد لهذا الخط يلي السلطة في مصر فيصبح رجل دولة عليه ان يفاوض قبل ان يقاتل . ولقد حل عبد الناصر ذاك التناقض بالحل الذي سيحسب فيما بعد من عبقريات الثورة الفيتنامية . المفاوضة تحت ضغط القتال . وهكذا بدأ عبد الناصر- اولا- بالاعداد للقتال . القتال الثوري وليس القتال النظامي . نعني حرب العصابات.
ففي الاشهر الاولى للثورة بدأت بوسائلها الخاصة تفرض الحصار والمراقبة على رجال السفارة الانجليزية في مصر وتقطع خيوط اتصالاتهم بعملائهم في الداخل . ولقد فرضت قيودا مشددة على التعاون بين القوات الانجليزية المرابطة في منطقة القناة بين سكان المدن المصرية المجاورة . و الغت كافة الصحف التي عرفت بالدعوة الى مهادنة المستعمر او التعاون معه. وعلى عجل وسرا انشئت ونشطت مصانع الاسلحة الصغيرة اللازمة لحرب العصابات ونقلتها وخزنتها في مواقع سرية قريبة من مواقع القتال المنتظر. ثم أخذت في تخزين المواد الغذائية والبترول لمدة تكفي مصر ستة أشهر على الاقل .
ثم أنشأت مراكز تدريب " الحرس الوطني " ولما ان تم تدريب عدد كاف منهم ، وكلما تم تدريب عدد، أرسلتهم ووزعتهم في قلب معسكرات الجيش الانجليزي في هيئة عمال وموظفين وموردين . وعينت للمعركة القادمة قائدا من الضباط الاحرار هو : كمال رفعت .
وثانيا،
بينما كان الاعداد لقتال المحتلين قائما على قدم وساق كان التحضير لتنظيم الوحدة من أجل التحرير قائما على قدم وساق أيضا . لم يكن ثمة مجال للتفكير في أية صيغة تسمح بالتعدد الحزبي او بالصراع الاجتماعي . لأن الاولوية كانت - في ذهن عبد الناصر- للتحرر الوطني . وكان لا بد من أن تلتحم الجبهة الشعبية في اطار تنظيمي واحد فقامت هيئة التحرير تنظيما واحدا .
وثالثا،
كان عبد الناصر يعرف ما كان كل المصريين يعرفونه من علاقة بين قوى الاحتلال والاحزاب الليبرالية التي حلتها الثورة . ولم يكن ادعاء على تلك الاحزاب ما جاء في قرار حلها الذي اذاعه محمد نجيب حين قال : " ولما كان اول أهداف الثورة هو اجلاء الاجنبي عن أرض الوطن ، ولما كنا آخذين الان في تحقيق هذا الهدف الاكبر والسير به الى غايته مهما تكن الظروف والعقبات ، فاننا كنا ننتظر من الاحزاب ان تقدر مصلحة الوطن العليا وتقلع عن أساليب السياسة المخربة التي أودت بكيان البلاد ومزقت وحدتها وفرقت شملها لمصلحة نفر قليل من محترفي السياسة وأدعياء الوطنية. ولكن على العكس من ذلك اتضح لنا ان الشهوات الشخصية والمصالح الحزبية التي أفسدت أهداف ثورة 1919 تريد ان تسعى سعيها ثانية بالتفرقة في هذا الوقت الخطير من تاريخ الوطن فلم تتورع بعض العناصر من الاتصال بدولة أجنبية.. " لم يكن ادعاء بل كان حقيقة يختلف مداها من حزب الى حزب (ما عدا الحزب الوطني كما أقر عبد الناصر وأشرنا اليه من قبل) . ذلك لأنها كانت أحزابا من أولاد وأحفاد حزب الامة : ضد الصدام مع الانجليز ومع التعاون معهم ثم يختلفون فيما بينهم درجات . ومن هنا اتجهت الثورة في تحقيق الوحدة الوطنية وصيغتها الديموقراطية الى الشعب بعيدا عن خريجي مدرسة مهادنة المستعمر والتعاون معه، فكانت هيئة التحرير. ولم يلبث كل هذا ان ثبت في الواقع فبعد ان اكتمل الاعداد للصدام وحلت الاحزاب وقامت هيئة التحرير أعطى عبد الناصر اشارة البدء الى النضال من اجل انهاء الاحتلال . ولما كانت هيثة التحرير جزءا من خطة المعركة فلم يكن اعتباطا انه أعطى تلك الاشارة بمناسبة افتتاح فرع هيئة التحرير في شبين الكوم 27 فبراير 1953 قال : " على الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل . أن الشعوب التي تساوم المستعمر على حرياتها توقع في نفس الوقت وثيقة عبوديتها لذلك فإن أول أهدافنا الجلاء بدون قيد أو شرط " . وتوالت من فروع هيئة التحرير خطب عبد الناصر التي تحولت الى شعارات واغان قال يوم 17 مارس 1953، ردا على الصحف الانجليزية التي زعمت ان الجلاء سيعرض مصر والقناة لمخاطر أجنبية : " ان الدفاع عن الشرق الاوسط أمر يعني دول هذه المنطقة أكثر من غيرهم ولن يستطيع شعب يرزح تحت نير الاستعمار أن يدافع عن استمرار هذا الاستعمار في وطنه بحجة تخويفه من اعتداء آخر يتعرض له هذا الشعب او لا يتعرض ". وقال في اليوم التالي 18 مارس 1953 : " ان مصر لن تساوم على حقها الطبيعي في الجلاء الناجز الكامل ، ولاتقبل أي نوع من أنواع الاحتلال ، ولن تسمح في حالة نشوب حرب للبريطانيين في امتخدام القاعدة الجوية في القناة . والمصريون أقدر على تحمل مسئوليات الدفاع عن القناة من أية قوة أجنبية. وستحافظ مصر على استقلالها وحريتها حتى آخر رجل وامرأة " . وأنذر قائلا : " اذا لم تتخلص بلادنا من الاحتلال فسنسحب قواد الثورة من الحكومة لقيادة الشعب في حرب عصابات نشنها على الانجليز وسننشر أعمال الفداثيين بطريقة تشعر هؤلاء بانهم يدفعون غاليا ثمن عدوانهم على بلادنا ".
بعد هذا، وليس قبله، بدأ عبد الناصر المفاوضة مع الانجليز يوم 27 أبريل 1953. وبمجرد ان أحس ريح المساومة قطع المفاوضة يوم 8 مايو 1953 أي بعد عشرة أيام من بدئها .. وبدأت المقاومة السرية وأعمال التدمير في المعسكرات الإنجليزية وتوزيع الأسلحة على أفراد الشعب في منطقة القناة وتصاعدت إلى درجة أنه في يناير 1954 قال سلوين لويد وزير خارجية بريطانيا في مجلس العموم " أنه من المستحيل الوصول إلى اتفاق مع مصر ما دامت هذه الأعمال مستمرة ". وأعلن وكيل وزارة الخارجية في مايو 1954 أنه وقع 52 اعتداء على جنودهم في منطقة القناة في الأسابيع الستة السابقة فاضطرت بريطانيا إلى طلب استئناف المفاوضة في يوليو 1954 بعد أن استمعت جيداً إلى قول عبد الناصر في مدينة الاسماعيلية (منطقة القناة) يوم أول يوليو: " لن يقف الاستعداد للمعركة إلا حينما يخرج آخر جندي أجنبي من هذه البقعة الغالية من أرض الوطن .. ولن يقف الاستعداد للمعركة إلا بعد أن نشعر أننا كرماء في بلادنا قد حصلنا على حريتنا فإن هدف ثورتنا هو تحرير مصر تحريراً كاملاً ".

المسحراتي :
في إطار ذلك الصراع من أجل التحرر قامت هيئة التحرير كأول مشروع للثورة لحل مشكلة الديموقراطية في مصر. نريد أن نقول أن عبد الناصر لم يتوقف عند جمع كافة السلطات في بداية عام 1953 ولكنه حاول ان يحل مشكلة الديموقراطية في مصر عن طريق هيئة التحرير التي رأى أنها الأسلوب المناسب لحل تلك المشكلة في ظروف الصراع ضد قوة الاحتلال من أجل التحرر الوطني . ولقد سخرت الثورة ، وعبد الناصر شخصياً ، كل الامكانات المتاحة بشرياً ومالياً وإعلامياً وثقافياً لإنجاح هيئة التحرير. ولقد كان الاصرار على انجاحها قاطع الدلالة على ثبات عبد الناصر في الاتجاه الديموقراطي وان تحديد فترة الانتقال بثلاث سنوات كان يرجع إلى الاعتقاد بأنها مدة كافية لنجاح مشروع هيئة التحرير . ولقد حققت بقيامها أول نجاح جزئي هام . هام لأنه يتصل بالمبدأ الديموقراطي ذاته إذ حسمت الشك في إتجاه الثورة ديموقراطياً بعد أن كان الاستبداد بالسلطة يثير الشك وان كان لا يطفىء الأمل . إن قيام هيئة التحرير حوّل الأمل المعلق إلى فعل إيجابي وضعت الثورة على أول الطريق إلى حل مشكلة الديموقراطية في مصر . هذا- طبعاً- بالإضافة إلى الأمل المعلق على لجنة وضع الدممتور التي شكلتها الثورة من رجال القانون وعلماء الاجتماع وممثلين للاتجاهات السياسية حتى القديمة منها ، بقرار 13 يناير 1953 وكانت ما تزال قائمة بمهمتها .
ومما هو جدير باكبر قدر من الانتباه أن هيئة التحرير كانت تمثل- عبد الناصر كما يبدو من أقواله- مرحلة أولية وتحضيرية لقيام أحزاب جديدة . في أول المرحلة قال في المؤتمر السياسي العام الذي انعقد في ميدان الجمهورية يوم 16 سبتمبر 1953 : " إن هذه الثورة لن تتخلى عن مكانها حتى تحقق هدفها الأكبر وهو القضاء على الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين ومهما طال الأمد فهي معركة بدأناها ولن نعرف فيها زماناً ولا مكاناً حتى تتطهر البلاد من المستعمرين والخونة والمضللين والمارقين . وعندئذ ستتعلم الأحزاب أن تنشأ على قواعد جديدة من أجل مصر وليس من أجل حفنة من الناس المضللين ". وفي نهاية المرحلة يقول الصحفي الهندي كارنجيا يوم 10 مارس 1957 نقلاً عن عبد الناصر : " واستطرد الرئيس فأعرب عن ثقته بأن الزعماء الوطنيين المخلصين سينتخبون وأن البرلمان ستقوم فيه تكتلات ومجموعات وربما تكون فيه معارضة في المدى الطبيعي للأحداث كما تبرز بعد ذلك طبعاً قوى سياسية جديدة ومن المحتمل أن تكون هناك أحزاب ". وهو جدير بأكبر قدر من الانتباه لأن عبد الناصر لن يتخلى عن التعدد الحزبى كحل نهائي لمشكلة الديموقراطية إلا بعد قيام الثورة بعشر سنوات تعلم فيها من التجربة دروساً كان بعضها شديد المرارة كما سنرى فيما بعد.
يهمنا الآن أن نسأل : هل كانت هيئة التحرير مشروعاً ديموقراطياً حقآ؟..
نتذكر ما قلناه من قبل في مقدمات هذا الحديث لنقف مع الشعب ، أغلبية الشعب ، ونسأل سؤالآ اخر. هل كانت سلبية الشعب ، أغلبية الشعب في مصر ، إزاء النشاط العام والسياسي واقعاً أولا "؟.. لاشك أنه كان واقعاً لا يستطيع أحد إنكاره خاصة إذا انتبه إلى أننا نعني بالشعب أغلبيته من الفلاحين والعمال وصغار الحرفيين والمهنيين و النساء و الجنود وأمثالهم . أولئك لم يكونوا قبل الثورة حتى ناخبين . وكان الناخبون منهم يختارون في الانتخابات مرشحي السلطة أومن توعز السلطة بانتخابه. وعن طريقهم استطاعت حكومات الأقلية أن تشكل برلمانات ذات أغلبية لا تقل عن أغلبية الوفد . ولم يكونوا يقرأون الصحف فإن نسبة الأمية فيهم كانت أكثر من 90 في المائة . وما كان يعنيهم ما يدور في قمة السلطة في القاهرة. ولم يستطع أي حزب سياسي أن يكسبهم إلى عضويته العاملة . أو على الأصح لم يهتم أي حزب بأن يكسبهم إلى عضويته العاملة ويشركهم في نشاطه المنظم . ولم يهتموا هم بأن يكونوا أعضاء عاملين في أي حزب . لقد كان حزب الوفد هو حزب الأغلبية بدون منازع ولكن بمعنى انه في أية انتخابات حرة كان يحصل مرشحوه على أغلبية أصوات الناخبين . ولكن حزب الوفد كتنظيم كان محدود العدد والعضوية وكان قصارى انتشاره التنظيمي ما كان يسمى لجان الوفد في المحافظات . وكانت عضويتها الثابتة مقصورة على عدد ضئيل من النواب والشيوخ أو ممن يحضرون أنفسهم ليكونوا نواباً وشيوخاً . وكان امتداده في الجامعات مجموعات من طلاب السنين النهائية ينفذون أوامر قيادته تمهيداً لتلقي الوظائف بعد التخرج . على أي حال كان حزب الوفد حاضراً في المدن على وجه ما . أما في القرى والكفور والعزب والمصانع و المعامل والحواري والأزقة والصحاري ، وكل تلك الأماكن الكئيبة التي يعيش فيها الشعب ، فلم يكن لحزب الوفد وجود منظم . مرة واحدة حين أنشيء حزب مصر الفتاة (21 أكتوبر 1933 ) على النمط الفاشستي عرفت المراكز والقرى لجاناً حزبية ثم أنحسرت التجربة سريعاً ولم تترك أثراً . ومرة أخرى عرفت المواقع الشعبية تنظيم الأخوان المسلمين كجماعة دينية وكان جل أعضائها في الريف أخواناً في الدين وفديين أو غير وفديين في الانتخابات. لهذا لم يكن غريباً أن حزب الوفد قد أفلس أو كاد في فترة أقصائه عن الحكم بعد 1944 حتى اضطر- حين عاد إلى الحكم - أن يتاجر في الرتب والألقاب ليعمر خزانته ( كان ثمن رتبة الباشوية 30000 جنيه ورتبة البكوية 10000 جنيه واستطاعت طائفة من تجار مخلفات القوات الانجليزية أن تصبح من الباشوات والبكوات . مرجع ذلك إلى أن تلك الأحزاب جميعها كانت تفتقد الظاهرة الجماهيرية المنظمة والاشتراكات الثابتة وكانت تعيش على تبرعات قياداتها من الاقطاعيين والرأسماليين الطامعين في الحكم أو في تسخير الحكم لمصالحهم . خارج تلك الدائرة كان الشعب راكداً .
ثم جاءت هيئة التحرير حجراً ألقي في بحر الركود الشعبي . وامتلأت القرى والكفور والعزب و الأحياء ا الشعبية، بالإضافة إلى المدن ، بمقار هيئة التحرير . ووقع كل مصري تقريباً ، أو ختم أو بصم على طلب العضوية. وظهرت في القرى صفات يتنافس عليها الناس غير العمودية والمشيخة والخفر تلك هي صفة " عضو هيئة التحرير ". واحتفظ الأميون في جيوبهم بفخر شديد، ببطاقات عضوية هيئة التحرير قبل أن يعرفوا بطاقات إثبات الشخصية (الهوية) . ولم تتركهم الثورة يلتقطون أنفاسهم . فهي تدعوهم وتجمعهم و " تلملمهم " وتحشدهم في كل مكان من أرض مصر وفي كل مناسبة ، وحتى بدون مناسبة، ليستمعوا في فضول وعجب وإعجاب إلى رجال الثورة يتحدثون إليهم أحاديث طويلة عن التحرير والحرية والاستعمار وعن مصر التي هي مصرهم والحكم الذي هو حكمهم والمستقبل الذي هو مستقبلهم . وتشهر أمامهم علنا وبأقسى الألفاظ بالملوك والأمراء والباشوات والباكوات والسادة الذين ما كان يخطر ببال المستمعين قط أنهم قابلون لأن يشهر بهم .
وقامت هيئة التحرير، على مدى ثلاث سنوات بدور المسحراتي اللحوح ، تصرخ وتغني وتطبل لتوقظ الناس من " أحلى نومة " بصرف النظر عن الصائمين وغير الصائمين .
طرائف للذكرى:
ولم يكن الأمر يخلو من الطرافة التي تثير الضحك مرحاً وليس سخرية، وان كانت جماعة الليبراليين ومثقفوها قد سخرت من التجربة كلها سخرية لاذعة. ولم يضحك أحد مرحاً كما ضحكنا يوماً من منظر الموسيقار الرقيق " الموسوس " محمد عبد الوهاب وهو محشور في ركن من أركان ميدان الجمهورية (عابدين) يغني لمائة ألف مصري محتشدين في الميدان يهتفون للثورة . هو يغني وهم يهتفون فلا يكاد يسمع نفسه. وهم يتصببون عرقاً وهو يدرأ عن أنفه ما لا يطيق بمنديل معطر . ولم يكن محمد عبد الوهاب إلا عميد الفنانين في مصر الذين زفوا الثورة إلى شعب مصر بكل أنواع الفنون .
ولم يضحك أحد مرحاً مثل الذين ضحكوا وهم يرون الألوف من الفلاحين المجهدين وقد جمعوا من الغيطان لتلقى عليهم الخطب المطولة في الحرية والتحرير فلما أعيد عليهم نداء " ارفع رأسك يا أخي " اختلط عليهم المعنى الحقيقي بالمعنى المجازي فرفعوا رؤوسهم المدلاة من فرط الارهاق .
وجذب الاصرار على اليقظة كثيراً من المثقفين فذهبوا يبتكرون أساليب غريبة للإيقاظ ، من أول قطارات " الرحمة " تنطلق من القاهرة لتزور المدن والأرياف وتدعو الفقراء إلى إعانة الفقراء متخذة من الدعوة وسيلة إلى تثبيت معاني الوحدة الوطنية ومسئولية الشعب عن حل مشكلاته بنفسه، إلى مئات من الحافلات تنطلق ذات يوم من القاهرة تحمل الكتاب والصحفيين والمترفين والفضوليين والانتهازيين أيضاً ، كل يحمل شجرة صغيرة لزراعة غابة " كوم أوشيم " قرب الفيوم . إلى ما هو أكثر من هذا جدية حين كسر حاجز الصحراء وأنشئت مديرية التحرير وأقيمت في صحرائها قرى نموذجية ونقل إليها الفلاحون بعد أن ألبسوا أزياء موحدة قريبة الشبه بأزياء الفلاحين في هولندا.. هذا قبل أن تثمر أرضها ما يكفي لشراء تلك الأزياء.
ثم تؤمم القناة فيكاد الشعب أن يجن فرحاً ويكاد كل مصري أن يحسب نفسه شريكاً في تأميم القناة . ولم يكن تأميم القناة مجرد إجراء اقتصادي أو سياسي موجه ضد الانجليز أو غيرهم بل كان إعلاناً مدوياً بأن مصر قد تحررت- أخيرا- من احتلال . هكذا فهمه الشعب في مصر وهكذا فهمته جماهير الأمة العربية وهكذا فهمه العالم كله فيما اعتقد. ثم تأتي الأحداث الكيرى وتتعرض مصر للغزو الثلاثي في أكتوبر 1956 فإذا بالشعب كله رجالاً ونساء وأطفالاً يخرج إلى الشوارع هاتفاً " حنحارب.. حنحارب " مردداً بذلك نداء قائده في ساحة الأزهر. وتشهد مصر ما لم تشهده منذ أحمد عرابي : جموع الفلاحين من القرى ومن كل أطراف مصر تحمل أسلحتها بنادق وفؤوس وعصي وتحمل إرادتها المتحررة متجهة الى حيث لا تدري " لتحارب ". ويقع الغزو فينهار بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة أنفسهم (عبد الحكيم عامر وصلاح سالم ) ولكن عبد الناصر يرفض الاستسلام ويفتح مخازن السلاح ويوزعه على الشعب ويدفع بجزء كبير منه إلى كهوف الجبل الشرقي في محافظة أسيوط - التي يعرفها جيداً - لتكون تحت تصرف معركة الشعب ضد الغزو الجديد فيما لو سقطت القاهرة وزمجرت في الماء الراكد أمواج روحية هائلة . هنالك كانت اليقظة قد تجاوزت إطارها وذابت الثورة- لفترة- في أمواج الجماهير المتلاطمة فتحول المد الجماهيري إلى طوفان أطاح بكل نظام وتنظيم . ومع ذلك فحين وجه إلى الشعب نداء بأن يعيد الأسلحة التي وزعت عليه بدون إيصالات أعاد شعبنا الأصيل إلى الثورة التي وثقت به كل قطعة من السلاح التي وزعته . حتى اللصوص وجدوا أن ليس من الرجولة أن يخذلوا الثورة التي وثقت بأمانتهم .

د. يحي الشاعر



 
وماذا عن الديموقراطية:
هل كان لكل ذلك علاقة بالديموقراطية مشكلة أو الديموقراطية حلاً؟

تتوقف الإجابة على موقف كل واحد من الديموقراطية . أما الليبراليون والمثقفون - إلا القليل- وتلك الشريحة الممتازة علماً ومالاً فقد كانت في هيئة التحرير اصطناعاً وتهريجاً وتضليلاً وضياعاً للوقت والمال و" ضحكاً على الناس " وافتعالاً لحركة جماهيرية أبعد ما تكون عن الجماهير وعن الديموقراطية وكان المتحذلقون منهم يرون فيها خطة مدبرة لاضفاء شكل جماهيري على ديكتاتورية عسكرية لا تريد الاعتراف بحقيقتها. وكانت حجة كل أولئك أن الجماهير لم تكن هي التي أنشأت هيئة التحرير ولم تكن هي التي وضعت نظامها وما كانت هي التي تقودها أو تحركها أو تسهم في تكوين عناصر نشاطها . كانت الجماهير " تلملم " لترى أو تسمع أو تصفق أو تتظاهر ثم تفض حين يطلب منها قادة الثورة . وكان كل هذا صحيحا إلى حد كبير. ومن هنا فإن الذين توقعوا لهيئة التحرير أو من هيئة التحرير أن تكون هي ذاتها منظمة ديموقراطية قد خاب أملهم فيما توقعوا لها وما توقعوا منها.
أما الذين كانوا يقفون من مشكلة الديموقراطية موقف الشعب لسب ويرونها على ضوء احتياجاته الفعلية فلا شك يقدرون ما أسهم به المشروع الديموقراطي الأول للثورة في سبيل حل مشكلة الديموقراطية في مصر.
اشتركت الجماهير العريضة في منظمة جماهيرية اشتراكاً شكلياً . فليكن . ولكن تلك الجماهير لم تكن من قبل تشترك في أية منظمة ولم يكن أحد يهتم بإشراكها . تحركت الجماهير بالاغراء أو حتى بالقسر . فليكن . ولكن تلك الجماهير كانت قد اعتادت عدم الحركة أصلاً . جمعت الجماهير لملمة في السرادقات لتسمع الخطب السياسية التي لا تفهم منها شيئا . فليكن . ولكن تلك الجماهير لم تكن تجتمع إلا في الجنائز ولم تكن تسمع ولا تهتم بأن تسمع خطاباً سياسياً ولم يكن أحد يهتم بأن يسمعها خطباً سياسية . شدت هيئة التحرير انتباه الجماهير إلى أشكال مصطنعة من النشاط العام . فليكن . ولكن تلك الجماهير لم تكن من قبل تنتبه أصلاً للعمل العام . ركزت هيئة التحرير على الأميين والجهلة ولم تتح فرصة كافية للمثقفين . فليكن. ان مشكلة الديموقراطية في مصر كانت كامنة في صفوف الأميين والجهلة وليس بين المثقفين .
باختصار إن الثورة لم تحل في تجربتها الأولى " الديموقراطية في مصر ولم تحقق شيئاً يهم الليبراليين ولكنها في مصر الشعب اقتحمت كل المواقع وأيقظت كل النيام و حملتهم على أن يفتحوا أعينهم على القضايا العامة وان يستمعوا إلى أحاديث وأناشيد الحرية . ولقنتهم أول دروس الوعي السياسي . وأهم من هذا كله انها أقنعتهم وحاولت أن تقنعهم وبكل الوسائل والأساليب أنهم الأصل والعنصر الأهم في مشكلة الديموقراطية. وهي محاولات لم يصدقها بسهولة شعب تآمرت كل الأحزاب السابقة على عزله فانعزل . ولقد كان كل ذلك انجازاً ديموقراطياً كبير بصرف النظر عمن بقي يقظاً ومن عاد إلى نومه ، من صدق أن له حقاً ومن لم يصدق ، و بصرف النظر عن كل أسباب الضحك مرحاً أو الضحك سخرية. أياً ما كان الأمر فقد كانت مرحلة هيئة التحرير دليلاً لا شك في صحته على إصرار الثورة وقائدها عبد الناصر على حل مشكلة الديموقراطية في مصر على مستواها الأكثر حدة وهو المستوى الشعبي .
كانت خطوة تلتها خطوات . كانت تجربة تناولها التصحيح . فلننتظر الخطوة التالية.
(9) السلطة، كل السلطة، للشعب
نهاية الحركة الأولى :
" التجربة. الخطأ. التصحيح " تلك هي الحركات الثلاث للمنهج التجريبي الذي عالج به عبد الناصر مشكلة الديموقراطية في مصر . وبهذه الحلقة من الحديث تنتهي الحركة الأولى : التجربة ثم نبدأ بعدها الحديث عن الحركة الثانية : الخطأ . تمهيداً لمرحلة ختامية يكون حديثنا فيها عن التصحيح . بدون أن ننسى أن الحديث كله عن تجربة عبد الناصر وخطأ عبدالناصر وتصحيح عبد الناصر. وأن الحديث كله لعبد الناصر، وليس لنا منه إلا المقدمات التي تفتح له المجال ، والهوامش التي تربطه بالوقائع ، وبعض التعليقات التي تساعد على تفهم مضامينه ثم العناوين .
نقول هذا وندعو الله أن يلهم الصبر لمن بدأوا يضيقون بحديث طال بدون أن يصادفوا فيه نقداً لتجربة عبد الناصر كأننا نسبح بحمده وهو ميت وما سبحنا بغير حمد الله وهو حي ، لكل شيء آن والصبر طيب. وقريباً سندعو الله أن يلهم الصبرلمن سيضيقون بحديثنا لفرط ما سيتضمنه من عرض لأخطاء تجربة عبد الناصر في علاجه لمشكلة الديموقراطية في مصر .

المسألة اننا نكشف أو نكتشف ، رؤية عبد الناصر للمشكلة ومحاولاته حلها . وقد كان عبد الناصر، حتى المرحلة التي قطعناها ، يعتقد أنه يحلها الحل الصحيح . وفي مرحلة لاحقة سيقول لنا عبد الناصر نفسه ما هي الأخطاء ونحن لا نريد أن نتدخل فنسبقه.
المهم، أن عبد الناصر، في نهاية مرحلة الانتقال ، أي في غضون عام 1955، عبّر بقوة عن اقتناعه بنجاح ما تم من خطوات على سبيل حل مشكلة الديموقراطية، وبهيئة التحرير، بل إنه أعلن انتصاره في حل المشكلة. قال في نجع حمادي يوم 5 يوليو 1955: " إذا قلنا أن فترة الانتقال قد انتهت فإننا نعني أنكم جميعاً قد أصبحتم مجلس الثورة لا عشرة منكم فقط . أن الشعب جميعاً ، حينما تنتهي فترة الانتقال، يصبح هو مجلس الثورة . هذا هو معنى الديموقراطية وهذا هو معنى الحرية وهذا هو معنى البرلمان ". وقال في قرية برنشت يوم 23 يوليو 1955 : " ها نحن بعد ثلاثة أعوام أقول لكم اننا انتصرنا في الثورة الوطنية وحققنا الجلاء والثورة السياسية فقضينا على الاستبداد السياسي الذي كان يتمثل في السياسيين القدامى وأعوانهم ، هذا الاستبداد الذي خيم على هذا الوطن وكنا نعاني منه الكثير. لقد انتصرنا في الثورة الوطنية والثورة السياسية.
وقال في القاهرة يوم 16 يناير 1956: " استطعنا يا أخواني في خلال هذه السنوات الثلاث أن نقضي على الاحتكار نقضي على سيطرة رأس المال على الحكم وأن نقيم حكماً نظيفاً ينبثق من ضمير هذا الشعب وينبثق من نفسية هذا الشعب وينبثق من آمال هذا الشعب .. كانت فترة السنين الثلاث الماضية فترة هدم وفترة تصفية للرجعية والاستعمار ولاعوان الاستعمار . ولكنا اليوم نعلم أن هذا الدستور هو بداية الكفاح من أجل العمل والبناء . إن الدستور لم يكن هدفنا ولكن الدستور يرسم الطريق إلى غرضنا الأكبر. إن الدستور هو تعبئة كاملة لأبناء هذا الشعب . إن الدستور الذي نعلنه وثيقة تكتب ولا وثيقة للخداع ولا وثيقة للتضليل لأننا نعلنه نحن الشعب .. لا يعلنه فرد من الأفراد ولا سلطان ولا صاحب سلطة. ان الدستور الذي نعلنه اليوم يبين خطة الكفاح ولا نهاية الكفاح .
" إن الدستور الذي نعلنه اليوم يبين وسيلة الكفاح ويرسم وسيلة الكفاح ".
" أيها المواطنون : إن الثورة الحقيقية تبدأ اليوم . ثورة من أجل العمل . ثورة من أجل البناء . ثورة يمارسها الشعب ، ثورة يحرسها الشعب . تحرسونها أنتم جميعاً ويحرسها أولادكم من بعدكم ويحرسها أحفادكم ".
ثم يعلن من دار الرياسة بالقاهرة يوم 17 يناير 1956 قرار الانتصار : " لقد زالت دولة الأقطاع وقامت دولة الأحرار . انتهت دولة الأسياد والعبيد وقامت دولة المساواة كلنا في هذه الأرض أحرار ".

ما الذي حدث :
ما الذي حدث في نهاية فترة الانتقال حتى يستطيع عبد الناصر، بكل تلك الثقة أن يعلن انتصاره في حل مشكلة الديموقراطية وقيام " دولة الأحرار "، بل وانتهاء دور مجلس الثورة ؟.. حدث أمران لكل منهما دلالته الديموقراطية الواضحة .
الأمر الأول : أن عبد الناصر قد أوفى بوعده للشعب وأنهى فترة الأنتقال في آخر يوم من السنوات الثلاث التي حددها يوم 16 يناير 1953. بداها بالاستبداد بالسلطة . وخلالها انتصر على كل القوى التي تصدت للثورة. وفي نهايتها لم يكن في حاجة إلى أن يسترضي أحداً أو يخاف من أحد . كان يستطيع أن يبقى مستبداً بالسلطة لأية مدة يريدها. كان يستطيع أن يمد فترة الانتقال سنة أخرى أو أكثر كما فعل حكام من قبله ومن بعده . و لكنه أوفى بوعده و انهى فترة الانتقال .
الأمر الثاني : هو إعلان دستور 1956 فطوال المرحلة السابقة كانت اللجنة التي شكلت بقرار 13 يناير 1953 مستمرة في وضع مشروع الدستور الذي وعدت به الثورة في نهاية فترة الانتقال . ولقد أعدته فعلأ وقدمته إلى مجلس الوزراء يوم 17 يناير 1955 ولكن عبد الناصر رفضه. لماذا؟... لأنه يأخذ بالنظام النيابي البحت . وتولى عبد الناصر شخصياً اعداد الدستور الجديد الذي أعلنه في 16 يناير 1956 .
ان هذا الدستور، دستور 1956، يستحق الانتباه الجاد من كل الذين يريدون جادين أن يعرفوا موقف عبد الناصر من الديموقراطية عامة ومن مشكلة الديموقراطية في مصر . ذلك لأن فيه صاغ عبد الناصر لأول مرة أفكاره عن الديموقراطية في نصوص دستورية . حوّل رؤيته إلى نظام للحكم . ولأن به عبّر عبد الناصر، بوضوح قاطع ، عن بدء القطيعة بينه وبين الديموقراطية الليبرالية . تلك القطيعة التي ستتحول في مرحلة لاحقة إلى عداء صريح . ولقد عبّر عبد الناصر عن بدء القطيعة مع الليبرالية برفضه النظام النيابي البحت..
للمساهمة في تفهم أعمق للموقف نقول كلمة عابرة عن النظام النيابي .
أعطني وكالة.. لأحكمك :
باختصار مختصر نحوّل ثلاثة قرون من التاريخ إلى أسطر معدودات ولا نخل بالجوهر إن شاء الله .
(حتى القرن السادس عشر) كانت الكنيسة تسيطر على حكم وحكام أوروبا باسم نظرية الحق الألهي . الحكم لله وحده ويختار لأدائه في الأرض من يشاء . ولما كان البابا هو ممثل الله في الأرض فقد كانت كلمته مصدر الشرعية والحرمان . وساد القانون الكنسي بعد أن لم يكن في أوروبا قانون . و لكن أوروبا الاقطاعية كانت محاصرة منذ النصف الثاني من القرن الثامن . كان قد حاصرها المسلمون . ففرض الحصار على الاقطاعيات أن تتبادل منتجاتها وخدماتها بعد أن سدت طرق التجارة الخارجية. فنشطت التجارة الداخلية وكان التجار في أول أمرهم باعة جوالين فيما بين الاقطاعيات فأطلق عليهم " المعفرة أقدامهم " ( ما تزال المحاكم التجارية في إنجلترا تحمل اسما ترجمته محاكم المعفرة قدمه) . أولئك كانوا رواد الطبقة البورجوازية التي لم تلبث حتى حولت الانتاج من الاستهلاك إلى المبادلة ، وحررت الفلاحين من التبعية الاقطاعية، وقامت المدن والمراكز التجارية و المناطق الحرة وأنشأت البنوك وأباحت الربا بعد أن كان محرماً ، و صاغت القوانين ورشت أو أقرضت الأمراء ومولت حروبهم.. " وفي مقابل كل خطوة كانت تحصل- بالثمن أو بالرشوة أو بالقوة - على " حرية " جديدة . وكانت تلك الحريات البورجوازية، كلها، تستهدف غاية " تجارية " واحدة .. عدم تدخل الحكام في شئون التجارة وما تستلزمه من " حرية " التعاقد، و" حرية " العمل و" حرية " الانتقال و" حرية " المضاربة و" حرية " التملك.. وذلك هو الجوهر مما عرف باسم الليبرالية .. عدم تدخل الدولة.. إلا لمصلحة البورجوازية بحجة حماية " الحريات ".
كانت أولى المصالح المبكرة للبورجوازية الأوروبية هي فك الحصار الإسلامي وفتح طريق التجارة إلى الشرق . فتحالفت مع الكنيسة المسيطرة فقال البابا أربان الثاني لأمراء الأقطاع : " أن الأرض التي تقيمون عليها لا تكاد تنتج ما يكفي لغذاء الفلاحين ، وهذا سبب اقتتالكم فانطلقوا إلى الأماكن المقدسة وهناك ستكون ممالك الشرق جميعاً بين أيديكم فاقتسموها ". وهكذا بدأت الحروب الصليبية التي استمرت قرناً كاملاً ( 1096 - 1192 ) بتحريض وتمويل البورجوازية الأوروبية . أما في أوروبا فحين أراد ملك فرنسا فيليب الجميل أن يحصل من البورجوازية الفرنسية على تمويل الحرب ضد إنجلترا (1296) أفتى البابا يونيفاس الثامن بأن المسيحية تحرم المساهمة في حرب ضد شعب مسيحي ...
فلما انهت الكنيسة دورها في خدمة البورجوازية كان لا بد من إسقاط سلطتها بقصد إخضاعها للضرائب أولأ ولانتزاع حق القضاء منها ثانياً وليحل القانون المكتوب محل التفسيرات الكنسية للنصوص الدينية ثالثاً . فتحالفت البورجوازية مع الملوك . ونشأت نظرية العناية الإلهية كمصدر لشرعية السلطة ، فالحكم لله وحده ولكن ليس من الضروري أن يختار له ممثلاً واحداً في الأرض هو البابا . كتب جان دي باري عام 1302 أن الحياة تنقسم إلى قسمين متميزين ومنفصلين ، قسم مادي وقسم روحي . وأن الله يختار لكل منهما من يتولاه ، فاختار الكنسية للحكم الروحي واختار الملك للحكم الدنيوي .. فالملك قد تلقى سلطته بدون وساطة الكنيسة ". الخطوة التالية أن الله لا يختار مباشرة ولكنه يوجه الأمور الدينية بعنايته لتستقر السلطة في يد ملك . فكل ملك هو ملك بعناية الله . ولا دور للكنسية أو البابا ( مارتن لوثر ابتداء من 1520 وجان كالفن ابتداء من 1536) .
ولكن الأمور تجاوزت الحدود التي أرادتها البورجوازية . هانت الكنيسة إلى درجة أن ملك فرنسا قبض على البابا جورجي السابع ونفاه . ولكن الملوك استردوا لأنفسهم نظرية الحق الالهي العتيقة . قال لويس الرابع عشر : " الدولة هي أنا ". وقال لويس الخامس عشر عام 1770 : " ان حق إصدار القوانين التي يخض لها ويحكم بها رعايانا هي حقنا نحن بدون قيد وبدون شريك " وقال عام 1766 : " ان النظام العام كله ينبع مني ، وكل حقوق ومصالح الأمة .. هي بالضرورة متحدة مع حقوقي ومصالحي وليس لها مكان إلا بين يدي " . وكانوا يدرسون في كلية الحقوق : " إن الأمة ليست متجسدة في فرنسا بل هي متجسدة بأكملها في شخص الملك .. ".. وقاد فلاسفة الاستبداد حملة ترويض البشر. هوبز في انجلترا (كتاب العملاق عام 1651) . وجان بودان في فرنسا (كتاب الجمهورية عام 1576) . في هذا الكتاب الأخير- وكان يعني بالجمهورية الدولة- برر بودان الاستبداد بأكثر النظريات تخلفاً ، الدولة كالعائلة، والملك هو كبير العائلة. وكما لا تصلح عائلة لا كبير لها لا تصلح دولة لا ملك لها . وكما أن على أفراد العائلة أن يطيعوا كبيرهم ، على رعايا الدولة أن يطيعوا ملكهم .. الخ .
غير أن البورجوازية التي أصبحت تسيطر على الحياة الاقتصادية والثقافية ما كان لها أن تقبل عودة الاستبداد تحت ستار هذا المنطق العائلي . وشنت ضد الملوك المستبدين ثورات دموية كانت أهمها ثورة 1688 ضد جيمس الثاني آخر ملوك أسرة ستيوارت ( 1685 - 1688 ) الحاكمة في إنجلترا. كان السبب الظاهر للثورة أن جيمس الثاني أصدر قانون التسامح الديني . ولكن هارولد لاسكي الفيلسوف الإنجليزي يرجعها إلى سببها الحقيقي فيقول : " إن ملوك أسرة ستيوارت عرقلوا سبيل التجارة بالاحتكارات التي منحوها لأفراد بطانتهم " .
وأسفرت الثورة عن انتصار البرجوازية وصدور أول دستور مكتوب في تاريخ أوروبا باسم " وثيقة الحقوق ".. وبعده بقرن تقريباً ستنتصر البورجوازية في فرنسا ويصدر " اعلان حقوق الإنسان والمواطن " (26 أغسطس 1789) .
السؤال الآن هو: باي حق كانت البورجوازية تناهض الاستبداد الملكي؟.. هل بالحق الإلهي؟ لا. هل بحق العناية الإلهية ؟؟ لا. هل بحقها هي في الحكم ..؟ لا أيضا : إنما تحدت استبداد الملك بحق الشعب في الحكم . وأسمته الحق الطبيعي . وقادت الشعوب ضد الاستبداد تحت الشعار الذي انتهى أخيراً إلى صيغته الفرنسية " حرية . اخاء . مساواة " انتصرت الثورات الليبرالية بقيادة البورجوازية وباسم الشعب فإن للبورجوازية أن تفسح له الطريق ليحكم .. ألم تكن الديموقراطية هي غاية الثورات؟..
أبداً . ليست البورجوازية غبية إلى هذا الحد . انها تريد أن تحكم هي ولكن باسم الشعب . تحكم من ؟.. تحكم الشعب نفسه ولكن باسم الشعب . كيف يمكن أن يكون ذلك ؟ عن طريق الوكالة. فليكن . وفي فترة مبكرة من تاريخها كان " ممثلو " الشعب يجتمعون في " البرلمان " حاملين تعليمات الذين اختاروهم مكتوبة في " كراريس " وكان عليهم أن يقدموا عن وكالاتهم حساباً . ارتضى البورجوازيون ذلك يوم أن كانوا في حاجة إلى "رضى " الشعب في أوائل صراعهم مع الملوك المستبدين . ولكن بعد أن انتصروا أصبح عليهم أن يتحرروا من الرقابة الشعبية ...
فاخترعت البورجوازية، اختراعاً ، نظام التمثيل النيابي (موريس دو فرجيه) . وخلاصته أن الشعب يختار ممثليه. ولكنهم . بمجرد اختيارهم - لا يكونون ممثلين لأحد ولا يكون لأحد عليهم سلطة الرقابة والمتابعة والعزل بحجة أن كل نائب ، بمجرد انتخابه، يمثل " الأمة " كلها ولا يمثل أحداً بعينه..
في عام 1774 قال الفيلسوف السياسي الإنجليزي بيورك وهو يشكر ناخبي دائرة بريستول بعد اختياره نائباً : " إن البرلمان ليس مؤتمراً للمبعوثين يمثلون المصالح المختلفة المتنافسة . إنه اجتماع لمناقشة أمور أمة.. ".. ويقول الفقيه الإنجليزي بورجوس : " إن لمجلس العموم السيادة على الملك واللوردات والشعب " ويقول أستاذ العلوم السياسي الفر نسي جورج بوردو : " إن السلطة التي كسبها البرلمان من الملك والوزارة على أساس أنه ممثل الشعب لم تعد إلى الشعب . ان حركة تحول السلطة من الملك إلى الشعب قد أوقفت في مرحلة معينة حيث تدخلت قوة ثالثة هي البرلمان واستولى عليها لنفسه ". ويقول الفقيه الفرنسي الكبير كاريه دي ملبرج : " إن النظام المسمى " التمثيل النيابي " ليس نظام تمثيل نيابى بالمعنى الصحيح للكلمة لأن أعضاء الهيئة التشريعية لا يمكن اعتبارهم ممثلين لا للمواطنين ولا للأمة ". ويقول موريس دو فرجيه " ان الليبرالية البورجوازية قد وجدت في التمثيل النيابي " سلاحاً صالحاً لتحد من سيادة الملك و النبلاء من ناحية وتحرم الشعب من ممارسة أية سلطة من ناحية أخرى " ويقول جاريجولا جرانج - أستاذ القانون الدستوري - : " لم يكن مبدأ النظام النيابي في حقيقته إلا مبدأ سيادة البرلمان وهي تواجه سيادة الشعب نفسه الذي أبعد بعناية وعناد عن ممارسة سيادته " فيقول رينيه كابيتان : " ان النظام النيابى في أصله قام بعيداً عن الديموقراطية بل ومضاداً لها ... "
ولم يقل أحد أبداً، من علماء السياسة أو علماء القانون ، في أي مكان من العالم ، إن النواب يعبرون عن إرادة ناخبيهم أو إن البرلمان يقرر ما يريده الشعب . ذلك لأنه، فيما عدا يوم الانتخاب ، لا يسمح النظام النيابى للشعب بالتدخل في شئون الحكم أو المساهمة فيها . أقصى ما قيل دفاعاً عن النظام النيابي إنه نظام ضرورة : ما دام الشعب لا يستطيع أن يجتمع كله ليناقش ويصدر القرارات التي تحكمه فلا سبيل إلى صدورها إلا عن طريق من يختارهم لوظيفة التشريع .. ثم يكمل النقص بما يتيحه النظام للشعب من وسائل الضغط (الانتخاب دورياً - حرية الصحافة- حرية الأحزاب.. الخ) . وفي مطلع العشرين بدأ إدخال نظام الاستفتاء الشعبي للاقتراب من الديموقراطية . وخلاصته، أنه ما دام النظام النيابي نظام ضرورة مادية (عدم إمكان إجتماع الشعب فليبق ولتتح للشعب نفسه كل فرصة ممكنة للاسهام بنفسه في الحكم عن طريق استفتائه في المساثل الهامة.. ولكن هذا الاتجاه الديموقراطي الذي ساد وسط أوروبا في العشرينات لم يلبث أن توقف تحت مد الديكاتورية النازية.. ليعود فيظهر في فرنسا مرة أخرى عام 1958 (دستور ديجول) كعلاج ديموقراطي لا بد منه لغيبة الشعب في ظل النظام النيابي …
قبل دستور فرنسا الذي صدر عام 1958 بثلاثة أعوام عرضت لجنة الدستور التي شكلتها ثورة يوليو 1952، في مصر ، مشروع الدستور على مجلس الوزراء يوم 17 يناير 1955. وإذ بعبد الناصر يرفضه. لماذا؟.. لأنه يأخذ بالنظام النيابى البحت . ويضيف عبد الناصر قوله أن النظام النيابى البحت يقصر دور الشعب على مهمة انتخاب نوابه في فترات معينة من الزمن دون أن يفسح مجالاً ليمارس الشعب بعض سلطاته بنفسه أثناء هذه الفترات . ثم يصوغ عبد الناصر شخصياً دستور 1956 ويعلنه متضمناً " الاستفتاء الشعبي " ومقرراً اعطاء السلطة كل السلطة للشعب ..
ويقولون أن تاريخ العلوم السياسية كان من مواد القراءة المفضلة لدى عبد الناصر....

