مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

emy salah

عضو
إنضم
14 يوليو 2009
المشاركات
1,143
التفاعل
53 0 0
مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي


7889065330.jpg







في هذا الموضوع سيتم تجميع لمقالات الكاتب المصري الكبير ابراهيم حجازي التي يكتبها اسبوعيا تحت عنوان خارج دائرة الضوء في جريدة الاهرام وفيها يسرد مقاتل الصاعقة الباسل ابراهيم حجازي بطولات وملاحم قواتنا المسلحة في حربي الاستنزاف وحرب اكتوبر المجيدة
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

أسطورة طيار مقاتل



**‏ عندما أتكلم عن البطولات والأبطال وملاحم الشجاعة النادرة أشعر بحزن لأن هذه البطولات لم يجمعها فيلم سينمائي‏!.‏ أحزن لأن الأفلام الأمريكية رسمت وطبعت علي عقول ووجدان البشر في كل دولة بالعالم مفهوما واحدا‏..‏ الأمريكي سوبرمان لا يهزم ولابد أن ينتصر‏!.‏ فعلت السينما هذا في أفلامها العسكرية وأكدت هذا في أفلام الأكشن وهي تنتج والعالم يصدق والحقيقة غير هذا تماما‏!‏

الحقيقة علي أرض الواقع تقول إن العسكرية الأمريكية ما دخلت حربا إلا وخسرتها‏!.‏ حدث هذا في فيتنام وفي الصومال وفي لبنان والحرب العالمية الثانية أمريكا أنهتها بالقنبلة الذرية ولولاها لخسرت الحرب وموقعة بيرل هاربور التي مزق الطيران الياباني فيها الأسطول الأمريكي‏..‏ هذه الموقعة تؤكد أن أي مواجهة خسرتها العسكرية الأمريكية ومع هذا‏..‏ السينما الأمريكية غسلت عقول العالم في هذه النقطة والدنيا كلها بسبب هذه الأفلام تعتقد أنه لا بطولات إلا عند الأمريكان ولا شجاعة إلا لدي الأمريكان‏!‏

كنت أتمني ومازلت أتمني أن تقوم القوات المسلحة لأن الحكومة لن تفعل‏..‏ تقوم القوات المسلحة بإنتاج عدة أفلام عسكرية عن حرب أكتوبر وما سبقها في حرب الاستنزاف وملاحم الفداء التي صنعها المقاتل المصري‏!‏

أذكر والذي سأقوله حقيقة وقعت وليست تشنيعة أطلقها‏!.‏ أذكر ما قاله العالم عن عبقرية القيادة المصرية في اختيار موعد الحرب وفي أقصي درجات السرية التي أحاطت الاختيار ونفذت القرار‏!‏

الجبهة المصرية علي القناة يسودها الهدوء التام وبعيدا عن الجبهة تحركات عسكرية من مواقع التمركز المعتادة إلي مناطق في قلب الجنوب وفي أطراف الغرب وعندما تخرج وحدات عسكرية كبيرة من أماكن تمركزها المعتادة إلي غرب وجنوب مصر مبتعدة عن الجبهة فالأمر هنا إيحاء بأن المصريين ولا علي بالهم أن يفكروا يوما في الحرب‏!‏

الهدوء علي الجبهة والتحركات العسكرية لقوات بعيدا عن الجبهة كانت جزءا من خطة التمويه وسرية القرار وهذا الأمر جعل القيادة المصرية تترك وحدات عسكرية رمزية عربية كانت علي الجبهة وأصبح صعبا إخلاؤها لأنه مطلوب الإيحاء للعدو بحالة الهدوء علي الجبهة وهذا ما جعل القيادة تترك وحدة عسكرية عربية رمزية أظنها سرية وربما أقل‏..‏ تركتهم القيادة حتي لا تثير بتحريكهم عن الجبهة أي انتباه للعدو‏!.‏ تركتهم القيادة وهي لا تدري ماذا سيكون رد فعلهم؟