إنتهي الجزء الرابع من 7



د. يحي الشاعر
 
هل كان عبد الناصر ديكتاتورا " الحلقة 5 بقلم عصمت سيف الدولة الحياد المستحيل

..." هل كان عبد الناصر ديكتاتورا 5 - "
الحلقة ألخـامسة
بقلم الأستاذ عصمت سيف الدولة ...
الحياد المستحيل



الحياد .. وكتلة دول العالم الثالث ... واللعبة علي الحبلين ... وتكتل دول العالم ألأفريقي والأسلامي والعالم العربي ... ودول آسيا وأمريكا اللأتينية ...

لعبت دول عدم الحياد دور كبير خلال نهاية الخمسينيات والستينيات .....

ويشاء الله ، أنه بتوقف نبضات قلب جمال عبدالناصر وعندما لبت روحه لنداء خالقها ... وصعدت إليه ... حتي نزل الستار علي قوة كانت تقف بين روسيا وأمريكا ... وسعي الي رضاها كل منهما

لننظر الأن ... أين كانت الدول الحيادية سنة 1970 ... وتوفي عبدالناصر .. وتوفي نهرو .. وتوفي تيتو .. وتوفي أحمد سوكارنو ... ولحق بهم العديد من أقطاب دول عدم الحياز

ولننظر إلي وضع العالم الأن ...

أتسائل ...

ما هو الدور الذي كانت ستلعبه تلك الدول وهذه الكتلة ، بعدما إنتهت سنولت الحرب الباردة ....

وهل هناك أمل في رجوع هذه الدول إلي التكتل الحيادي .... ؟؟؟؟

هذه نقطة تستحق التمعن ... فيما حدث في نهاية الثمانيات ... وسقوط جدار برلين ... وتحطم كتلة "دول الأتحاد السوفييتي" ... وما تلي ذلك من جرأة "امريكا" علي حرب العراق الأولي .. والثانية ... و .. و .. و ...

إنني أعتقد ن اننا سنري "نهضة جديدة" .. سواء لدول العالم "الثالث" .. أو الدول العربية .. في إتجاه موقف "الحيادي" وخاصة أن روسيا قد بدأت تستعيد نفوذها ... وبدأ خطر الصين يظهر واضح للأعين ... والقوة "النفطية" التي تتمتع بها دول منطقى الشرق الأوسط العربي .... والمفتاح الذي تضع يدها عليه ....

مضخة "النفط" .. التي يؤدي توقيفها ... إنهيار لٌقتصادي عالمي ، أخطر من 1929

في الجزء الخامس من تحليله ونقده يتعرض الدكتور عصمت سيف الدولة إلي حقائق ما زلنا حتي اليوم ...نتذكرهم ... بل نتشدق بذكراهم....

"الحياد المستحيل" .... وما يتصل بها من تطورات ... وكيف ومتي ولماذا نشأ


د. يحي الشاعر


اقتباس:
الحياد المستحيل:

من كل ما سبق، وأمثاله كثير ، يتضح بجلاء أن الديموقراطية كانت، في مفهوم الرئيس عبد الناصر، في تلك المرحلة، مقدرة ذاتية قابلة للاكتساب بالوعي ومغالبة النفس حتى تتحرر من الخوف والفزع. وان الجماهير لا تنقصها إلا التعبئة والتوعية والثقة بالنفس بعد ان قضى على الاقطاع " و سيطرة رأس المال على الحكم " ، حتى تسترد الديموقراطية عافيتها وتفرض ارادتها . وأنها الى حد كبير كانت مسئولة عن الاستبداد بها فهي- حينئذ- مسئولة عن أن تأخذ بيدها زمام أمرها فلا تسمح بالاستبداد من جديد. وان وظيفة هيئة التحرير كانت - على وجه التحديد- تنظيم الشعب وتعبئته وحشده وتوعيته ودفعه بعيدا عن السلبية والركود السابق وتحريضه على ان يحرر نفسه من الخوف والفزع .
أجاب عبد الناصر ، اذن ، عن أسئلتنا : كيف؟ .. ولقد كانت اجابته صحيحة الى حد محدود. ولكن بالرغم من ان تلك كانت خطوة تقدمية على طريق الديموقراطية في شعب كان - فعلا- قد لاذ بالسلبية وخرج عن نطاق الاهتمام بالمسائل العامة ، الا انه لا يمكن تجاهل الرؤية المثالية لمشكلة الديموقراطية التي كانت تواكب، وتتغلب في كثير من الاوقات ، على الرؤية الاجتماعية كأثر من اثار المفهوم الليبرالي العام للديموقراطية في هذه المرحلة.
ولقد كانت غلبة المثالية أكثر تجليا في الخطب المتكررة للرئيس الراحل عن التسوية الحيادية بين المواطنين . قال مخاطبا أصحاب محال القاهرة وضواحيها يوم 12 ديسمبر 1953 : " ان هناك فرقا كبيرا بين الفوضى والحرية وان حرية صاحب العمل تبدأ عندما تنتهي حرية العامل وحرية العامل تبدأ عندما تنتهي حرية صاحب العمل . ان هذه الحكومة كانت اول حكومه تحمي العامل في حدود رعاية حق العمل ورسالتها التوفيق بين العامل وصاحب العمل فمن اشترط من الفريقين فقد هدم بناء التضامن الذي يقوم عليه مجد مصر".
وقال يوم 13 ديسمبر 1953: " اننا لا نود ان نقدم مطالب طائفة على اخرى ولا ان نرفع طائفة على مستوى الطوائف الاخرى وذلك حتى لا يرتفع مستواها الاجتماعي على حساب طوائف اخرى . واننا نود ان نقوم بحل المشكلة العامة لا المشاكل الخاصة. فهناك عمال متعطلون يريدون العمل ونحن بدورنا نعمل على ايجاد عمل لهم ونعمل على حماية العامل من أصحاب العمل ونحي أصحاب العمل فنكون حكاما بين العامل وصاحب العمل ".
وقال في شبرا الخيمة يوم 25 ديسمبر 1953: " وإني اؤكد لكم انه لا يوجد شخص الان يستطيع ان يستغل الحكم في سبيل مصلحته الخاصة . نحن الان نعمل في سبيل صاحب العمل وفي سبيل العامل لأن مصالحهما مشتركة. يا اخواني : اننا نتجه الى المحافظة على مصلحة العامل وعلى مصلحة العمل الى بناء عهد جديد من الصناعة وهذا العهد هو الذي سيمكننا من ايجاد عمل للعمال المتعطلين ".
وقال مخاطبا منظمات الشباب يوم 3 يناير 1954 : " ان الرسالة التي ادعوكم اليها هي التعاون في الخير وليكن كل منكم عطوفا على الاخرين فتكون كتلة واحدة متحابة متآخية فلا تجاهروا با لعدوان ولا تكونوا معتدين . وإذا خرج واحد من الصف فانصحوه واثيبوه الى رشده فلا نكون كما كانت الحال في الماضي شيعا وأحزابا. كونوا على الدوام رسلا للوحدة والمحبة والتعاون فنحافظ على قوة الوطن المعنوية والمادية " .
وقال في قوة عمال المحلة مساء يوم 3 أبريل 1954 : " أنتم اليوم مسئولون عن هذا الوطن فيجب ان تحافظوا على وحدة أبنائه من أجل وطنكم وعائلاتكم ان تتعاونوا مع جميع طبقات الامة تعاونا وثيقا حتى تؤدي الثورة رسالتها كاملة . وأوصيكم ان تعتصموا بالصبر. كما أحذركم من شائعات المضللين الذين يندسون بينكم بالوعود الخلابة والكلام الزائف . ولست بحاجة الى ان أقول ان بلادنا تجتاز الان اولى مراحلها نحو التصنيع ولهذا يلزم ان تحافظوا على الثقة التي يجب ان تتوفر بين العمال وأصحاب العمل . ونحن الان في دور بناء لنهضتنا و سنصل بلا شك الى الاستقرار الصناعي قريبا جدا ".
وقال مخاطبا ممثلي المحافظات في قاعة مجلس النواب يوم 23 اكتوبر 1954: " يا اخواني ، يجب ان يشعر كل فرد بان عزة المواطن الاخر تتمثل في عزته وبان كرامته جزء من كرامة أخيه. لان كرامتكم جزء من كرامتي وعزتكم جزء من عزتي وبهذا يا اخواني اذا دافعتم عن عزة الاخرين وكرامتهم وحريتهم فانما تدافعون عن عزتكم وكرامتكم " .
وقال مخاطبا وفود الوجه البحري والقناة يوم 24 اكتوبر 1954: " ان مصر التي تطهرت اليوم من الاستعباد والاستغلال لتهيب بكم ان تناصروها . ان مصر تريد منكم ان تنكروا ذواتكم من أجلها ومن أجل أبنائكم وأحفادكم لتعملوا على المحافظة على ما وهبنا الله من عزة وكرامة وبهذا نستطيع ان نسير في الطريق الذي نهدف اليه طريق العزة والحرية والاستقلال ولنعمل على المحافظة على ذلك وتحقيق هذه الاهداف فمصر تنتظر منكم عملا دائما واتحادا وتآلفا متناسين الخلافات والاحقاد سائرين في طريق تحقيق الهدف الاعظم وهو بناء مصر بناء شامخا عزيزا وايجاد عداله اجتماعية صحيحة والسلام عليكم ورحمة الله ".
ولقد تكرر هذا المعنى في خطبة ألقاها في جامعة الاسكندرية يوم 26 اكتوبر 1954، وفي مؤتمر العمال بميدان الجمهورية يوم 29 أكتوبر 1954، وفي افثثاح أول وحدة مجمعة في قرية برنشت يوم 13 أبريل 1955، وفي القاهرة يوم 23 يوليو 1955.
ولعل من أكثر أقواله دلالة على الموقف الحيادي ما قاله في المنيا موجها خطابه الى " الكافة ". قال يوم 5 يوليو 1955 " اذا قلنا ان فترة الانتقال قد انتهت تماما فانما نعني انكم جميعا قد أصبحتم مجلس الثورة لا عشرة منكم فقط ، ان الشعب جميعا حينما تنتهي فترة الانتقال يصبح هو مجلس الثورة . هذا هو مجلس الثورة . هذا هو معنى الديموقراطية وهذا هو معنى الحرية وهذا هو معى البرلمان ".

لحظات التردد:
عرفنا من قبل ان دستور عبد الناصر (1956) قد نص على ان يكوّن المواطنون اتحادا قومياً لتحقيق الاهداف التي قامت من أجلها الثورة ولحث الجهود لبناء الامة بناء سليما من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية ". ويتولى الاتحاد القومي الترشيح لعضوية مجلس الامة و " تبين طريقة تكوين هذا الاتحاد بقرار من رئيس الجمهورية ".
كان ذلك في 16 يناير 1956.
أما الاهداف التي قامت من أجلها الثورة فقد كانت معلنة ومعروفة ومن بينها القضاء على الاقطاع الذي ترجم فعلياً في قانون الاصلاح الزراعي ، ومن بينها القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم . اذن، فان " نظرية " الاتحاد القومي كانت واضحة او قريبة من الوضوح . وتحمّل عبد الناصر شخصياً
مسئولية تكوين الاتحاد القومي .
وقد استنفد عبد الناصر، سنة وخمسة أشهر لوضع طريقة تكوين الاتحاد القومي بالرغم من الضرورات الدستورية، أو الديموقراطية التي كانت تستوجب الاسراع في تكوينه. فقد بدأ تنفيذ الدستور، وفتح باب الترشيح لانتخابات مجلس الأمة وترشيح من ترشح دون ان يكون للاتحاد القومي وجود ليؤدي وظيفته الدستورية. وبعد قفل باب الترشيح أصدر عبد الناصر قرارا ( في 28 مايو 1957)- لا بتكوين الاتحاد القومي- ولكن بانشاء لجنة مؤقتة تدعى اللجنة التنفيذية للاتحاد القومي مشكلة من عبد اللطيف البغدادي وزكريا محي الدين وعبد الحكيم عامر.. هذه اللجنة التنفيذية المؤقتة هي التي شكلت او وضعت أسس تشكيل الاتحاد القومي..
ان هذه الواقعة العابرة في تاريخ عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر لم تستحق الانتباه من الذين كتبوا التاريخ او كتبوا المذكرات ، في حين انها تكشف عن الصراع الخفي الذي كان يدور، في رأس عبد الناصر اولا، وفي مجلس قيادة الثورة ثانيا ، بين المفهوم الليبرالي والمفهوم الاجتماعي للديموقراطية والذي انتهى بانتصار المفهوم الليبرالي فأحدث في تاريخ حل مشكلة الديموقراطية في مصر انفصاما على جبهتين . انفصاما بين دستور عبد الناصر ونظريته الديموقراطية التي يمثلها الاتحاد القومي ، وبين الاتحاد القومي كما قام في الواقع . وانفصاما ما بين الاتجاه الديموقراطي الاجتماعي الذي كان يتجه اليه عبد الناصر اتجاها متزايدا وبين الاتجاه الليبرالي الذي تمثل بقوة في أعضاء اللجنة التنفيذية التي شكلت الاتحاد القومي فعلا .
ان هذا الانفصام الذي جاء بعد سنة وخمسة أشهر من الانتظار وانتهى بتخلي عبد الناصرعن مهمة اقامة الاتحاد القومي ، وتولى الاتجاه الليبرالي اقامته يوحي الينا ايحاء قوياً بان عبد الناصر كان مترددا في صيغة الاتحاد القومي الذي كلفه الدستور ببيان طريقة تكوينه وان ذلك التردد قد انتهى الى تخليه عن مهمته وسمح- في الوقت ذاته- بان يتصدى الاتجاه الليبرالي لاجهاض الرؤية الديموقراطية الاجتماعية التي تضمنها الدستور.. وينتصر.
ويبدو هذا واضحا من الفارق الجوهري بين رؤية عبد الناصر لكيفية تكوين الاتحاد القومي و بين الاتحاد القومي كما تم تكوينه فعلا .
قال في المؤتمر التعاوني الثاني يوم اول يونيو 1956 : " قلنا نعمل اتحادا قوميا. وهذا الاتحاد عبارة عن جبهة وطنية تجمع أبناء هذا الشعب ما عدا الرجعيين وما عدا الانتهازيين وما عدا أعوان الاستعمار لأن الرجعيين أعوان الاستعمار والانتهازيين هم الذين تحكموا فينا وسلمنا لهم وأعطيناهم الفرصة ليمارسوا حريتهم في الماضي فخافوا هذه الامانة التي حملها لهم هذا الشعب واليوم عندما نقول هناك اتحاد قومي لا نستطيع اعطاء الفرصة للرجعية او الانتهازية ولا لاعوان الاستعمار ابدا . الفرصة ستكون للشعب ، الاغلبية العظمى من هذا الشعب ، الناس الذين حرموا من حريتهم أيام كانت هناك برلمانات زائفة كنا كلنا نشكو منها ونعرف انها لا تحقق رغباتنا ولا تعمل لصالحنا، ولكنها تعمل لمصلحة فئة قليلة من المستغلين او من الاقطاعيين او من الحاكمين الذين يريدون حكما وشهوة وسلطانا. هذا الكلام كان في الماضي واليوم ، في هذه المرحلة الجديدة فلن تكون هناك حرية سياسية للانتهازيين او الرجعيين او أعوان الاستعمار. اذن الاتحاد القومي يشمل جميع أبناء هذه الامة . هذا هو الاتحاد القومي كما أتصوره . كيف سيكون هذا الاتحاد القومي ؟ .. انه سيستغرق وقتا طويلا ولا أقدر أبدا يوم الاستفتاء على الدستور يوم 23 يونيو ان أقول : ان هذا هو الاتحاد القومي هذا الاتحاد القومي الذي بعبر عن هذه الاهداف يجب ان تتمثل فيه جميع العناصر الخيرة في هذا الوطن . جميع العناصر العاملة، جميع العناصر البناءة في هذا الوطن . الاتحاد القومي لم يتكون حتى الان ولن يعلن تكوينه يوم 23 يونيو او يوم 25 يونيو بالكامل . لأن هذا الشعب يجب ان يأخذ الفرصة ليعمل ونتيجة عمله هي السبب الوحيد الذي يدخله الاتحاد القومي ".
ويكرر هذا المعنى في خطابه في الاحتفال بالجلاء يوم 19 يونيو 1956، وهو يربط بين تصوره للاتحاد القومي وبين الديموقراطية السليمة ، أحد الاهداف الستة للثورة ، فيقول : " وكان الهدف السادس من أهداف الثورة هو اقامة حياة ديموقراطية سليمة ولم نقل ديموقراطية فحسب . فقد كنا نعيش جميعا تحت اسم الديموقراطية وتحت اسم البرلمان والبرلمانية ، ولكنا لم نكن نتمتع من الديموقراطية الا باسمها. ولكن معناها وأصولها وجذورها كانت مفتقدة كنا لا نحس بها ولانشعر بها . وكنا نشعر ان هذه الديموقراطية ليست لنا ولكنها كانت علينا من أجل فئة من الناس . فقدت الدمموقراطية معناها وروحها وأسبابها. وتحت اسم الديموقراطية تحكم فينا الرجعيون والمستغلون والانتهازيون . تحكمت فئة قليلة كانت تتجر بالديموقراطية . وكان الشعب ينظر ويكتشف ويعرف و يعلم . ونحن كشعب قاسينا طويلا نستطيع ان نعرف الخديعة والخداع والتضليل . تحت اسم الديموقراطية يا اخواني قاسينا كثيرا وكانت الديموقراطية كفاحا من أجل الحكم وكفاحا أجل السيطرة والاستغلال والثراء والسلطة والسلطان . ولهذا حينما كتبنا هذه المباديء قبل الثورة كنا نعبر عن احساس الشعب وعن آمال هذا الشعب . كتبنا الهدف السادس من أهداف الثورة وهو اقامة حياة ديموقراطية سليمة نتلافى بها ما فات . لا نكتفي منها بالبرلمانية ولا بالاسم ولكن بحياة ديموقراطية من أجل أبناء هذا الشعب جميعا . من أجل الاغلبية العظمى من هذا الشعب ، لا من أجل الاقلية ولا من أجل المستغلين و المستبدين " .
حين قال عبد الناصر هذا لم يكن الاتحاد القومي قد تم تكوينه. ولا نستطيع ان نقطع بما اذا كان عبد الناصر يعبر عن رأيه في كيفية اقامة اتحاد قومي تعبيراً بدون " خلفية " ام انه كان يرد عن طريق مخاطبة الشعب على اتجاه في الرأي لم يقبل تصوره وقد كان من عادته ان يفعل ذلك حين يريد ان يشرك الناس في اختلاف الرأي في مجلس قيادة الثورة لاختبار اتجاه الرأي العام .
أيا ما كان الامر فان تصور عبد الناصر لتكوين الاتحاد القومي كان يقوم على محورين أساسيين. أولهما: عدم اباحة عضويته لعملاء الاستعمار والانتهازيين والرجعيين وهي مقاييس مجردة تجد فرصتها في التطبيق على أي شخص تبعا لموقفه ومسلكه من أهداف الثورة ومنجزاتها. ولا شك ان تعبير الرجعيين كان يلتقي التقاء موضوعيا مع الاقطاعيين ومن تناولهم قانون الاصلاح الزراعي وكبار الراسماليين . المحور الثاني - وهو منسجم مع المحور الاول - هو الا تباح عضوية الاتحاد القومي الا لمن ترشحه مواقفه ومسالكه لهذه العضوية من بقية أفراد الشعب. وبالتالي يبقى مفتوحا الى ان يتكون تبعا للفرز الفعلي للمواقف وأصحابها على ضوء برامج للثورة ومواقفها. وكان هذان المحوران يعنيان- بأكبر قدر من الوضوح- الا علاقة بين عضوية الاتحاد القومي- الذي سيصبح سلطة رابعة من سلطات الدولة- وبين " المواطنة " او بينها وبين " حق الانتخاب ". وذلك ليبقى تنظيما جماهيريا للثورة وأهدافها...
ومع ذلك فان الاتحاد القومي قد تم تكوينه على غير هذين المحورين . فقد انتهى الامر بعد سلسلة من القرارات آخرها رقم 1055 لسنة 1959 باباحة عضوية الاتحاد القومي " لكل الناس " فيما عدا المحرومين من حق الانتخاب طبقا للقانون رقم 73 لسنة 1956.
أي أصبح- كما قلنا من قبل- تنظيما لهيئة الناخبين .. ففقد هويته السياسية، وان كان قد احتفظ بهويته الدستورية - وأصبحت الحقوق الدستورية المقررة للاتحاد القومي مباحة لمن يستطيع ان يتولى قيادته او يقترب من قيادته.
لماذا قبل عبد الناصر هذا المسخ لنظريته الديموقراطية؟
سينتظر الجواب النهائي ما يكشف عنه المستقبل من صراعات في مجلس قيادة الثورة ولكنا نستطيع، بدون انتظار ان نقول أن عبد الناصر لم يكن حتى ذلك التاريخ قد حسم موقفه من التناقش بين المفهوم الليبرالي المثالي للديموقراطية والمفهوم الاجتماعي الواقعي للديموقراطية.
ولعل موقف عبد الناصر من الاتحاد القومي كما تشكل فعلا يؤيد هذا الرأي . ذلك لأنه ما ان تم تكوين الاتحاد القومي وأبيحت عضويته " للانتهازيين والرجعيين وعملاء الاستعمار" .. حتى ارتضاه عبد الناصر وانبرى للدفاع عنه . فنجده يعود في يوم 14 نوفمبر 1958 فيقول في بني سويف ، بعد أن كان قد تم تكوين الاتحاد القومي : " هذا هو الاتحاد القومي .. اتحاد يجمع بين أبناء الوطن العربي الواحد. لا انحراف إلى اليمين ولا انحراف الى اليسار.. لا تفرقة.. لا تنابذ.. وانما جمع كلمة من اجل رفعة هذا البلد. جمع الكلمة من أجل رفع راية القومية العربية التي قامت طويلا.. استطعنا بالاتحاد ان ننتصر ونستطيع أيضا بالاتحاد ان نحقق الامال الكبار وان ننتصر أيضا بعون الله... "
ويقول في الاسكندرية يوم 26 يوليو 1959: " وفي نفس الوقت أعلنا جميعا اننا أمة واحدة لا حزبية ولا بغضاء ولا فرقة ولا أحقاد.. قلنا اننا نكوّن اتحاداً قومياً يجمع بين أبناء هذه الجمهورية العربية المتحدة. نبني تحت راية هذا الاتحاد وطننا ونبني تحت راية هذا الاتحاد عزتنا ونبني تحت راية هذا الاتحاد مجدنا ونقيم تحت راية هذا الاتحاد المجتمع الذي نتمناه والمجتمع الذي نعمل من أجله ".

النقد الذاتي:
أيا ما كانت الاسباب التي أدت الى ان يأتي الاتحاد القومي ، في التطبيق، مخالفا بل مناقضا للرؤية النظرية التي صاغها عبد الناصر في دستور 1956، فان عبد الناصر لم يلبث ان انتبه الى أخطاء التجربة وما تهدد به من أخطار.
ولقد بدأ نقد التجربة والافكار التي مهدت لها منذ 22 يوليو 1959 وانصب في البداية على التنببه الى القوى الانتهازية والرجعية التي تغلغلت في الاتحاد القومي ومن قبله هيئة التحرير وأساليبها في النفاق. قال يوم 22 يوليو 1959: " كلنا نعرف وكلنا قاسيا من هذا وسيقابلنا كذلك في الاتحاد القومي انتهازية ولكن علينا وعليكم أنتم الواجب ان تطهروا الاتحاد القومي من الانتهازيين ". وحذر غاضبا في خطابه الى عمال المصانع في بورسعيد يوم 23 ديسمبر 1960 فقال : " ليس الغرض ان احنا نكون في الاتحاد القومي، ان احنا نتعين في مجالس المحافظات او نتعين في المنصب الفلاني . دا دليل على ان نجد ناس لا زالت رواسب الماضي متعلقة بيهم . في الاتحاد القومي او في الحكومة او في كل منصب من المناصب العامة، كل واحد فينا بيؤدي دوره في الخدمة العامة من أجل بناء ترفرف عليه الرفاهية والشخص اللي مؤمن بان عليه دور يؤديه وبيقدر يؤديه في أي مكان وفي أي منصب .. اما الشخص اللي بيعتقد انه ليست الا وسيلة او ليس هذا الا سبيل بحيث انه يتنقل من حته لحته يبقى بيفكر في نفسه وينسى ان هو عضو في المجتمع وعليه أن يعمل من أجل رفاهية هذا المجتمع .. وده أمل الشعب طبعا في الاتحاد القومي وأمال الشعب في الحكم المحلي لأن الشعب اللي انتخب الاتحاد القومي واللي ايد فكرة الحكم المحلي واللي أيد الاتحاد القومي وعمل على تدعيمه واقامته يؤيده لاسباب انه بيعتبر ان آماله ستتحقق عن هذا الطريق ".
ويضرب الرئيس الراحل أمثلة ساخرة ومرة لسباق النفاق الذي كان يعقده الانتهازيون والرجعيون " احتفاء وحفاوة وتأييدا " للثورة وقائدها فيقول يوم 25 نوفمبر 1961 : " بعد سنة 1957 رفع الرجعيون يفط اشتراكيتهم وفعلا هم أصلهم بيكسبوا من زيادة الانتاج . واحد رجعي او رأسمالي مستغل أصلا اقطاعي . تلاقيه عامل جوابات ومعلق يفط الاشتراكية .. وكلام .. ليه ؟ .. طالما الاشتراكية يفط بس هم مبسوطين . طالما الاشتراكية شعارات بس هم زعلانين ليه؟.. ده هم عايزين كده؟.. مستعدين يحطوا شعارات في الاشتراكية اد الي نقولها عشرين مرة . بس ما نحطش الاشتراكية موضع التنفيذ وما نطبقهاش ". وبعد أربعة أيام أي يوم 29 نوفمبر 1961 يعود الى الحديث مرة أخرى عن انتهازية تلك المرحلة فيقول : " أعطيتكم أمثلة في أول الثورة وكيف حاولنا احضار الأقطاعيين لنتفاهم معهم على القضاء على الاقطاع ( أية مثالية؟!!) ولم يمكن وبعد تحديد الملكية أدخلناهم الاتحاد القومي . أنا عارف أناسا كانوا من أشد الناس تحمسا وايمانا في المظهر. ولم أكن أستطيع ان أعرف ان هذا نفاق او غير نفاق . وبعد ذلك في سنة 1954 أنزلوا اليفط ورفعوا اليفط وعلقوا اليفط ونزلوا اليفط ورفعوا الصور وأنزلوا الصور .. هذا الكلام نعرفه جميعا ونعرف لماذا حصل .. نفاقا طبعا.. ".
ويعترف عبد الناصر انه قد بدأ يستشعر الخطر على الثورة منذ عام 1960. فيقول في خطاب 25 نوفمبر 1961: " في سنة 1960 أنا كنت أشعر ان احنا يمكن الدفع الثوري غير قائم . الثورة بدأت تتعثر. الرأسمالية المستغلة بدأت تنفذ وبدأت تتهرب وتتسلل الى الصف . والامثلة كانت أمامي واضحة وكانت أمامي باينة. كان الخطر في ايه؟.. في الرأسمالية المستغلة والرجعية توشك ان تجند الوطنية وتلم الثورة لحسابها الخاص .. في سنة 1960 انا ابتدأت أشعر بالخوف او الخطر من سيطرة رأس المال على الحكم زي ما قلت لكم . مش يعني سيطرة رأس المال على الحكم اني أجيب اللي بيبقوا رأسماليين والمليونيرات ويكونوا وزارة - بأي حال من الاحوال لا. ولكن دول كانوا زمان بيروحوا للوزارة ومعروف انهم بتتعمل وزارة من شركة فلان وده من شركة علان . ابتدأوا دلوقتي ينفذوا الى كبار الموظفين . اللي حصلت مثلا في مديرية التحرير دي تبين فعلا ان فيه خطورة من سيطرة رأس المال على الحكم . لأن كان اللي في الوزارة أصله أستاذ او استاذ مساعد في الجامعة وجه تولى مسئولية بهذا الشكل ثم بعد هذا قبل ان يأخذ رشوة وهو بعد ما بقي وكيل وزارة يبقى الواحد ساعات بيشعر بالقلق والخوف على مصيرنا وناس مشيوا بهذا الشكل ويبقى ده من سيطرة رأس المال على الحكم . لأن رفض انتاج مصانعنا والحصول على منتوجات خارجية رغم اننا في حاجة الى كل مليم من العملة الصعبة دي أيضا بيمثل ان هناك خطراً كبيراً لأن راس المال يريد ان يسيطر على الحكم وينفذ مش قادر يسيطر من فوق اهو بييجي يسيطر من أي حلقة من الحلقات يجدها ضعيفة " (عليك رحمة الله يا عبدالناصر..)..
ثم يعلن عبد الناصر بمرارة لا شك فيها " فشل التجربة " فيقول يوم 26 يوليو 1961: " قلنا نقضي على الاقطاع هل قضينا على الاقطاع ؟.. الاسرة التي بقي لها 200 فدان و 50 لكل ولد من أولادهم كتلوا هذه الارض وأنا أعرف مناطق فيها 300 فدان ملكية لعيلة واحدة ولا زالوا يعتبرون أنفسهم أسياد البلد كما كانوا قبل الثورة ولا زالوا ينظرون الى الفلاحين كعبيد... هل نقبل هذا في عهد الثورة؟..
هل تبقى هناك ثورة وهذا الكلام مستمر ؟.. لن تكون هناك ثورة تسير في الطريق السياسي وتسير في الطريق الاجتماعي لتحقق لهذا البلد ما تصبو اليه من آمال . لنقف ونقول الثورة انتهت وخلصت ونحن سرنا في الناحية السياسية فقط أما الثورة الاجتماعية لا. يقولون لنا ان هذا يؤثر على كفاية الانتاج وكفاية التنمية واتركوا ما فات كما هو. لا يمكن، كيف تكون هناك عدالة؟.. كيف تكون هناك مساواة؟.. كيف تكون هناك حرية؟.. هل الحرية ممكنة او مستطاعة اذا كانت الاموال في يد 5% من الناس والباقيين محرومين..؟.. هل يمكن ان تكون هناك مساواة او تكون هناك عدالة او تكون هناك ديموقراطية اذا كان هناك 95% من الشعب يشتغلون عند 5% من الشعب ؟.. طبعا لا يمكن أبدا ". ويقول يوم 3 ديسمبر 1961: " العملية ليست ادانة بل كما قلت اننا نبحث عن الحقيقة. نريد ان نأخذها من تجربتنا في العشر سنوات وفي السنوات التي كانت قبل الثورة . على أي شيء كانت تدل تجربتنا. هل استطعنا ان نقيم عدالة اجتماعية ؟.. هل استطعنا إن نقيم ما يمكننا من القضاء على الظلم الاجتماعي؟.. هل استطعنا ان نقضي على الاستغلال السياسي والاستغلال الاقتصادي والاستغلال الاجتماعي؟.. أبدا لم نستطع ".
لماذا؟؟ ا!
من المسئول عن أخطاء التجربة؟..
في الاجابة على هذا السؤال تتجلى عظمة الصدق مع الشعب في موقف عبد الناصر. أي أنه لا ينسب الخطأ حتى إلى الانتهازيين والرجعيين ، ولا يحملهم المسئولية، بل يعترف بخطأ الثورة ، وبخطئه، و بمسئوليته..
وقال في خطابه الى الشعب يوم 16 أكتوبر 1961 :
" لقد وقعنا ضحية وهم خطير قادتنا اليه ثقة متزايدة بالنفس وبالغير. لقد كنا دائما نرفض المصالحة مع الاستعمار ولكنا وقعنا في خطأ المصالحة مع الرجعية لقد تصورنا انه مهما كان من خلاف بيننا وبين العناصر الرجعية فانهم أبناء نفس الوطن وشركاء نفس المصير ولكن التجربة أثبتت لنا خطأ ما كنا نتوهمه . أثبتت التجربة ان الرجعية وهي من ركائز الاستعمار لا تتورع عن الارتكاز عليه بدورها لتسلب النضال الشعبي تراثه الاجتماعي . أثبتت التجربة ان الرجعية على استعداد للتحالف مع الاستعمار ذاته لتستعيد مراكزها الممتازة التي تتمكن بها من مباشرة استغلالها حتى ولو أدى ذلك الى ان تمكن له من التحكم من مقدرات الشعوب التي تنتمي اليها . ولقد غير الاستعمار طريقة تسلله الى أرضنا في حين اننا لم نغير طريقة مواجهتنا له. و كنا وما نزال نقاوم أحلافه العسكرية وقواعده بينما كان يتوارى وراء الرجعية وفي قصورها العالية المشيدة من استغلال الجماهير " .
وقال في نفس الخطاب : " ويتصل بهذا الوهم وهم تصور امكان المصالحة مع الرجعية على أسس وطنية. ذلك اننا في الوقت الذي أعلنا فيه ايماننا بامكانية ازالة المتناقضات الطبقية سلميا داخل اطار من الوحدة الوطنية كانت الرجعية تمشي في طريق آخر معاكس . لم تكن القوى الرجعية بمثل طيبة الجماهير وسماحتها ونبلها ولقد رأينا في سوريا كيف تكتلت الرأسمالية والاقطاع والانتهازية مع الاستعمار للقضاء على مكاسب الجماهير ولضرب الثورة الاشتراكية ولاسترداد جميع امتيازاتها ولو بالقوة المسلحة ولو باراقة الدماء ".
وقال في نفس الخطاب : " لقد وقعنا في خطأ كبير لايقل أثرا عن الوهم الخطير الذي نسينا أنفسنا فيه. هذا الخطأ هو عدم كفاية التنظيم الشعبي . في هذا الوقت كله لم تظهر الرجعية بذرة من العرفان تجاه هذه الحرية التي تركت لها من غير استحقاق وانما العكس كان موقفها . فلقد استعملت هذه الحرية لتضرب الشعب ولتخرب ولتدمر ولتنقلب على أهدافه وخططه وأحلامه وتشعل فيها النار جميعا لا تهتم ولا تبالي.. لقد كانت وسيلتنا الى التنظيم الشعبي هي تكوين الاتحاد القومي ليكون اطارا من حول صراع الطبقات .. وكان خطؤنا اننا فتحنا لها الطريق الى الاتحاد القومي تمكنت من شل فاعلياته الثورية وحولته الى مجرد واجهة تنظيمية لا تحركها قوى الجماهير ومطالبها الحقيقية ".
وقال يوم 25 نوفمبر 1961: " وواضح كل الوضوح ان الرجعية أقلمت نفسها والرجعية مشيت في الاتحاد القومي وبعدين مابقناش نقول ان ده رجعي . كنا بنقول والله راجل طيب وماشي . العملية مش فلان راجل طيب. لأن هو في العملية دي بيستغل مثلا عشرة آلاف جنيه ويعمل غدا ويوم الجمعة يعمل فول نابت وشوية عيش بخمسة جنيه ويلم الناس وكل الناس يقولوا ان فلان الفلاني ده راجل طيب. يعني العملية هي استغلال وتغطية للاستغلال . او يدبح دبيحة كل شهر او شهرين ويجيب الناس اللي هو واخد فلوسهم وواخد عرق جبينهم ويوكلهم أكله ويقولوا والله الراجل ده طيب دبح لنا دبيحة. العملية مش عملية حسنة ولا عملية صدقة بأي حال من الاحوال عملية حقوق وعملية واجبات . والله بكل أسف احنا برضه فكرنا في هذه الطريقة وانضحك علينا تمام زي ما نضحك على الفلاحين اللي بيدبحوا لهم الدبايح كل جمعة ويغدوهم او بيعشوهم وقلنا والله فلان ده راجل طيب و فلان ده راجل فيه شيء لله ". وأخيرا قال في نفس الخطاب : " حاولنا نحل بالوسائل السلمية حاولنا نحل في اطار من الوحدة الوطنية ولكن النية كانت من طرف واحد . لأن هناك خلافات سياسية وخلافات جذرية ولقينا الرجعية اما بتستكين حتى تجد الفرصة وبتستكين لغاية الوقت المناسب وبتتزلف وتتملق علشان تحمي فلوسها وبتحمي نفسها ولكن بتستكين للوقت المناسب . ولكن هل نجح الكلام اللي قلناه ؟ .. هل نجح اللي قلناه ان احنا عايزين نحل المتناقضات داخل اطار من الوحدة الوطنية بالطرق السلمية لا ما نجحش . من جانبنا احنا كانت نوايانا يمكن سليمة وكنا بنقول عايزين نعمل محاولة جديدة تبين طيبة الشعب وتبين عمق هذا الشعب الاصيل في الحضارة . ولكن لا يمكن ان يتم عمل بالنية على اتمامه من جانب واحد، أما الجانب الاخر فهو ينتهز وينتظر الفرص المناسبة ".
وفي يوم 29 نوفمبر 1961 يعيد تأكيد نقده للتجربة ويشير الى " نسبية " الاوضاع الاقتصادية وبالتالي يعبر عن نقلة فكرية جديرة التسجيل من التجريد الى الواقعية الاشتراكية فيقول : " وقد رأينا في الاتحاد القومي انه حدث خطأ في التنظيم خطأ تنظيمي وأنا قلت هذا الكلام في أول يوم . الخطأ التنظيمي ان الرجعية والرجعية كلمة نسبية استطاعت ان تتسلل وتبقى لها القيادة في كثير من منظمات الاتحاد القومي. قلنا اننا نريد ان نعطي الفرصة لكل الشعب حتى ينظم نفسه في اطار من الوحدة الوطنية ويحل متناقضاته بالطرق السلمية رحبوا جدا واستطاعوا طبعا لأنهم أقوياء ولهم نفوذ استطاعوا ان يصلوا ويتولوا قيادات الاتحاد القومي . أريد ان أقول لكم انه بعد تحديد الملكية بمائة فدان انا كنت بالامس اطلع على أسماء العائلات وما يملكون من أرض ، العائلات التي عندها مائة فدان توجد عائلة بها 32 شخصا كل واحد يملك مائة فدان وهذا يعني ان الاقطاع موجود طبعا في القرية وهناك عائلات بها 15 و 18 فردا يملك كل منهما مائة فدان . لا نظن اننا قضينا على الاقطاع بتحديد الملكية بمائة فدان ".

على مفترق الطرق:
ومرة اخرى وقف عبد الناصر على مفترق الطرق . ثورة او لا ثورة ؟ ديموقراطية او لا ديموقراطية؟ و اختار الديموقراطية .. ومن أجلها- قاد في مصر ثورة جديدة .. غير انه قبل الحديث عن ثورة عبد الناصر من أجل الديموقراطية ، يتعين ان نعرف لماذا غير عبد الناصر نفسه موقفه من تجربته ذاتها ؟ كيف اكتشف الخطأ ولماذا ثار عليه؟.. لن يكون مصدر الجواب تأملاً فكريا . فقد قلنا منذ البداية ان عبد الناصر كان ينتهج التجربة والخطأ ولم يكن يطبق نظرية مسبقة في الديموقراطية. وقلنا أن عبد الناصر كان يعطي التجربة فكره ويسترد من التجربة أفكارا أكثر نموا ونضجا وتقدمية. كما قلنا ان دراسة عبد الناصر المفكر أكثر صعوبة وأكثر فائدة من دراسة أي مفكر يملك فرصة التراجع عن أفكاره وتصحيحها واعادة صياغتها ، لأن عبد الناصر كان يفكر ليعمل . كانت أفكاره مقدمة مباشرة لوضعها موضع التنفيذ في الحياة العينية . كما قلنا ان دراسة عبد الناصر الثائر أكثر صعوبة وأكثر فائدة من دراسة أي ثائر قصارى جهده ان ينفذ نظرية وضعت له من قبل ..
من هنا فان " الدروس المرة " التي تعلمها عبد الناصر من التجربة تستحق الذكر والانتباه . ربما أكثر من أي جزء آخر من الحديث . ولسنا ننكر ان تلك " الدروس المرة " التي دفع شعبنا العربى في مصر، وجمال عبد الناصر نفسه، ثمنها الفادح ، كانت هي المحرك الاول لرغبتنا في الحديث عن " عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر ".. ذلك لأننا نتحدث عن الماضي من أجل المستقبل ولسنا من هواة كتابة التاريخ او كتابة المذكرات . وليس من بين هواياتنا الكتابة على جدران المعابد، ولو كانت معابد عبد الناصر.. انما هي حياة شعب.. من حقه وهو يشق طريقه الوعر الى المستقبل ان يستوعب دروس الماضي ولو كانت دروسا مريرة . ان يستثمر تجاربه ولو كانت مخطئة.. ان يكون مؤمنا، ولا يلدغ المؤمن من جحر واحد الف مرة..
ولقد وعى الزعيم الراحل دروس تجربته وثار عليها ليصححها، فهل يمكن ان تكون ثمة جناية على شعب أجهده العناء أكثر حماقة من العودة الى ذات التجربة.. التي دفع شعبنا ثمن الخطأ فيها .. لا نعتقد.

************
(11) دروس مرة لمن يريد ان يتعلم

المراهنة على الجواد الخاسر:
كان من بين ما أدركه عبد الناصر ادراكا صحيحا منذ بداية الثورة ، الاهمية الحاسمة لحل مشكلة التنمية الاقتصادية في مصر . وهي حاسمة بالنسبة الى قضية الديموقراطية بوجه خاص . فمهما رفعت القيود المفروضة على حرية المواطن ، سيكون مصير تلك الحرية متوقفا ، في النهاية ، على مدى ما يتوفر لدى كل مواطن من امكانات اقتصادية للحفاظ على حريته اولا ثم لاستعمالها استعمالا ايجابيا ثانيا بدون ان يكون مضطراً لبيعها أو تعطيلها من أجل " لقمة العيش ".. وفي لم لاحقة سيعبر عبد الناصر عن احد الدروس التي تعلمها من مجتمع ما قبل الثورة ... فيقول في الميثاق : " ان حق التصويت فقد قيمته حين فقد اتصاله المؤكد بالحق في لقمة العيش ، ان حرية التصويت من غير لقمة العيش وضمانها فقدت كل قيمة و أصبحت خديعة مضللة للشعب ".
أما في الفترة التي نتحدث عنها فقد عبر عن ادراكه لأهمية التنمية بما قاله في حديثه الى الصحفي الهندي كارنجيا : " انني أريد قبل كل شيء ان أوفر للشعب وخاصة الفلاح والعامل حرية اجتماعية و اقتصادية ". وقال يوم أول اغسطس 1953: " لقد بدأنا بالقضاء على الاقطاع حتى نضمن للفلاحين حقوقهم ونحن نسعى لزيادة الانتاج حتى يستطيع ابناؤنا في المستقبل أن يعيشوا حياة أسعد من التي عشناها ".. وقال يوم 18 مارس 1955: " ولما كانت الديموقراطية تقضي بان الدولة مسئولة عن الوطن والمجموع بدأنا في دراسة المشكلة وقابلتنا في سبيل ذلك مشاكل منها مشكلة التخطيط وكيفية التخطيط فبحثنا ووجدنا ان هذه العملية تستغرق وقتا طويلا جدا وانتهينا من اعداد مشروع السنوات الخمس الاولى وستبدأ السنوات الخمس الثانية فوجدنا ان هذا التوجه يحتاج الى دراسة واحصاءات فبدأنا بتنمية الانتاج القومي وبدأنا في المشروعات التي قيل انها غير مجدية ومستحيلة وبدأ مجلس الانتاج في توفير النقد الاجنبي . والدخل القومي يصل الى 700 مليون جنيه 700 مليون جنيه نستورد منها بحوالي 400 مليون جنيه من الخارج ". ويربط بين مقتضيات التنمية والوحدة الوطنية فيقول يوم 4 اغسطس 1959: " والوطن لازم نبنيه على التعاون وعلى المحبة الذين وجدوا الفر صة والذين لم يجدوا الفرصة. كل واحد وجد الفرصة يشعر أن عليه مسئولية تجاه هؤلاء الذين لم يجدوا الفرصة ليصلوا الى ما وصلنا اليه. نطور مجتمعنا ونعيش في مجتمع سعيد فعلا لأن المجتمع لا يمكن ان يكون سعيدا اذا كانت أقليته تشعر بالسعادة واغلبيته تشعر بعبء الحياة وصعوبة الحياة "..
و لكن،
لما كان مفهوم عبد الناصر في مرحلة ما قبل 1961 التي نتحدث عنها ما يزال مفهوما مثاليا ليبراليا وان كانت تخالطه مفاهيم شعبية واجتماعية ، على الوجه الذي أشرنا اليه من قبل ، فانه لم يدرك، بالوضوح الكافي، ان الديموقراطية الليبرالية التي كان يرفضها ليست الا الوجه الثاني للعملة التي تحمل على وجهها الاول النظام الرأسمالي . القانون الاساسي في كل منهما واحد وهو المنافسة الحرة . وهما لا ينفصلان . فحيث تقوم الليبرالية سياسيا تقوم الرأسمالية اقتصاديا... والعكس با لعكس .. وبالرغم من اتجاهات عبد الناصر ومشروعاته الديموقراطية غير الليبرالية، فانه قد راهن في التنمية الاقتصادية على الجواد الرأسمالي . وخسر الرهان في الحلبتين .. خسره في حلبة التنمية وخسره في حلبة الديموقراطية وتعلم الدرس المر وكان عليه أن يبدأ من جديد...

قضية التنمية الرأسمالية :
بعد اسبوع واحد من قيام الثورة أي في يوم 30 يوليو 1952 صدر القانون رقم 120 لسنة 1952 تعلن به الثورة انها تكفل للاجانب الذين يوظفون رؤوس أموالهم في مصر أن يكون لهم متى أرادوا 51% من مجموع رأسمال الشركة بدلا من 49% أي ان تكون لهم الاغلبية في رأس المال . وبالتالي المقدرة على توجيه أعمال الشركة على الوجه الذي يرونه احفظ لمالهم وأنتج لاستثماره . وتلاه المرسوم بقانون رقم 13 لسنة 1952 بانشاء المجلس الدائم لتنمية الاقتصاد القومي للانتفاع برؤوس الأموال المصرية والاجنبية .
في 15 يناير 1953، قبل مضي ستة أشهر على قيام الثورة صدر القانون رقم 31 لسنة 1953 ليؤجل سداد الضرائب المستحقة اذا طرأت ظروف عامة او خاصة بالممول تحول دون تحصيل الضرائب. وهكذا اطمأن كل الذين تهربوا من سداد الضرائب في المرحلة السابقة والذين يتهربون من سدادها فيما بعد الى انه يكفي ان يكون لدى الواحد منهم " ظرف خاص " لترجىء الدولة اقتضاء حقوقها او تقسيطها. وفي 18 فبراير 1953 وجهت الثورة نداء علنيا في صورة قرار يناشد الهيئات والشركات لاقامة مصانع في مصر . وفي 25 فبراير 1953 تقرر اعفاء المدينين من تعويضات السداد العاجل التي اجراها البنك العقاري الزراعي قبل وبعد عام 1946. وفي 4 مارس 1953 تقرر اعفاء شركات الطيران من دفع الرسوم على الوقود والزيوت وقطع الغيار وأجزاء الطائرات المستوردة . وفي الفترة من 10 مارس الى 16 مارس 1953 صدر القانون رقم 45 بالسماح للتجار والمستوردين باضافة تكاليف النقل الى أسعار السلع المحددة الربح (المسعرة) والقراران رقم 47 و 48 لسنة 1953 برفع نسبة الارباح على أسعار التكلفة الى 15%. ثم صدر القانون رقم 155 لسنة 1953 باطلاق يد شركة الملح والتعدين في المتاجرة في الملح وألغي القانون رقم 100 لسنة 1951 الذي كان يحتم بيع انتاجها للحكومة حتى يصل الى المستهلكين بسعر مناسب وبدون مضاربة على سلعة لا يستغني عنها احد . ثم صدر القانون رقم 66 لسنة 1953 الخاص بالمناجم و المحاجر (التعدين) متنازلا عن شرط الجنسية المصرية في الشركات التي تقوم على استغلال البترول وهو ما كان مشروطا بالقانون رقم 136 لسنة 1948.
ثم جاء القانون العتيد الذي ما يزال يراود أحلام الكثيرين ، قانون استثمار رؤوس الاموال الاجنبية . نعم. لقد كان ذلك اول ما جربته الثورة للتنمية الاقتصادية. صدر ذلك القانون برقم 156 لسنة 1953 وفيه يباح لمن يستثمر أمواله في مصر ، فضلا عن ان يكون له 51% من رأس المال اذا أراد ان يحول أرباحه الى الخارج سنويا وان يحول رأس ماله كله بعد خمس سنوات كما تحول اجور الاجانب الذين يحصلون عليها مقابل عملهم بالمشروعات . وزاد القانون تشجيعا ، بان انشاء إدارة خدمة للاجانب الذين يقبلون استثمار أموالهم في مصر، فنص على انشاء لجنة خاصة باستثمار المال الاجنبي من بين مهامها " تيسير الحصول على تأشيرات الاقامة لرجال الاعمال والخبراء ورؤساء العمال القادمين من الخارج ". ولما كان الاجانب يخطئون بحسن نية او عمدا، في احترام قوانين الاقامة المفروضة من أجل الامن الداخلي ، فان الثورة قد أعفتهم من العقوبة على تلك الجرائم (القانون 181 لسنة 1953) ولما كان النشاط الرأسمالي لا يهتم بدور الطفيليين من السماسرة ، وكان عدم دفع سمسرة اذا كانت الحكومة ذاتها طرفا في الصفقة قد " يسد نفس الرأسماليين " فقد أصدرت الثورة القانون رقم 188 لسنة 1953 بالسماح " بالسمسرة " في التعامل مع الحكومة ومع الشركات ( في 23 أبريل 1953) . والأجانب لا يحضرون!!
ربما لأن القوانين المصرية لا تسمح بالعمل لمن تجاوز سنه الستين فحرمت نفسها من خبرة " عواجيز " الاجانب. اذن ، يصدر القانون رقم 284 لسنة 1953 ، في 15 يونيو 1953 باستمرار تشغيل الاجانب بعد سن الستين . ربما لأن الرأسماليين أجانب ومصريين لا يكتفون بالارباح التي تعود عليهم من الانتاج والمتاجرة وانما يضيفون اليها أرباح المضاربة على أسهم الشركات والسندات في البورصة، وبورصة الاوراق المالية في مصر ليست منظمة. اذن، يصدر القانون رقم 326 لسنة 1953 ( في يوليو 1953) بتنظيم التعامل في بورصة الأوراق المالية وبالمرة كما جاء في المذكرة التحضيرية لأن الحكومة قد شرعت في " تنفيذ قانون تحديد الملكية الزراعية وما قد يترتب على تنفيذ هذا القانون من توافر المال لدى أصحاب تلك الاملاك مما يسهل عليهم توظيف هذه الاموال في القراطيس المالية ". ربما لأن الاجانب يجلبون معهم ويستوردون تباعا بضائع كثيرة ، ومصر تفرض عليها رسوما جمركية في حين انها " للاستعمال الشخصي " وستعود اليهم حين يعودون . " معلهش " يصدر القانون رقم 372 لسنة 1953 ( في 22 يوليو 1953) باعفاء السلع المستوردة على أن يعاد تصديرها بعد ذلك .
لماذا، أيها الاجانب لا تجلبون أموالكم من الخارج لاستثمارها في مصر بالرغم من كل هذه الاغراءات؟
ربما لأن للاجانب أموالا كثيرة هربت من مصر الى الخارج ولو عادت فربما يتعرضون لجزاء التهريب . " المسامح كريم " ويصدر القانون رقم 143 لسنة 1953 بالعفو الشامل عن جرائم التهريب التي وقعت منذ عام 1947 اذا استعادها المهربون في خلال ثلائة أشهر من صدور القانون (صدر القانون في مارس 1953).
لماذا 1947 بالذات؟ لأن تلك هي السنة التي بدأ فيها الصراع ضد الصهيونية فبدأ الاجانب اليهود وغير الاجانب من اليهود تهريب أموالهم الى خارج مصر منذ ذلك الحين . وبالمناسبة كان اول قرار " حراسة " فرضته الثورة يوم 21 فبراير 1953 (رقم 59) على بنك حمصي نظرا لما " تبين من التحريات ان بنك حمصي يقوم بتهريب الاموال الى الخارج وقد ضبط مديره في حالة تلبس بمعرفة النيابة ". ولم يكفوا بعد ذلك عن التهريب الى ان اضطرت الثورة أكثر من مرة الى تشديد العقوبة . وماذا عن الرأسمالية القائمة بعد تشجيع الرأسمالية على القدوم؟
لقد فتحت لهم البورصة وأتيحت لهم السمسرة حتى في تعاملهم مع الحكومة. انهم يريدون من الدولة أموالا.. فلتعط الثورة لعلهم يفلحون . دعم شركات الغزل والمنشآت القطنية (قانون 251 لسنة 1953 في 31 مايو 1953) اعادة النظر في قوانين الشركات السابقة واصدار القانون رقم 26 لسنة 1954 (16 يناير 1954) الذي تقول مذكرته الايضاحية انه صدر " للتيسير على المتعاملين والحرية الاقتصادية ومبدأ حماية حقوق المدخرين لحثهم على الاقبال على الاستثمار والتوسيع على رؤوس الاموال الاجنبية التي تستثمر في مصر فقد اشتمل المشروع على نصوص تكفل لهذا النوع من الاموال ما يغريه بالأقبال و المساهمة الجدية ". الغاء القرار رقم 189 لسنة 1953 بتحديد الاسعار والارباح (قرار رقم 21 لسنة 1954 في 1 فبراير 1954) تعويض فوائد وقيم استهلاك سندات البنك العقاري عن الضرائب التي فرضت من قبل على الارباح التجارية والصناعية (قانون 65 لسنة 1954 في 4 فبراير 1954) . دخول الحكومة شريكة في شركة مساهمة لصناعة الحديد والصلب مع ضمانها لكل من يكتتب حدا ادنى من الربح قيمته 4% وضمان سداد قيمة الاسهم والسندات عند استحقاقها والتعهد بشراء تلك الاسهم اذا أراد أصحابها بيعها، وضمان تحويل قيمتها الى الخارج (قانون رقم 131 لسنة 1954 في 4 مارس 1954) . خفض الرسوم على الرهون العقارية التي تعقد مع البنك الصناعي (قانون رقم 178 لسنة 1954 في 11 مارس 1954) منح 106000 متر مربع أرض مباني بدون ثمن الى شركة التعمير والمساكن الشعبية لاقامة عمارات عليها ( قرار 10 مارس 1954) . بيع الاراضي البور للشركات وكبار المزارعين وأصحاب رؤوس الاموال مقابل 25% مقدم ثمن و يقسط الباقي على 20 سنة بفائدة 3% ولا تبدأ الاقساط والفوائد الا بعد خمس سنوات مع التصريح للمشترين باعادة بيعها بالثمن الذي يحددونه. ضمان شركة الفنادق المصرية لدى صندوق التأمين والادخار لتشجيعها على اعادة بناء فندق شهرزاد ( قانون رقم 311 لسنة 1954 في 10 يونيو 1954 ) ضمان الحكومة للبنك الصناعي ( قانون رقم 298 لسنة 1954 " أغرب من هذا كله الاعفاء المقنع للرأسماليين من الضرائب على الارباح الناتجة عن كل تلك التسهيلات ، وذلك في شكل قانون يقول باتخاذ عام 1947 أساسا لتقدير الضريبة ( قانون رقم 240 لسنة 1954) .
ويقول عالم الاقتصاد الرأسمالي الدكنور علي الجريتلي :
" هذا بالاضافة الى الاجراءات التشجيعية للصناعة وحمايتها . نذكر منها زيادة الرسوم الجمركية على الكماليات بين سنتي 1952 و 1954 الى 100% وعلى الاصناف التي يكفي الانتاج المحلي منها مطالب الاستهلاك بين 20 و 50 %وتكرار حظر استيراد بعض المصنوعات بتاتا وتقييد استيراد البعض الآخر لاتاحة الفرصة لتسويق انتاج المصانع الجديدة ، وعلاج ميزان المدفوعات . ومن جهة اخرى خفضت رسوم الوارد على المواد الاولية والسلع الوسيطة والالات وأعفيت الصادرات الصناعية من رسم الانتاج مع التوسع في منح الدروباك وفي تطبيق نظام السماح المؤقت . وكان من عوامل تشجيع الصناعة الناشئة أيضا تعديل المواصفات الحكومية البالية لتشمل المنتجات المحلية بعد ان كانت تستبعد لعدم استيفاء الشروط العسيرة التي وضعت أصلا لصالح الدول الاجنبية، وأخيرا اقترن التشجيع بانشاء صناديق لدعم صناعات القطن والحرير الصناعي والاسمنت وتشجيع تصديرها وهي تمول من حصيلة رسم الانتاج ورسم الدعم الذي يمثل نسبة مئوية من ثمن المواد الاولية او من المهايا والأجور. ومن ذلك أيضا بيع العملات الاجنبية للشركات الصناعية بسعر الصرف الرسمي المخفض، وحظر تصدير بذرة القطن والقطن الاشموني وبعض المواد الاولية الا بعد الوفاء بحاجة الصناعة المحلية وتكليف المهندسين بالعمل في قطاعات محددة بأجر يقل عن أجر التوازن وتحريم انشاء مصانع جديدة اذا كانت الوحدات القائمة كافية ".
ثم جاء الفيض من " الغنائم ". فعلى إثر العدوان " الانجليزي- الفرنسي الصهيوني " عام 1956 فرضت الحكومة الحراسة على أموال الاعداء بسلسلة من الاوامر العسكرية بدأت برقم 4 لسنة 1956. والحراسة على أموال الاعداء اجراء عادي استعملته مصر لحساب بريطانيا عام 1939 حين فرضت الحراسة على أموال الرايخ الالماني . ومن شأن الحراسة ان ترفع يد أصحاب الاموال عن أموالهم وتديرها لحسابهم الى ان تنتهي الحرب . وهكذا وضعت أموال بمئات الملايين تحت الحراسة ووضع القطاع الاجنبي الرئيسي الذي كان يسيطر على الاقتصاد المصري تحت الحراسة . ولكن القائد المتحفز من أجل تحرير مصر سياسيا واقتصاديا ما لبث ان حول اجراء الحراسة الى عنصر من عناصر التحرير الاقتصادي ففرضت الحراسة في بيع المنشآت الاجنبية والاوراق المالية المملوكة لرعايا الاعداء ، أو من يقيم في البلاد من الأعداء ، للرأسماليين المصريين بثمن تصفيتها أي بعد خصم الديون من الاصول، وبدون اقتضاء الثمن عند البيع ، وهكذا كسبت البنوك المصرية وشركات التأمين والشركات الصناعية والعقارية ثروات هائلة بضربة ثورية واحدة بدون ان تدفع شيئا تقريبا.
 
اقتباس:
الدفاع عن قضية خاسرة:
بكل حسن النية والثقة بالآخرين والآمال غير الواقعية التي تغذيها المثالية، تولى عبد الناصر الدفاع عن التنمية الرأسمالية والاتحاد القومي معاً معبراً بذلك عن وحدة تصوره للأسلوبين ، الاقتصادي والسياسي لحل مشكلة الديموقراطية في مصر. معبراً عن أنه اختار التنمية الرأسمالية من أجل حل مشكلة الديموقراطية واختار الوحدة الوطنية كما يمثلها الاتحاد القومي لحل مشكلة التنمية بدون التفات إلى التناقض بينهما...
ففي خطبة طويلة القيت في الاسكندرية يوم 26 يوليو 1957 دافع عن دور الرأسمالية في التنمية وربط هذا الدور بصيغة الاتحاد القومي وهاجم اليمين واليسار كليهما قال : " ومعركة الانتخابات ظهرت فيها بعض الاتجاهات . كلنا لا بد أن نعرف ما هي هذه الاتجاهات وما هي مصلحتها . ظهر اتجاه يميني يشكك في عملية التمصير وكان يقول اننا نحن المصريين لن نستطيع أن نقوم باقتصادنا بأنفسنا ولا نقدر أبدآ أن نمشي في طريقنا إلا معتمدين على الأجانب وأثبتت الأيام أن هذا الاتجاه خاطىء لأننا كمصريين عندنا القدرة أن نعمل أي شيء . استطعنا أن ندير قناة السويس ونسيرفيها الملاحة وكانوا يقولون أنه لا يمكن للمصريين أن يديروا قناة السويس . واستطعنا أن ندير الاقتصاد والبنوك والشركات الممصرة ولكن الفرق بين اليوم وبين ما مضى أن الأوامر في الماضي كانت تأتي من الخارج واليوم تسير مع الثورة وأهداف مصر لمصلحتك ومصلحة أخيك ، لمصلحة هذا الشعب كمجموعة طبعاً الذين كانوا ينادون بهذه الاتجاهات اليمينية لعلهم كانوا يدافعون عن مصالحهم الشخصية لأنهم كانوا يستفيدون دائماً من هذه المؤسسات. كانت هذه المؤسسات تعطيهم مكافآت لأجل أن تكسب تأييدهم . وظهرت في أثناء المعركة اتجاهات يسارية ظهرت اتجاهات من أجل تحديد الملكية وتحديد الأرض مرة ثانية ومن أجل الاستيلاء على رأس المال الوطني وبعض الصناعات المصرية وأنا غير موافق على هذه الاتجاهات لأننا كثورة اجتماعية وكثورة سياسية لا بد أن تكون ملكية الشعب كله متناسقة . اليوم حددنا الملكية بـ 300 فدان تظهر اتجاهات لتحديد الملكية بـ 150 فداناً بدلاً من أن ننادي بهذه الاتجاهات ننادي بزيادة الأرض المزروعة . إننا فى تحديد الملكية كنا نقضي على الاقطاع وكان هدفنا من القضاء على الاقطاع تحرير الفرد وكان هدفنا من تحرير الفرد إقامة حياة ديموقراطية، الفرد يشعر أن عيشته سليمة ويشعر بأنه مطمئن على مستقبله واعتقد أن هذه الانتخابات اثبتت لكم أن كل فرد كان مطمئنا على مستقبله. كل واحد دخل وأعطى صوته بحرية وطبق الورقة ووضعها في الصندوق بحرص ولم يهدده أحد في حريته ولا في رزقه . اثبتت هذه الانتخابات أن الشعب يستطيع أن ينتخب من يريد بدون النظر إلى الفوارق وبدون النظر إلى الطبقات " . " طبعآ رأس المال الوطني إذا أردنا أن نحافظ عليه لأنه خاص بى وبك وبكل واحد عنده قرش في هذا البلد . هدفنا هو تنمية رأس المال الوطني ولكنا نتبع سياسة رأس المال الموجه ، رأس المال كما قال الدستور يستخدم في خدمة الشعب ولا يستخدم في أغراض تضر بمصالح الشعب ولكن الاتجاهات لا تتمشى مع أهدافنا وقد قلنا دائماً اننا نهدف إلى إقامة مجتمع تعاوني تتعاون فيه جميع الطبقات كل طبقة تعمل على أن ترفع مستواها وتعمل على ان تكون لها حقوقها وفي نفس الوقت تقوم بواجباتها . هذه الثورة ليست ملك طبقة من الطبقات ولكن هذه الثورة ملك الشعب كله بجميع طبقاته. هذه الثورة لن تقضي على الانتهازية إلا إذا قام فيها مجتمع تعاوني يتعاون فيه العامل مع صاحب العمل ويتعاون الفلاح في أرضه مع أخيه وتقوم جمعيات تعاونية للفلاحين من أجل أن يقدروا أن يقوموا بعملهم ، كل واحد يبحث عن مصلحة نفسه وفي نفس الوقت يبحث عن مصلحة أخيه هذا هو السبيل أيها الأخوة وهو الهدف حياة ديموقراطية سليمة و هو الهدف السادس من أهداف الثورة .
وهذا هو السبب الذي من أجله أقمنا الاتحاد الاتحاد القومي وقلنا إن المواطنين جميعاً يكونون الاتحاد القومي من أجل بناء هذا الوطن اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً . لقد مرت بنا خمس سنين إلى الآن ونحن نحتاج إلى تدعيم لنقضي على الانتهازية وننتهي إلى إقامة الحياة الديموقراطية السليمة ".
وفي ختام ذلك العام ألقى في المؤتمر التعاوني المنعقد في جامعة القاهرة يوم 5 ديسمبر 1957 خطاباً قال فيه : " يتضح من هذا كله أننا كدولة نهدف إلى القضاء على الاستغلال والقضاء على الفردية والانتهازية ولكننا لا نسعى لإقامة رأسمالية الدولة ، الدولة تشترك مع الشعب ونعتبر أن لها الولاية وهذه الولاية تضعها موضوع حماية مصالح صغار الرأسماليين وصغار المدخرين مع الرأسماليين الآخرين . ولا نترك صغار المدخرين حتى يقعوا في أيدي المستغلين وحتى يستغلوا أويستخدموا لتحقيق مصالح خاصة لقلة معينة أو لفئة من الناس .. لكن في نفس الوقت نحن لا نريد أن تكون رأسمالية الدولة بل نعتبر أن رأس المال الخاص حر، ما دام يعمل لمصلحة الشعب ويعمل للخير العام للشعب، وفي نفس الوقت نتدخل بمعنى اننا لا نريد أن نقضي أو نصفي الرأسمالية ولكن نرى أن من واجبنا أن نراقبها ونعتبر أن رأس المال الوطني ضرورة لازمة في هذا الوقت من أجل تطور الاقتصاد القومي ولكنا يجب أن نلاحظ دائماً أن رأس المال هذا لا يتحكم في الحكم ولا يسيطر على الحكم من أجل استغلال الأغلبية العظمى لهذا الشعب ".
وفي نفس الخطاب عقد مقارنة مثيرة بين موقفه من الاقطاع وموقفه من الرأسمالية ويلخص- تقريباً- رؤيته لعلاقة كل منهما بالديموقراطية . قال : " وكيف نطبق؟.. طبقناه في القضاء على الاقطاع .. لقد بدأنا الاصلاح الزراعي للقضاء على الأقطاع وكان هدفنا أيضاً إقامة مجتمع ديموقراطي اشتراكي تعاوني ولم يكن هدفنا أبداً أن نقضي على الملكية. الدستور يقول إن الملكية الخاصة مصونة ولكن كان هدفنا أن نحول أجراء الأرض إلى ملاك ، الناس الذين اشتغلوا في هذه الأرض مدة طويلة وآباؤهم وأجدادهم اشتغلوا فيها كذلك كنا نهدف الى تحويل هؤلاء الأجراء إلى ملاك وبهذا نستطيع أن نقيم عدالة اجتماعية ونقرب الفوارق بين الطبقات .. هذه كانت معاملتنا مع الاقطاع .. لم نكن نهدف إلى تحويل ملاك الأرض إلى أجراء ولكن كنا نهدف إلى تحويل الأجراء إلى ملاك .. وبهذا يكون هناك مجتمع اشتراكي ديمقراطي تعاوني .. ولما تدخلت الدولة في الصناعة لم تكن أبداً ترى أن تكون الرأسمالي الوحيد.. كما قلت لكم .. اننا نعتبر الرأسمالية الوطنية ضرورة لازمة لتقويم اقتصادنا وللتنمية وللوصول إلى تحقيق الاستقلال الاقتصادي . و لكن الدولة كانت تتدخل لأنها تعتبر أن لها الولاية وانها مسؤولة عن حماية الأغلبية العظمى من أبناء الشعب ضد استغلال عدد معين وضد الاستغلال الاقتصادي الذي كان مسيطراً علينا قبل ذلك وضد الاستغلال الصناعي الاجتماعي الذي كان مسيطرا علينا في الماضي . تدخلت الدولة في الصناعة لا لتكون هي الرأسمالي الوحيد ولكن لتقضي على الاستغلال ولتعطي الفرصة لكل مواطن مدخر ليشترك في الصناعة وهو مطمئن إلى أن أمواله هذه في أيد أمينة.. والغرض هوعدم تمكين رأس المال لأن يسيطر على الحكم مرة أخرى ويفسده كما سيطرعليه وأفسده في الماضي .
" هل الهدف هو القضاء على الشخصية الفردية؟. عندما نقول أننا نريد أن نقضي على الفردية الانتهازية شيء وعندما نقول اننا نريد أن نقضي على الفردية شيء آخر . لم نقل اننا نريد القضاء على الفردية اننا نؤمن بالفرد وبحرية الفرد وشخصية الفرد وحقه في العمل وحقه في الحركة ما دام هذا يتمشى مع الدستور ومع مصالح الشعب ولكن لا نؤمن أبداً بالفردية الانتهازية أو الفردية المستغلة والنظام الاشتراكي الديموقراطي التعاوني يعمل على الحد من الفردية الانتهازية وتشجيع الفردية الوطنية التي تتعاون من أجل خيرالشعب ومن أجل مصلحة المجتمع ". ان استعمال الرئيس عبد الناصر لتعبير الفرد والفردية وحق الفرد في العمل وحقه في الحركة مؤشر لا يخطيء على المفهوم الليبرالي للتنمية الاقتصادية. وبالتالي يكمل هذا المؤشر دلالة ما أوردناه من قبل كمؤشرات على المفهوم الليبرالي للديموقراطية .

الضحايا :
ولكن، هل نحن نتحدث عن موقف عبد الناصر من مشكلة التنمية الاقتصادية، أو من الرأسمالية، أو من الاشتراكية؟ أم اننا نتحدث عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية؟.. لقد اطلنا في الحديث عن التنمية ومشكلاتها وقوانينها وارقامها وابطالها.. كأننا نريد أن ننتهز فرصة الحديث عن الديموقراطية لنشهر بالرأسمالية. لانستطيع أن نعتذر عن الإطالة.. لأن كل " الأفكار " والمشروعات الديموقراطية التي أولتها الثورة في تلك الفترة عنايتها و جهدها ومالها ، من أول الإصلاح الزراعي إلى الاتجاه المباشر الى الشعب ، إلى محاولات دفعه إلى الممارسة الديموقراطية، الى منحه سلطات دستورية ، إلى مضاعفة اعداد المصريين الذين يتمتعون با لحقوق السياسية ، إلى جعل الممارسة السياسية اجبارية .. إلى آخره، كل هذا أوقف عند خطواته الأولى واجهض من مضامينه وتحول إلى شكل ديموقراطي بفعل " التنمية الرأسمالية "
وكان أول الضحايا، ديموقراطياً ، هم العمال الذين تجاهلتهم الثورة .
أن تجاهل العمال لا يعني أنهم لم يصيبوا شيئاً من المكاسب الاشتراكية في الفترة التي نتحدث عنها. فقد سبق أن اشرنا الى القانون رقم 165 لسنة 1953 بمنع فصل العاملين تعسفياً ، وكان مؤدى ذلك أن للعامل الذي يفصل تعسفياً الحق في أن يلجأ إلى القضاء المستعجل ليحصل على قرار بإيقاف قرار فصله ودفع مرتبه إلى أن يحكم في الموضوع ، ولم يكن مؤاده استمرار العامل في العمل . وإنما نقصد هنا تجاهل العمال كقوة شعبية في مجال الممارسة الديموقراطية وعنصريها اللازمين : الأول : التحرير، والثاني : التشجيع على الممارسة الديموقراطية.
فمن حيث تحرير العمال من التبعية الاقتصادية لأصحاب العمل ، يصدم الانسان حقا حين يلاحظ أنه طوال تلك الفترة أي من 1952 حتى 1961 لم تضف الثورة شيئاً يذكر- فيما عدا ما ذكرنا- إلى القوانين 317 و 318 و 319 لسنة 1952 التي صدرت في الشهر السابق على الثورة . كل المكاسب جاءت في مرحلة تالية. ولكن في تلك الفترة التي نتحدث عنها لم يكسب العمال شيئاً مقارنا لما كسبه الفلاحون .
أما من حيث التشجيع على الممارسة الديموقراطية، فيبين الأمر من موقف الثورة من النقابات العمالية والنشاط النقابي . فحين قامت الثورة كانت نقابات العمال ينظمها القانون رقم 85 لسنة 1942 ( 10/9/1942 ) ولم يكن مسموحاً للعمال الزراعيين أو وكلاء أصحاب الأعمال أو الممرضين أو لموظفي الحكومة إنشاء نقابات وكان مسموحاً للعمال الذين يشتغلون بمهنة أو صناعة أو حرفة واحدة أو بمهنة وصناعات أو حرف متماثلة أو مرتبطة ببعضها أو يشتركون في انتاج واحد أن يكوّنوا فيما بينهم نقابات ترعى مصالحهم وتدافع عن حقوقهم وتعمل على تحسين حالتهم " .
وكان ممنوعا على النقابات استثمار اموالها والاشتغال بالمسائل السياسية أو الفنية وكان مباحا للنقابات في كل مهنة أن تكوّن اتحاداً لها وكانت العيوب الأساسية في هذا القانون- بالنسبة إلى النشاط النقابي- هي أن حق تكوين النقابات كان مقيداً . ولم تكن هناك أية امكانات لبناء نقابي يمثل كل العمال النقابيين ، إذ كان أصحاب كل مهنة يعتبرون- في اتحادهم- طائفة مستقلة عن العاملين بالمهن الأخرى ، ثم حد من تنمية المقدرة المالية للنقابات عن طريق استثمار أموالها، وأخيراً ذلك الحظر المفروض على اشتغال النقابات بالمسائل السياسية وهو يحرم على النقابات كل نشاط يدخل في نطاق تلك الكلمة واسعة الدلالة " السياسية " خا صة دلالتها المحددة : الديموقراطية : فجاء القانون رقم 319 لسنة 1952 الصادر قبل الثورة ( يونيو 1952 ) فأباح للمصريين والعاملين في المستشفيات غير الحكومية تكوين نقابات كما أباحه للعمال الزراعيين وأبقي الحظر مفروضاً على موظفي الحكومة ووكلاء أصحاب الأعمال (المادة1) .
فجاءت الثورة باضافة تتسق غرابتها مع غرابة الاتجاه الرأسمالي فأصدرت القانون رقم 513 لسنة 1954 (30 سبتمبر 1954) بإباحة تكوين النقابات لوكلاء رجال الأعمال . الإضافة الإيجابية الوحيدة كانت في 16 مارس 1955 عندما صدر القانون رقم 143 لسنة 1955 ينص على : في أي وقت يبلغ أعضاء نقابة المنشأة ثلاثة أخماس مجموع عمالها يعتبر الباقون أعضاء في النقابة " . (المادة 5) . وبقي كل شيء على حاله حتى صدر قانون العمل الموحد رقم 91 لسنة 1959. تقول مذكرته الايضاحية إنه تجميع للقوانين التي كانت نافذة من قبل منذ عام 1933 فكأنها لم تضف شيئاً .
ولكننا نلاحظ في شأن نقابات العمال أنه بدلاً من أن يكون من حق كل العاملين في كل مؤسسة على حدة أن يكوّنوا نقابة لتمثلهم في مواجهة رب العمل الخاص بهم ، الغى القانون رقم 91 لسنة 1959 هذه النقابات وجعل من كل العاملين بمهنة أو صناعة واحدة أو بمهن أو صناعات متماثلة أو مرتبطة بعضها ببعض أو تشترك في انتاج واحد أن يكونوا فيما بينهم " نقابة عامة " واحدة ، على مستوى الجمهورية مع التصريح لها بأن تشكل نقابات فرعية في المديريات أو المحافظات كما لها أن تشكل لجان نقابية في المؤسسات المشتغلة بنفس الصناعة أو المهنة إذا كان عدد العمال المنضمين للنقابة في المؤسسة 50 عاملاً فأكثر.
فإذا لاحظنا أن عدد العاملين في المنشآت فقط ( بعد استبعاد الزراعة والتشييد والخدمات) كان عام 1959، تاريخ صدور القانون، حوالي 650000 في حين أن الذين يعملون منهم في مؤسسات تشتغل أكثر من 50 عاملاً لم يكن يزيد عن 250000 ندرك كيف أن القانون رقم 91 لسنة 1959، كان قد حرم 400000 عامل أي ما يقرب من 2/3 من مجموع العمال الصناعيين، من النشاط النقابي .
هذا بالإضافة إلى تركيز القيادة النقابية في النقابة العامة " المركزية " وما يترتب على هذا من إضعاف لمقدرة اللجان النقابية في مواقع العمل . أكثر من هذا ما نصت عليه المادة 170 من أنه " لا يجوز لمن فصل نهائياً من المؤسسة أن يستمر في عضوية اللجنة النقابية لها ". ولما كان الفصل مباحاً ، ولو كان تعسفياً ، إذا أن الجزاء على التعسف هو التعويض النقدي ، وهو عبء يسير على الرأسماليين فقد كان أي رب عمل يستطيع أن يطرد أي عامل نقابي نشيط من اللجنة النقابية بأن يفصله من العمل بعد محاكمته أمام مجلس الإدارة !! (المادة 173) . في مقابل هذا أقر القانون لنقابات العمال بحق أنشاء " اتحاد " يرعى مصالحها المشتركة وبذلك أمكن الغاء تجزئة العمال وبايجاد رابطة علوية تنظيمية واحدة لهم . وكان ذلك من مفاخر الثورة . ولكن لكل شيء وجهين . فإذا كان القانون 91 لسنة 1959 قد أوجد للعمال سلطة مركزية واحدة فإنه من ناحية أخرى قد عرض حركتهم النقابية لمخاطر سيطرة هذه السلطة المركزية أو السيطرة عليها ، خاصة إذا لاحظنا إن هذا القانون ذاته قد نص على تحريم الاضراب ( المادة 180 فقرة 2 جـ ) وهو تحريم ترعاه وتسأل عنه النقابة العامة واتحاد نقابات العمال بشكل مطلق، أي بصرف النظر عن اختلاف ظروف العمل من موقع إلى موقع وما قد يتوافر في موقع ما من مبررات الاضراب.
هذا هو كل ما أصابه العمال وما أصيبوا به في الفترة 1952 إلى 1961. وخلاصته تقوية الحركة النقابية في القمة وإضعافها في القاعدة وهو غير ديموقراطي . وقد برزت أضراره تماماً حين أنشئت وزارة العمل واختير لها من قمة الحركة النقابية وزيراً بعد وزير فأصبح مصب طموح النقابيين هو الالتحاق بالسلطة التنفيذية . هل هو إفساد متعمد للحركة النقابية؟.. لا .. ولكنه أحد النتائج التي لا مفر منها للتنمية الرأسمالية. ان أحد وسائل تشجيع وتقوية الرأسماليين هو إحباط وإضعاف مقدرة العمال. ويستحيل استحالة مطلقة في مصر وفي غير مصر أن تكون الدولة مع مصالح الرأسماليين ومصالح العمال في نفس الوقت وبنفس القدر. لو قبله العمال والفلاحون، وقد يقبلون، فإن الرأسماليين والملاك لن يقبلوا المساواة أبداً .. لسبب بسيط هو أن مصالحهم لا تلتقي مع مصالح الذين يعملون .