في الثانية من بعد ظهر‏6‏ أكتوبر بدأت الضربة الجوية ومعها تحضيرات المدفعية‏..‏ جحيم قادم من الغرب إلي الشرق‏!.‏ صوت الطائرات التي اخترقت حاجز الصوت وانفجارات دانات المدفعية المصرية القادمة من غرب القناة إلي شرقها‏..‏ الصوت فقط ولا شيء إلا الصوت جعل الوحدة الرمزية العربية‏..‏ تصرخ قائلة‏:‏ هادي ما حرب‏..‏ هادي جهنم وحدث ما حدث وعيب أن أتكلم فيه‏..‏ ما علينا من هذا كله لأن عندي ما هو أهم أتكلم فيه‏!‏

الذي أريد الكلام عنه اليوم الرائد طيار عبدالمنعم مرسي حماد وأظنه المقاتل الوحيد في مصر الذي حصل علي وسامين نجمة شرف‏..‏ الأول من الرئيس جمال عبدالناصر والثاني من الرئيس السادات‏..‏ وللعلم وسام نجمة الشرف هو أرفع وسام عسكري مصري وبطلنا حاصل علي وسامين‏!‏

البطل الأسطورة الطيار عبدالمنعم مرسي حماد‏..‏ فوجئ مثلما فوجئ وانظلم جيشنا عموما وقواتنا الجوية تحديدا‏..‏ الكل فوجئ بالعدو الصهيوني يضرب جميع قواعد مصر الجوية ومطاراتها في وقت واحد صباح يوم‏5‏ يونيو‏1967‏ وفي أقل من نصف ساعة تدمرت المطارات وأغلب الطائرات وانتهت الحرب قبل أن تبدأ لأن قوات برية بلا طيران يحميها صعب أن تصمد في معركة‏!‏

الطيران الصهيوني يتحرك براحته في سماء مصر التي فقدت مطاراتها وأغلب طائراتها وأصعب ما يواجه مقاتلا أن يخسر معركة دون أن يضرب طلقة واحدة وهذا ملخص ما حدث لجيش مصر في هزيمة يونيو‏1967!‏

المكان‏..‏ مطار أبوصوير والدمار لحق ممراته وعلي الأرض طائرات مصرية لكن إقلاعها مستحيل لأن الممرات تم تدميرها وأقصي مسافة سليمة في الممر طولها أقل من‏500‏ متر وهذه المسافة لا تسمح بإقلاع طائرة لأن أقل مسافة إقلاع علي ممر هي ألف متر‏!‏

الطيار الشاب الشجاع يجري الدم في عروقه غضبا وهو يري بعينه المجردة طائرات الصهاينة تمرح وتلهو وتعربد في سماء مصر‏!‏

الطيار البطل اتخذ قرارا ولم تكن في الدنيا قوة بإمكانها إثناؤه عنه‏!‏

قرر الإقلاع بطائرته المقاتلة ميج‏21‏ والدخول في معركة مع طائرات العدو الصهيوني‏!‏

طيب‏..‏ كيف يقلع بطائرته والممر أقل من‏500‏ متر ومستحيل أن تسمح هذه المسافة بإقلاع طائرة عن الأرض‏!‏

رغبة البطل في قتال العدو وشجاعة البطل الفائقة والإحساس بحتمية المهمة كل هذه الأمور وقبلها وبعدها الإيمان المطلق في قدراته وفي عدالة قضيته‏..‏ كل هذه الأحاسيس وهذا الإيمان دفعت بالمقاتل الأسطورة إلي الإقدام علي تصرف هو الوحيد الذي يسمح له بالطيران وهو الوحيد الذي يحمل معه الموت‏!‏

في هذه اللحظات الموت لا يخيف من امتلك الإيمان المطلق بالنفس وفي الله وبالله‏!.‏ بطلنا أدار الطائرة وقام بتشغيل ماكينتها علي السرعة القصوي للطائرة في الوقت الذي هو فيه ممسك علي فرامل الطائرة وفي لحظة محددة ترك الفرامل لتنطلق الطائرة كالطلقة علي الممر وفي لحظة جذب عصا القيادة إلي أعلي لترتفع الطائرة في الجو قبل أن يقطع الـ‏500‏ متر‏!‏

الذي قام به الطيار المصري المقاتل لأجل الإقلاع من ممر طوله‏500‏ متر هو بكل المقاييس شجاعة هائلة لرجل يمتلك أعصابا فولاذية‏..‏ أما الذي قام به بطلنا فهو أسطورة شجاعة وفداء‏!‏