الطبقة الجديدة :
قيل عنها- فعلاً- انها طبقة جديدة تلك التي سيطرت على حياة مصر السياسية والاقتصادية في الفترة التي انتهت عام 1961. وأ يقل أحد لماذا هي جديدة . وقد يذهب الظن إلى أنها طبقة نشأت حديثاً ولم تكن موجودة من قبل . ولكنا نعتقد أن مرجع جدتها إلى " غرابتها " إنها ليست طبقة بأي معنى اقتصادي لأن ليس لها موقع من علاقات الانتاج ، إذ انها أصلاً غير منتجة . ولكنها خليط غريب من البشر الذين لاينتجون شيئاً اجتمعوا حول الدولة وفي أجهزتها وتعاونوا جميعاً على امتصاص مواردها. منهم المؤسسة العسكرية التي تصاعدت سلطتها بعد عام 1955 وأصبحت دولة فوق الدولة وامتصت قيادتها قدراً لا بأس به من الدخل القومي فأصبح القادة العسكريون من بين قمم الأثرياء والمترفين والوسطاء في الصفقات المدنية والعسكرية ففسدوا هم أولاً وأفسدوا الحياة ثانياً وادى الأول والثاني إلى هزيمة 1967 فيما بعد . وقد ضربنا مثلاً لذلك القانون رقم 160 لسنة 1962 الذي وضع جهاز الدولة المدني جميعه في خدمة قيادة القوات المسلحة. ولما كان كبار القادة لا يعملون بالتجارة والسمسرة بأنفسهم فقد عملوا بها من خلال زوجاتهم وابنائهم وأقاربهم . ولكن لحسابهم وكان قطاع آخر من كبار القادة أكثر شطارة فغادر القوات المسلحة، خاصة بعد 1956 ، ليشترك في غنائم الحرب فأصبح منهم رؤساء مجالس الادارات والمديريون العامون ومديرو المصانع ، و انتقل و احد من أعضاء مجلس قيادة الثورة ليكون رئيساً للمؤسسة الاقتصادية . هذه طا ئفة .
أما الطائفة الثانية فهم البيروقراطيون . أولئك الذين كانوا موظفين تعساء في دولة راكدة عام 1952 قد أصبحت دولتهم الآن أكثر نشاطاً وتدخلاً ، وأصبحت مصالح الرأسماليين والأجانب والمصريين متوقفة إلى حد كبير على دراساتهم وآرائهم وقراراتهم وتوصياتهم فأصبح عدد كبير منهم يجمعون بين وظيفتين : موظفون في الدولة يتبعونها وموظفون لدى الدولة يتبعون الرأسماليين في الخارج ، ويقبضون من الطرفين ، ويشاركوا الطرف الثاني أن لم يكن بأنفسهم فبواسطة زوجاتهم وابنائهم وأقاربهم . ولكن لحسابهم - وهذه طائفة.
أما الطائفة الثالثة فهم الرأسماليون الذين لا ينتجون إنما يقومون بالأعمال الطفيلية كالوساطة والمقاولة والسمسرة والاستيراد والتصدير لبضائع لا يحتاجها إلا المترفون . ولقد كادت مكاتب الاستيراد والتصدير والوساطة والاستشارة والوكالة التجارية في القاهرة - في تلك الفترة- أن تقارب المقاهي عدداً. وبرز في مصر عدد من الأفاقين الدوليين لم يلبثوا أن أصبحوا من أصحاب الملايين وكان أحدهم- وهو أجنبي - يستورد المأكل والمشرب و" التسالي " لولائمه من مطعم مكسيم في باريس بالطائرة وهي ولائم كانت مقصورة على الطوائف الأخرى السابقة . ثم طائفة أخرى من الكتاب والصحفيين والمثقفين والأنتهازيين الذين قدموا ما يملكون : اقلامهم وصحفهم وعقولهم في مقابل أن يشتركوا في مغانم الطبقة الجديدة فأصبحوا منها . أولئك الذين طبلوا وزمروا لكل كلمة ووافقوا على كل إجراء وصفقوا لكل متكلم وجروا وراء كل فرصة وبرروا كل شيء ..
أما الامتداد الريفي لهذه الطبقة الجديدة فكان يمثلها أولئك الملاك الذين كانوا تابعين للاقطاعيين فاصبحوا هم سادة. خدم الباشوات السابقين ومديرو عزبهم ووكلاؤهم والصف الثاني من أسرهم .
الآن خلى لهم مكان القمة وقفزوا اليه وأصبح اتصالهم بالسلطة مباشراً ، وأصبحوا هم المرشحين في الانتخابات بعد أن كانوا وسطاءها. وآصبحوا هم أصدقاء السلطة المحلية بعد أن كانوا لا يقتربون منها، ولا يقبلون، الا بتوصية من " فوق "..
كل هؤلاء اجتمعوا وتعاونوا وتستر بعضهم على بعض وتبادلوا الهدايا والرشاوي وتجمعهم " مصلحة " واحدة : نهب الدولة من خلال تحقيق ما تأمر به قيادتها . ولما كان نهب الدولة ليس عملية اقتصادية بل هو " سرقة " فاننا لم نستطع أن نفهم كيف أن تلك الطبقة الجديدة إلا من حيث " غرابتها ". ولا شك أن اجتماع طبقة على أن تسرق شيئاً غريباً ، ولكنه حدث في مصر . كان سبب حدوثه تلك الرغبة العارمة في التنمية الاقتصادية التي أخرجت الدولة من سلبيتها وزجت بها في مجال النشاط الاقتصادي ثم اختيار الأسلوب الرأسمالي للتنمية حيث يضع أهداف التنمية في أيدي المضاربين . ثم ضعف الرأسمالية المصرية حيث أصبح هدفها من التنمية هو الاختلاس وليس الانتاج وليس العمل أيضاً .
هذه الطبقة الجديدة عوقت حل مشكلة الديموقراطية وأجهضت مشروعات الثورة من ناحيتين . الناحية الأولى : احتكارها لاتخاذ القرارات أو تشويه القرارات التي تتخذها قيادة الثورة وتوجيهها في التنفيذ إلى ما يتفق مع مصالحها والحيلولة بذلك دون أن تسهم الجماهير الشعبية في اتخاذ تلك القرارات. بمعنى أنها أصبحت طبقة فوق الشعب ، و تحت القيادة ، وعازلة بينهما ، لا تعلم القيادة من إرادة الشعب إلا ما تريد تلك الطبقة ولا يستفيد الشعب في الاتجاه الديموقراطي للقيادة إلا بالقدر الذي تريده تلك الطبقة وفي حدوده . ولما كانت الديموقراطية لا تعني مجرد تعبير الشعب عن إرادته بل تعني أن ذلك التعبير سيصوغ القرارات التي تصدرها الثورة فإن إرادة الشعب أو ما عبر به عنها لم تستطع في أغلب الأوقات أن تخترق هذا الجانب الحاجز الذي أقامته الطبقة الجديدة إلا بعد إعادة صياغته ، كما أن إرادة القيادة التي كانت تحاول جاهدة نسج خيوط اتصالها بينها وبين الشعب لم تصل إلى هذا الشعب الا بعد أن مرت بالحجاب الحاجز فلواها وعقدها. ومن ناحية أخرى فإن هذه الطبقة الجديدة هي التي أفشلت المشروعات الديموقراطية للثورة .
في الريف- كما في المدن- وببساطة، قام الملاك والرأسماليون الطفيليون وأعوانهم من البيروقراطيين والانتهازيين المعششين في أجهزة الدولة أو " المتشعبطين " عليها بتنفيذ المشروعات الديموقراطية. هم الذين اختاروا أعضاء الجمعيات التعاونية الزراعية من خدمهم أو تابعيهم وانضم إليهم المشرفون الزراعيون كممثلين للبيروقراطية ومديرو فروع بنك التسليف الزراعي والتعاوني كممثلين للرأسمالية وسماسرة وتجارة المحاصيل والأسمدة والبذور وعلف الماشية كممثلين للطفيلين ، وسخروا الجمعيات التعاونية لأغراضهم فاستولوا في النهاية على البذور والأسمدة والأعلاف والسلف بأسماء وهمية وضاربوا على احتياجات الفلاحين وحولوا الريف كله إلى أسوأ سوق سوداء فلم يفد الفلاحون مما انشأت لهم الثورة شيئاً يذكر ووجدوا أنفسهم وقد تحرروا من الاقطاعيين وتحصنوا ضد الطرد من الأرض أسرى قوة جديدة لا تمكنهم من زراعة الأرض إلا بعد أن تستنفد طاقتهم وتستولي على محاصيلهم فظلوا كما كانوا- تقريباً- ولو أن السادة قد تغيروا . ثم ان هذه الطبقة الجديدة هي التي أنشأت وشكلت وقادت هيئة التحرير. وهي التي أنشأت وشكلت وقادت الاتحاد القومي (كان أحد إقطاعيي الصعيد عضواً في اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد القومي . أما كيف وصل فلا أحد يدري) هم الذين يجمعون الناس في السرادقات . ليثبتوا للقيادة " كفاءتهم " الجماهيرية وهم الذين كانوا يتركونهم في السرادقات ويندفعون مودعين القيادة حين انصرافها ولا يعودون .

النكوص:
في عام 1960 كان عبد الناصر قد بدأ يدرك أنه قد خسر رهانه على التنمية الرأسمالية وأنه يوشك أن يخسر رهان الديموقراطية أيضاً . ولقد أشرنا من قبل إلى إعلانه بدء استشعاره الخطر على الثورة في ذلك العام .. والفقرات الثلاث الآتية ، من أقواله ، تبين كيف نما ادراكه مخاطر الفشل خلال عامين. بدأها وفيه بقية من أمل وختمها وقد وضع أصبعه على أسباب الفشل . الفشل في حل مشكلة الديموقراطية...
في 9 يوليو 1959 ألقى خطاباً في افتتاح المؤتمر القومي العام للاتحاد القومي دعا فيه بحرارة إلى ضرورة الاستجابة إلى متطلبات التنمية الاقتصادية ، و علق " قيمة " الاتحاد القومي ودلالته الديموقراطية على مدى نجاحه أو فشله في إنجاز هذه المهمة . ويبدو من خطابه ذاته أن ثمة " معوقات " لخطط التنمية وان كان لم يفصح عن مصادرها..
قال : " وعلينا- أيها الأخوة- أن نذكر دائمآ أن ظروفنا لا تتحمل أي تردد أو أي انتظار. ان خطة مضاعفة الدخل القومي في عشر سنوات في الجمهورية العربية المتحدة لابد أن تنجح وينبغي أن تعقبها دائماً خطط متتابعة لمضاعفة الدخل القومي في عشر سنوات أو أقل ، ذلك أنه من المحتم علينا أن نحقق انطلاقة واسعة المدى تجعل تطورنا سابقاً على الزيادة المنتظرة في عدد السكان وإلا فإن كل أمانينا سوف يصيبها الشلل إذا ما كان السبق لزيادة عدد السكان على سرعة النمو الاقتصادي والأجتماعي. كذلك علينا أيها الأخوة في هذا المجال ألا نتصور بحال من الأحوال أن مهمتنا هي الاحتفاظ بالحالة الراهنة. ان أي تنظيم شعبي ديموقراطي يتخيل أن واجبه هو الاحتفاظ بالأحوال كما تسلمها ، إنما يفقد أصالته الشعبية والديموقراطية. علينا أن ندرك بوعي أن مهمة التنظيم الشعبي هي تنظيم الدفع الثوري وتجديد قواه وهي إستمرار الحركة في إطار العقائد القومية نحو مزيد من العدل الاجتماعي . كذلك فإنه من المحتم علينا ألا ننسى أنفسنا. إن القيادات الشعبية يجب ألا تنعزل بأي حال من الأحوال عن قواعدها فإنها إذا فعلت ذلك وقعت في الخطأ الذي يقع فيه من يتصور أن الشجرة الخضراء الكبيرة اليانعة تقدر على الحياة إذا فقدت الصلة بجذورها ومن ثم فإن القيادات الشعبية ينبغي عليها دائماً أن تذكر سر قوتها . ولسوف يبقى الشعب دائماً هو سر القوة الخالدة . كذلك فإنه من أعظم ضمانات بقاء الصلة بين القيادات الشعبية وقواعدها أن تدرك القيادات بوضوح أن القيادة خدمة عامة و ليست انتفاعاً شخصياً .
بعد سبعة أشهر، ينذر بأن خطة التنمية لا بد أن تنفذ ويشير إلى مصدر المعوقات بشكل عام فيسميهم "فئة من الاستغلاليين " دون إيضاح أكثر : قال يوم 22 فبراير 1961: " فخطة تنمية الدخل القومي في عشر سنوات لا بد أن تنفذ لأنها تمثل ارادة الشعب الذي يريد لجمهوريته أن تنمو وأن تتطور، ويمثل إرادة الشعب الذي يريد لأبنائه العمل الشريف والعمل الكريم . أما إذا كانت هناك فئة من الاستغلاليين لا تريد لهذه الخطة أن تنفذ فإننا نقول لهم ان الشعب قد صمم على أن يقضي على الاستغلال السياسي أو الاستغلال الاجتماعي أو الاستغلال الاقتصادي .. "
بعد خمسة أشهر أخرى يعترف بأن مشكلة الديموقراطية ليست مشكلة دساتير وبرلمانات فقط ، وليست مسألة حريات سياسية فحسب ، بل هي- أولاً- مشكلة المساواة بين الناس في المقدرة على ممارسة الحقوق الدستورية والحريات السياسية ، وانه بدون هذه المساواة في المقدرة والتي هي مقدرة اقتصادية بالدرجة الأولى، فإن الأقوياء سيسلبون حرية الضعفاء.. ولا شك انه كان في ذهنه خلاصة تجربته الماضية وما انتهت إليه من سلب حريات الفلاحين والعمال التي صاغها لهم دستوراً وحاول تنفيذها في مشروعاته الديموقراطية .
قال في عيد الثورة التاسع يوم 22 يوليو 1961 : " الديموقراطية أيها الأخوة لا توجد . بمجرد إصدار دستور وقيام برلمان .. الديموقراطية لا يحددها الدستور ولا يحددها البرلمان . بل توجد بالقضاء على الاقطاع والقضاء على الاحتكار والقضاء على سيطرة رأس المال ".
نلاحظ هنا- قبل أن نستطرد- أن عبد الناصر قد ميّز " الأحتكار " كمعوق للديموقراطية وأنه يتحدث عن " القضاء على سيطرة رأس المال ".. ولم يقل كما كان يقول من قبل " سيطرة رأس المال على الحكم ".. ذلك لأنه اكتشف خلال تجربته ان ليس من اللازم لإهدار الديموقراطية أن يسيطر رأس المال على الحكم سيطرة مباشرة ، بل يكفي أن يسيطر على الشعب من خلال علاقات الانتاج السائدة. وهذا واضح من باقي كلماته. استطرد فقال :
" فلا حرية- أيها الأخوة- بلا مساواة ولا ديموقراطية بدون مساواة مع الاقطاع ولا مساواة مع الاستغلال ولا مساواة مع رأس المال . الدستور يهب الحرية والدستور يعطي الديموقراطية ولكن الاقطاع يسلب الحرية والديموقراطية . الاستغلال يسلب الحرية والديموقراطية ديكتاتورية رأس المال تسلب الحرية والديموقراطية . فلا حرية حقيقية ولا ديموقراطية حقيقية إلا بالقضاء على الاقطاع والاحتكار والاستغلال وسيطرة رأس المال " .
جيد.
ولكن ما الذي حدث بالنسبة لخطط وأهداف التنمية؟..

الدرس المر:
ببساطة، لقد خذلت الرأسمالية المصرية عبد الناصر ولقنته درساً لن ينساه ، وعاه وتعلم منه، فبعد ما قدم إليها، وبالرغم من " محاباته " لها على حساب العاملين ، أثبتت له أنها جواد خاسر، فأفشلت، متعمدة، متآمرة، كل مشروعات التنمية، بعد أن أفشلت، متسللة، منافقة كل مشروعات الديموقراطية … وقصة النكوص، وما أسفرت عنه من دروس، تستحق أن يتعلمها كل الديموقراطيين في العالم الثالث النامي، و ليس في مصر وحدها.




إنتهي الجزء الخامس من 7


د. يحي الشاعر
 
هل كان عبد الناصر ديكتاتورا " الحلقة 6 بقلم عصمت سيف الدولة الشعب..الشعب..من هو الشعب

هل كان عبد الناصر ديكتاتورا " الحلقة 6 بقلم عصمت سيف الدولة الشعب..الشعب..من هو الشعب

هل كان عبد الناصر ديكتاتورا " الحلقة 6 بقلم عصمت سيف الدولة الشعب.. الشعب.. من هو الشعب
..." هل كان عبد الناصر ديكتاتورا 6 - "
الحلقة ألسادسة
بقلم الأستاذ عصمت سيف الدولة
...
الشعب.. الشعب.. من هو الشعب






نتكلم عن الشعب ... ونتحدث ... عن الشعب ... وننادي .. من أجل الشعب ...
وإختارناه ... من أجل الشعب .....

إحنا الشعب

كل يغني علي هواه ... وينادي بما يراه ....

ماذا يقول الدكتور عصمت سيف الدولة عن جمال عبد الناصر ... والشعب ....
الشعب.. الشعب.. من هو الشعب ...

وما هو موقفه وما هي وجهة نظره



د. يحي الشاعر


اقتباس:

الشعب.. الشعب.. من هو الشعب

يا لصلافة هؤلاء القوم :
منذ عام 1947 كان المهندس، مصري الجنسية يوناني الأصل، أدريان دانينوس يطوف بمشروعه عن " السد العالي " على كل الحاكمين والحكومات والنواب والشيوخ في مصر لعل أحداً منهم يهتم بدراسة مشروعه العبقري . إقامة سد في مجرى النيل جنوبي أسوان يختزن وراءه مياه الفيضان ويتحكم في ما يستخدم منها ولا يسمح لتلك المياه بما كان مسموحاً به : أن تعبر الأرض بسرعة لتصب في البحر الأبيض المتوسط غامرة الأرض التي تمر بها ثلاثة أشهركاملة يتعطل فيها الزرع إلى أن تنحسر. كان مشروع السد العالي يعني- عند صاحبه- استغلال مياه الفيضان المختزنة في استزراع ملايين الأفدنة من الأرض التي تفتقد الري . وتوليد قدر من الطاقة الكهربائية يعوض مصر عما تفتقده من مصادر الطاقة الأخرى : الفحم والبترول.. وبالتالي بفتح الباب واسعاً لامكانات زراعية وصناعية غير محدودة..
بالرغم من ذلك لم يهتم أحد بمجرد دراسة المشروع .
ثم جاءت ثورة 1952 وقبلت ما لم يقبله أحد من قبل : أن تدرس المشروع . وتولى متابعة دراسته واحد من أكثر أعضاء مجلس قيادة الثورة عزماً وحسماً في الطبع والحزم والحسن هو المرحوم جمال سالم . واستعانت الثورة بكل بيت موثوق من بيوت الخبرة العالمية. فلما أن ثبتت صلاحيته فنياً أصبح جانب كبير من أحلام الرخاء في مصر متوقفاً على إقامة السد العالي ، وكان ثمة مشكلة التمويل.. فاتجهت الثورة، كعادتها في السنين الأولى من عمرها، إلى رؤوس الأموال الأجنبية لتغطية نفقات الإنشاء . ولم تلبث أن تلقت عام 1955 عرضآ من الولايات المتحدة الأمريكية بالمساهمة في تمويل إنشاء السد (56 مليون دولار) وانضمت إليها انجلترا (14 مليون دولار) والبنك الدولي للإنشاء والتعمير الذي تسيطر أمريكا على إدارته (200 مليون دولار) .. وكان على مصر أن توفي بباقي النفقات.
كان ذلك نموذجاً كاملاً لمساهمة " رؤوس الأموال الأجنبية " في حل مشكلات التنمية الاقتصادية في دولة نامية. وكان- على هذا الوجه- محكاً لا يخطىء لمدى صدق هذا النموذج . كما كان فرصة فريدة ليختبر فيها أنصار التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة الأمريكية صحة مواقفهم . و لقد كانت ثورة 23 يوليو في ذلك الوقت ، من بين أولئك الأنصار .
ثم ،
بعد أن استقر الأمر على قاعدة من التفاؤل ، أو كاد أن يستقر، وبدىء في دراسة مراحل التنفيذ تقدمت الولايات المتحدة الأمريكية بشرطين إلى جمال عبد الناصر لتنفيذ ما وعدت به . الأول: الصلح مع إسرائيل . الثاني: إيقاف التعاون مع الاتحاد السوفيتي أي عدم إتمام صفقة الأسلحة التي اتفق عليها في ذلك العام...
قالت جريدة النيويورك تايمز: " إن حكومة الولايات المتحدة تربط بين مقترحاتها بمساعدة مصر في بناء السد العالي وبين تسوية النزاع العربي الاسرائيلي ". وكان هربرت هوفر وكيل وزارة الخارجية الأمريكية أكثر صراحة فقال : " السد العالي مقابل الصلح مع إسرائيل ".. وقال أنتوني ايدن في مذكراته : " كان المطلوب أن يعطي المصريين وعداً.. برفض المساعدات التي تعرض عليهم من المصادر الشيوعية ".
وسحبت الولايات المتحدة عرضها تمويل السد وتبعتها انجلترا، ثم البنك الدولي، وبلغ الخبر عبد الناصر بينما كان مع الرئيس تيتو في رحلة العودة من بريوني فقال تيتو : يا لصلافة هؤلاء القوم ". أما عبد الناصر فلم يفهم الأمر على أنه مجرد صلافة.
قال في 8 مارس 1965: " معركة السد العالي كانت معركة كل واحد فيكم بل كل واحد عربي من أبناء الأمة العربية. كان يعتبر معركة السد العالي معركة العزة.. معركة الكرامة . لما سحب تمويل السد العالي اعتقدوا أن سحب التمويل أن السد العالي لن يبنى . إن إحنا حنركع على رجلينا ونستجدي ونشحت علشان يبنوا السد العالي . إحنا شعب عمره ما ركع على رجليه ولا استجدى ولا شحت . السد العالي علشان ينبني خضنا معارك.. تأميم قناة.. التهديد.. الحصار الاقتصادي . تجميد أموالنا.. العدوان الثلاثي .. الحرب النفسية.. المؤ تمرات .
وكان كل ذلك كافياً ، وأكثر من كاف ، ليتعلم عبد الناصر درساً لن ينساه أبداً .. أن رؤوس الأموال الأجنبية لا تساهم في التنمية الاقتصادية في أي بلد نام إلا طبقاً لشروطها . وإن ليست شروطها كلها اقتصادية.. بل إنه تحت شرط " الاستقرار " اللازم لتحقيق الربح تتدرج عشرات الشروط التي تتصل بصميم حرية الوطن واستقلاله...
بقيت " رؤوس الأموال " الوطنية...

النكوص الغادر:
اتفق عالمان من علماء الاقتصاد أحدهما رأسمالي هو الدكتور علي الجرتيلي والآخر اشتراكي هو الدكتور اسماعيل صبري عبد الله ، على أنه ما إن وافى عام 1961 حتى كان عبد الناصر قد تأكد من أن الرأسمالية المصرية قد نكصت عن وعودها المعلنة وغدرت بالثورة التي دعمتها وشجعتها وأعزتها. ونقول "رشتها " . لتساهم في تنمية اقتصاد " الوطن " .
يقول الأول :
" كانت الحكومة في مراحل التخطيط الأولى تنفذ نصيبها من الاستثمار ولا تملك توجيه الطاقة الإنتاجية في القطاع الخاص . ولم يكن لها سيطرة على أجهزة الانتاج والادخار تكفل التحقق من تنفيذ ما يناهز 1400 مشروع جديد من مختلف القطاعات . ولم يكن في متناول الحكومة الأجهزة الملحقة بها استثمار ما يناهز ثلاثمائة مليون جنيه سنوياً . وبينما كانت الحكومة توجه استثمار فائض الميزانية العادية والادخار الجماعي قي صناديق التأمين والمعاشات لم تكن لها السيطرة على مدخرات قطاع الأعمال في الأرباح غير الموزعة . وهي أهم مصادر الادخار في الأزمنة الحديثة. وكانت الرغبة الملحة في السيطرة على المقدرات الأقتصادية سبب التحول الجذري في التفكير الذي سبق صدور قوانين 1961. بالإضافة إلى إزالة الفوارق في توزيع الثروة والقضاء على الاحتكار. إذ لا يتسنى مع التنمية السريعة في الدول النامية أن تعتمد على مدخرات الأفراد فحسب ، ولا مناص من إزالة التعارض الكامن في قطاع الأعمال المنظم بين الرغبة في توزيع الأرباح أو استثمارها وفق رغبة المنظم وبين ضرورة تدبير المواد اللازمة قسراً أو بطريق الاقناع للاستثمار وفقآ لخطة التنمية . وقد تم ذلك عن طريق التأميم الشامل ".
ويقول الآخر:
" منذ 1955 بدأت الدولة في إنشاء أجهزة التخطيط . وبالذات لجنة التخطيط القومي . ثم تلا ذلك إنشاء منصب وزير دولة للتخطيط . وأخذت هذه الأجهزة في إجراء الأبحاث والدراسات والإعداد للتخطيط الشامل. وفي سنة 1959 بدا أنه من الضروري والممكن البدء فيه . وفي أغسطس 1959 صدر قرار رئيس الجمهورية باعتماد الخطة العامة للدولة للسنوات الخمس 1959/ 1960- 1964/ 1965 كمرحلة أولى في خطة عشرية تستهدف مضاعفة الدخل القومي عن طريق تنمية مناسبة في جميع القطاعات مع عناية خاصة للتصنيع .
" ولكن ما كادت الخطة الخمسية الأولى تأخذ طريقها الى التنفيذ حتى اتضحت بعض الأمور الهامة التي استخلصت منها القيادة الثورية أنه لا يمكن تحقيق أهداف التنمية بدون تغيير عميق في الهيكل الاقتصادي المصري وفي العلاقات الاجتماعية السائدة فيه . فقد أفسحت الخطة الخمسية الأولى في الأصل مكاناً رحيباً للقطاع الخاص وعولت عليه في تنفيذ جزء هام من مشروعاتها مبقية للقطاع العام عبء المشروعات الضخمة قليلة الربح ( السد العالي / استصلاح الأراضي / التعدين / البترول .. الخ) والحجم الذي يمكنه من أن يلعب دوره في توجيه اقتصاد قومي عماده القطاع الخاص . ولكن الرأسمالية الكبيرة أحجمت عن تنفيذ ما ورد بالخطة وأخذت منها موقفاً سلبياً وعملت على حجب مواردها الضخمة عن تمويل التنمية . بل إنه يمكن أن نقول أن موقف الرأسمالية الكبيرة في التنمية قد زاد سوء عما قبل". نلاحظ من هذه النصوص :
أولاً : إن مكان القيادة في الخطة الخمسية الأولى كان محجوزاً للقطاع الخاص وليس للقطاع العام وهو ما يتسق ما أوردناه من قبل في بيان الرؤية الرأسمالية للتنمية الاقتصادية التي كانت تسود فكر عبد الناصر في ذلك الحين . قال في الاحتفال بالعيد السابع للثورة يوم 22 يوليو 1959:
" طبعا في هذا أرى رأس المال الخاص أعطى له الحرية ورأس المال العام الذي هو القطاع العام يدخل لموازنة رأس المال الخاص ولمنعه من السيطرة على الحكم في نفس الوقت الدولة لها ولاية ومسئولية أنا أحمي الصناعة ومنع استيراد المصنوعات الخارجية إذن لازم احمي المستهلك وأفرض واوجد ربحاً لصاحب المال ".
ثانياً : إن القطاع الخاص (الرأسمالية المصرية) قد نكص عن أداء دوره في الوقت الذي كانت الدولة- من خلال القطاع العام والخزانة- تؤدي دورها وذلك لأن القطاع الخاص كان خارج نطاق سيطرة الدولة أو رقابتها . كان متروكاً " لضميره ا لوطني ".. فغدر .
قال ضمن خطاب ألقاه يوم 25 نوفمبر 1961: "... إحنا تركنا رأس المال يعقد الاتفاقات في الخارج ... رأس المال بنوفر له العملة الصعبة.. بنوفر له جميع التسهيلات علشان يعمل . وهو كل اللي يعمله كان بياخد أرباح المصانع .. إيه المخاطرة اللي في مقابلها رأس المال كان بياخد كل هذه الفوائد؟.. مفيش مخاطرة بأي حال من الأحوال . مشروعات طبعاً تحولت إلى أرباح شخصية بعدين لما أعلنا تأميم الشركات البريطانية والفرنسية، من تأميم، أعلنا تمصير.. على طول اتلموا على بعض وتقدموا.. كل واحد فيهم عايز يخبط شركتين ثلاثة من الشركات الممصرة.. سواء اللي أصلها فرنسي أم أصلها انجليزي .. وبعد كده بدا الانحراف.. انحراف ازاي ؟ .. بقى فيه قطاع عام . بقى فيه قطاع خاص. القطاع الخاص عايز يكسب ، الصناعة اللي كانت بـ 2 مليون جنيه بقيت 88 مليون . المباني اللي كانت في 52 بنيناها بـ 5 مليون جنيه تيجي في سنة 1960 الحكومة بتنزل بـ 60 مليون جنيه للعمليات اللي في المشروعات الحكومية اللي لا أول لها ولا آخر. الرأسمالية المستغلة تنفذ وتربح موش الربح الحلال اللي مفروض يكسبوه ، ولكن الربح الحرام . بعض الناس رفضوا آلات جاية من الخارج دافعين فيها عملة صعبة.. في التوريد بيرشوا .. في التصدير بيرشوا.. وفي الاستيراد بيرشوا... لأنه حيحقق أرباح وعايز يحقق أرباح .

ليس إدانة بل حقيقة:
في يوم 3 ديسمبر 1961 تحدث عبد الناصر عن تجربته مع الرأسمالية المصرية فقال : " العملية ليست إدانة بل كما قلت إننا نبحث عن الحقيقة . وإننا نريد أن نأخذها من تجربتنا في العشر سنوات وفي السنوات اللي كانت قبل الثورة . على أي شيء كانت تدل تجربتنا ؟.. هل استطعنا أن نقيم عدالة اجتماعية؟.. هل استطعنا أن نقيم ما يمكننا من القضاء على الظلم الاجتماعي؟. هل استطعنا ان نقضي على الاستغلال السياسي والاستغلال الاقتصادي و الاستغلال الاجتماعي .. أبدآ لم نستطع ".
لماذا؟...
الإجابة من خطاب 25 نوفمبر 1961 قال :
" حاولنا أن نحل بالوسائل السلمية. حاولنا أن نحل في إطار من الوحدة الوطنية ولكن النية كانت من طرف واحد. لأن هناك خلافات سياسية وخلافات جذرية. ولقينا الرجعية إما بتستكين حتى تجد الفرصة، وبتستكين لغاية الوقت المناسب . وبتتزلف وتتسلق علشان تحمي فلوسها، وبتنمي نفسها ولكن بتستكين للوقت المناسب . ولكن هل نجح الكلام اللي قلناه ؟.. هل نجح اللي قلناه إن احنا عايزين نحل المتناقضات في داخل إطار الوحدة الوطنية بالطرق السلمية؟. لا. ما نجحش . من جانبنا احنا كانت نوايانا سليمة وكنا بنقول عايزين نعمل محاولة جديدة تبين طيبة الشعب وتبين عمق هذا الشعب الأصيل في الحضارة.. ولكن لا يمكن أن يتم عمل النية اتمامه من جانب واحد ، أما الجانب الآخر فهو ينتهز أو ينتظر الفرص المناسبة ".
لا يخفى على أحد أن حديث عبد الناصر في هاتين الفقرتين كان مجرد من الانفعال الذاتي وقريب إلى التقرير الموضوعي . لا يدين عبد الناصر الرأسمالية المصرية ولا يشهر بها . كما أنه لا يخاطب عواطفها الوطنية لتعود إلى الصواب كما كان يفعل من قبل ، لقد قبل عبد الناصر أن ينحاز إلى الواقع الموضوعي على حساب التقدير الذاتي وأدت يتعامل مع الحقيقة و لوكانت مرة بدلاً من الغضب عليها.
وكانت أولى الحقائق التي تعلمهاعن الوحدة الوطنية.

الوحدة الوطنية:
لتد عرفنا من قبل أن " الوحدة الوطنية " كانت أحد الاركان الأساسية لحل مشكلة الديموقراطية في مصر ، كما كان يريد عبد الناصر في مرحلة التجربة.. التعامل مع الناس جميعاً بصفتهم مواطنين ثم الوحدة فيما بينهم جميعاً لأنهما وطنيين أو ينبغي أن يكونوا كذلك .
كان اختيار الوحدة الوطنية هو الذي حمل عبد الناصر على استبعاد التعدد الحزبي وهو الذي صاغ له هيئة التحرير إطاراً يجمع الشعب كله في هيئة واحدة ، وهو الذي صاغ له الاتحاد القومي جبهة تضم جميع أفراد الشعب ويكون لكل واحد حقوق سياسية متساوية مع الآخرين ..
والوحدة الوطنية شيء عظيم كعظمة المثل العليا، و طاهر كطهارة الملائكة ولا شك في أن لكل حاكم في الأرض مصلحة في أن تتحقق الوحدة الوطنية على طاعته. وقد يزيد بعض فيدعون إلى الوحدة الوطنية من أجل المحبة والسلام بدلاً من الحقد والصراع .. ولا عيب في هذه الدعوات إلا أنها تتجاهل أن الله جلّت حكمته قد اختار خلفاءه في الأرض بشراً ولم يختر الملائكة . والبشر متفردون كل بمقدرته العقلية والجسدية والمادية . و للبشر احتياجات مختلفة. وللبشر نزوات وأطماع .. فالبشر في الأصل مختلفون قبل أن يتلقوا دعوة الوحدة الوطنية أو قبل أن يثمروا.. وأن أسخف ما في الدعوة إلى الوحدة الوطنية على الاطلاق هو تجاهل أو إنكار أسباب الخلاف والفرقة والصراع بين الناس . إنها حينئذ تبدو ساذجة إلى حد الطفولة. إذ لماذا ندعو الناس إلى الوحدة الوطنية إذا لم يكونوا في الأصل مختلفين متفرقين متصارعين؟ ..
إذن فالدعوة إلى الوحدة الوطنية، تفترض الخلاف أصلاً . حينئذ يكون من الكلام الذي لا معنى له أن ندعو الناس المختلفين أصلاً إلى الوحدة الوطنية أو تحملها عليها حملاً ، بدون أن تبين ما هو على وجه التحديد " الموضوع " الذي يجب على الناس أن يتوحدوا عليه..
في مرحلة الصراع الوطني من أجل التحرير، أي حين يكون" الوطن المشترك " في خطر، حين يكون " بيت العائلة " مهدداً بالأغتصاب ، تكون الوحدة الوطنية لازمة بمعنى لازمة؟.. إن لكل فرد، لكل مواطن، مصلحة مؤكدة في إنقاذ الوطن ورد العدوان عليه. وتكون للوحدة الوطنية أولوية على الخلاف بين الناس . لماذا؟ لأنه مهما تكن الآراء أو المصالح داخل الوطن فإن لكل فريق من المختلفين مصلحة مؤكدة في حماية الوطن ، لأن ذلك يمثل الحد الأدنى من الأمل ، أي أمل في أن يسوي خلافاته الداخلية الوجه الذي يرضيه. من هنا فإن البشر، في كل أطراف الأرض يؤجلون خلافاتهم الداخلية " ليتحدوا " من أجل الانتصار على عدوهم المشترك الذي يهدد وطنهم .
وكانت تلك دعوة مبررة في مرحلة التحرر الوطني.. فكانت الوحدة الوطنية في صيغة هيئة التحرير مبررة.
في المرحلة التالية، مرحلة الاتحاد القومي، حيث كانت الوحدة الوطنية مطلوبة من أجل التنمية كان الأمر مختلفاً . التنمية هي في النهاية عائد الانتاج والتقدم نحو الرخاء . هنا نكون قد اقتحمنا تناقضات المجتمع من الداخل ، ويكون لكل فرد سبب مشروع في أن يتطلع إلى نصيب من العائد القومي متكافىء مع ما أسهم به في تحقيق هذا العائد القومي . قال عبد الناصر يوم 6 أكتوبر 1961: " إنه لا بد أن يكون الدخل القومي شركة بين المواطنين ، وبدونه، وبدون ضمان عدالة التوزيع على الأساس الصلب المتين لا يعد الدخل القومي شركة بين المواطنين .. كل بقدر جهده الحقيقي لتحقيق هذا الدخل القومي"...
هل يمكن أن تتحقق الوحدة الوطنية في هذه الحالة؟.
نعم ،
و لكن على أن يكون مضمونها " التنمية القومية وعدالة توزيع العائد القومي " أو " الكفاية والعدل " ذلك التعبير الذي تلقنه عبد الناصر من دروس التعامل مع الرأسمالية المصرية التي نكصت عن تنفيذ نصيبها في التنمية لتحتفظ بأكثر من نصيبها في العائد القومي.. هذه الوحدة الوطنية تكون ممكنة بقدر التزام جميع الأطراف بها . إذ لا يمكن أن يطلب من طرف واحد أن يدفع ثمن الوحدة الوطنية ويتحمل أعباءها بينما الطرف أو الأطراف الأخرى لا تلتزم إلا بأهدافها الخاصة.. وإلا فإن الدعوة الى الوحدة الوطنية والمحبة والسلام وعدم الحقد تكون في النهاية دعوة موجهة إلى المظلومين ليقبلوا بوضعهم المتدني ويحبوا ظالميهم ويهادنوا مستغليهم .. أو ليكونوا ملائكة مطهرين من عواطف الغضب والكراهية.. وهو مستحيل..
هل للشعب مصلحة في الوحدة الوطنية ؟
لا شك في هذا . كل أفراد الشعب لهم مصلحة في الوحدة الوطنية والمحبة والسلام حتى أولئك الذين سيكونون مطالبين بالتخلي عن بعض مصالحهم . ذلك لأنه مع وجود التناقضات الموضوعية بين الناس يكون الناس بالخيار بين أمرين . إما حل تلك التناقضات سلبياً ، وهوما يعني أن على بعض الأطراف أن تتخلى عن بعض مصالحها. وإما أنها ستحل بغير الطريق السلمي ، المدمر والمعوق لكل الأطراف. قال عبد الناصر في افتتاح المؤتمر العام للاتحاد القومي يوم 9 يوليو 1965 . " ولقد كان تقديرنا أن حماية المصري الوطني إنما تتوقف على الشعب باعتباره التيار الدائم المتدفق الخالد الذي لا ينتهي ولا يحول، وكان أمامنا - مثلاً- أيها الأخوة المواطنون - طريق تعدد الأحزاب . و لكن الأحزاب لا يمكن أن تكون إلا تعبيرا عن أوضاع إجتماعية و على هذا الأساس فإن تعدد الأحزاب في بلدنا مع ازدياد الفوارق بين الطبقات ووجود تخلف يحدد للدخل القومي نطاقه في نفس الوقت سوف يصنع هوة سحيقة بين الأحزاب ولا سبيل إلى اجتيازها . كما أنه في محاولة القلة التي تملك الاحتفاظ بما تملكه وفي محاولة الكثرة التي لا تملك الفرصة المتكافئة أن تستعيد حقها يصبح الصراع الدموي أمرا محتما باعتباره الطريق الوحيد إلى التغيير. ثم يكون ما يستتبع ذلك من الناحية الخارجية حين يحاول الذين يملكون أن يجدوا السند من خارج بلادهم كما يحاول غيرهم أن يواجه هذا السند الخارجي بسند خارجي مضاد له . هكذا يصبح الوطن ميدانا للحرب الأهلية بين أبنائه على أسوأ الظروف أو يصبح ميداناً للحرب الباردة بين الكتل الخارجية دون أن يخطو خطوة واحدة إلى الأمام ...
وما العمل إذا اختارت طبقة مصالحها على حساب الوحدة الوطنية ؟ .
لقد كان ذلك هو السؤال الذي واجه عبد الناصر وهو يرى تجربته كلها مهددة بالانهيار بعد أن خذلته الرأسمالية المصرية التي وثق بها وبنى خططه للتنمية على أساس من تلك الثقة . وتجاهل العمال لفترة طويلة إرضاء لها ، وابتكر لها هيئة التحرير والاتحاد القومي ليفسح لها المكان الذي احتلته وأصبحت به سيدة التجربة الأولى لحل مشكلة الديموقراطية في مصر.. سيطرت على المؤسسات الشعبية واستغلت النشاط الاقتصادي للدولة ثم نكصت عن تحمل نصيبها في أعباء التنمية.. أي فتكت بكل معنى من معاني الوحدة الوطنية.
ولم يكن الجواب سهلاً . وهو لا يكون سهلاً على أي حاكم يجد نفسه في موقف الاختيار بين السلبية حيث متسع الرئاسة و بين الإيجابية حيث متاعب المسئوليات . وهو لا يكون سهلاً على أي حاكم يختار الإيجابية فيكون عليه أن ينحاز إلى جانب من قوى الصراع الاجتماعي الذي لم يعد منه مفر . ويصبح اختياره هو المحك الحقيقي الذي لا يقاربه أي محك اخر في الكشف عن ديموقراطيته . ذلك لأنه ، في هذا الموقف الصعب يكون مطالباً بأن يختار بين القلة القوية القادرة المحيطة به، وبين الأغلبية المستضعفة العاجزة البعيدة عنه. ولقد قلنا في أكثر من موضع من هذه الدراسة أن الديموقراطية ليست كلاماً عاطفاً على الشعب ، بل موقفاً منحازاً إلى أغلبية الشعب يتجمد في نظام يحمي و ينمي مصالح أغلبية الشعب .
ولقد كان عبد الناصر حين واجه هذا الاختبار لأول مرة عام 1960 ، كما قال ، قد بلغ الذروة كحاكم وزعيم وقائد . وكانت الجماهير العربية في مصر والوطن العربي قد أسكنته قلوبها حباً وكانت الرأسمالية المصرية، والعربية أيضاً ومثقفوها وكتابها وصحافتها قد ارتفعت به إلى أقرب مكان القداسة. فهو البطل، وهو الملهم وهو المعلم وهو الزعيم.. ومع ذلك فإن عبد الناصر قد أدرك منذ عام 1960 أنه مطالب بأن يجيب على سؤال يفرضه الواقع التاريخي : لقد استغلت الرأسمالية المصرية الوحدة الوطنية لمصلحتها وأثارت بذلك أسباب الصراع الاجتماعي حول المصالح المتناقضة فإلى من ينحاز؟.. هل يلوذ بالذروة التي وصل إليها يصطنع الحياد؟ أم ينحاز إلى الأقلية التي سيطرت وتحكمت وهي في مركز القوة من دولته؟ أم ينحاز إلى الأغلبية الغائبة بما يعنيه ذلك من صدام مع ذات القوى التي تسبب هو في صعودها إلى مراكز القوة؟..
و لقد اختار عبد الناصر. وكان اختياره واحداً من المواقف الفذة في تاريخه وتاريخ الحكام قاطبة... أختار أن ينحاز إلى الأغلبية، أغلبية الشعب، ضد ذات القوى التي مكن لها من قبل.. أو- نقول- اختار الانحياز إلى أغلبية الشعب ضد نفسه. انحاز عبدالناصر 1961 ضد عبد الناصر 1952.
قال عبد الناصر في خطاب وجهه إلى شعب الجمهورية العربية المتحدة يوم 16 أكتوبر 1961: لقد قضيت الأيام الأخيرة كلها أفكر. وكنت بمشاعري مع شعبنا العظيم في كل مكان . في القرى وفي المصانع وفي الجامعات . وفي المعامل وفي المواقع الأمامية في خط النار لمواجهة العدو مع جنودنا وفي البيوت الصغيرة المضيئة بالأمل في مستقبل أفضل . كنت مع هؤلاء جميعاً ، مع الفلاحين والعمال والمثقفين والضباط والجنود أحاول أن أتحسس مشاعرهم وأن أتفاعل بفكري مع فكرهم . كانت أصابعي على نبض هذه الأمة صانعة الحضارة صانعة التاريخ صانعة المستقبل . وكانت أذناي على دقات قلبها الذي نبض دائما بالحق والخير والسلام . كنت أريد أن يكون اختياري صدى لاختيارها وكنت أريد أن يكون موقفي تعبيراً عن ضميرها وأقول لكم الآن - أيها المواطنون - لقد اخترت باسم الله ، باسم الأمة، باسم آمالها، باسم مثلها العليا، باسم كل المعاني التي قدستها ، باسم كل المعارك التي حاربتها ، باسم هذا كله كان قراري وكان اختياري : أن طريق الثورة هو طريقنا.. ان الاندفاع بكل طاقة إلى العمل الثوري هو المفتاح الوحيد لكل مطالب نضالنا الشعبي وهو الوفاء الأمين بكل احتياجات جماهيرنا المؤمنة المصممة على الحرية بكل صورها الاجتماعية والسياسية "

الشعب.. من الشعب؟
كان ذلك إعلاناً عن ثورة التصحيح التي فجرها عبد الناصر في مصر العربية والتي سنتحدث عنها، فيما بعد. نكتفي الآن بأن نشير إلى أن دروس التجربة التي وعاها عبد الناصر، وخاصة استحالة الوحدة الوطنية على أن يستغل الناس بعضهم بعضا، قد قفزت بمفهومه للديموقراطية إلى مستوى أكثر تقدماً بكثير مما كان من قبل . وفي هذا الصعود النامي لمفهومه للديموقراطية واجه وحسم موقفه من واحدة من أخطر وأعمق قضايا الديموقراطية.
ولقد طرح عبد الناصر هذه القضية وموقفه منها طرحآ قوياً على الرأي العام في مصر حينما أعلن يوم 25 نوفمبر 1961 شعاراً يقول : " كل الحرية وكل الديموقراطية للشعب ولا حرية ولا ديموقراطية لأعداء الشعب؟.
نستطيع أن نقول إن هذا الشعاركان صدمة للمفاهم السائدة ، حينئذ ، عن الديموقراطية وعن الشعب، لم يستطع كثيرون امتصاص آثارها . وبقي الشعار إلى وقت طويل وربما إلى الآن غير مفهوم تماماً من كثير ممن يعنون بمشكلة الديموقراطية فكراً أو تطبيقاً . كان المفهوم السائد أن الشعب هو جماع المواطنين المنتمين إلى الدولة. وأن الديموقراطية نظام عام لا يفرق بين المواطنين . وأن التفرقة الوحيدة المقبولة ديموقراطياً بين أبناء الشعب الواحد هي التفرقة ما بين الأغلبية والأقلية . اما أن يكون هناك من بين ذات الشعب شعب وأعداء للشعب وأن تكون الديموقراطية نظاماً مقصوراً على من يسمون الشعب محجوبة عمن يسمون أعداء الشعب فهو أمر كان يبدو غريباً ومتناقضاً . وكان المصدر الأساسي للتناقض والغرابة فيه هو أنه يثير سؤالاً أولياً يبدو غير قابل للإجابة الديموقراطية : من هو الذي يملك الحق في أن يعين الشعب وأعداء الشعب ويفرز بينهما ومن الذي أعطاه هذا الحق؟.. أوكيف يمكن هذا التعيين؟.
ومع ذلك فإنه بمجرد أن نتحرر قليلاً من أسر المفاهيم الليبرالية التقليدية ونواكب التطور الفكري والتطبيقي الذي أصاب مفهوم الديموقراطية في العالم كله نتبين بوضوح أن عبد الناصر لم يفعل شيئاً إلا أنه تبنى موقفا أكثر تقدمية من المواقف السائدة . وقد تبين بوضوح أيضاً غرابة وتناقض المفهوم العام المتجانس النمطي لكلمة " الشعب ".
إن علم السياسة والنظم السياسية وعلمائه، لم يختلفوا قط في وجوب التمييز بين " الشعب الاجتماعي " و بين " الشعب السياسي، يعنون بالشعب الأول كافة الذي ينتمون إلى الدولة. و يعنون بالشعب الثاني " كل من يتمتع بالحقوق السياسية في الدولة " . الشعب الأول تحدده شروط اكتساب الجنسية (الهوية) . الشعب الثاني تحدده شروط اكتساب الحقوق السياسية.
ويزعم جان جاك روسو في مؤلفه " العقد الاجتماعي " أنه أول من فطن إلى هذه التفرقة. قال في هامش أضافه إلى الفصل السادس من الكتاب الأول من مؤلفه المذكور، وهو يتحدث عن نظام " المدينة " الاغريقية الذي يعتبرونه نموذجاً للديموقراطية ، إن " المدينة " بمعناها السياسي تعني الوطن والانتساب إليه يعني أن لصاحبه حق المساهمة في إدارة شئون المدينة فهو " مواطن " أما " المدينة " بمعناها المدني فتعني محل الاقامة .
ولا يطابق الشعب الاجتماعي الشعب السياسي . لم يتطابقا قط ولا يتطابقان الآن في أية دولة وفي أي مذهب. يكفي أن نعرف - مثلاً- أن الشعب الاجتماعي في مصر العربية يبلغ 37 مليوناً وأن الشعب السياسي بمفهومه البسيط (حق الانتخاب) لا يبلغ عشرة ملايين . ومع ذلك فإن كل من وصل إلى مقعده عن طريق الانتخاب لا يفتأ يذكر الناس بأنه منتخب من الشعب أو أنه يمثل الشعب . حتى أولئك الذين لم ينتخبهم إلا بضعة آلاف في إحدى الدوائر الانتخابية لا يجدون حرجاً في أن يزعموا أنهم يمثلون الشعب.
ولقد كانت الديموقراطية الليبرالية، وما تزال، نظاماً جانحاً إلى الحد من الشعب السياسي . عندما بدأ الاصلاح الديموقراطي في انجلترا عام 1832 كان عدد الناخبين لا يزيد عن 400000 ناخب من بين عشرة ملايين مواطن تقريباً . وبالرغم من توالي الاصلاح الديموقراطي في عامي 1868 و 1884 فإن حق التصويت، أبسط الحقوق السياسية، ظل في انجلترا- قلعة الديموقراطية الليبرالية- مقيداً بشروط مالية حتى 1918 ولم يصبح للنساء حق الانتخاب إلا في عام 1928، وبقي نظام الانتخاب على درجتين حتى عام 1948.
وعندما قامت الثورة الفرنسية الليبرالية وأصدرت أكثر الدساتير ديموقراطية في تاريخ فرنسا (دستور 1973) لم يزد عدد " الشعب السياسي " عن 7 مليون من بين الشعب الاجتماعي الذي كان يبلغ خمسة وعشرين مليوناً تقريباً . ولم يرض هذا التوسع الديموقراطي أغلبية قادة الثورة فلم يطبقوا الدستور ووضعوا بدلاً منه دستور يقول التقرير الذي صاحبه : " يجب أن يحكمنا الأفضل علماً والأكثر اهتماماً بالمحافظة على القوانين وهؤلاء لا يوجدون إلا بين الملاك ".. ومع اشتراط الملكية مناطاً للحرية السياسية هبط عدد الشعب السياسي في فرنسا الثورة الى " نصف مليون ..
وهكذا، في كل المجتمعات في كل مراحل التاريخ ، في كل المذاهب ، لا يكون لكلمة " الشعب " دلالة واحدة. وتكون دلالتها السياسية أكثر حصراً وضيقاً من دلالتها الاجتماعية و في مصر العربية حين أطلق عبد الناصر حق الانتخاب من كل القيود تقريباً . وضاعف عدد من لهم الحقوق السياسية بقيت أغلبية الشعب الاجتماعي خارج نطاق الممارسة الديموقراطية.. و يكفي أن نتذكر أن كل مصري لا يبلغ 18 عاماً لا يكون منتميا الى الشعب السياسي ..
إذا كان ذلك كذلك فما الجديد في موقف عبد الناصر عام 1961؟.. وما هي دلالة كل الحرية وكل الديموقراطية للشعب ولا حرية ولا ديموقراطية لأعداء الشعب ؟...
قال عبد الناصر يوم 25 نوفمبر 1961: " سنعمل اشتركية .. الاشتراكية حياة ، الاشتراكية عدالة اجتماعية، والعدالة الاجتماعية معناها أنني أخذت من الغني وأعطيت الفقير وأعدت توزيع الثروة . في إعادتي لتوزيع الثروة من هو الشعب؟.. هو عبارة عن جميع الفئات التي تساند الثورة الاشتراكية وتساند الثورة الاجتماعية والبناء الاشتراكي . إذن أما نيجي النهاردة ونقول كل الحرية للشعب وكل الديموقراطية للشعب لازم احدد وأفرز وأخصص ايه هيه قوى الشعب العاملة ، إيه هو الشعب؟ من هو الشعب اللي الثورة الاجتماعية تعمل من أجله ومن هم أعداء الشعب ؟ ..أعداء الشعب هم جميع القوى والجماعات التي تناهض هذه الثورة الاشتراكية والثورة الاجتماعية واللي هدفها طبعاً القضاء على هذا النظام الاشتراكي والعودة إلى نظام رأسمالي أو مستغل أو نظام مبني على أساس ديكتاتورية رأس المال".
هذا موقف واضح . يوجد بين الديموقراطية والاشتراكية مضمون قوي ويأخذ من المضمون الاشتراكي مقياساً موضوعياً لفرز الشعب ( له مصلحة في الاشتراكية) من أعداء الشعب (أعداء الاشتراكية).. فتكون كل الحرية والديموقراطية للشعب.. ولا حرية ولا ديموقراطية لأعداء.. الاشتر اكية.. هذا المعنى التوحيدي كان عبد الناصر قدعبر عنه تعبيراً بليغاً في 9 يوليو 1960 حين قال : " هناك اتصال عضوي بين الاشتراكية والديموقراطية حتى ليصدق القول بأن الاشتراكية هي ديموقراطية الاقتصاد وأن الديموقراطية هي اشتراكية السياسة ".
ومع ذلك فإن هذا الموقف الديموقراطي الواضح الذي اتخذه عبد الناصر لم يجد طريقه إلى الواقع . قد تكون في هذا مفارقة ومع ذلك فما أكثر المفارقات في تاريخ عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر.. ولقد جاءت الثغرة من أن عبد الناصر في عام 1961 أيضاً ، وحتى بعد أن تحددت أفكاره الخاصة عن الديموقراطية، لم يشأ أن يفرضها.
 
مسمار جحا:
نعرف كلنا قصة جحا الذي باع منزله إلا مسماراً في حائط . وما زال يطالب بحق رؤية مسماره ويقتحم المنزل الذي باعه حتى " طفش " السكان وتركوه له فاسترده . مثل هذا حدث في مصر عام 1961 أعني أن قد ترك لأعداء الشعب مسمار في منزل الشعب .
كيف؟
حينما كان عبد الناصر يعلن تلك الأفكار المتطورة عن الديموقراطية كان قد بدأ ثورة التصحيح التي قضت على الرأسمالية المصرية الكبيرة وأضعفت ما بقي من نشاط رأسمالي بسلسلة من القوانين التي صدرت يوم 21 يوليو 1961.. وأصبح واضحاً أن الذين اضروا بتلك القوانين يدخلون في تعريف عبد الناصرلاعداء الشعب..
و لكنه حين أراد أن يصوغ أو يعيد صياغة النظام ديموقراطيا ، لم ينفرد بالأمر كما انفرد باصدار القوانين الاشتراكية . لم يصدر الميثاق مثلاً (صدر عام 1962) . ولم يعدل الدستور مثلاً ( عدل سنة 1964) . ولم يغير قانون الانتخاب مثلاً ثالثاً (عدل عام 1962) بل أصدر يوم 25 نوفمبر 1961 قراراً (رقم 1789 ) بتكوين لجنة جمعت الخلاصة المثقفة وأصحاب الحكمة وأساتذة الجامعات ورجال الدين والكتاب والصحفيين تحت اسم " اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية ".. وطرح عليهم خلاصة فكره الذي أوردنا خلاصته وكان عليهم أن يحددوا طبقاً لمقياس موضوعي من هم الشعب ومن هم أعداء الشعب ..
وظلوا يتحاورون ويتنافسون أكثر من شهر كان عبد الناصرخلاله محل محاكمة فكرية بالغة الصراحة والجرأة من بعض الأعضاء. لم يضق بها يوماً ثم تركهم يقررون ما يرون . فانتهوا - طبعاً - إلى أن أعداء الشعب هم أعداء الثورة الاشتراكية . وهكذا أخلي البيت من الرأسماليين الذين أضيروا- على الأقل- من القوانين الاشتراكية. ولكن جزءاً كبيراً من أعضاء اللجنة أنفسهم كانوا من الرأسماليين الذين أضيروا مباشرة أو بطريق غير مباشر من القوانين الاشتراكية ( لم يكن قد تقرر العزل السياسي بعد). فماذا يفعلون " لتمييع " مفهوم أعداء الثورة الاشتراكية؟.. أضافوا مقياساً آخر للشعب . كان المقياس الأصيل كما طرحه عبد الناصر : الذين لهم مصلحة في الثورة الاشتراكية.. جاء المقياس المضاف : من يساهم في الدخل القومي .. وبنسبة مساهمته. وما لبثوا أن قدموا من الاحصائيات المأخوذة عن الفترة السابقة ما يثبت أنه طبقاً لقيمة الاسهام في الدخل القومي والأهمية النسبية اقتصادياً والنسبة العددية يمثل الفلاحون 27% . والعمال 21% . والرأسمالية الوطنية 11% . وأعضاء النقابات المهنية 14% والموظفون 11% وأعضاء هيئة التدريس 6% والطلبة 5% والنساء5% من الشعب .. أما من عدا هؤلاء فهم أعداء الشعب !! .
على هذا الأساس ، اختفى مقياس أعداء الثورة الاشتراكية ، وعليه قام نظام الـ 50% على الأقل للعمال والفلاحين . وبه احتفظت الرأسمالية المصرية ومثقفوها والبيروقراطيون ، كل منهم ، " بمسمار جحا " في بيت الديموقراطية الجديد.. وهنا لن يدرك عبد الناصر مخاطره إلا بعد فوات الأوان ..

(13) ثورة التصحيح

الثورة:
في عام 1961 حدثت في مصر ثورة بكل معاني الثورة وإن كانت سلمية . وهي ثورة تنسب إلى عبد الناصر ولايمكن أن تنسب إلا إليه . يمكن القول - مجازاً- أنها المرحلة الثانية من ثورة 1952. ولكنها كانت أكثر بكثير من ذلك . بل نستطيع أن نقول أنها أنهت ثورة 1952 فكراً وقيادة وقوى واتجاهاً . والقدر الذي يمكن قبوله بيقين أنها ثورة تصحيح لثورة 1952 مع تحفظ سنذكره فيما بعد .
أما إنها ثورة فلأنها تجاوزت وتخطت كل الأطر الدستورية والقانونية التي كانت قائمة وضربت ضرباتها بسلسلة من القرارات التي أصدرها عبد الناصر شخصياً بدون عرضها على أية مؤسسة دستورية . يقول أحمد حمروش قي كتابه " مجتمع عبد الناصر " إن عبد الناصر في ذلك التاريخ " بدأ يدبر ثورة جديدة بسرية كاملة.. بصورة تختلف قليلأ عما حدث قبل 23 يوليو ". وينقل عن زكريا محي الدين وعبد اللطيف البغدادي أن قرارات 1961 لم تعرض على مجلس قيادة الثورة السابقين في جلسات عمل رسمية ".. ثم يضيف " . وفجأة.. وبلا تمهيد.. ودون حشد للجماهير أو تعبئة للأفكار.. أو محاولة لتحريك التنظيم أخذت وسائل الأعلام من صحف وإذاعة تصدر بقوانين جديدة .. خلال أربعة أيام بدأت من 19 يوليو وانتهت يوم الاحتفال بعيد الثورة التاسع كانت قد صدرت كل تلك القوانين التي تمت بطريقة الصدمة وغيرت من واقع المجتمع " . -
وإما أنها ئورة سلمية فلأن الذي خطط لها وقادها رئيس الدولة ولم تجد مقاومة تذكر وإن كانت لم تتردد في شل حركة أية مقاومة محتملة عن طريق فرض الحراسات (التجريد من الامكانات الاقتصادية للمقاومة) و الابعاد من الريف ( التجريد من الامكانات القبلية والعشائرية للمقاومة ) . هذا- طبعاً في داخل مصر- أما في الخارج فقد أصيب أعداء عبد الناصر بالسعار وبدأ تجهيز الخطط لمعارك 1967 بقصد تصفية نظام عبد الناصر.
اما أنها ثورة جمال عبد الناصر فلأن جمال عبد الناصر هو الذي صاغ أفكارها وأصدر قراراتها وقاد عملية تنفيذها .. لا يعني هذا أنه لم يشاور فيها أحد، بل شاورهم . الذين تكلموا وعارضوا (عبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين وزكريا محي الدين).. أما الباقون فعبروا عن موافقتهم .. بالصمت وعدم الاعتراض . ومن أستعان بهم عبد الناصر في صياغة ثورته في قوانين ، وكان من بينهم عزيز صدقي، لم يطلب إليهم رأيهم في مبدأ الثورة بل طلب رأيهم في كيفية تنفيذها .
أما أنها أكثر بكثير من أن تكون المرحلة الثانية من ثورة 1952 فلأنها لم تكن امتداداً تلقائياً ، ولو نامياً ، للمرحلة السابقة عليها . بل كانت قطعاً لذلك الامتداد التلقائي واختياراً جديداً في المنطلقات والغايات والأساليب بحيث تكاد تكون ثورة عليها لولا أن الثورتين متتابعتان وأن قائدهما واحد وهو ما حال دون الذين يركزون انتباههم على الجوانب الذاتية ويتجاهلون الجوانب الموضوعية ويبين الانتباه إلى أن ثورة كاملة عارمة حدثت في مصر عام 1961 أكثر تقدمية وأكثر ديموقراطية من ثورة 1952.
وقد يمكن أن تسمى ثورة 1961 ثورة تصحيح لمسار ثورة 1952 لأنها بينت التجربة الأولى وأخطاءها ولأن هدفها كان تصحيح تلك الأخطاء على ضوء حصيلة التجربة. يمكن أن تسمى كذلك مع تحفظ يستحق أقصى درجات الانتباه هو أن ليس كل تغيير تصحيحاً . التصحيح هوإلغاء للخطأ وتحقيق للصواب . أما إلغاء الصواب والرجوع إلى الخطأ فهو تصحيحاً بل ردة . ومقياس الخطأ والصواب هنا هو " التقدمية " التي لا تكون كذلك إلا إذا كانت محققة لمصالح أغلبية الشعب أي إلا إذا كانت ديموقراطية . لهذا نستطيع- إذا شئنا- أن نعتبر ثورة 1961 تصحيحاً لثورة 1952 لأنها أكثر منها تقدمية وديموقراطية . ولكنا لا نستطيع- مثلاً - اعتبار إلغاء ما أنجزته ثورة 1961، فيما لو وقع، والعودة إلى المبادىء الستة لثورة 1952 تصحيحاً .
ولقد بدأت الأحداث في مصر تمهد للثورة موضوعياً منذ عام 1956. ففي ذلك العام أثبتت الأحداث كما قلنا من قبل- بأكثر الأدلة إقناعاً -، إن الحرب، ان المراهنة على مساهمة رؤوس الأموال الأجنبية في التنمية مراهنة خاسرة . وان الاحتفاظ بالأستقلال الوطني وفتح أبواب الوطن لرؤوس الأموال الأجنبية معاً مستحيل في مصر (... وكافة الدول النامية) . ثم اننا قد عرفنا مما سبق كيف نكصت الرأسمالية المصرية عن تمويل خطة التنمية وخذلت قائد الثورة الذي منحها من الفرص الاقتصادية والسياسية أكثر مما تستحق .
ولقد كان عبد الناصر يجرب ولكن لا يفرط ، ويخطىء ولكن يتعلم ، ويثق ولكن لا يخدع ، وهكذا ما إن بدأت الأحداث تمهد للثورة حتى بدأ هو أيضاً يتحفز لها .
كان أول صدام مع الرأسمالية المصرية عام 1956 أيضاً . ففي ذلك العام صدر قرار تأمين شركتي السكر والتقطير ( أحمد عبود...) بعد أن عجزت الثورة بكل الوسائل عن اقتضاء الضرائب المتراكمة على شركتين اعتادتا التهرب من الضرائب منذ وقت طويل . ( في 24 مايو 1954 قضى نهائياً باحقية الحكومة في مبلغ 4.866.154 جنيهاً ضرائب متراكمة منذ 1948 فاصطنعت الشركتان ميزانية تقول أن خسائرهما ( 3.220.240 جنيهاً عام 1954) و في عام 1960 أمم البنك الأهلي المصري وبنك مصر وتلا ذلك تأميم تجارة الأدوية وصناعتها وشركات كبس القطن وفي ذات العام أممت الصحف .
وفي يوم 20 يوليو 1961 ضرب عبد الناصر ضربته الثورية بسلسلة من القرارات بقوانين . أولها القانون 117 لسنة 1961 بتأميم كافة البنوك وشركات التأمين ومنشآت أخرى بلغ عددها 489 منشأة وشركة ومصنعاً أضيفت تباعاً إلى الجدول الملحق بقانون بمقتضى قوانين وقرارات لاحقة آخرها القانون رقم 52 لسنة 1964 وكان من بينها بيوت تصدير القطن وشركات الحلج والنقل البحري والمقاولات والتجارة الخارجية وتجارة الجملة والمحال التجارية الكبرى والغزل والنسيج والنقل النهري والنقل المشترك في المدن ونقل السيارات في الأقاليم .
وفي ذات اليوم 20 يوليو 1961 صدر القانون 118 لسنة 1961 باشتراك الدولة بحصة لا تقل عن 50% من منشآت وشركات ومؤسسات بلغ عددها 384 بمقتضى قرارات وقوانين لاحقة آخرها القانون رقم 80 لسنة 1963. وقد تم في غضون عام 1962 التأميم الكامل لبعض تلك المؤسسات .
وفي يوم 20 يوليو 1961 أيضا صدر القانون رقم 119 لسنة 1961 بتحديد عشرة آلاف جنيه كحد أقصى لملكية أي فرد في مجموعة من الشركات . وتقرر إنهـاء عقود المناجم و المحاجر التي سيستغلها الأفراد وشركات القطاع الخاص واسقاط الالتزام عن شركات المياه والنور والترام الاجنبية وتأميم شركة شل للبترول وتحويل اسهم الجمعية التعاونية للبترول الى شهادات استثمار البنك الاهلي وأخيراً صدر القانون رقم 150 لسنة 1964 بتصفية الحراسات وتأميم كافة الأموال الموضوعة تحت الحراسة . ولقد تم ذلك بدون تعويض أكثر من 15 ألف جنيه .
وامتدت الثورة إلى الريف. فصدر القانون رقم 127 لسنة 1961 بتخفيض الحد الأقصى للملكية الزراعية للفرد وأسرته ( زوجته وأولاده القصر) من 300 فدان إلى 100 فدان بما فيها الأراضي البور والصحراوية. وحرم على أي مالك لأي أرض مهما كان مقدارها أن يحوز هو وزوجته وأولاده القصر بطريق الايجار أو وضع اليد أو بأية طريقة أخرى أكثر من خمسين فداناً كما حرم الوكالة في إدارة أو استغلال الأراضي الزراعية وما في حكمها فيما يزيد عن هذا القدر وبذلك أجبر من يملكون أكثرمن خمسين فداناً على تأجير الزيادة لصغار المزارعين فقضى بشكل أساسي على الرأسمالية الزراعية وفي عام 1963 (صدر القانون رقم 15) بتحريم ملكية الأجانب للاراضي الزراعية إطلاقاً. والقانون رقم 82 . بمنع توزيع الأراضي المستولى عليها والمزروعة حدائق على خريجي المعاهد الزراعية كما كان معمولاً به من قبل وإدارتها لحساب الدولة . وأخيراً صدر القانون رقم 104 لسنة 1964 ونص على أن تؤول الأراضي المستولى عليها إلى الدولة " بدون مقابل ".
وفي عام 1964 كانت كل النصوص التشريعية قد عجزت عن مواجهة حيل الاقطاعيين وكبار الملاك فاتخذ إجراء ابعادهم عن قرى الفلاحين وتحديد أقامتهم في مدن أخرى بعيدة عنها .

الانتباه إلى المجهولين:
قضت تلك الاجراءات إلى حد كبير على السيطرة الرأسمالية في مجالات الانتاج الزراعي والصناعي والتبادل وقطاع المال والخدمات فانفسح المجال لمزيد من المكاسب للعمال والفلاحين . ففي اليوم السابق على صدور قوانين التأميم صدر القانون رقم 111 لسنة 1961 بتخصيص 25% من أرباح الشركات المساهمة للموظفين وللعمال ثم امتد هذا الحق في 6 يناير 1964ليشمل المؤسسات العامة والشركات التابعة لها والجمعيات التعاونية و الشركات ذات المسئولية المحدودة .
وفي اليوم ذاته أي يوم 19 يوليو 1961 صدر القانون رقم 114 لسنة 1961 بأن يكون من بين أعضاء مجلس الإدارة في أية شركة أو مؤسسة عضوان منتخبان من الموظفين والعمال . وفي يوم 27 يوليو تقرر تحديد ساعات العمل فاصبحت 42 ساعة في الأسبوع مع يوم راحة بعد أن كانت 48 ساعة. فلما حاول بعض أصحاب الأعمال تخفيض الأجور بنسبة خفض ساعات العمل صدر القانون رقم 175 مقرراً عدم تأثر الأجور بتحديد ساعات العمل . وصدر القانون رقم 94 لسنة 1962 بالسماح بالتفرغ للعمل النقابي . والقانون رقم 938 لسنة 1962 بإباحة تكوين النقابات لعمال الحكومة والمؤسسات العامة والهيئات العامة والوحدات الإدارية و لم تستثن إلا وزارة الحربية.

الميثاق:
كانت كل تلك الإجراءات التي بدأت متفرقة ثم تكشفت في شهر يوليو 1961 تطبيقاً عملياً لمجموعة من الأفكار اختمرت في ذهن عبد الناصر فنفذها قبل أن تصاغ وتعلن في وثيقة بعام كامل . نعني بتلك الأفكار " ميثاق العمل الوطني " الذي قدمه عبد الناصر إلى المؤتمر الوطني للقوى الشعبية في 1 مايو 1962 وأقره المؤتمر وصدر يوم 30 يونيو 1962. قدمه عبد الناصر بقوله : " الميثاق عبارة عن مبادىء عامة أو إطار للعمل أو إطار للخطة . نتج عن ايه ؟ .. نتج عن تجربة وممارسة لمدة عشر سنوات. العشر سنوات اللي فاتت كانت فترة تجربة وفترة ممارسة. كانت فترة مشينا فيها بالتجربة والخطأ (جلسة 26 مايو 1962). و أقره المؤتمر وأصدره : " ليكون إطاراً لحياتنا وطريقاً لثورتنا ودليلاً لعملنا من أجل المستقبل " .
وإذا كانت تلك الاجراءات التي تحدثنا عنها جزءاً مكملاً لفهم الميثاق من حيث هو تطبيق له وإن كانت قد سبقت إصداره ، فإن الأسلوب الذي صدر به الميثاق والقرارات التي اتخذت في تكوين المؤتمر الذي أصدره تمس مشكلة الديموقراطية في مصر في الصميم . لقد تضمنت الاجراءات الاقتصادية التي سبقت إصدار الميثاق مزيداً من التحرر لقوى الشعب العاملة. وطرحه على أكبر مؤتمر شعبي سياسي منظم في تاريخ مصر بدلاً من إصداره بقرار جمهوري مثل القوانين التي سبقته يعبر بذاته عن اتجاه ديموقراطي لا شك فيه. واكثر من كل هذا دلالة على ديموقراطية عبد الناصر ما دار في المؤتمر واللجنة التحضيرية من قبله من مناقشة ساهم فيها عبد الناصر بقسط وفير. وعلى قدر ما نعلم لم يحدث في تاريخ مصر ولا في تاريخ أي بلد آخر أن اهتم رئيس دولة وقائد بأن ينتخب الشعب ممثلين له ليعرض عليهم افكاره وليناقشوه فيها ، قبل أن تعلن على الوجه الذي جرت به المناقشات الصريحة في المؤتمر الوطني للقوى الشعبية. كما لا يكاد يكون معقولاً أن ذلك الرئيس القائد الزعيم لا يستثني من عضوية المؤتمر أولئك الذين يعرف أن أفكاره تدينهم فيقبل تحدي اللقاء معهم في مؤتمر علني تدور المناقشة فيه تحت سمع وبصر الشعب فيجادلونه ويجادلهم ويدافع عن موقفه المعادي لهم . ذلك لأن الرأسماليين والليبراليين وسدنتهم من المثقفين والكتاب كانوا ممثلين على أوسع نطاق في المؤتمركما كانت البيروقراطية ممثلة على نطاق واسع .
كان المؤتمر الوطني يتكون من أعضاء منتخبين منهم 379 يمثلون الفلاحين و 210يمثلون العمال و 150 يمثلون الرأسمالية و 293 يمثلون النقابات المهنية و 135 يمثلون الموظفين و 105 يمثلون أساتذة الجامعات والمعاهد العليا و 105 يمثلون الطلبة و23 سيدة بالاضافة إلى أعضاء اللجنة التحضيرية.

مفهوم مختلف للديموقراطية:
في حوار صريح دار يوم 7 أبريل 1963 خلال مباحثات الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسورية قال عبد الناصر رداً على سؤال عن ماهية الديموقراطية : " لوكنت سألتنا يوم 23 يوليو ما هي الديموقراطية وما هي الحرية كنا أجنباك على هذا السؤال . بس النهاردة اجابتنا تختلف كلية عن اجابتنا يوم 23 يوليو و حصل خلاف بيننا بعد 23 يوليو على التفسير وصممنا على التفسير اللى موجود في المبادىء الستة وكان العمل هو طلاق الحرية البرجوازية. ( قررنا إقامة انتخابات في فبراير . هذا في 23 يوليو وبعدين وجدنا لما جينا نبحث الاصلاح الزراعي اننا حانسلم البرلمان للاقطاعيين اللي هما رافضين الاصلاح الزراعي لأنهم هما اللي حينجحوا في البرلمان ، فغيرنا المفهوم وأعلنا فترة انتقال مدة 3 سنوات وعملنا دستور 1956. فكان يوم 23 يوليو لنا مفهوم .. النهاردة لنا مفهوم يختلف كلية عن مفهومنا يوم 23 يوليو ولكن هذا التغيير كان نتيجة التطبيق والممارسة ".
ما هو هذا المفهوم المختلف كلية ؟ ؟ ..
لقد تضمنه الميثاق وصاغه في باب خاص منه وحدده بخمسة أبعاد متكاملة ننقلها مبوبة من الميثاق ذاته:
(1) ديموقراطية اشتراكية :
" إن الديموقراطية هي الحرية السياسية والاشتراكية هي الحرية الاجتماعية ولا يمكن الفصل بين الاثنين إنهما جناحا الحرية الحقيقية وبدونهما أو بدون أي منهما لا تستطيع الحرية أن تحلق إلى آفاق الغد المرتقب ". " إنه لا معنى للديموقراطية السياسية وللحرية في صورتها السياسية من غير الديموقراطية الاقتصادية أو الحرية في صورتها الاجتماعية ". " إن حق التصويت فقد قيمته حين فقد اتصاله المؤكد بالحق في لقمة العيش ". " إن حرية التصويت من غير لقمة العيش وضمانها فقدت كل قيمة وأصبحت خديعة مضللة للشعب ". " إن الديموقراطية السياسية لا يمكن أن تنفصل عن الديموقراطية الاجتماعية وإن المواطن لا تكون له حرية التصويت في الانتخابات إلا إذا توافرت له ضمانات ثلائة: أن يتحرر من الاستغلال في جميع صوره . أن تكون له الفرصة المتكافئة في نصيب عادل من الثروة الوطنية . أن يتخلص من كل قلق يبدد أمن المستقبل في حياته ". بهذه الضمانات الثلاثة يملك المواطن حريته السياسية ويقدر أن يشارك بصوته في تشكيل سلطة الدولة التي ترتضي حكمها.
(2) تحالف قوى الشعب العاملة:
أولأ- " إن الديموقراطية السياسية لا يمكن أن تتحقق في ظل سيطرة طبقة من الطبقات. إن الديموقراطية حتى بمعناها الحرفي هي سلطة الشعب، سلطة مجموع الشعب وسيادته. والصراع الحتمي والطبيعي بين الطبقات لا يمكن تجاهله وانكاره وإنما ينبغي أن يكون حله سلمياً في إطار الوحدة الوطنية وعن طريق تذويب الفروق بين الطبقات ".
ثانياً - " إن الرجعية تتصادم مصالحها مع مصالح مجموع الشعب بحكم احتكارها لثروته ولهذا فإن سلمية الصراع الطبقي لا يمكن أن تتحقق إلا بتجريد الرجعية- أولأ وقبل كل شيء - من جميع أسلحتها". " إن تحالف الرجعية ورأس المال المستغل يجب أن يسقط "
ثالثاً - " لا بد أن ينفسح المجال بعد ذلك ديموقراطياً للتفاعل الديموقراطي بين قوى الشعب العاملة وهي : الفلاحون والعمال والجنود والمثقفون والرأسمالية الوطنية، إن تحالف هذه القوى الممثلة للشعب العامل هو البديل الشرعي لتحالف الاقطاع ورأس المال المستغل وهو القادر على إحلال الديموقراطية السليمة محل الديموقراطية الرجعية " - " إن استبعاد الرجعية يسقط ديكتاتورية الطبقة الواحدة ويفتح الطريق أمام ديموقراطية جميع قوى الشعب الوطنية ".
(3) تنظيم التحالف:
" إن الوحدة الوطنية التي يصنعها التحالف هذه القوف الممثلة للشعب، هي التي تستطيع أن تقيم الاتحاد الاشتراكي العربى ليكون السلطة الممثلة للشعب والدافعة لامكانيات الثورة والحارسة على قيم الديموقراطية السليمة ". " إن التنظيمات الشعبية السياسية التي تقوم بالانتخاب الحر المباشر لا بد لها أن تمثل- بحق وبعدل- القوى المكونة للأغلبية وهي القوى التي طال استغلالها والتي هي صاحبة مصلحة عميقة في الثورة كما أنها بالطبيعة الوعاء الذي يختزن طاقات ثورية دافعة وعميقة بفعل معاناتها للحرمان . وان كل ذلك- فضلاً عما فيه من حق وعدل باعتباره تمثيلاً للأغلبية، ضمان أكيد لقوة الدفع الثوري نابعة من مصادرها الطبيعية الأصلية . ومن هنا فإن الدستور الجديد يجب أن يضمن للفلاحين والعمال نصف مقاعد التنظيمات الشعبية والسياسية على جميع مستوياتها بما فيها المجالس النيابية باعتبارهم أغلبية الشعب كما أنها الأغلبية التي طال حرمانها من حقها الأساسي في صنع مستقبلها وتوجيهه " .
(4) قيادة التحالف :
أولأ- " إن الحاجة ماسة إلى خلق جهاز سياسي جديد داخل إطار الاتحاد الاشتراكي العربى يجند العناصر الصالحة للقيادة وينظم جهودها ويبلور الحوافز الثورية للجماهير ويتحسس احتياجاتها ويساعد على إيجاد الحلول الصحيحة لهذه الاحتياجات "
ثانياً - " إن جماعية القيادة ليست عاصماً من جموح الفرد فحسب . وإنما هي تأكيد للديموقراطية على أعلى المستويات "
(5) الديموقراطية الشعبية :
" إن سلطة المجالس الشعبية المنتخبة يجب أن تتأكد باستمرار فوق سلطة أجهزة الدولة التنفيذية فذلك هو الوضع الطبيعي الذي ينظم سيادة الشعب .. كذلك فإن الحكم المحلي يجب أن ينقل باستمرار وبالحاح سلطة الدولة تدريجياً إلى أيدي السلطات الشعبية " .