الطائرة الميج‏21‏ التي كان مستحيلا إقلاعها باتت موجودة في السماء وهذه معجزة لكن الإعجاز تلك المعركة الجوية التي دخلها الرائد طيار عبدالمنعم حماد ضد‏8‏ طائرات إسرائيلية‏!‏

لا في الحرب العالمية الثانية ولا في أي حرب دخلت طائرة بمفردها معركة مع‏8‏ طائرات‏..‏ لكن هذا حدث يوم‏5‏ يونيو وفوق مطار أبوصوير والطائرة المصرية ميج‏21‏ بطيارها الأسطورة عبدالمنعم حماد دخلت واشتبكت والطيارون الصهاينة في ذهول من هذا الطيار وشجاعته‏!‏

المقاتل البطل أسقط أول طائرة إسرائيلية بصاروخ مباشر مزقها أشلاء وقبل أن تطوله طائرات العدو أفلت بمناورة أكبر بكثير من إمكانات وكفاءة الطائرة بالقياس إلي الميراج والفانتوم‏!‏

أفلت الطيار المصري الأسطورة بمناورة رائعة معها فقدته الطائرات المطاردة وبينما هي تبحث وتلهث وراءه فوجئت به يصطاد طائرة أخري بصاروخ آخر من مسافة قريبة تؤكد كفاءة هائلة لطيار وشجاعة نادرة لهذا الطيار الذي في صدره قلب لم يسمع عن خوف‏!‏

بعد سقوط الطائرة الثانية للعدو هربت الطائرات الست ولم يكن بمقدور بطلنا أن يطاردها لأن وقوده بدأ ينفد بعد المعركة الشرسة التي خاضها والمسافة بينه وبين المطار مازالت بعيدة والوضع يزداد حرجا وفي مثل هذه الظروف التعليمات واضحة ومحددة‏..‏ القفز بالبراشوت من الطائرة التي ينفد وقودها‏!‏

اختبار آخر وجد بطلنا الأسطورة نفسه أمامه وأبت شجاعته أن يختار الحل الأوحد وهو البراشوت‏!.‏ رفض ذلك لعلمه أن سقوط طائرة معناه حرمان مصر من طائرة وخسارة مصر لطائرة في وقت صعب فيه استعواض فردتين كاوتش في طائرة‏!‏

الطيار المصري الشجاع رفض القفز بالبراشوت ليضمن حياته علي حساب طائرة مقاتلة مصرية‏!.‏ رفض وقرر الهبوط في مطار ممراته مدمرة‏!.‏ رفض لعلمه أن معظم طائرات مصر تم تدميرها ومصر في أشد الحاجة لأي طائرة‏!‏

رفض وقرر التحالف مع المستحيل لأجل الهبوط في سلام‏..‏ مثلما تحالف هو والمستحيل لأجل الإقلاع والطيران‏!‏

أن تحاول الهبوط بطائرة وقودها نفد تقريبا‏..‏ مستحيل‏!.‏ وأن تهبط في مطار بطائرة وقودها ينفد أو نفد وممرات المطار مدمرة‏..‏ فهذا بعد المستحيل بمستحيل‏!‏

المستحيل وما بعد المستحيل لم يأبه بهما الطيار المقاتل البطل عبدالمنعم مرسي حماد‏..‏ الذي سيطر علي طائرته وهبط بالفعل علي أول الممر المدمر‏..‏ لكن القدر اختار للبطل الشهادة‏!‏

الطائرة وقعت في حفرة هائلة وخرجت الروح الشجاعة إلي بارئها في الموعد المحدد بالضبط‏.‏

هذه واحدة من عشرات المئات من قصص البطولات النادرة والشجاعة الفائقة للمقاتلين المصريين في الحرب المقدسة ضد العدو الصهيوني‏...‏

مصر لم تتأخر لحظة ولن تتأخر لحظة عن واجبها وعن قدرها‏!‏
شتيمة الصغار ومواقف الصغار لم ولن تغير الحقيقة‏..‏ حقيقة أنه لا قوة ولا حرب إلا بمصر‏..‏ وإن كانوا في شك يجربوا‏..‏ والبركة في جيش قطر‏!‏

تحية إلي روح شهيدنا البطل الأسطورة عبدالمنعم حماد‏..‏ وتحية لأرواح كل الشهداء الأبرار‏!‏

تحية إلي جيش مصر العظيم في الأمس وفي اليوم وفي الغد وكل غد‏.‏
وللحديث بقية مادام في العمر بقية
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

الدفاع الجوي ملحمة مصرية رائعة‏..
‏ ليلة دخول حائط الصواريخ المصري للجبهة‏..
‏ عندما تفوقت العقول المصرية علي تكنولوجيا الفانتوم الهائلة‏!