خلاصة:
خلاصة " النظرية " الديموقراطية التي جاءت في الميثاق هي أن الديموقراطية السليمة تتكون من عنصرين : تحرر وممارسة . وإن غايتها أن تنقل سلطة الدولة إلى السلطة الشعبية. أما عن التحرر فهو لا يتحقق إلا بتحرير الفرد من القهر الاقتصادي وهذا يعني أن الاشتراكية عنصر أساسي وأولي لامكان قيام ديموقراطية سليمة ومن هنا فلا بد من اسقاط الطبقة الرجعية المتحكمة اقتصادياً في أفراد الشعب. غير أن إسقاط الطبقة الرجعية لا يعني إخضاع الشعب لسيطرة طبقة أخرى ولو باسم الاشتراكية . الميثاق يعني هنا على وجه التحديد رفض النظرية الماركسية في " ديكتاتورية البروليتاريا " . إنه لا يتصور إمكان قيام ديموقراطية تحت سيطرة طبقة ، أية طبقة.
بعد التحرر من القهر الاقتصادي والسيطرة الطبقية تبقى " الحرية كل الحرية والديموقراطية كل الديموقراطية للشعب " ولكن هذا الشعب مكوّن من قوى اجتماعية (طبقات) لها مصلحة مشتركة في الاشتراكية ولكن تختلف فيما بينها فيما عدا ذلك مصلحة ومقدرة وتفصل فيما بينها فروق اقتصادية واجتماعية وثقافية. إن هذه الفروق تجعل الصراع بينها حتمياً . والصراع إما أن يحل سلمياً وإما أن يحل بالعنف. الحل بالعنف يؤدي بالضرورة إلى سيطرة الطبقة التي تنتصر وهذا يعني العودة إلى ديكتاتورية الطبقة الواحدة المرفوضة ديموقراطياً . كما أنه يؤدي - من ناحية ثانية- إلى تمزيق وإضعاف القوى ذات المصلحة الموحدة في الاشتراكية وهو ما يهدد بهزيمتها في صراعها المشترك ضد الرجعية. إذن- أولاً - مع الاعتر اف بالفروق بين الطبقات الشعبية لا بد من حل المتناقضات فيما بينها سلمياً وذلك بتذويب الفروق الاقتصادية والثقافية التي تمثل أسباب الصراع الاجتماعي فيما بينها. وثانياً لا بد لتلك الطبقات أن تتفاعل وتمارس حرياتها السياسية في نطاق موقفها الموحد من عدوها المشترك أي أن يقيموا فيما بينهم حلفاً أو جبهة .
غير أنه نتيجة ظروف تاريخية طال فيها استغلال الفلاحين والعمال كما طال حرمانهم من الممارسة الديموقراطية، وتعبيراً عن ظروف واقعية - في مصر- هي أنهم يمثلون الأغلبية الساحقة للشعب فلا بد من ضمان 50% على الأقل من مقاعد المنظمات المنتخبة للفلاحين والعمال . إن هذا لا يعني أن الـ 50% هذه تمثل العمال والفلاحين أو أنها تمثل أغلبيتهم العددية الفعلية. لا. هذا خطأ جسيم في فهم "النظرية"الديموقراطية التي جاء بها الميثاق . فلو كانت المسألة مسألة تمثيل بالمفهوم النيابي لكان حتماً ألا يشترك في انتخاب ممثلي العمال والفلاحين إلا العمال والفلاحون . ولكان حتماً ألا يمثل ممثلو العمال والفلاحين إلا العمال والفلاحين . ولكان حتماً أن يفرق الميثاق بين العمال والفلاحين في توزيع الـ 50% من المقاعد المضمونة. والأمركله على غير هذا. فالـ 50% من المقاعد مضمونة لممثلين من العمال أو من الفلاحين يستويان ينتخبهم كل الناخبين عمالاً وفلاحين أو غير عمال وفلاحين ، وفي مقاعدهم لا يقصرون تمثيلهم على العمال والفلاحين بل يعتبرون ممثلين للشعب كله ولا يحتكرون لأنفسهم تمثيل العمال والفلاحين بل يستطيع من شاء أن يمثل من شاء أو أم من يدعي تمثيل من شاء بدون تفرقة أو حساب . إن نسبة الـ 50% من المقاعد التي ضمنها الميثاق للعمال والفلاحين هي امتداد لذات الفكرة التي تعتبر محورية في موقف عبد الناصر من مشكلة الديموقراطية في مصر. فكرة إخراج المتخلفين ديموقراطياً من سلبيتهم وتحريرهم من الخوف من مخاطر المنافسة الانتخابية وإلزامهم باستعمال حق الترشيح والانتخاب بقصد تدريب الفلاحين والعمال وتشجيعهم على الممارسة الديموقراطية بضمان خمسين في المائة من المقاعد لهم ، لا في مجلس الأمة النيابى في الاختصاصات التشريعية فقط بل وفي " كل التنظيمات الشعبية والسياسية التي تقوم بالانتخاب الحر المباشر ". هذه الفقرة الأخيرة المنقولة عن الميثاق تؤكد هذا التفسير وتباعد بين ضمان خمسين في المائة من المقاعد وبين فكرة التمثيل النيابي .
ولكن لما كان كل تحالف لا بد له من قيادة ، وكانت الديموقراطية كما طرحها الميثاق ، لا تسمح بسيطرة طبقة، وبالتالي لا يجوز أن تترك قيادة التحالف لاحدى الطبقات الممثلة فيه فقد رأى الميثاق أن تكون قيادة التحالف لحزب يتكون من العناصر القيادية التي تثبت صلاحيتها للقيادة من خلال الممارسة بصرف النظر عن انتمائها إلى أي طبقة من الطبقات المتحالفة.

شائعات عن الميثاق:
لا نستطيع إلا أن نسميها شائعات لأن أياً منها لا يرقى إلى درجة الرأي المدروس . ولأن كلاً منها قد قيلت أو أطلقت لتأييد أو نفي موقف سابق من الميثاق وعبد الناصر ، أي إنها في رأينا أقوال " مغرضة " وكما تكون الشائعات مؤيدة ومعارضة أو مثيرة للبلبلة كذلك ما أشيع عن الميثاق . ونترك القارىء أن يحدد نوع الشائعة وموقف صاحبها من الميثاق وصاحبه .

النظرية المتكاملة:
قيل أولأ أن الرؤية الديموقراطية التي جاءت في الميثاق تمثل نظرية مبدئية متكاملة في الديموقراطية. تؤخذ كلها أو ترفض كلها ولكن لا تتجزأ . وإن كل مقولة من مقولاتها مبدأ ديموقراطي فلا هو خطة استراتيجية ولا هي موقف تكتيكي وبالتالي فهي ليست مرتبطة أو متوقفة لا على المرحلة التي صدر فيها الميثاق ولا على وجود عبد الناصر في موقع القيادة من سلطة الدولة .
وقد كان من شأن هذه الشائعة أن عجز كثير من جماهير عبد الناصر عن معرفة الموقف الديموقراطي الصحيح بعد أن تغيرت الظروف تغيراً جذرياً وغاب المعلم صاحب الميثاق .
والو اقع الذي نراه أن الرؤية الديموقراطية التي تضمنها الميثاق قد تضمنت ما يتصل بالمبدأ الديموقراطي وما يتصل بالتطبيق . وأن المبدأ ثابت - نسبياً- بحيث يمكن اعتباره مميزاً للموقف الناصري في كل الظروف . أما ما يتصل بالتطبيق فهو على وجه اليقين مرتبط بظروف التطبيق التي كانت متاحة عند إصداره وعلى وجه خاص يتولى صاحب الميثاق نفسه- جمال عبد الناصر- السلطة في الدولة. ولعله من المناسب أن نذكر أن من الأخطاء الفادحة التي وقع فيها بعض مؤيدي عبد الناصر وبعض معارضبة كان جهل أو تجاهل العنصر المضاف إلى تجربة عبد الناصر من شخصية عبد الناصر كما لو كان عبد الناصر شخصاً عادياً أو حاكماً عادياً وهو غير صحيح . ان كل أفكار ومواقف عبد الناصر تكسب دلالة مختلفة حين تصدر أو تنسب إلى غيره لأنها تفقد الشخصية التاريخية و " ثقة " الجماهير العربية في ضمانة أدائها . فقد كان عبد الناصر يمثل لديها ضماناً محدداً لمعاني كلماته واتجاه مواقفه وهذا يعني- في رأينا- إنه إذا كان الميثاق قد أستمد في حياة صاحبه نوعاً من الوحدة الفكرية سمحت بالحديث عنه كنظرية فإن مصدر تلك الوحدة كان وحدة المفكر والمنفذ في شخص عبد الناصر. أما بعد غياب عبد الناصر فقد أصبح لازماً التفرقة بين ما يعتبر مبدأ ديموقراطياً وما يعتبر استراتيجية أو تكتيكاً تطبيقياً من بين أحكام الميثاق . على الأقل حتى لا يتوهم أحد أنه قادر على أن يكون عبد الناصر الثاني .. بدون التاريخ الذي صنع عبد الناصر.
على أي حال فقد تضمن الميثاق المبدأ الديموقراطي الثابت نسبياً الملزم دائماً والذي يمثل الزامه أو عدم التزامه الحد الفاصل بين الناصري وغير الناصري . ذلك هو " وحدة الديموقراطية والاشتراكية " لا ديموقراطية بدون اشتراكية ولا اشتراكية بدون ديموقراطية .
أما الباقي فهو أسلوب الممارسة الذي رأى الميثاق أنه مناسب للواقع المصري حين اصداره .
فالعزل والاستبعاد وإسقاط التحالف الرجعي أسلوب لمواجهة أعداء الثورة الاشتراكية . فهو يقوم على أن ثمة ثورة اشتراكية في التطبيق وأن ثمة قوى رجعية تناهض تلك الثورة . وبالتالي فإنه أسلوب لا محل لتطبيقه إذا لم تكن ثورة اشتراكية. وهو يتسع أو يضيق تبعاً لنمو أو انكماش القوى المناهضة للثورة الاشتراكية إذا كانت موجودة . وفي عام 1961 وما بعده لم تقابل إجراءات التحول الاشتراكي بمقاومة ظاهرة جديدة فاكتفى الميثاق بتجريد الرجعية من أسلحتها عن طريق القانون ( تحديد الملكية- الحراسة- العزل -.....) وهذأ ليس مبدأ ديموقراطياً لأنه يفترض أن الاشتراكيين في السلطة يستطيعون تجريد الرجعية من أسلحتها عن طريق التشريع . ولا يكون الاشتراكيون في السلطة دائماً . كما أنه يفترض أن الرجعية لن تقاوم فيكتفى بتجريدها من أسلحتها . و لكن الرجعية قد تقاوم التحول الاشتراكي وتصفيه بضراوة خاصة إذا وصلت إلى أكثر الأسلحة مقدرة على العنف : السلطة . أي أن اسلوب التعامل مع الرجعية يتوقف في النهاية على موقف الرجعية ذاتها ونوع الأسلحة التي تستعملها وهذا ليس موقفاً قابلاً للتحديد بعيداً عن الظروف الواقعية فهو ليس موقفاً مبدئياً . ولقد تصمور عبد الناصر نفسه امكانيات أن تنحرف إحدى الطبقات عن الخطأ الاشتراكي فقال : " إن علينا أن نقاوم مثل هذا الانحراف ونقومه ونثور عليه إذا اقتضى الأمر " .
ثم نأتي لفكرة التحالف . وهي- أيضاً - ليست مبدأ ديموقراطياً بل هي أسلوب ديموقراطي تواجه به قوى مختلفة أصلاً عدواً مشتركاً في معركة مشتركة ، فتؤجل صراعاتها إلى أن تنتصر. فهي دائماً مؤقتة ومرحلية إلى أن تنتصر الجبهة في معركتها المشتركة. وهي دائماً متوقفة على الالتزام المتبادل بين أطرافها بالتحالف حتى النصر . فإذا انتهت معركتها عادت إلى مواقفها المختلفة أو تحالفت بمرحلة أخرى على غاية أخرى . اما إذا نقض أحد الأطراف الحلف أو حاول أن " يبلع " أو يصفي أو يسيطر على حلفائه من خلال الجبهة فلا بد من أن تنفض الجبهة أو الحلف . وكل هذه بديهيات يعرفها علم السياسة ويعرف أنها تكتيكية أو استراتيجية- تبعاً لموضوع التحالف - ولكنها ليست مبدئية، بمعنى أن التحالف ليس مقصوداً لذاته بل هو مقصود لتحقيق الغاية التي تم التحالف على تحقيقها. عنصر الغاية هذا يجعل الموقف من التحالف مختلفاً تبعاً للموقف من غايته . فالرجعيون قد يتحالفون كما قد يتحالف التقدميون . وكما تتحالف الدول على الدفاع تتحالف الدول على العدوان . ولما كانت الغاية مجرد نوايا معلنة، وكانت النوايا لا يعتد بها في السياسة كثيراً فإن الضمان الحقيقي هو في قيادة التحالف . في معارك التحرر - مثلاً - قد يضم التحالف جماعات ومجموعات وأحزاباً وقوى مختلفة ، وقد يقبل المتطوعون حى بدون سؤال عن بواعثهم ويكفي أن تكون القيادة للوطنيين التحرريين الذين لا يسلمون ولا يساومون ولا يستسلمون . كذلك الأمر إذا كان التحالف على غاية الاشتراكية. ففي مرحلة معينة قد يضم التحالف قوى كثيرة قد يكون من بينها صغار الرأسماليين أو حتى المتوسطين منهم إذا كانت المرحلة مرحلة تنمية بالدرجة الأولى ، ولكن يبقى الضمان النهائي لعدم انحراف التحالف أن تكون قيادته للاشتراكيين . ثم نأتي إلى " تذويب الفوارق بين الطبقات سلمياً " . وهو أيضاً ليس مبدأ ديموقراطياً بل هو أسلوب ديموقراطي مناسب لظروف خاصة تتحقق فيها كل شروطه. وأول شروطه أن تكون سلطة الدولة في أيدي الاشتراكيين لأنهم وحدهم الذين يستهدفون تذويب الفروق بين الطبقات . وهي حينئذ تتم سلمياً حتى بدون نص . أولاً ، لأنه لا توجد سلطة في دولة في العالم أياً كان نظامها تقبل حل الناس تناقضاتهم بالعنف . ثانياً ، لأن الوسيلة السلمية لتذويب الفروق بين الطبقات " سلمياً " هو التشريع وهو ما يعني أن الاشتراكيين في السلطة يستخدمون الدولة في تطوير الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية بحيث يؤدي هذا كله- معاً- إلى المساواة بين البشر وإذابة الفروق بين الطبقات سلمياً . هذا الشرط لا يتحقق دائماً . لأن الرأسمالية- مثلاً - ستقوم على أساس أن الفروق بين الطبقات أمر طبيعي ومفيد ولا يجوز التدخل لإذابتها أو إزالتها . وبالتالي حين يستولي الرأسماليون على السلطة لا يكون ثمة مجال لتذويب الفروق بين الطبقات سلميا ولقد اعترف صاحب الميثاق جمال عبد الناصر بهذا قبل أن يصدر الميثاق بعامين حين قال في 9 يوليو 1960: " في محاولة القلة التي لا تملك الاحتفاظ بما تملكه ومحاولة الكثرة التي لا تملك الفرصة المتكافئة لكي تستعيد حقوقها يصبح الصراع الدموي أمراً محتماً باعتباره الطريق الوحيد للتغيير ". ولعل هذا ما يفسر اختياره الاشتراكية غاية والتحالف أسلوباً ليجنب مصر الصراع الدموي . ومن ناحية أخرى فإن تذويب الفروق بين الطبقات سلمياً يعني رفض نظرية " ديكتاتورية البروليتاريا " التي تقوم على أساس من " تصفية " البورجوازية ثورياً . وذلك أيضاً يتفق مع الظروف الموضوعية في مصر- وكافة بلاد العالم النامي- حيث تكون الطبقة العاملة إما معدومة وأقلية وبالتالي تكون عاجزة عن إنجاز الاشتراكية ديموقراطياً. وأخيرآ فإن ضمان الـ 50% للعمال والفلاحين ليس مبدأ ديموقراطياً و لكنه أسلوب ديموقراطي لمعالجة التخلف الديموقراطي الذي أصاب العمال والفلاحين نتيجة لظروف تاريخية سابقة- في مصر- حملتهم على العزلة والانعزال وأخافهم من خوض المعارك السياسية والانتخابية التي لا يتقنون فنونها ولا يطيقون تكلفتها وهو ظرف طارىء لا يقيد العمال والفلاحين فيما لواختاروا لأنفسهم ساحة المعارك السياسية ليحصلوا بأنفسهم على ما يستحقون .

الميثاق ا لخالد:
من الشائعات التي قيلت عن الميثاق أيضاً أنه يتضمن نظرية دائمة على الأقل دوام النظريات النسبي. وخطورة هذه الشائعة أنها تشل مقدرة جماهير عبد الناصر على الإبداع والتطوير وتجاوز الميثاق ذاته. أي أنها شائعة تحاول أن تكرر الخطأ التاريخي : " قفل باب الاجتهاد ". لقد تولى عبد الناصر نفسه تكذيب هذه الشاثعة المعروفة حين قال أمام المؤتمر الوطني الذي أصدر الميثاق : " إن الميثاق للجيل... وأنا كنت حريصاً على ألا أحدد حاجة فيه لأكثر من 8 سنين يمكن حددت سنة 1970 أو 1971 لأنه جايز بيجي ناس بعد كده عندهم تطور فكري تقدمي أكثر من هذا الميثاق أو يحبوا يضيفوا عليه حاجات أو يعدلوه ".

التأثر بالماركسية:
الشائعة الثالثة أطلقتها أطراف متناقضة الفكر والمواقف . أراد طرف أن يجحد أو ينكر الاتجاه الاشتراكي الذي عبر عنه الميثاق فقال إن عبد الناصر قد صاغه تحت تأثير الماركسيين وخاصة بعض الضباط منهم أو تحت تأثير الفكر الماركسي . وأراد طرف اخر أن يجعل من نفسه شريكاً فعالاً في صياغة أفكار عبد الناصر فأكد أو روّج الشائعة فقال " إن عبد الناصر قد صاغ الميثاق متأثراً بالماركسيين أو بالفكر الماركسي ".
أما عن تأثير الماركسيين فيكفي لدحض هذه الشاثعة أن كل الماركسيين في مصر كانوا في السجون خلال المدة من 1959إلى 1964. كان ذلك امتداداً للصراع الذي ثار في العراق بين القوى القومية والشيوعيين . وكان عبد الناصر- القائد القومي طرفاً أصيلاً في ذلك الصراع منحازاً إلى القوى القومية كما كان الماركسيون في مصر طرفاً اصيلاً في ذلك الصراع منحازين الى الشيوعيين في العراق . وكان ما حدث للماركسيين في القاهرة رداً على ما حدث للقوميين في بغداد . ثم امتدت المعركة إلى خارج الوطن العربي . وما زال الناس يذكرون الصدام الاعلامي العلني بين الرئيس عبد الناصر والسيد نيكيتا خروتشوف الزعيم السوفيتي الراحل .
أما عن التأثر بالفكر الماركسي فهو ما لايستطيع أحد انكاره إلا إذا زعم بأن عبد الناصركان مغلق الفكر عن التراث الفكري الانساني بما فيه الماركسية . وهو غير صحيح . وإن كان من المؤكد أن عبد الناصر كان منتبهاً إلى التطبيق الماركسي أكثر من اهتمامه بالنظريات الماركسية . قال زكريا محي الدين: " لم يكن عبد الناصر فيلسوفاً نظرياً بل كان ثورياً جامحاً ". المهم أن عبد الناصر لا بد أن يكون قد تأثر بالفكر الماركسي وعلى وجه خاص بالتطبيق الماركسي ولكن السؤال هو: على أي وجه تأثر به؟ …هذا هو السؤال .
ونحن نعتقد أن تأثره به كان معارضة له وخاصة في فكرة التحالف أو تحالف قوى الشعب العاملة أو صيغة الاتحاد الأشتراكي العربي . ويبين هذا من أن الجمع بين المبدأ الاشتراكي وصيغة التحالف كان قاعدة مطردة في نظام الحكم التي وضعت في الدول المتحولة اشتراكياً بعد الحرب الأوروبية الثانية فيما عدا الاتحاد السوفيتي . كان مطبقاً في بلغاريا (دستور 1947) وفي رومانيا (دستور 1948) وفي بولندا (دستور 1948) و في تشيكوسلوفا كيا (دستور 1948) وفي يوغوسلافيا (دستور 1946) ذلك لأن نظام الحكم في كل تلك الدول المسماة بالديموقراطيات الشعبية كان قائماً على دعامتين :
الأولى: السيادة الشعبية بعد عزل (أو القضاء على) أعداء النظام الاشتراكي.
الثانية: التحالف بين قوى ساهمت كلها في معارك التحررمن الاحتلال النازي .
بالنسبة إلى الدعامة الأولى نجد أن فيها جميعاً ينتخب الشعب مجلساً شعبياً هو السلطة الوحيدة التي تنبع منها بقية السلطات . هو الذي يختار رئيس الدولة والحكومة ويصدر القوانين التي يطبقها القضاء. ولا يوجد هناك ما يسمى الفصل بين السلطات بل تقسيماً للعمل بين أجهزة متخصصة تستمد كل منها صلاحياتها من مجلس الشعب المنتخب . ولكن لما كان هذا المجلس منتخباً لمدة محددة فإن الشعب لا يجوز أن يبقى غائباً فيما بين فترات الانتخاب بل يبقى بصفة دائمة منظماً في لجان شعبية تضم كل أفراد الشعب وتمارس سلطات محلية وسياسية. وفي يوغوسلافيا منحت تلك اللجان الشعبية ما يقرب من الاستقلال الذاتي اقتصادياً وسياسياً ( نظام التسييرالذاتي) . فالشعب في تلك النظم ، إذن، يمارس سلطته على مستويين : مستوى مباشر في اللجان الشعبية ومستوى نيابي في مجلس الشعب .
هنا تأتي الدعامة الثانية، وهي القوى المحركة والموجهة والقائدة للشعب في مستوى الممارسة المباشرة. أي التي تنشط في تثقيف وتوجيه وصياغة الرأي العام في اللجان الشعبية. هذه القوى عبارة عن تحالف محوره وقيادته للحزب الشيوعي . في المجر يضم التحالف حزب العمال الاشتراكي والمستقلين وأحزاب المعارضة القديمة وفي تشيكوسلوفاكيا يضم الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي التشيكوسلوفاكي وحزب الحرية السلافي والجبهة الوطنية التشيكوسلوفاكية. وفي بلغاريا يضم التحالف الاتحاد الشعبي وجبهة الوطن ومجموعات أخرى . وفي بولندا يضم حزب " الفلاحين و الحزب الديموقراطي وجماعة " زراك " الكاثوليكية .
ونلاحظ في كل هذه الفكرة الأساسية. وهي أنه لما كان الشعب لا يستطيع أن يمارس سيادته بنفسه (الديموقراطية المباشرة ) فإن هيئة منتخبة تنوب عنه ( تمثيل نيابي) . ولكن لتأمين الديموقراطية ضد الاستبداد النيابي، يجب أن يبقى الشعب كله ! في حالة انعقاد دائم في لجان شعبية (اللجان الشعبية). ولما كان الشعب كله ليس في هذه المرحلة من التاريخ متقدماً ديموقراطياً لا في الوعي ولا في الممارسة، فإن القوى الواعية بالمبادىء وكيفية تطبيقها ( الأحزاب) يجب أن تبقى أيضاً في حالة نشاط دائم في داخل اللجان الشعبية وخارجها تثير المسائل وتناقشها وتدير حولها الحوار وتحاول أن تقنع من لا يقتنع . فإذا تعددت القوى الواعية المنظمة وكانت مختلفة في أية مسالة ما عدا مبدأ النظام الاشتراكي، فإنها تتحالف معآ لتؤدي بين الجماهير دوراً تثقيفياً وقيادياً واحداً ( في جبهة) .
أخذ وما يزال يؤخذ على هذه النظم المسماة ديموقراطيات شعبية أنها بالرغم من مظهرها الديموقراطي قائمة على فرض مفروض سابق على النظام ذاته، هو قيادة الحزب الشيوعي للقوى المتحالفة ثم سيادة الطبقة العاملة على باقي الطبقات .
الشرط الأول مصدر تاريخي فقد تولت الأحزاب الشيوعية في تلك الدول السلطة على أثر التحرير بمساعدة القوات السوفيتية. فاقامت نظمها الديموقراطية على الوجه الذي يحتفظ لها بالسلطة أبداً .
الشرط الثاني مصدره فكري . فالأحزاب الشيوعية تلتزم النظرية الماركسية. والنظرية الماركسية في الدولة إنها أداة قهر طبقي وأنها (عندما تؤول إلى الطبقة العاملة والبروليتاريا) تتحول إلى ديكتاتورية البروليتاريا .
لما كانت الاشتراكية نظاماً ديموقراطياً في الأصل بما يتضمنه من تحرر من القهر الاقتصادي والمساواة في العمل وفي عائد الانتاج فإن المساواة - التي هي جوهر النظام الاشتراكي- لا تحتمل الاستبداد سواء كان فردياً أو طبقياً . وما زال هذا الجوهر الديموقراطي للنظام الاشتراكي يدفع عجلة التطور في كل البلاد الاشتراكية مطهراً إياها من كل ما يتعارض معه من الموروثات التقليدية فكراً التاريخية ممارسة.
ولسنا نشك في ان عبد الناصر- صاحب الميثاق قد عرف كل هذا ووعاه وهو يبحث عن طريقه الى مشكلة الديموقراطية في مصر. كان يبحث عن صيغة لهذه الديموقراطية الشعبية تحقق مثلها ضمانة ضد مخاطر الاستبداد الكامنة في النظام النيابي ، وتخلو من استبداد الطبقة الذي تقره وتعترف به النظم في تلك البلاد. فأراد ان يستبدل بتحالف الاحزاب تحالف القوى العاملة. وان تحل محل قيادة الحزب الشيوعي للتحالف قيادة حزب اشتراكي طليعي ينتقي أفراده من بين قوى التحالف جميعاً .
وهكذا نرى ان عبد الناصر، مع اطلاعه وتأثره بالفكر الماركسي وتطبيقاته قد وقف منه في الميثاق موقفا نقديا حاول به ان يحرر المضمون الاشتراكي من " الديكتاتورية "... وان يجسد الوحدة الراسخة في ذهنه بين الاشتراكية والديموقراطية .

شائعة غريبة:
أغرب الشائعات التي قيلت عن الميثاق وعبد الناصر ان عبد الناصر قد وضع الميثاق لامتصاص موجة الغضب الشعبي التي سببها انفصال سورية . ان قصد التشهير والاتهام بالانتهازية هنا لا يمكن استبعاده بسهولة البديل الوحيد المحتمل هو التسرع في القول . ذلك لأنه ليس وراء هذه الشائعة شيء يقررها من الواقع . والواقع أن عبد الناصر كان يطبق الميثاق منذ 1961 وكان يبشر ببعض الافكار التي جاءت به منذ 1959 قبل الانفصال بمدة طويلة. وان الميثاق لم يكن صياغة لافكار نشأت طفرة كالوحي ولكن خلاصات دروس طويلة ومعاناة خلال التجربة التي بدأت في عام 1952. ولقد كان عبد الناصر يستطيع ان يصدر الميثاق قبل اصدار قوانين يوليو 1961 التي لم تكن الا تطبيقا مبكرا له. ولكنه لم يفعل لأنه أراد له ان يطرح على المناقشة قبل اصداره . ولقد نوقش الميثاق قبل اصداره في أكبرتجمع ديموقراطي حدث في تاريخ مصر. اما انه صدر فعلاً - أي رسمياً- بعد ان كان الانفصال قد وقع فهذا لا يعني انه اصطنع اصطناعا انتهازيا لامتصاص غضب الجماهير من الانفصال ... هذا غير صحيح .

وبعد:
اياً ما كان أمر الشائعات ففد صدر الميثاق وثيقة فكرية. انتقل بها عبد الناصر خطوة كبيرة بعيدا عن المنهج التجريبي ، وأصبح " الميثاق " كله موضوع التجربة ابتداء من تاريخ صدوره ..
فالى أي مدى حل عبد الناصر مشكلة الديموقراطية في مصر بعد صدور الميثاق . سنعرف الجواب فيما يلي . على ان نتذكر الان ان ليست العبرة في شأن الديموقراطية وغير الديموقراطية، بما يوضع من مواثيق او ينشر من أفكار، ولكن العبرة بما يصادق ، أو يصيب ، تلك الافكار في التطبيق .


إنتهي الجزء السادس من 7


د. يحي الشاعر
 
..." هل كان عبد الناصر ديكتاتورا 7 - "
الحلقة ألسـابعة
بقلم الأستاذ عصمت سيف الدولة
...
النجاح.. و الاخفاق


الحلقة الأخيرة (7 - 7 )




ما زلنا حتي الأن ... نحاول أن نقيم سنوات حكم جمال عبدالناصر ... ومنا من يود أن يصفهم بالأخفاق والفشل الكامل ... و آخرون منا يرون فيهم النجاح المطلق ... وقد تطغي المشاعر علي المنطق ، فلا يري ما احدث أيضا من فشل...

ويوجد بين الطرفين ، من يشير بالأصبع في إتجاه النجاح .. وإتجاه الفشل .... فهذه سنة الحياة ... ومن لا يعمل ... لا يخطيء ...

التقييم التالي يأتي من شخص ، يحسب علي عبدالناصر .. ومن جيله ومحيطه ... ولكنه ينتقد ... وهذا لا يستساغ من البعض ...


كان نشر تلك الحلقات السبع ، هو مجهود في إضافة المواضيع إلي ما يحتويه القسم الخاص هنا ...

فلن يجتذب القاريء الياحث ... مواضيع سهلة فقط ... ولكن أيضا .. المواضيع التي تتناول العديد من المسائل الأجتماعية والأقتصادية والوطنية والقومية ، وخاصة ما يتعلق بيتاريخ مصر القومي


لذلك ، لمن ينتقدون النقل ... فليفهموا الهدف .... وليحاولوا أن يشتركوا في المناقشات بأرائهم ... وليس بتوجيه "تهمة النقل" ... فالنقل من "ويكيبيديا" .. أو الكتابة في ويكيبيديا لا تعتبر إنجاز ..... وطني كبير ... ما لم تكن السطور نابعة منهم ومن أفكارهم وأقلامهم


ومن يلجأ للشخصنة والتشكيك وينتقدوا التاريخ ... الوطني ويعتقدون أنهم سيضرون إسم يحي الشاعر .... فقد
أخطأوا ... فما الشخصنة والمهاجمة إلا علامة واضحة علي الضعف



المنتدي هنا ... مثله مثل المنتديات الأخري التي أشارك فيهم وعلي سبيل المثال ، تتمتع الواحة المصريةبمستوي عالي من نتائج البحث عن المواضيع "التاريخية الوطنية" التي تجتذب العديد من الباحثين

وسأواصل نقل المواضيع التاريخية ، حتي نبني "مكتبة" شاملة .....


وعندما أرحـــل ... وسيأتي يومي ...

فقد يتذكر البعض ... أن الهدف ... لم يكن وليس يحي الشاعر ...ولكن "الــــواحة المصــرية" ... ومكانها القوي في الأنترنت

أخيرا أشكر كل من الأساتذة الأفاضل الذين يساهمون بأرائهم ونقدهم وخاصة الدكتور رجب "رغم حدته أحيانا" والأستاذ فارو والأستاذ قنايات والمهندس إيجيبت8 وغيرهم من الأساتذة الأفاضل الذين يساهمون بذكرياتهم وأرائهم في توسيع وشرح العديد مما عاصروه ويعرفوه ...... وأرجو المعذرة عندما يسهو علي أحد الأسماء


د. يحي الشاعر
اقتباس:




(14) النجاح.. و الاخفاق

التطبيق:

قلنا من قبل ان بعض الاحكام التي جاءت في الميثاق كانت قد نفذت قبل اصداره سواء بالقوانين والقرارات التي صدرت عام 1961 أو بقواعد العزل والابعاد التي صدرت بعد ذلك. فلما ان صدر الميثاق بديء في تنفيذ بقية أحكامه. وكان أولها انشاء الاتحاد الاشتراكي العربي .
كان المؤتمر الوطني للقوى الشعبية قد أصدر قرارا بتفويض الرئيس جمال عبد الناصر في تشكيل لجنة تنفيذية عليا مؤقتة تقوم باتخاذ القرارات اللازمة لتشكيل تنظيمات الاتحاد . فأصدر قراراً بتشكيل الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي من : أنور السادات ، حسن ابراهيم ، حسين الشافعى، كمال الدين حسين ، علي صبري ، الدكتور نور الدين طراف ، المهندس أحمد عبدة الشرباصي ، كمال الدين رفعت ، عباس رضوان ، محمد عبد القادر حاتم ، محمد طلعت خيري ، أنور سلامة .
وصدر القرار رقم 1 لسنة 1962 بقانون الاتحاد الاشتراكي العربي . وعلى أساسه تمت انتخابات الوحدات الاساسية للاتحاد الاشتراكي العربي . ثم توالت الانتخابات من 1962- 1964 انتخابات اللجان النقابية. انتخابات مجالس ممثلي العمال في مجالس الادارات . انتخابات الجمعيات التعاونية. انتخابات مجالس النقابات المهنية. انتخابات مجلس الامة.. الى آخره .
وفي 27 سبتمبر 1962 صدر اعلان دستور بتنفيذ ما جاء في الميثاق عن القيادة الجماعية فتشكل مجلس رئاسة من : جمال عبد الناصر وعبد اللطيف البغدادي وعبد الحكم عامر وعلي صبري والدكتور نور الدين طراف والمهـندس أحمد عبده الشرباصي وكمال الدين رفعت .
نلاحظ هنا ملحوظة على جانب كبير من الاهمية. ونتذكرها لأننا سنعود اليها . تلك هي ان تسعة من أعضاء الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي كانوا أعضاء في مجالس الرئاسة.
وفي 23 مارس 1964 صدر دستور 1964 مقننا للثورة . وأسمي (الدستور المؤقت) إلى أن يتم مجلس الامة الجديد وضح الدستور الدائم . بدأ الدستور المؤقت أحكامه بالنص على " ان الجمهورية العربية المتحدة دولة ديموقراطية اشتراكية تقوم على تحالف قوى الشعب العاملة والشعب المصري جزء من الأمة العربية " . اما عن الاتحاد الاشتراكي العربي فقد نص في المادة الثالثة . " ان الوحدة الوطنية التي يصنعها تحالف قوى الشعب الممثلة للشعب العامل ، وهي الفلاحون والعمال والجنود والمثقفون والرأسمالية الوطنية هي التي تقيم الاتحاد الاشتراكي العربي ليكون السلطة الممثلة للشعب والدافعة لامكانيات الثورة والحارسة على قيم الديموقراطية السليمة ". وأصبحت عضوية الاتحاد الاشتراكي لازمة فيمن يرشح لمجلس الامة ( القانون رقم 158 لسنة 1963 المعدل بالقانون رقم 47 لسنة 1964 ) ، ولعضوية النقابات المهنية (القانون رقم 31 لسنة 1966 ) ولمجالس ادارة التشكيلات النقابية ( قرار وزير العدل رقم 35 لسنة 1964) والجمعيات التعاونية ( قانون رقم 87 لسنة 1964 )
والعمد والمشايخ ( قانون رقم 59 لسنة 1964) ومجالس الادارة المحلية ( كان القانون 124 لسنة 1960 يشترط عضوية الاتحاد القومي فاعتبروا ان الاتحاد الاشتراكي العربي حل محل الاتحاد القومي واشترطت عضويته بدون تعديل القانون ) . وانشىء التنظيم السياسي القائد للتحالف " سرا " عام 1963.

النجاح:
على مستوى الحرية الاجتماعية (العنصر الاول للديموقراطية) حققت الثورة نجاحا لا شك فيه. فلاول مرة في مصر وضعت الثورة خطة اقتصادية للتنمية ونفذتها الى حد كبير هى الخطة الخمسية الأولى ( 60 / 1961 - 64 / 1965 ) ، التي كان نكوص الرأسمالية المصرية عن تنفيذها سبباً مباشراً في ثورة 1961 كما ذكرنا . كان هدف الخطة زيادة الدخل القومي في نهايتها بنسبة 40% مما كان عليه في سنة الاساس وقدرت الاستثمارات اللازمة بحوالي 1576.9 مليون جنيه . وقد بلغت الاستثمارات المنفذة خلال مدة الخطة مبلغ 1513 مليون جنيه أي بنسبة 95.9% من الاستثمار المتوقع ، وبمتوسط سنوي قدره 302.6 مليون وهو يعادل 19% من الدخل القومي في المتوسط خلال سنوات الخطة . وقد ساهمت المدخرات القومية في تمويل هذه الاستثمارات بمبلغ 1095.6 مليون جنيه أي بنسبة 72.4% وبمتوسط سنوي قدره 219.1 مليون جنيه وهو ما يساوي 13.2% من الدخل القومي في المتوسط ، بينما ساهمت القروض الاجنبية بمبلغ 417.4 مليون جنيه فقط أي بنسبة 27.6% وبلغت الزيادة المتحققة في الدخل القومي في نهاية الخطة 37.1% مما كان عليه في سنة الاساس مقابل الزيادة المتوقعة والمقدرة في الخطة بنسبة 40% وبلغ متوسط معدل النمو السنوي 6.5% أي تجاوز معدل النمو الاقتصادي في مصر- لاول مرة - معدل زيادة السكان الذي بلغ خلال سنوات الخطة 2.8%. في المتوسط وكان ذلك مبشراً بحل مشكلة الفقر. وانطلق الانتاج الصناعي من مصر الزراعية!! بعد ذلك ، وفي أشد الظروف صعوبة ( الهزيمة والحرب من 1077.618 مليون جنيه عام 66 / 67 الى 1169.419 مليون عام 67 / 1968 الى 1322.968 مليون جنيه عام 68 / 69 الى 1421.987 مليون جنيه عام 69 / 1970 واصبحت مصر الزراعية دولة مصدرة للمصنوعات من 82.238 مليون عام 1966 الى 134.066 مليون عام 1970 كانت تلك هي الفترة الرائعة ، حين كان كل ما نستعمله ونأكله ونشربه ونركبه يحمل ذلك العنوانت العظيم ( صنع في ج . ع . م ) .
وانعكس كل هذا على الشعب فزاد نصيب الفرد من الدخل القومي ما بين 60 / 1965 بنسبة 28 % وجذبت فرص العمل الجديدة اليها الايدي القومية التي لم تكن تجد فرصة عمل فزاد عدد العاملين مليونا ونصف تقريبا في خمس سنوات من ( 6000600 عام 1960 الى 7333400 عام 1966 بزيادة 22.1% أغلبهم كانوا رجالا راكدين في مستنقعات الريف ، فأصبحوا عمالا نشيطين في المدن . بما تحمله المدن الى البشر من ثقافة وعلم وتقدم ونشاط سياسي أيضا (كان سكان المدن عام 1960 يمثلون 37% من عدد المواطنين فأصبحوا يمثلون 40% عام 1966 ) . ولم تكن تلك الهجرة لأن الارض الطيبة قد انكمشت بالعكس حول السد العالي العظيم 836 ألف فدان من ري الحياض الى الري الدائم وأضاف اليها 850 ألف فدان جديدة . ولم تنتقص تلك الهجرة من الانتاج الزراعي بالعكس زاد في عامين فقط من 68 الى 1969 بنسبة 15 % . وزاد المتعلمون بنسبة 132 % - عام 1966 عنهم في عام 1954 فبلغوا 4.502 مليوناً ، وفي كل شهر تبنى مدرسة فبلغت نسبة الاستيعاب في مرحلة التعليم الالزامي 69.7% وفتحت أبواب العلم لأبناء الشعب بدون مقابل فاستقبلت الجامعات أبناء العمال والفلاحين والكادحين ، وانتقلت اليهم الجامعات في الاقاليم وبدأ تكوين أغلى ثروات هذا الشعب : " البشر المنتجون " . وزادت البعثات للتخصص العلمي من 238 بعثة عام 1960 الى 1575 بعثة عام 1966 . وزاد الانفاق على الخدمات من 12 مليوناً عام 1960 الى 22.9 مليونا عام 1965 وتولت الدولة بواسطة أجهزتها عملية تعليم وتثقيف واسعة النطاق من خلال الصحف (التي كان قد تملكها الشعب بالقانون رقم 156 لسنة 1960) ، والاذاعة والتليفزيون، وترجمت الى اللغة العربية وبيعت بثمن يسير آلاف الكتب في سلاسل متنوعة تناولت كل مجالات الثقافة وخاصة الفكر الاشتراكي وأصبح أبناء مصر يدرسون المواد القومية ( الثورة - الاشتراكية- القومية) في كل مرحلة تعليم بصيغ متدرجة حتى المستوى الجامعي ... الى آخره...
ولكن والحق يقال، والشهادة لله . حرم شعب مصر الفقير في تلك الفترة من العمارات الشاهقة والسيارات الفارهة، والكباريات الداعرة ، و ألافلام الهابطة، وحرم المنتجات الاميركية وأدوات التجميل الفرنسية والسجائر الفرنجية ومن الاصواف الانجليزية والحرائر اليابانية ، ثم انه افتقد السمسار والقمار والدولار ولم يتعامل الا بعملته، والى حد كبير حرم حق الاختيار اذ كان عليه ان ينتج والا يستهلك الا مما تصنع يديه .. هذا بالاضافة طبعا - الى انه حرم من الليبرالية ودعاويها وأفكارها وأقلامها اذ لم تسمح الثورة لأحد بأن يخاطب الشعب ويعلمه ويفقه إلا إذا خاطبه عن مشكلاته وعلمه كيف يحلها وثقفه بأساليب حلها . فهل حرم شعب مصر من شيء .
أكاد أرى ليبرالياً يتململ " اشمئزازاً " مما يقرأ ، ويتمتم : ما علاقة هذا بالديموقراطية ؟ وهل يغني الخبز عن الحرية ؟ .. ما الفرق - اذن- بين البهيمة وبين الانسان يفكر ويريد ويدبر. وهل يستوي عند هذا الكاتب الانسان والبهيمة؟.. سيدي صبرك . ان كنت لا ترى علاقة التحرر من الحاجة الاقتصادية والتحرر من الجهل والتحرر من المرض ، بالديموقراطية فنحن مختلفان في فهم الديموقراطية. لكم دينكم ولي دين . اما ان الخبز يغني عن الحرية فهو قول جاهل . يجهل- على الاقل- ان الانسان ليس بهيمه.. انما الخبز شرط للحرية لآن الجوعى المرضى المشغولين ليل نهار بالحصول على " لقمة العيش " ليأكلوا، وقطعة قماش ليلبسوا ، وجحر فارع ليسكنوا ، أو لئك الذين يهد حيلهم المرض فلا يجدون ثمن الدواء ، ويقترضون حين ينجبون أولادهم كما يقترضون حين يدفنون موتاهم ، اولئك يا سيدي- صدقني او انزل الى الشعب لترى - لا يهمهم كثيراً او قليلا ما أنت مشغول به من حرية الرأي لأنهم لا يعلمون ، او حرية الصحافة لأنهم لا يقرأون ، او حرية ألاحزاب لأنهم لا يبالون بمن قال ومن نشر ومن حكم .. ولا يستطيعون ان يبالوا قبل ان يأكلوا ويشربوا ويسكنوا .. فان كنت ديموقراطيا حقا فابدأ بحفظ حياة البشر لأن الموتى أو الذين يوشكون على الموت - جوعاً أو مرضاً - لا يستطيعون الاستماع الى آرائك أو قراءة صحفك أو الانضمام الى احزابك . وحين تبدأ حل مشكلة الحياة ( مأكلاً وملبساً وسكناً ) تبدأ ممارسة الحياة فكراً وسياسة .. وويل - حينئذ - للذين يتوهمون أن الخبز يغني عن الحرية ..
ولقد بدأت ثورة 1961 بحل مشكلة حرية الحياة وحققت نجاحا كبيرا فهل حلت مشكلة الحرية السياسية؟ .

الاخفاق:
نستطيع أن نقول ببساطة ويقين أن " النظرية " الديموقراطية التي جاء بها الميثاق لم تطبق - في جانبها السياسي - على وجه الاطلاق . انشئ تحالف من قوى الشعب العاملة ولكنه ليس التحالف الذي نص عليه الميثاق . قامت منظمة باسم الاتحاد الاشتراكي العربى ولكنها ليست الاتحاد الاشتراكي العربي الذي جاء في الميثاق . مارس الاتحاد الاشتراكي العربى- الذي أقيم- مهمات سياسية و لكن ليست هي المهمات التي جاءت في الميثاق . انشىء التنظيم السياسي الذي يقود التحالف ، و لكنه ليس التنظيم السياسي الذي جاء في الميثاق .
منذ خمسة عشر سنة وكل الناس يتحدثون عن تحالف قوى الشعب العاملة ، وعن الاتحاد الاشتراكي العربي ، وعن التنظيم السياسي السري يؤيدونه ويهاجمونه ويحلونه ويعيدون تشكيله ويطورونه ويصنفونه ويختلفون في هذا اختلافا كبيرا أو قليلاً دون أن يفطن أحد ، أو لم يقل الذين فطنوا ، ان مصر قد عرفت ثلاث مؤسسات مختلفة تحمل جميعها اسم الاتحاد الاشتراكي العربي . المؤسسة الأولى انشئت عام 1962 واستمرت حتى عام 1971 والمؤسسة الثانية في عام 1971 واستمرت حتى عام 1976 والمؤسسة الثالثة هي القائمة اليوم والتي حلت بتقسيمها الى " أحزاب " … ثم - وهذا هو الاهم - ان أيا من هذه " الاتحادات الاشتراكيات العربيات " لا تمت بصلة قريبة أو بعيدة إلى الاتحاد الاشتراكي العربي الذي جاء في الميثاق .. ولا تمت بصلة قريبة او بعيدة لا بقوى الشعب العاملة ولا بتحالفها، اللهم الا استعارة الاسماء والعناوين واللافتات .. درءا للشبهات.. ذلك لأن الرأسمالية المتحالفة مع البيروقراطية قد سرقت الاسماء والعناوين واللافتات لتضعها فوق مؤسساتها التابعة لها التي لم يكن أي منها اتحادا، او اشتراكيا أو عربياً ولنبدأ من البداية .

السباق الى النفاق:
ما ان قدم جمال عبد الناصر " الميثاق " حتى انضمت الى جماعة المؤمنين به جمهرة الانتهازيين فأصبحوا جميعاً " ميثاقيين " (ما زلنا نذكر ان واحدا من جهابذة الكتاب وأعلاهم صوتا وأكثرهم بذلا للجهد في تأصيل التجربة- أية تجربة- كان قد بادر فأنشأ- في ذهنه- جماعة " الميثاقيون " وانتمى اليها وتحدث باسمها على صفحات الجرائد.. الى ان قيل له كفى فكف. وما زلنا نذكر انه حين تقرر تدريس " الاشتراكية العربية " في المدارس والجامعات تسابق عدد من أساتذة الجامعات والمعلمين ينشئون كتبا مطولة وكتبا مختصرة في بيان ماهية الاشتراكية العربية . فلما خطر لجمال عبد الناصر ان يقول ان الاشتراكية واحدة ونحن نطبقها تطبيقا عربيا ، سارع الاساتذة الكبار الى اعادة طبع كتبهم وغيروا جلودها ليغيروا عناوينها بعد ان غيروا جلودها . وما زلنا نحتفظ بأصول كتاب عن " الطريق الى الاشتراكية العربية " قدمناه الى الدار القومية للطباعة والنشر ( 1966 ) دفاعاً عن الاشتراكية العربية فأشار عليه مدير الدار بعدم النشر " لأن الرئيس جمال عبد الناصر قد حسم الخلاف في هذه القضية " ولقد وافقت رقابة عبد الناصر على نشر الكتاب لأن عبد الناصر - وحده تقريبا - هو الذي كان يصر على أن مصر تمر بمرحلة التحول الاشتراكي وان الميثاق دليل عمل وان شيئاً لم يحسم وان كل شيء سيعاد فيه النظر على ضوء الممارسة بعد عشر سنوات .. ولسنا في حاجة الى القول بأن أولئك المنافقين قد انقلبوا على انفسهم فانقلبوا على عبد الناصر وميثاقه . وكذلك يفعل الانتهازيون دائماً .
نهايته !!
نعود الى الموضوع فنقول ان الانتهازية ليست خاليه من مضمون . نعني ان الناس لا ينافقون ويهدرون كراماتهم ويزحفون على بطونهم- كالديدان- الا متجهين الى غاية، مثلهم في هذا مثل السائرين على أقدامهم . والواقع انه لا يوجد موقف بدون مضمون سواء كان موقفا أخلاقيا او موقفا غير أخلاقي لهذا نستطيع ان نتجاوز الجانب الاخلاقي لننتبه الى المحتوى الموضوعي لظاهرة الانتهازية ونسأل : ما هي " الفرصة " التي كان يسعى الى اهتبالها الانتهازيون؟
انها فرصة التحول الاشتراكي ذاته.
فابتداء من عام 1961 لم تعد الدولة سلطة حكم او مساندة او تمويل بل أصبحت جهاز ادارة رئيسي للاقتصاد القومي . تملك القدر الأكبر من أدوات الانتاج ، وتديرها ، وتنتج ، وتوزع ، وتتاجر ، وتستهلك . هي التي تعين الوزراء والمديرين وهي التي تشغل العاطلين وهي التي تحدد الاجور وهي التي توفر المأكل والملبس وتبني السكن وتعلم وتعالج .. الى آخره . وكانت هذه الدولة ، ربة العمل ، قد انتزعت اغلب ما تملك وما تدير من الرأسماليين الكبار وأضافت اليه طولاً وعرضاً وعمقاً منشآت جديدة ومصادر رزق جديدة فيما عرف باسم " القطاع العام " . ولكنها ابقت بجواره ما أسمي بالقطاع الخاص و " بالرأسمالية الوطنية " . فكيف " تربح " هذه الرأسمالية الوطنية ؟ .. بالتطفل على القطاع العام تعيش من باطنه وتتاجر معه و " تسمسر " على صفقاته وتسرق وترش . فتحول القطاع العام - أي الدولة - الى مصدر جديد للرأسمالية . و هي رأسمالية طفيلية غير منتجة تتعاون في تكوينها على طريقة " شيلني واشيلك " البيروقراطية المنحرفة والقطاع الخاص الطفيلي وكانت الثغرة التي تسرب منها هذا الحلف هو ما أشرنا اليه من قبل من ان قواعد العزل السياسي لم تطبق على الذين أضيروا بقوانين يوليو 1961 او الذين تتناقض مصالحهم مع التحول الاشتراكي . اولئك الذين أسمتهم اللجنة التحضيرية " أعداء الثورة الاجتماعية الاشتراكية " فصدر القانون رقم 34 لسنة 1962 خاليا من عزلهم . فقدوا ما يملكون او أغلبه فالتحقوا بخدمة المالكة الجديدة ( الدولة ) بحجة خبرتهم و علمهم و (وطنيتهم ) وأيضا أصبحوا عماد البيرو قراطية في الدولة والقطاع العام والرأسمالية الطفيلية التي تمتصه . ولما كانوا أضعف من أن يقاوموا فقد نافقوا . وبادروا الى تنفيذ مشروع الثورة الديموقراطي " الاتحاد الاشتراكي العربي " قبل أن يصدر الدستور . وكانوا وراء قرار " انتهازي " أصدره المؤتمر الوطني للقوى الشعبية قبل أن ينفض وهو " تفويض " الرئيس جمال عبد الناصر بتشكيل لجنة تنفيذية عليا مؤقتة لتضع القانون الاساسي للاتحاد الاشتراكي العربي .
تأملوا...
الميثاق يقول ان تحالف قوى الشعب العامل هو الذي يقيم الاتحاد الاشتراكي العربى ، فاذا بالمؤتمر يفوض رئيس السلطة التنفيذية في ان يختار المؤسسين للاتحاد الاشتراكي العربى ، قلة يسميها اللجنة التنفيذية العليا المؤقتة، لتقيم هي الاتحاد الاشتر اكي العربي وتضع قانونه الاساسي . والميثاق يحرص على القول بان الاتحاد الاشتراكي العربي هو السلطة الممثلة للشعب ومفهوم انها سلطة في مواجهة باقي السلطات او فوقها ، فيعهد المؤتمر الى السلطة التنفيذية بانشاء السلطة الممثلة للشعب . من قبل نبهنا الى دلالة ان يكون تسعة من أعضاء الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي أعضاء في مجلس الرئاسة. والميثاق يقول انه بعد سقوط تحالف الرجعية ورأس المال " لا بد ان ينفسح المجال بعد ذلك ديموقراطياً للتفاعل الديموقراطى بين قوى الشعب العامل ".. وهو ما يعني بان ينشأ الاتحاد الاشتراكي العربي من القاعدة المتفاعلة ديموقراطياً الى القمة ، فإذا بالاتحاد الاشتراكي العربي ينشأ بالقمة التي تتولى هي انشاء القاعدة … على ما تهوى .
هل انشأته على ما تهوى؟
نعم، وذلك بأنها:
اولا: الاتحاد الاشتراكي العربي هو تنظيم تحالف قوى الشعب العاملة " الممثلة للشعب " والشعب هو صاحب السيادة بحكم الميثاق وبحكم الدستور. وهذا يعني انه طبقا للميثاق والدستور كليهما، تكون سلطة السيادة للاتحاد الاشتراكي العربي . لم تختلف أغلبية أساتذة القانون الدستوري في هذا، وعبروا عن آرائهم في مناقشات " اللجنة التحضيرية للدستور الدائم " التي تشكلت يوم 30 مايو 1966 لوضع مشروع دستور دائم قال الدكتور سليمان الطماوي عميد كلية حقوق عين شمس : " الاتحاد الاشتراكي ليس مجرد سلطة دستورية له علاقة بالحكومة ولكنه أكبر من ذلك ". قال الدكتور ثروت بدوي استاذ القانون الدستوري بكلية حقوق القاهرة قال مفاخرا : " انني اول من قالوا بان الاتحاد الاشتراكي العربي هو أعلى سلطة في الدولة " وقال الدكنور طعيمة الجرف استاذ القانون الدستوري في كلية حقوق القاهرة : " ان الاتحاد الاشتراكي العربى سلطة سيادة عليا ". وقال الدكتور عبد الحميد حشيش استاذ القانون الدستوري في كلية حقوق عين شمس : " اما فيما يتعلق بالاتحاد الاشتراكي العربى فانني اتفق مع الزملاء الذين سبقوني في هذا المجال من أن الاتحاد الاشتراكي سلطة عليا " .. اما الدكتور مصطفى أبو زيد فقد عبر عن رأيه بطريقته فقال : " اذا قلنا ان مجلس الامة هو الذي ينظم الاتحاد الاشتراكي فهذا يعني ان مجلس الامة أصبح أعلى من الاتحاد الاشتراكي وهذا ما لا يجوز ولا يمكن القول به، وأذا قلنا ان الحكومة تنظمه بقرار جمهوري او بقرار وزاري فهذا يعني ان الحكومة أعلى منه وهذا لا يجوز ".. الى آخرهم .
لم يكن هؤلاء الاساتذة ينافقون بل كانوا يعبرون عن حقيقة الاتحاد الاشتراكي العربى كما أراده الميثاق وكما أراده الدستور . و لكن " المصالح " لا يهمها القانون فقد تشكلت اللجنة التنفيذية العليا، وأصدرت القرار رقم 1 لسنة 1962 بالقانون الاساسي للاتحاد الاشتراكي العربى وبعد ان سردت في مقدمته فقرات من الميثاق وحددت وظيفته فقالت عن وظيفة المؤتمر القومي الذي هو أعلى سلطة .
(أ) دراسة ومناقشة تقرير اللجنة العامة للاتحاد الاشتر اكي العربي.
(ب) دراسة سياسة الاتحاد الاشتراكي العربى وخططه العامة و اصدارها.
(خ) مراجعة وتعديل القانون الاساسي للاتحاد الاشتراكي العربى اذا دعت الحاجة الى ذلك
(د) انتخاب واعفاء اللجنة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي او اعضائها الاحتياطيين.
وهكذا تحول المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي الذي هو سلطة تمثل الشعب ، وفوق الحكومة وفوق مجلس الأمة ، تحول الى جمعية لدراسة التقارير ليقدمها الى اللجنة التنفيذية العليا . واصيب منذ مولده بالعقم ، وعبثاً حاول كل الذين تولوا أمره بعد ذلك " تنشيطه " وبعث الحياة فيه . ذلك لأنهم قد سلبوه روحه حين سلبوه سلطته فلم يبق منه الا " هيكل " مجوف يجتمع فيه الناس وينفضون لا حول لهم ولا قوة . ومن هنا نعرف كيف أن الذين هاجموا وأدانوا الاتحاد الاشتراكي العربي واتهموه بالسلبية ، وبالذيلية ، ينسون ما قال الشاعر :
" لقد اسمعت لو ناديت حياً … ولكن لاحياة لمن تنادي "
وماذا عن التنظيم القائد الذي قال الميثاق انه : " يجند العناصرالصالحة للقيادة وينظم جهدها ويطور الحوافر الثورية للجماهير"... لقد تم تشكيله فعلا ولكن " الحلف البيروقراطي الرأسمالي " الذي أنشأ الاتحاد الاشتراكي العربى هو الذي شكله. لقد اخروا انشاءه حتى عام 1964 اي الى ان تمكنوا من السيطرة على الاتحاد الاشتراكي العربى وعندما نشأ انشأته قيادة الاتحاد الاشتراكي نفسها ( قيادة التنظيم) وأختير لانشائه وقيادته - من كل القوى المتاحة - وزير الداخلية شخصياً وكأن وزارة الداخلية قد كانت " ناقصة " أجهزة استطلاع وتقارير.
ثانيا : ان الاتحاد الاشتراكي العربي هو تنظيم تحالف قوى الشعب العاملة . ومن بين تلك القوى العمال والفلاحون . ويزيد الميثاق والدستور كلاهما فيشترطان خمسين في المائة من المقاعد على الأقل للعمال والفلاحين . ومع ذلك نشأ الاتحاد الاشتراكي وقد استبعد من عضويته العمال والفلاحين الا أقلية ضئيلة.
شيء غريب أليس كذلك ؟
نعم غريب ولكنه حدث من خلال تولي الحلف " الرأسمالي البيروقراطي " تعريف العامل والفلاح .
فالفلاح عندهم هو من لا يزيد عما يحوزه من أرض زراعية على خمسة وعشرين فدانا. تصوروا ان في مصر الفلاحين حيث عمال التراحيل والمعدمون بالملايين وحيث يكون من يملك خمسة أفدنة شيخا للقرية ومن يملك عشرة أفدنة يكون عمدة لها ومن يملك أكثر من الاعيان . يعتبر فلاحا من يملك خمسة وعشرين فدانا. اما العامل عندهم فهو كل من تتوافر فيه شروط العضوية للنقابات العمالية ( تقرير لجنة الميثاق الذي أخذ به في تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي) .
وهكذا انبرى الذين يحوزون 25 فداناً في الريف أو حتى عشرة ، فاحتلوا مقاعد الفلاحين في التحالف وطردوا ملايين من العمال الزراعيين وعمال التراحيل ، والأجراء، والمستأجرين ، وصغار الملاك. وهكذا انبرى لاحتلال مقاعد العمال في التحالف وكلاء الإدارات ورؤساء الأقسام وخريجو الجامعات من الأطباء والمحامين والمهندسين والصحفيين ومن إليهم من العاملين في المؤسسات و الشركات.
فلما أراد جمال عبد الناصر تصحيح هذا الوضع الشاذ عام 1968، فأصدر بصفته رئيساً للاتحاد الاشتراكي العربي تعريفا يقوق ان العامل " هو الذي يعمل يدويا او ذهنيا في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات ويعيش من دخله الناتج عن هذا العمل ولا يحق له الانضمام إلى نقابة مهنية ولا يكون من خريجي الجامعات والمعاهد العليا أو الكليات العسكرية وتستثنى من ذلك من بدأ حياته عاملأ وحصل على مؤهل جامعي وبقي في نقابته العمالية". وأن الفلاح " هو الذي لا يحوز هو وأسرته أكثر من عشرة أفدنة علي أن تكون الزراعة مصدر رزقه أو عمله الوحيد وأن يكون مقيماً في الريف ".. وجرت على أساسه انتخابات وتشكيلات الاتحاد الاشتراكي العربي ، أوقف الحلف البيروقراطي الرأسمالي عملية الانتخاب عند مستوى المؤتمر القومي الذي لا ينعقد إلا كل سنتين ، أما لجان المحافظات واللجنة العامة واللجنة التنفيذية، أي اللجان القيادية، فقد تم تشكيلها بالتعيين، تفادياً لتسرب فلاح أو عامل ، اي فلاح او اي عامل ، إلى القيادة..
على هذا الوجه أنشأت الطبقة الجديدة التي أصبحت، بعد سقوط الرأسمالية الكبيرة عام 1961 وتصفية المؤسسة العسكرية عام 1967، تضم " البيروقراطيين والرأسمالية الطفيلية " . انشأت الاتحاد الاشتراكي العربي إطاراً لتحالفها وأداة لسيطرتها ، وأهدرت الرؤية الديموقراطية التي جاءت في الميثاق ، وأهدرت الاحكام الديموقراطية التي جاءت في دستور 1964 ، فلم يكن الاتحاد الاشتراكي العربي منذ البداية تحالف العمال والفلاحين و … الى آخره …

السلطة التنفيذية :
في دستور 1964 ينتخب رئيس الجمهورية من الشعب وهو الذي يضع بالاشتراك مع الحكومة السياسة العامة للدولة في جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادارية ويشرف على تنفيذها. وله حق دعوة مجلس الوزراء للانعقاد وحضور جلساته وتكون له رئاسة الجلسات التي يحضرها . وله حق اقتراح القوانين و الاعتراض عليها وإصدارها . فاذا رد مشروع قانون إلى المجلس فلا يصدر إلا إذا أقره المجلس ثانية بأغلبية ثلثي أعضائه. وإذا حدث فيما بين أدوار انعقاد مجلس الأمة أو في فترة حله مما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير جاز لرئيس الجمهورية أن يصدر في شأنها قرارات لها قوة القانون . ولرئيس الجمهورية في الأحوال الاستثنائية بناء على تفويض من مجلس الأمة أن يصدر قرارات لها قوة القانون . وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة . وهو الذي يعلن الحرب بعد موافقة مجلس الأمة . و هو الذي يبرم المعاهدات ويبلغها إلى مجلس الأمة . وهو الذي يعلن حالة الطوارىء وله أن يستفتي الشعب في المسائل الهامة التي تتصل بمصالح البلاد العليا . أما الحكومة فهي أداة تنفيذ .
على هذا الوجه كان لرئيس الجمهورية القرار وكان على الحكومة التنفيذ . ولكن من يسأل أمام مجلس الأمة ؟ الحكومة وحدها ( المادتان 84 و 90 ) . وهكذا عرفت مصر نظاماً مختلطاً عجيباً لا تقترن فيه السلطة بالمسئولية . من له السلطة الفعلية لا يسأل . ويسأل الذين لهم سلطة . وتضخمت سلطات رئيس
الجمهورية واندمجت في يده السلطات بشكل لا مثيل له في النظام الرئاسي ( حيث ليس للرئيس حق التشريع ) ولا في النظام النيابي ( حيث ليس للرئيس سلطة منفردة عن الوزارة ) . ولما كان الرئيس الذي أصبح يملك أغلب السلطات لا ينفذها بنفسه ولكن " بأجهزة الدولة " طبقاً للبيانات و المعلومات و الآراء التي ترفعها إليه " أجهزة الدولة " فقد خول دستور 1964 لأجهزة الدولة التي يسيطر عليها الحلف " البيروقراطي الرأسمالي " أفضل غطاء لانحرافاتهم وأصبح كل شيء ينسب إلى عبد الناصر ما دامت كل السلطات على صفحات الدستور لعبد الناصر، وأصبح كل نقد لهم نقد لعبد الناصر، ما داموا أجهزة عبد الناصر، وأصبحت مواجهتهم تآمراً على عبد الناصر ما دام أمنهم قد اختلط بأمن عبد الناصر.


هل كان من ذلك مفر؟.
يجب أن نعترف بأنه حيث تكون الدولة اشتراكية، أي تقوم على توظيف الموارد البشرية و المادية المتاحة لإشباع الحاجات المادية والثقافية للشعب ، طبقآ لخطة مركزية شاملة فلا بد من مركزية السلطة. يستحيل- دستورياً واقتصادياً- إقامة نظام اشتراكي بدون سلطة تنفيذية مركزية قوية لتضمن تنفيذ الخطة في كل مجالاتها ، تأمر وتتابع وتراقب وتحاسب . من ناحية أخرى لا يعرف النظام الاشتراكي المناصب الشرفية. لا يتفق معه منصب رئيس دولة لا يعمل أي لا يكون رئيساً للسلطة التنفيذية. ومن هنا فإن كل السلطات التي خولها دستور 1964 لرئيس الجمهورية سلطات طبيعية ومتسقة مع دوره في مجتمع يتحول اشتراكياً . ثم تبقى الثغرة التي انفرد بها نظام الحكم في مصر؟.. من الذي يأمر ويتابع ويراقب ويحاسب السلطات التنفيذية ذاتها؟ من الذي يوافق على الخطة ويتابع تنفيذها ويحاسب على نتائجها؟.. مجلس الأمة ، ومن الذي يتابع ويراقب ويحاسب مجلس الأمة؟.. الشعب.. كيف ؟ عن طريق الاتحاد الاشتراكي العربي الذي هو سلطة سيادة عليا ، وهو ممثل الشعب ومن حقه على هذا الوجه أن يتابع ويراقب ويحاسب - إلى حد العزل - رئيس الجمهورية والوزراء والنواب . ولقد كان الدستور- دستور 1964- في مادته الثالثة يخول الاتحاد الاشتراكي العربي هذه السلطة . سلطة متابعة ومراقبة ومحاسبة كل سلطة أخرى ومنها رئيس الجمهورية. وكان هذا يقتضي استقلال الاتحاد الاشتراكي العربي استقلالاً تاماً - بصفته مؤسسة دستورية- عن السلطة التنفيذية. و لكنه نشأ- كما رأينا- تابعاً للسلطة التنفيذية فبقيت للسلطة التنفيذية كل السلطات بدون متابعة أو مراقبة أو محاسبة.

محاولة أخيرة :
ذكرنا من قبل كيف حاول جمال عبد الناصر عام 1968 تصحيح الوضع المختل في تكوين الاتحاد الاشتراكي العربى بتقديم تعريف جديد للعامل والفلاح . ونعرف أنه صفى المؤسسة العسكرية في ذلك العام . ولكنه في المقابل كان قد تفرغ بعد هزيمة 1967 لإعادة تكوين القوات المسلحة واستئناف القتال واستغرقته معركة التحرير، فكانت فرصة مضافة الى البيروقراطية والرأسمالية . فبدأت الرأسمالية تسترد بعض ما كانت فقدته . رفع اسعار بعض الحاصلات الزراعية ، الاستيراد بدون تحويل عملة . وقف الانتقال التدريجي لقطاعي تجارة الجملة والمقاولات الى القطاع العام . أما البيروقراطية فقد قضت بضربة واحدة على محاولة جديدة كانت القيادة قد لجأت إليها لحل مشكلة الديموقراطية .
ففي عام 1965 كان يبدو أن جمال عبد الناصر قد يئس من محاولة حل مشكلة الديموقراطية على المستوى الشعبي من خلال جيل نشأ رأسمالياً بيروقراطياً ولم يزل . فأعلن يوم 20 يناير 1965، أمام مجلس الأمة، بعد ترشيحه رئيساً للجمهورية برنامجه للسنوات القادمة. وإذ به يضع في أول ذلك البرنامج مايلى :
" إن المهمة الأساسية التي يجب أن نضعها نصب عيوننا في المرحلة القادمة هي أن نمهد الطرق لجيل جديد يقود الثورة في جميع مجالاتها السياسية والاقتصادية والفكرية. ولسنا نستطيع أن نقول إن جيلنا قد أدى واجبه إلا إذا اكنا نستطيع قبل كل المنجزات وبعدها أن نطمئن إلى استمرار التقدم ، وإلا فإن كل ما صنعناه مهدد بأن يتحول- مهما كانت روعته- إلى فورة ومضت ثم انطفأت.. إلى بداية تقدمت ثم توقفت. إن الأمل الحقيقي هو في استمرار النضال ويتأكد الاستمرار حين يكون هناك في كل وقت جيل جديد على أتم الاستعداد للقيادة ولحمل الأمانة ومواصلة التقدم بها .. أكثر وعياً من جيل سبق . أكثر طموحاً من جيل سبق . وينبغي أن ندرك أن التمهيد لهذا الجيل واجبنا واننا نستطيع بالتعالي والجمود أن نصده ونعقده وبالتالي نعرقل تقدمه وتقدم امتنا . . إن علينا بالصبر ان نستكشفه دون مّن عليه ولا وصاية، وعلينا بالفهم أن نقدم له تجاربنا دون أن نقمع حقه في التجربة الذاتية وعلينا في رضا أن نفسح الطريق له دون أنانية نتصور غروراً أنها قادرة على شد وثائق المستقبل بأغلال الحاضر وعلينا أن نتجه له بفكره الحر أن يستكشف عصره دون أن نفرض عليه قسراً أن ينظر إلى عالمه بعيون الماضي"...
ولم تكن تلك مجرد خطبة، بل كانت في رأينا محاولة أخيرة لحل مشكلة الديموقراطية بعد أن يئس من حلها عن طريق الاتحاد الاشتراكي العربى الذي أنشأته أجهزة دولته . والواقع أن جمال عبد الناصر قد عبر في مناسبتين سابقتين عن هذا اليأس . الأولى يوم أن قبل إنشاء المنظمات الشعبية في ميثاق الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسورية التي كانت موضع دراسة وبحث واتفاق عام 1963. والمناسبة الثانية يوم أن وجه نداء إلى الشباب العربى بأن يبادر إلى إنشاء الحركة العربية الواحدة لأنها " أصبحت ضرورة تاريخية "، عام 1963 أيضاً ، على أي حال فما أن قدم برنامجه حتى نفذه . وانشئت منظمة الشباب الاشتراكي من جيل الثورة ، مستقلة إلى حد كبير عن الاتحاد الاشتراكي العربي وأولاها عناية خاصة مليئة بالعطف والأمل ، ولأول مرة ترى مصركيف يمكن أن يتم تكوين تنظيم سياسي تكويناً علمياً يختلط فيه النمو الفكري بالنمو الحركي . ونجحت التجربة نجاحاً فائقاً إلى درجة أنه في فبراير 1968، بعد الهزيمة، كانت هي القوة الوحيدة التي قادت الجماهير في مظاهرات صاخبة تطالب بمحاسبة المسئولين و لم تستثن من المحاسبة حتى جمال عبد الناصر نفسه وكان ذلك برهاناً على أن أملاً شعبياً ديموقراطياً تقدمياً قد بدأ في مصر ، وأن الثورة - أخيراً - قد أنجبت جيلها . أما عبد الناصر فقد تجاوز عما أصابه من أبناء ثورته واستجاب لندائهم وأصدر بيان 30 مارس متضمناً ما كانوا يطالبون به. أما البيروقراطية " المعششة " في الاتحاد الاشتراكي العربي فقد أفزعها المولود الجديد الذي شب مبكراً على الطوق فأصدر أمين الاتحاد الاشتراكي العربي (علي صبري) قراراً بتجميد نشاط منظمة الشباب وطرد خيرة قياداتها من صفوفها . وضربت التجربة الجديدة الوليدة .. إلى حين .

هل كان يعلم:
هل معنى هذا ان عبد الناصر كان يعلم ان الرجعيين و الانتهازيين والبيروقراطيين قد نفذوا الى تجربته الجديدة وسيطروا على الاتحاد الاشتراكي العربى وافشلوا مشروعه الديموقراطي الثالث (كانت هيئة التحرير هي المشروع الاول ، وكان الاتحاد القومي هو المشروع الثاني ).. هل كان يعلم؟..
يجيب عبد الناصر نفسه:
قال في 12 نوفمبر 1964: " ان الميول البيروقراطية في مرحلة الانتقال من الاقطاع والرأسمالية الى الاشتراكية تمثل قوى اجتماعية خطيرة . وهذه البيروقراطية موجودة وستحاول بكل الوسائل ان تكوّن لها مكاسب . ان البيروقراطية في مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ستعمل على آن تحصل بكل الوسائل على أكبر قدر من السلطة حتى تستطيع ان تقوم بدور حاسم في الانتاج وفي العلاقات الاجتماعية وان تحتكر هذا الدور. وتستطيع البيروقراطية بفضل هذا الاحتكار ان تأخذ مكان الرأسمالية في المجتمع الرأسمالي ".
بقيت نقطة أريد ان أتكلم عنها ، وهي العيوب الاساسية، وأبرز هذه العيوب بان الاتحاد الاشتراكي لم يستكمل دوره ليكون تعبيرا أصيلا وكاملا عن الديموقراطية الاشتراكية ... لقد تابعت مؤتمرات الاتحاد الاشتراكي في الوحدات الاساسية والتي عقدت أخيراً وكان فيها حياة وحيوية وفيها نبض . ويجب ان نجد الوسيلة التي تجعل هذا النبض يرتفع كصوت ، وأهم من مجرد ارتفاعه ان يؤثر في الحوادث . و ليست الديموقراطية السيامية الحقيقية والمعبرة عن الديموقراطية الاجتماعية الحقيقية هي أن نجعل الناس يغيرون بارادتهم ما يريدون تغييره . هل وصلنا الى هذا حتى الان ... لم نصل بعد... "
لماذا؟.
قال في 16 مايو 1965: " ... فيه حزب رجعي موجود وحايفضل موجود بدون اعلان وبدون ترخيص وعارفين بعض واتلموا على بعض ومنظمين قوي أحسن من الاتحاد الاشتراكي ... اذن في هذه المرحلة لا سبيل إلا تحالف قوى الشعب العاملة في تنظيم واحد هو الاتحاد الاشتراكي العربي .. مع تطهير الاتحاد الاشتراكي باستمرار من القوى الانتهازية او القوى الرجعية التي تسللت داخل الاتحاد الاشتراكي ...
أكثر من هذا صراحة ما ردده في أحاديثه غير العلنية في اجتماعات الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي ابتداء من عام 1965. نشر بعضها أخيرا تحت عنوان " مفهوم العمل السياسي ". ففيها يقول : " ان لدينا مشكلة عويصة وهي ان العناصر المضادة للثورة والاشتراكية موجودة بالفعل داخل الاتحاد الاشتراكي وهي عناصر حركية .. ونحن ينقصنا داخل الاتحاد الاشتراكي وجود العناصر الحركية المخلصة بشكل منظم ... " وقال " هناك خطأ آخر له صفة الانحراف يضعف من تحالف قوى الشعب العاملة وذلك الخطأ هو ظاهرة البيروقراطية... ".
وفي 7 مارس 1966 يضرب أمثلة للفشل في الريف : " ان الجمعيات التعاونية تحتاج الى تطوير. فما زال كبار الملاك مسيطرين عليها.. فكبار الملاك لهم نفوذ ويستطيعون وضع رجالهم في مجالس ادارات الجمعيات التعاونية ، وربما كان هذا هو الذي أثر على فكرة الديموقراطية التي تكلمت عنها فلن تكون هناك ديموقراطية حقيقية بهذا الشكل ... "
كان يعلم اذن
فماذا فعل؟...
حيث يجيب عبد الناصر على هذا السؤال، سنكتشف قمة النضج في مفهومه للديموقراطية مشكلة والديموقراطية حلا، ويكون علينا بتلك الاجابة، القادمة، ان نختم الحديث عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر مودعين مرحلته التاريخية وقد انتهت الى تحديد بالغ الوضوح لمشكلة الديموقراطية في مصر وفكر بالغ النضج في كيفية حلها.. ذلك لأنه- رحمه الله - لن تسمح له الظروف القاهرة بان يضع فكره الذي بلغ قمة النضج موضع التطبيق لحل مشكلة بلغت قمة الحدة .
****************
 

اقتباس:


****************
خاتمة
(15) الموقف " الناصري " من المشكلة

عبد الناصر... و" الناصرية " :
في جلسة مباحثات الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسورية التي انعقدت مساء يوم 20 مارس 1963 هاجم عبد الناصر تعبير " الناصرية والناصريين ".. وأسند التعبيرين الشعارين إلى القوى المعادية له وللثورة . قال : " .. خرجوا بعملية الناصريين . طلعوها بعد الانفصال . قبل الانفصال ما كانش فيه حاجة اسمها ناصريين .. اعداؤنا علشان يمثلوا العملية بشخص ويركزوا عليه قلبوا العملية كلها إلى شخص جمال عبد الناصر وبدأو الحملة عليه وعلى اللي سموها الناصرية والناصريين .. ما كانش فيه حاجة اسمها ناصرية ولا ناصريين .. " .
أما الآن ، وبعد وفاة عبد الناصر، فإن الناصريين قوى جماهيرية متعاقبة في الوطن العربي وفي مصر حتى لو لم تكن موحدة أو منظمة . و" الناصرية " مفهوم يحدد انتماء الناصريين ، على خلاف قليل أوكثير في المضمون وتأخذ مكاناً يتسع بإطراد في القاموس العربي للمبادىء السائدة أو المرشحة للسيادة .
وحتى الذين يقفون من الناصرية والناصريين موقف العداء يعترفون بموقفهم هذا بوجود الناصرية فكرة والناصريين بشرا، وإلا فهل يقفون موقف العداء من أشباح معدومة ؟.. بل إن تهمة " أدعياء " الناصرية تتضمن اعترافاً بأن الناصرية ليست موجودة فقط بل إنها- أيضاً- ذات إغراء يسمح، لا بالانتماء إليها فحسب ، بل بادعائها أيضاً...
فكيف حدث هذا؟
كيف أن " الناصرية " تكون اصطناعاً معادياً في حياة عبد الناصر، ثم تكون راية موحدة لجماهير عبد الناصر بعد وفاته ؟ ..
لقد قدم الرئيس جمال عبد الناصر نصف الإجابة في حديثه الذي أوردنا نصه. أريد بالناصرية في حياته تقليص القضية لتكون شخصاً تمهيداً لضرب الشخص وهو أسهل من ضرب القضية . أو تجريد الموقف من الانتماء المبدئي والتشهير به عن طريق تحويله إلى انتماء وولاء لشخص عبد الناصر. النصف الثاني من الإجابة لم يقله عبد الناصر لأنه يتعلق بظاهرة نشأت بعد وفاته.
نجيب نحن ، تطوعاً ، وعلى مسئوليتنا. ونستمد مادة الإجابة من موضوع الحديث عن " عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر ". وان كانت اجابتنا تصدق- فيما نعتقد- أيآ كانت مادة الحديث ما دام الحديث يدور عن عبد الناصر وتجربتة الطويلة الغنية..
باختصار،
لقد كان ثمة عوامل متعددة حالت دون أن تكون " الناصرية " ذات دلالة موضوعية محددة يمكن الانتماء إليها في حياة عبد الناصر، وقد انقضت تلك العوامل بوفاة الرئيس الراحل وبالتالي أمكن ، موضوعياً ، أن يكون لتعبير الناصرية و الناصريين دلالات موضوعية .
أول تلك العوامل أن عبد الناصر قائد المسيرة الثورية منذ 1952 حتى وفاته كان ينتهج التجربة والخطأ والتصحيح . ولقد عرفنا ذلك من اعترافه ومن تتبع الحديث عن علاقته بمشكلة الديموقراطية في مصر وبالتالي فلم يكن من الممكن ، في حياة عبد الناصر، تثبيت التجربة عند حصر فكري أو تطبيقي معين ليقال حينئذ أن هذي هي الناصرية . ذلك أن عبد الناصر كان إلى آخر يوم في حياته قادراً مقدرة متزايدة على أن يكتشف أخطاء الممارسة وأن يبدع لها حلولاً جديدة على المستوى الفكري والمستوى التطبيقي كليهما . وقفت تلك التجربة بوفاة عبد الناصر. مات القائد فتحدد مضمون مرحلته التاريخية مات المعلم فتوقفت تعاليمه. وأصبح ممكناً - حينئذ فقط - تحديد الحصيلة النهائية فكراً وممارسة ليقال ان هذي هي الناصرية .
العامل الثاني أشرنا إليه في أكثر من موضع في هذا الحديث ، وأوردنا عليه أدلته مما قال عبد الناصر ومما فعل . وخلاصته أن عبد الناصر كان ينمو وينضج ويتقدم فكرياً من خلال التجربة والخطأ والتصحيح . كان تفاعله الجدلي مع الظروف العينية في كل مرحلة يثمر في كل خطوة ثماراً فكرية أكثر نضجاً من عناصر تكوينها . وكان في حركته الجدلية يتقدم مخلفاً وراءه مواقفه وأفكاره السابقة. ولقد عبرنا عن ذلك من قبل حين قلنا إن عبد الناصر 1961 كان يثور على عبد الناصر 1952 ومن هنا يقوم الفارق المميز بين أفكار عبد الناصر وبين الناصرية .. على وجه يحول دون التطابق بينهما.
ذلك لأن كل مفردات المسيرة، فكراً أو ممارسة ، كما وقفت في زمانها تنسب إلى عبد الناصر، فيقال إنها أفكار أو مواقف عبد الناصر، أما ما ينسب إلى " الناصرية " فهي مجموع الأفكار والمواقف التي انتهى إليها بعد أن قطع إليها طريقه الطويل الشاق خلال التجربة والخطأ.. ولعل أوضح الأمثلة على ذلك موقفه من " الوحدة الوطنية " ومفهومه لتعبير الشعب .. على الوجه الذي عرفنا تطوره من قبل .
يضاف إلى هذين العاملين عامل ثالث هو- في تقديرنا- أكثر من العاملين السابقين أهمية. لقد ذكرنا من قبل أن عبد الناصر كان يتوقع عام 1962 أن ستنشأ أفكار أكثر تطوراً وتقدمية بعد عام 1970 أو 1971 قد ترى تطوير الميثاق أو تعديله أو الاضافة إليه.. كما عرفنا دعوته الحارة لفتح أبواب الإبداع لجيل الشباب بدون وصاية . ان هذا يعني - في رأينا- ان الناصرية ليست مقصورة على حصيلة تجربة عبد الناصر فكراً أو ممارسة حين وفاته ولكنها لا بد- طبقاً لرؤية عبد الناصر نفسه وتوقعاته - أن تكون قد اكتسبت مضامين مضافة إلى ما خلفه الزعيم الراحل مما " حدث " بعد أن غاب عبد الناصر. بل أنني أزعم أن الدروس المستفادة من تجربة الحياة في مصر وفي الوطن العربي بعد غياب عبد الناصر قد أثبتت أن شخصيته التاريخية العملاقة كانت قد حجبت عنه ، وعنا، أفكاراً واتجاهات لم تكن تملك شجاعة الظهور في حياته فظهرت وعربدت ونجحت بعد وفاته. وأصبح ما انتهى إليه عبد الناصر فكراً وممارسة يفتقد تكملة هي الجواب على السؤال : ماذا كان يقول عبد الناصر أو يفعل لو أن كل تلك الأفكار والاتجاهات التي أخفاها الجبن عنه في حياته قد واجهته وواجهها .. ثم ماذا كان يقول عبد الناصر أو يفعل لو أن العمر امتد به حتى اليوم ؟.. ثم ، ماذا كان يقول عبد الناصر أو يفعل لو أنه عاش المستقبل مع شعبه. طبيعي أن ليس في تراث عبد الناصر اجابات محددة على هذه الأسئلة . إذ لم يكن عبد الناصر نبياً ، الإجابات التي تكمل مفهوم الناصرية مسؤولية أولئك الذين لم تكمل معرفتهم بتجربة عبد الناصر إلا بعد أن ظهر بعد وفاته ما ومن كان مختفياً أثناء حياته وأولئك الذين لا يكتبون التاريخ بل يصنعونه.
وأخيراً فإن عبد الناصر في حياته كان المفكر والقائد معاً . وكان يقدم إلى الجماهير العربية من تاريخه معها ضماناً ضد مخاطر التجربة والخطأ . الآن غاب القائد وقد بقيت الأفكار أو خلاصتها النامية. فكيف يمتلىء مكان القيادة التاريخية الشاغر؟.
هل باصطناع أو اختلاق أو " ادعاء " عبد الناصر جديد؟..
مستحيل . بل نقول أنه عبث . عبد الناصر صنعه التاريخ .
ولن يستطيع أحد أن يقوم بدور التاريخ في خلق الزعماء والقادة من أمثال عبد الناصر. وما تزال ترن في أذهاننا الكلمات الصادقة الحكيمة التي قالها الرئيس أنور السادات وهو يتلقى من مجلس الشعب قرار ترشيحه خليفة لعبد الناصر في موقع رئاسة الجمهورية ، تأكيداً بأن سيادته أو أي شخص آخر لا يستطيع أن يملأ- وحده - الفراغ الذي تركه القائد العملاق ..
إذن، فإما أن تبقى جماهير عبد الناصر بدون قيادة أو أن تقودها المبادىء الناصرية. وهذا يعني أن " الناصرية " ليست قائمة مبوبة بالأفكار التي خلفها عبد الناصر أو خلاصاتها، أو ما كان يمكن أن تكون عليه تلك الأفكار لو أنه بقى يطورها، بل هي أفكار ومباديء " صالحة " لتؤدي " دور القيادة ". صالحة للالتقاء عليها والالتزام بها والاحتكام إليها عند الخلاف . وهي لا تكون كذلك إلا إذا أرسيت على قاعدة منهجية علمية تفرز من بينها المبدأ من الاستراتيجية عن التكتيك . الاستراتيجية والتكتيك عناصر لصيقة بالقيادة بكل خصائصها الفذة وظروفها التي انقضت فهي من مفردات التجربة التي تنسب إلى عبد الناصر. أما المبدأ فهو وحده الذي يبقى مميزاً " للناصرية "...
ومن ناحية أخرى ، فإن هذا المنهج العلمي القادر على أن يستخلص من تجربة عبد الناصر " نظرية " ناصرية يمثل ضرورة، مهما كانت لازمة حتى في حياة عبد الناصر، فإنها الآن حتمية. ذلك أن " الضمان " الذي كان يقدمه شخص عبد الناصر ضد مخاطر التجربة والخطأ قد سقط بوفاة الزعيم الذي كان محل ثقة الجماهير العربية. وبالتالي فإن مخاطر التجربة والخطأ بعد عبد الناصر، قد أصبحت بدون حدود ، وأصبح محتماً أن يستبدل بمنهج التجربة والخطأ لذي فقد الضمان ضد مخاطر منهج علمي يحصن المسيرة المقبلة ضد الجنوح إلى التجريب بحجة أن عبد الناصر قد جرب من قبل .. وهكذا نرى أن ثمة فارقاً مميزاً أساسياً بين تجربة عبد الناصر والناصرية ، هو أن ضابطاً لحركة تجربة عبد الناصر كان " التجربة والخطأ " وأن ضابط الحركة الناصرية هو " المنهج العلمي ".. أو لا بد أن يكون كذلك .. وهو عبء لا بد لمن يريدون للناصرية أن تقود الجماهير من أن ينجزوه ...
إذا صح ما تقدم ، وهو عندنا صحيح ، فقد صحح ما قال به عبد الناصر من أن اصطناع " الناصرية " في حياته كان اختلافاً معادياً له وللثورة . لأنه إذا صح أنه لم يكن من الممكن في حياة عبد الناصر أن توجد " الناصرية " فإن دلالة " الناصرية " في ذلك الوقت لم تكن تزيد عن الانتماء إلى عبد الناصر الشخصي . تمهيداً لضرب التجربة في الشخص نفسه. ودلالة " الناصريين " في ذلك الموقف لم تكن تزيد عن الولاء لعبد الناصر الشخصي تشهيراً بموقف الولاء للقضية التي كان يناضل من أجلها عبد الناصر...
يترتب على هذا أيضاً أن " المفردات " من الرجال الذين عرفوا عبد الناصر أو عاشروه أو صادقوه أو أسهموا معه في الثورة أو شاركوه مسيرتها ، أو ناضلوا تحت قيادته، أو كانوا له أعواناً ومستشارين وجنداً .. الخ ، يحسبون على عبد الناصر تبعاً لعلاقة كل واحد منهم به وموقعه منه .. ولكن هذه العلاقة أو الموقع لا تؤهل أياً منهم " بالضرورة " ليقول أو يقال عنه أنه ناصري ..
" الناصري " لا ينتي إلى عبد الناصر ولكنه ينتمي إلى " الناصرية " بخصائصها التي ذكرناها وبالتالي فإن كل الذين لم يكملوا المسيرة مع عبد الناصر إلى أن بلغت ذروة نضجها فتخلوا عنها في مراحل سابقة على وفاته، أو كل الذين أكملوا المسيرة معه " موظفين " تحت قيادته ثم توقفوا بوفاته، أو كل الذين اهتبلوا فرصة وفاته فتنكروا لمسيرته أو ارتدوا عنها أو حاولوا الرجوع إلى المواقع الفكرية والتطبيقية التي كان عبد الناصر قد تجاوزها .. كل أولئك ، بالإضافة إلى الذين ينقضون بناءه لبنة لبنة لا يستحقون أن يكونوا ناصريين ولا ينسبون إلى الناصرية مهما كانت علاقاتهم الحميمة والقريبة والطويلة مع عبد الناصر... أما الذين توقفوا فكراً وحركة بوفاة عبد الناصر ويقضون أيامهم الراكدة يجترون أفكاره ويترحمون عليه فاولئك " لا شيء " أنهم يبعدون عن حركة الحياة كلها بعد عام 1970 عن الحاضر المتجدد أبداً..
على ضوء هذا، ما هو الموقف " الناصري " من مشكلة الديوقراطية في مصر ؟
نحدد أولاً عناصر المشكلة كما تركها عبد الناصر ، وحلها وأسلوب الحل :

المشكلة والحل:
قبل أن يغيب عبد الناصر كانت مشكلة الديموقراطية في مصر قد وصلت إلى الوضع الآتي :
(أولأ) كانت الثورة في نطاق اتجاهها الديموقراطي العام ، قد رفضت المفهوم الليبرالي للديموقراطية أي عدم تدخل الدولة في حل مشكلات الشعب (1952) وأقلعت- بعد تجربة فاشلة- عن التدخل خدمة للرأسمالية فاتجهت إلى التخطيط الشامل من أجل حل التنمية بقيادة القطاع الخاص (59 / 1960) فلما نكص القطاع الخاص (الرأسمالية الوطنية) عن أداء دوره الوطني أخذت بالتنمية الاشتراكية (1961) ونجحت نجاحاً فائقاً في الحد من الفقر الذي هو أعتى عقبات الديموقراطية إلى أن تعرضت لعدوان 1967 وأصيبت بهزيمة قاسية فاتجه عائد التنمية المتزايدة ، أو أغلبه، من خدمة رفع مستوى المعيشة إلى خدمة إعادة بناء القوات المسلحة وحرب الاستنزاف واستطاع القطاع العام فعلاً أن يوفر كل الامكانات المادية والمالية والتكنولوجية التي استعملها جنودنا في حرب اكتوبر 1973.
وكان حل مشكلة الفقر حلاً نهائياً ، باعتباره قيداً على الممارسة الديموقراطية يقتضي مزيداً من التحول الاشتراكي ومزيداً من سيطرة القطاع العام ومزيداً من " اقتصاد الحرب " لتستطيع الدولة أن تزيد من معدلات التنمية والحفاظ على المقدرة العسكرية في الوقت ذاته.
(ثانياً) وكانت الثورة، في نطاق اتجاهها الديموقراطي العام ، قد قضت أو أضعفت أعداء ديموقراطية الشعب من الاقطاعيين (1952- 1961) والرأسمالية الكبيرة الصناعية والتجارية والزراعية عام (1961) والمؤسسة العسكرية الارهابية (1968) ولم يبق إلا البيروقراطية التي تضخمت وتكثفت سلطاتها وأفلتت من المسؤولية عن طريق إسناد أعمالها أو تغطيتها بالسلطات المركزية الكبيرة التي خولها الدستور 1964 لرئيس الجمهورية.
وكان حل هذا الجانب من المشكلة يقتضي الحد من سلطات رئيس الجمهورية وتوزيعها على أجهزة الدولة ليكون شاغل كل سلطة مسؤولاً عن ممارسة سلطته بدون احتماء أو اختفاء وراء أسم وهيبة رئاسة الجمهورية.
(ثالثاً) وكانت الثورة في نطاق اتجاهها الديموقراطي العام ، قد خطت خطوات كبيرة نحو تحرير الفلاحين والعمال ( 1952 - 1961 ) ، وعزلت أعداء الشعب ( 1963 - 1964 ) وأستعملت كل الأساليب التي خطرت على بالها لإخراج الشعب من سلبيته، بالتعلم والثقافة والإعلام والتنظيم (هيئة التحرير / الاتحاد القومي / الاتحاد الاشتراكي العربى) ، وأقرت للشعب المنظم بسلطات دستورية محدودة في دستور 1956، وبسلطة السيادة في دستور 1964 ، ولكن البيروقراطية المتحالفة مع الرأسمالية الطفيلية، اغتصبت تلك المؤسسات الشعبية وسيطرت عليها وسخرتها لمصالحها فأصبح كل منها ، منذ نشأته وإلى أن قضى أداة تابعة للسلطة التنفيذية .
وكان حل هذا الجانب من المشكلة يقتضي رفع يد الحكومة عن الاتحاد الاشتراكي العربى ، واستقلاله عن السلطة التنفيذية، ليستطيع أن يباشر حقوقه السيادية على كل السلطات .

حدة المشكلة:
كانت تلك هي الجوانب الرئيسية لمشكلة الديموقراطية في مصر كما انتهت إليها عام 1970 وكانت تلك هي حلولها الواجبة والممكنة. وبالرغم من أن ثورة 1952 وثورة 1961 كانتا قد تقدمتا خطوات كبيرة نحو حل مشكلة الديموقراطية - كما أوضحنا من قبل- على وجه لا تمكن مقارنته بما كانت عليه مصر منذ حكم الفراعنة حتى حكم الملوك، فإن المشكلة، مشكلة الديموقراطية كانت قد زادت حدتها أضعافاً مضاعفة عام 1970 عنها عام 1952 أو ما قبله من أعوام .
لماذا؟
لأن حدة المشكلة، أية مشكلة، لا تتوقف على حدها الموضوعي بقدر ما تتوقف على الوعي بها. نعني وعي الناس بالتناقض بين ما يريدون وبين ما هو متحقق لهم فعلاً . الحد الأول من التناقض وهو الإرادة التي يخلقها وينميها الوعي عامل أساسي في مدى الشعور بحدة المشكلات الاجتماعية بمعنى أنه مهما تحقق للناس من تقدم مادي أو سياسي أو ثقافي أو اجتماعي فإن وعيهم بما يريدون وإرادة تحقيقه هو الذي يحدد في النهاية الشعور بعمق التناقضات الاجتماعية وما إذا كانت قد زادت أو خفت وانتهت. وحين يسبق وعيهم تقدمهم تزداد المشكلة حدة بالرغم مما يكونون قد أصابوه من تقدم . كالذي يعاني مشكلة استرداد دين يحسبه قليلاً فيرضيه مايسترده إلى أن يعرف أنه كان ضحية " نصب " وان حقه أكثر مما استرد فيصبح أكثر معاناة لمشكلة الاختلاس بالرغم مما أسترد . كالفلاحين القانعين برضا " السادة " يتبينون أنهم ليسوا عبيداً ولا الآخرون سادة فيصبحون أكثر شعوراً بحدة مشكلة القهر والعبودية. كالعمال الذين يكتفون بما يعطيهم رب العمل من أجور فيقال لهم إن القطاع العام ملك للشعب، ملككم، فيصبحون أكثر شعوراً بتسلط الإدارة . كالجماهير السلبية الراكدة اللامبالية بالنشاط السياسي، تنتظم في مؤسسة شعبية لها سلطة السيادة فتشعر بحدة مشكلة الاستبداد وهي ترى البيروقراطية قد استولت على تنظيمها..
ولقد استطاعت الثورة، بأساليب شتى، منذ 1952 حتى 1970، ان تحرك الركود الاجتماعي والسياسي وأن تفتح عيون النائمين وتوقظ طموح القانعين وتعلم الناس أن لهم حقوقاً مسلوبة منذ حين . وتولت انجازاتها المحسوسة في التنمية في فتح شهية البشر لمزيد من الرخاء باعتباره حقاً لمن ينتجه . وتولت أجهزتها الإعلامية- باقتدار فائق- القضاء على كل شك في مبدأ " المساواة " وأن تدخل في نطاق إدراك المغبونين أن لهم حقوقاً لم يكونوا من قبل يعرفون أنها لهم . ولقد حاولت الثورة - طوال عمرها- أن تحقق للشعب مزيداً مما يريد ولكن نجاحها في التوعية والإيقاظ كان أكثر بكثير من نجاحها في الفعل والانجاز. وبالتالي فإن مشكلة الديموقراطية كانت تزداد حدة مرحلة بعد مرحلة منذ 1952 لأن وعي الناس بمعوقات الديموقراطية كان يزداد عمقا مرحلة بعد مرحلة منذ 1952 بالرغم من أن الثورة قد رفعت منذ 1952، عقبات كثيرة في كل مرحلة من مراحلها.
وتضاعفت حدة مشكللة الديموقراطية حين تضاعف عدد المصريين خلال عمر الثورة . فهذا جيل جديد هو جيل الثورة، قد أصبح صلب التركيب الاجتماعي وبدأ يربي على يديه جيلاً ناشئاً بعده ، قوامه الأخوة الصغار. وجيل الثورة لم يرث من الجيل الذي سبقه " كنز القناعة " الذي لا يفنى والذي دفنته الثورة. والمساواة عنده بديهية إنسانية كما علمته الثورة . ولم يعرف أحد منه " عز " امتلاك الابعديات وسكنى السرايات ودولة المليونيرات والأمراء والأميرات والبكوات والباشوات ، فذلك عالم قضت عليه الثورة . وهو قد سمع وتعلم فآمن بقيم الحرية والمساواة والتقدم والديموقراطية فهو يعاني أكثر من اي جيل مضى مما يمس هذه القيم أو يحول دون تحويلها إلى حياة فعلية . لأنه يعرف - أكثر من أي جيل مضى- إن تلك حقوق له لا بد لها من أن تصبح واقعاً يحياه . ولقد تمرد، أوكاد أن يتمرد؟ هذا الجيل، حين كان ناشئاً ، على الثورة وقائدها عام 1968، لأن التناقض بين ما كان يريد وما وقع فعلاً كان أكثر حدة مما عرفه أي جيل آخر. ولم يتوقف كثيراً ليعرف أنه جيل تحقق له ما لم يكن يحلم به أي جيل قبله. تحققت له أولاً وقبل كل شيء فرصة أكبر للافلات من الموت في سن الطفولة (هبطت نسبة الوفيات إلى تسعة في الألف حتى سن الرابعة) بفضل رفع مستوى المعيشة والخدمات الصحية وإمداد القرى بالمياه النقية والخدمات العلاجية والدوائية المجانية للعمال فأصبح هذا الجيل حين أدرك سن الخامسة عشرة يمثل نصف عدد الشعب تقريباً . وقد كانت نسبة مرتفعة من الأجيال السابقة يحول الموت مبكراً دون أن تواكب جيلها. وفرص التعليم المباح بدون أجر والجامعات المفتوحة لكل قادر ذهنياً بدون قيد، والعمل ينتظره فور تخرجه بدون أن يعرض نفسه لمهانة " النخاسة " فلا يباع ويشترى وتحدد له المنافسة الحرة في سوق العمل سعره، كما كان يحدث لأجيال قبله.. وبدون أن يعرض أهله لمذلة استجداء التوصيات من البكوات والباشوات ليحصل على عمل كما كان يذل أهل جيل قبله. لم يتوقف جيل الثورة عند كل هذا لأن ذاتها لم تترك فرصة أو مناسبة لتعليمه وإن كل ما قدم إليه ليس إلا بعض حقه من وطنه وإنه لم يسترد بعد كل حقوقه فطالب- بجسارة صاحب الحق- بما يستحق كاملاً . و لم يزل .
من بين الانجازات الديموقراطية للثورة كان هذا الانجاز " البشري " أروعها ، لأنه استولد الشعب العملاق جيلاً يقظاً . واليقظة الشعبية أولى شروط الديموقراطية نظاماً والديموقراطية ممارسة. وهكذا، حين وافت سنة 1970 كان في مصر شعب أكثر تمسكاً بحقه في الديموقراطية من شعب 1961 ومن شعب 1956 ومن شعب 1952 لأن موجة الوعي الشعبي كانت في تصاعد مستمر منذ 1952 بفعل الثورة ذاتها. وكان لا بد أن تحل المشكلة الديموقراطية في شعب شبابه جيل يقظ متوتر لا يقبل أنصاف الحلول أو الانتظار.
إنه الجيل " الناصري "...
وكان حل مشكلة الديموقراطية في مصر يقتضي التعامل مع هذا الجيل وإتاحة الفرصة له ليتحول من جيل عريض من الأفراد إلى قوة منظمة محررة من رواسب الماضي لتقود المسيرة الاشتراكية والديموقراطية .

الأسلوب:
في بيان أسلوب حل مشكلة الديموقراطية تتجلى قمة نضج موقف عبد الناصر من فهم المشكلة وحلها. عبد الناصر هنا " عالم " متمكن من المعرفة الصحيحة بمشكلة الديموقراطية. تقوم معرفته على الوعي بمعطيات موضوعية غير مشوبة بأية أوهام " مثالية ". وهو أكثر وعياً من أية مرحلة سابقة بالبعد التاريخي لمشكلة الديموقراطية ، وبكيفية حلها ، وبالقوى القادرة على إنجاز هذا الحل وبأساليب حركتها في نضالها الطويل من أجل الديموقراطية..
(1) في يوم 12 نوفمبر 1964 قال عبد الناصر : " احنا ما بقيناش دولة اشتراكية ، ولا يمكن أن احنا نقول ان احنا النهارده دولة اشتراكية . احنا في مرحلة انتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ". فإذا تذكرنا انه كان قد قال من قبل في يوم 9 يوليو 1960: " هناك.. اتصال عضوي بين الاشتراكية والديموقراطية حتى ليصدق القول بأن الاشتراكية هي ديموقراطية الاقتصاد وأن الديموقراطية هي اشتراكية السياسة ".. إذا تذكرنا هذا تكون خلاصة موقف عبد الناصركما انتهى إليه ان مصر ليست دولة ديموقراطية لأنها ليست دولة اشتراكية . وأنها في مرحلة انتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية لأنها في مرحلة انتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية وأن الديموقراطية في مصر في العالم الثالث النامي- كما قلنا في بداية هذا الحديث، ليست نظاماً نموذجياً قابلاً للتطبيق بالأمر ولكنه نضال طويل يتقدم خلاله الشعب من خلال الوعي والممارسة نحو الديموقراطية.
(2) في خلال مرحلة التحول هذه لا يعني تجريد أعداء الديموقراطية الاشتراكية أسلحتهم أنهم غير موجودين : لا : " الرجعيين موجودين والرأسماليين موجودين ومستنيين أي غلطة ويتلقفوها .. المجتمع الاشتراكي في مرحلة الانتقال من الرأسمالية المستغلة إلى الاشتراكية لم يتوصل إلى التخلص من آثار الاقطاع والرأسمالية والبيروقراطية (عبد الناصر في 12 نوفمبر 1964) . " يمكن جردناها من أسلحتها وجردناها من أموالها ولكن هذه الطبقة لا زالت موجودة .. لسه عايزه عشرات السنين لغاية ما تنقرض هذه الطبقة " (عبد الناصر في 24 ديسمبر 1964) . " فيه حزب رجعي وحيفضل موجود بدون إعلان وبدون ترخيص وعارفين بعض واتلموا على بعض ومنظمين قوى " (عبد الناصر في 16 مايو 1965) . " إن المشكلة هي أن العناصر المضادة للثورة موجودة داخل الاتحاد الاشتراكي وهي عناصر حركية ونحن ينقصنا داخل الاتحاد الاشتراكي نفسه العناصر الحركية المخلصة.. وفي رأيي أن الاتحاد الاشتراكي بوضعه الحالي لا يستطيع أن يقوم بالعمل السياسي ولا بتحقيق تحالف قوى الشعب العاملة. لأن الأعضاء الموجودين فيه اليوم يمثلون عناصر ثورية وعناصر مضادة للثورة . (عبد الناصر- مفهوم العمل السياسي- 1965) .
(3) " فما هو الحل ؟.. هل نمسك بالاقطاعيين والرأسماليين والرجعيين ونذبحهم ونقول نخلص من شرهم ؟ .. سيقولون إن هذا ليس طريقنا ولا سبيلنا. إن الحل لهذا هو أن تتجمع القوى الاشتراكية وتتعارض وتنظم لتتصدى بكل قوة لمحاولات القوى الرجعية " (عبد الناصر في 12 نوفمبر 1964). " قد نستطيع أن نتغلب على هذا النقص بالوسائل الإدارية ونقول ايه دي وسائل إدارية ثورية ولكن أعتقد أن مرحلة الوسائل الإدارية انتهت .. ولا بد أن نعتمد على الوعي الكامل للشعب العامل " (عبد الناصر في 16 مايو 1965).
(4) " الحل هو أن يكون لدينا كادر وحزب ".. يجب إذن أن نعمل على أساس هدف .. هل الهدف أن نقيم تنظيماً على الورق.. طبعاً لا.. لأن وجود التنظيمات على الورق لا يحقق هدفنا.. وأنا أعتقد أن الهدف الأساسي هو أن ينشط الاتحاد الاشتراكي كاتحاد جماهيري يجمع كل الجماهير... وفي نفس الوقت نخلق تنظيماً سياسياً " . " وإذا اعتبرنا أن عملنا يجب أن ينحصر في العمل السياسي في الوقت الحاضر حتى نستكمل تشكيل الحزب ". " اننا نريد الحزب الاشتراكي داخل الاتحاد الاشتراكي وبدون هذا الجهاز السياسي الذي أسميه الحزب الاشتراكي فلن نستطيع أن نقود الجماهير أو أن نتصدى للقوى المضادة " (عبد الناصر- مفهوم العمل السياسي- 1965) " إحنا حاطين في الاتحاد الاشتراكي تسعة مليون، إذن يجب أن ننظم القوى الاشتراكية الثورية في كادر سياسي أو في تنظيم سياسي، من داخل الاتحاد الاشتراكي، وبهذا نستطيع فعلاً أن نقيم بنيان التنظيم السياسي ودي عملية سايرين فيها دلوقتي... ".

التوقف :
في آخر خطاب عام ألقاه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يوم 22 يوليو 1970 لم يذكر كلمة واحدة عن الديموقراطية. والواقع أنه بالرغم من إصداره بيان 30 مارس في أوائل عام 1968 فإنه منذ هزيمة 1967 كان قد تفرغ وأعطى كل فكره وجهده .. ثم أخيراً حياته.. لحل مشكلة التحرير التي تفاقمت بعد الهزيمة بحيث نستطيع أن نقول مطمئنين إلى أن تجربة الديموقراطية كما قادها عبد الناصر توقفت عند 1967. وليس أدل من هذا أنه بالرغم من أنه كان قد شكل لجنة موسعة يوم 30 مايو 1966 لوضع الدستور الدائم . وكانت توالي مهمتها، فإنه في بيان 30 مارس استفتى الشعب على تأجيل وضع الدستور الدائم إلى ما بعد إزالة آثار العدوان فوافق الشعب على التأجيل حتى " لا يعلو صوت فوق صوت المعركة ".
وفي 28 سبتمبر 1970 توفي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تاركاً مشكلة الديموقراطية وحلولها الممكنة وأسلوب حلها عند الحدود التي أوردناها من قبل . ورشح الاتحاد الاشتراكي العربى الرئيس أنور السادات للرئاسة ، فرشحه مجلس الأمة ، واستفتى عليه رئيساً . وفي شهر مايو 1971 بدأ الصراع في القمة . كان الموضوع " الظاهر " للصراع هو إقامة اتحاد ثلاثي بين مصر وليبيا وسوريا. وعرض الأمر على اللجنة التنفيذية العليا وانقسم الرأي وكان الرئيس السادات في صف الاقلية . فاجري تعديل على مشروع الاتحاد يتفق مع رأي الأغلبية فحظي المشروع بالموافقة الإجماعية. ولكن رئيس الجمهورية رأى أن وراء الأكمة ما وراءها فأطاح بالذين عارضوه .. ثم حل جميع المؤسسات الشعبية والدستورية التي رشحته نفسها لرئاسة الجمهورية وكشف فقال إن! كانت كلها، منذ إنشائها، مصطنعة. ثم أعاد إنشاءها مجدداً وأصدر دستور 1971 (11 سبتمبر 1971) فجاء الدستور مضيفاً إلى السلطات التي كانت مخولة للرئيس جمال عبد الناصر سلطات لا مثيل لها في أي دستور مصري سابق أو أي دستور نعرفه في العام . وبذلك تكثفت أكثر من ذي قبل السلطات التنفيذية في يد رئيس الدولة. أما الاتحاد الاشتراكي العربى فقد أصبح - حين صدور دستور- 1971 تجمعاً من الناس على الورق وفي المقرات يفتقد عنصرين من عناصر تكوينه. أولهما التنظيم السياسي داخله والثاني اللجنة التنفيذية العليا لم تشكل أبداً . فكان هو أيضاً اتحاداً شتراكياً عربياً لا يمت بصلة قريبة أو بعيدة لا بالاتحاد الاشتراكي العربى كما جاء في الميثاق ودستور 1971 ولا بالاتحاد الاشتراكي العربي الذي كان قائماً قبل مايو 1971.. وكانت تلك فترة توقف طالت إلى أن يرى الرئيس كيف يكون الاتحاد الاشتراكي العربي.. خلال فترة الانتقال هذه طرحت مشكلة الديموقراطية في مصر للمناقشة، وكان الذي تولى طرحها الرئيس أنور السادات نفسه كما قلنا في بداية هذا الحديث وبالرغم من كل المواقف المختلفة و المتنوعة فقد كان الاختبار الأساسي محصوراً بين أمرين : الأمر الأول : تكملة " المشوار " الديموقراطي الذي بدأه عبد الناصر انطلاقاً من آخر ما وصلت إليه المشكلة وحلولها الممكنة، التي أوردناها من قبل.
الأمر الثاني، إلغاء التجربة والاختيار من جديد..
وكانت صعوبة الاختيار، التي أثارت كثيراً من الجدل ، إن وراء الاختيار الديموقراطي كان يكمن الاختيار الاشتراكي... فكيف كان اختيار الرئيس أنور السادات ..؟ إن الإجابة تخرجنا عن موضوع حديثنا. وموضوع حديثنا عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر.. وليس عن أنور السادات ومشكلة الديموقراطية في مصر..

على هامش التجربة:
هناك موضوعان يمثلا جزءاً بارزاً مما يكتبه المؤرخون أو أصحاب المذكرات وهم يتحدثون عن عبد الناصر ومشكلة الديموقراطية في مصر. و مع ذلك فإننا لم نعطهما مكاناً في هذا الحديث :
أولهما: الجرائم التي ارتكبت ضد بعض المواطنين الذين قبض عليهم خلال مراحل متفرقة من حكم عبدالناصر.
ثانيهما : الصراع بين عبد الناصر قائد الثورة و بين الشيوعيين والاخوان المسلمين وماصاحبه من أحداث كانت في بعض الحالات دموية.
لم نتحدث عن الموضوع الأول لأن ما وقع اكان جرائم . وهي جرائم معاقب عليها بأقصى العقوبات إلى حد الإعدام بمقتضى ذات القوانين التي تشكل ركناً من أركان نظام عبد الناصر.. والجرائم تقع في كل مجتمع وفي كل نظام ولولا هذا لما وجدت القوانين الجزائية و المحاكم والسجون .. ولكنها، مهما بلغت بشاعتها ، لا تؤثر في طبيعة النظام ذاته. ثم أن تلك الجرائم قد تحدد مسئوليتها قضائياً على عاتق الذين كانوا في ظل حكم عبد الناصر يناهضونه ويقيمون دولتهم العسكرية فوق دولته المدنية. ثم، إذا قيل إنه لم يفعل شيئاً ، نقول ، إن عبد الناصر هو الذي صفى المؤسسة العسكرية، وقدم أعضاءها إلى المحاكمة. وفي حياته قضي على شمس بدران عميد المجرمين في القوات المسلحة، وصلاح نصر عميد المجرمين في المخابرات العامة بعقوبات جسيمة بعد محاكمات عادلة. والذي نعرفه أن الرئيس أنور السادات قد أمر بالافراج عنهما وإخراجهما من السجن .. ليتقدم المجنى عليهم، مرة أخرى ، ويأخذون موقف عبد الناصر فيخاصمونهما لدى القضاء الذي يعيد الحكم عليهما مرة أخرى .. وليس في كل هذا ما يمكن أن يغير الموقف من الديموقراطية..
ولم نتحدث عن الصراع بين عبد الناصر قائد الثورة وبين الشيوعيين والإخوان المسلمين أولاً لأننا لا نحبذ النفاق وثانياً لأن ذلك الصراع لا علاقة له بمشكلة الديموقراطية في مصر وثالثاً لأن الصراع على السلطة ليس لعبة رياضية. إن كلأ من الشيوعيين والاخوان المسلمين كان حزباً منظماً يواجه دولة منظمة يقودها عبد الناصر وقد قدر الشيوعيون والإخوان المسلمون ودبروا وخططوا وجهزو ا وأعدوا ما استطاعوا من عدة لإسقاط عبدالناصر عنوة والاستيلاء على السلطة . ولو نجح أي منهما فيما دبر وخطط لقدموا عبد الناصر وكثيراً من رفاقه إلى المشانق ، أو لنجحت محاولات اغتياله .. اختاروا إذن قواعد الصراع بالعنف فتحداهم إليها وسحقهم بدلاً من أن يسحقوه . وقد يكون من حقهم الانساني أن يتألموا.. ولكنهم لا يستطيعون أن ينسبوا إلى عبد الناصر أن خالف قواعد الصراع التي اختاروها . ولا علاقة للشعب في مصر بتلك القواعد وصراعاتها الدموية من أجل الاستيلاء على الحكم .. أي لا علاقة لتلك القواعد وصراعاتها بمشكلة الديموقراطية في مصر فلا توجد دولة في العالم تقبل أن يسقطها أعداؤها بالعنف خشية أن تتهم بأنها غير ديموقراطية .
كل هذا على هامش التجربة وليس من صميمها فلا يستحق أن يذكر.
و أخيراً :
فلقد اجتهدنا ولكل مجتهد نصيب .. من الرضا أو من السخط . ونحن نقبل نصيبنا أياً كان نوعه لأننا ما أردنا- منذ البداية- أن نرضي أحداً أو أن نغضب أحداً . وما يزال باب الاجتهاد مفتوحاً ... لمن يريد.
القاهرة مايو- يوليو 1977
دكتور عصمت سيف الدولة


الفهرس
مقدمات
لماذا قامت ثورة 1952..........................
خطان في الحركة الوطنية........................
القيود.. و الحدود
البحث عن الطريق.....
تحرير الفلاحين …..
أسطورة المستبد العادل.................
حجر في الماء الراكد..............................
السلطة، كل السلطة، للشعب.....................
النقد... و النقد الذاتي...........................
دروس مرة لمن يريد أن يتعلم.....................
الشعب... الشعب... من هو الشعب............
ثورة التصحيح .................................
النجاح... و الإخفاق...........................


خاتمة..



إنتهي الجزء السابع من 7

وهو الجزء الأخير من هذه الدراسة عن الرئيس جمال عبدالناصر رحمه الله ، وما يتناول عن موضوع "ديكتاتورية" الرئيس الراحل عبدالناصر ، اسكنه الله جناته وغفر له خطاياه وأخطائه



د. يحي الشاعر
 
..." هل كان عبد الناصر ديكتاتورا "

والله انتم اخبر ولانعلم عنه عنه اكثر مماتعلمون انتم
الف شكر لك على هذه الاجزاء التاريخية من التجربة الناصرية
 
شكرا لك علي تعليقك الهاديء ....

للأسف .. أو الحمد لله ... ما زالت هذه الحقبة من التاريخ تتميز بالنقاش بين مؤيدي ... ومعارضي "جمال عبدالناصر" ...

وتختلف الأسباب والخلفيات ...

للأسف ... ستنقضي سنوات أخري ... قبل أن يكتشف "البعض" ... أن لكل حكم وحاكم ... حسناته ... وغير ذلك ...

وعندما يبتعد "الغاضبون" عن مشاعرهم ... ونبدأ في مناقشة موضوعية هادئة ... سنتمكن من تقييم أحداث التاريخ بشكل أفضل ... وسنتعلم من أخطائنا ... حتي نتفادي تكرارهم



د. يحي الشاعر
 
للأسف ... ستنقضي سنوات أخري ... قبل أن يكتشف "البعض" ... أن لكل حكم وحاكم ... حسناته ... وغير ذلك ...


د. يحي الشاعر

صحيح لكل حاكم هوفاته واصلاحاته
ولكن لما تكون الهفوات في حق الشعوب فهي اخطاء لاتغتفر
 
رد: هل كان عبد الناصر ديكتاتورا ...الحلقة الأولي بقلم الأستاذ عصمت سيف الدولة

عبد الناصر كان ديكتاتورا من طراز نادر وعهده تميز بالنكبات والهزائم المذلة كدخوله حرب اليمن التي كانت كارثة بكل المقاييس العسكرية والاقتصادية ونكبة 67 وأفعاله الغبية التي هدمت الوحدة بين مصر وسوريا و آلاف المعتقلين والمسجونين, عبد الناصر والديكتاتورية المطلقة, سامحه الله على ما فعل لهاته الأمة فقد قطع الوعود ولم يوفي بها بل أدى بهاته الأمة في عهده إلى الهوان والخراب.
 
رد: هل كان عبد الناصر ديكتاتورا ...الحلقة الأولي بقلم الأستاذ عصمت سيف الدولة

انا اتفق معك دكتور يحي وبارك الله فيك على الموضوع
نعم الرجل له اخطاء لكن لا ننسى انه اراد التنحي وانا اعجبتني تك الكلمة التي وردت في الخاطب المبكي على الاذاعة المصرية ومن منا لم يسمع قوله وانا مازالت اتذركها عند مشاهدتي للافلام المصرية انو قال_اريد التنحي من منصبي كرئيس واكون مواطن بسيط اادي واجبي بين افراد شعبيي _ صدقوني والله كانت خطبته وخاصة هذه الكلمة مبكية فعلا
الشاهد الرجل اعترف بخطاءه واراد ان يتنحى ويبرئء ذمته مع الله والناس لكن الشعب المصري لم يرد ذلك واراد له البقاء في الحكم هو اراد ترك الفرصة لغيره وتبرئة ذمته اذا هو ليس دكتاتوري باتم معنى الكلمة فمن هم الدكتاتوريات العرب من عداه ارادو التنحي طواعية فهذه تحسب للرجل رحمه الله
انا الخطاء الفادح الذي ارتكبه الرجل جمال عبد الناصر رحمه الله هو في اعدام المفكروالعالم الجليل سيد قطب انا في نظري مازالت مصر وكل العالم العربي مجتمعين لم ينجبو الى حد الان دماغ وفي حجم ووزن السيد قطب لكن انا اشير علينا ان نتبع كتبه التي صححها العلماء لان الرجل له بعض الاخطاء لكن يبقى السيد قطب هو اعظم مفكر انجبته مصر والعرب والامة الاسلامية ومازلنا ننتظر من يكون في حجمه للاسف لا يوجد حتى الان
في الاخير لا يجب ان نحكم على الزعيم العربي الرئيس جمال عبد الناصرباخطائه لانو نحن نرى الامور من زاوية اننا بعيدين على المسؤولية الكبيرة التي كانت ملاقات على عاتقه رحم الله الرجل واسكنه فسيح جنانه
 
عودة
أعلى