**‏ يوم‏30‏ يونيو‏..‏ يوم يستحق أن تحتفل مصر كلها به وليس قوات الدفاع الجوي المصري‏!.‏ يوم‏30‏ يونيو‏1970‏ أدخلت مصر إلي الجبهة بقوة السلاح وعزيمة الرجال وإصرار الأبطال وشجاعة لا توجد كلمات تحكيها‏..‏ أدخلت حائط الصواريخ المضاد للطائرات رغما عن أنف الصهاينة وعن ترسانتهم الجوية الجبارة وأقمار التجسس التي في خدمتهم ليل نهار‏!.‏ في يوم‏30‏ يونيو صاروخ من دفاع مصر الجوي أسقط أول طائرة فانتوم في انتصار هائل مذهل لعقلية المقاتل المصري علي أحدث ما وصل إليه العلم من تكنولوجيا داخل الطائرة الفانتوم‏!.‏ يوم‏30‏ يونيو يوم عيد الدفاع الجوي حدوتة مصرية رائعة تعالوا نقرأ سطورها من البداية‏.‏

عندما حلق الطيران الحربي في السماء ظهر الدفاع الجوي علي الأرض ليبدأ الصراع بين نسور الجو ودفاعات الجو‏..‏ بدأ من لحظة نجاح الأخوين رايت في الطيران ونجاحهما سجل ميلاد الطيران الحربي وبظهور طائرات في السماء وجدت المدافع علي الأرض وسنة‏1880‏ تم تصنيع أول مدفع ميدان مجهز لضرب أهداف جوية‏,‏ وفي عام‏1902‏ صنعت روسيا أول مدفع مضاد للطائرات عيار‏3‏ بوصة‏,‏ ومن هذا التاريخ انطلقت أسلحة الدفاع الجوي ومع الوقت تطورت وإلي جوار المدفعية ظهرت الصواريخ‏..‏ ودخل المحلقون في السماء والمدافعون عن الأرض في سباق تطوير لا يتوقف علي أمل أن يفرض أحدهما إرادته علي الآخر‏!‏

مصر عرفت الدفاع الجوي بعد معاهدة‏36‏ وعام‏1937‏ شهد تشكيل أول بطاريات مدفعية مضادة للطائرات وقسم الأنوار الكاشفة‏,‏ وعام‏1960‏ زار المشير عبدالحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة المصرية الاتحاد السوفيتي ومطلبه الوحيد الحصول علي صواريخ مضادة للطائرات‏,‏ ونجحت الزيارة‏,‏ وعام‏1962‏ وصلت إلي مصر مجموعة خبراء روس عددهم‏202‏ خبير معهم‏36‏ مترجما وبعد أن انتهوا من عملهم وصلت مصر أول شحنة صواريخ سام‏2‏ الروسية المضادة للطائرات وبوصولها تشكلت أربعة ألوية صواريخ دفاع جوي‏,‏ ومن هذا اليوم أصبحت لـ مصر قوات قادرة بحق علي الدفاع عن سماء مصر وغطاء أمان لقوات مصر البرية‏..‏ هذا الوقت أشار لنا إلي أهمية الدفاع الجوي وهذه الأهمية ما كانت ستحدث ولا ستجيء لولا زيارة المشير عامر للاتحاد السوفيتي التي أدخلت الصواريخ للدفاع الجوي المصري فيما عرف وقتها بمشروع عامر‏.‏

وجاءت حرب‏1967‏ والهزيمة القاسية لنا ونحن الذين فعلنا هذا في أنفسنا‏..‏ ما علينا‏!.‏ وبالطبع حصل الدفاع الجوي علي نصيبه من الهزيمة وخسر قرابة الـ‏50%‏ من إجمالي تسليحه والخسارة الأفدح‏84‏ شهيدا‏!.‏ وأيضا بدأ الدفاع الجوي إعادة بناء قواته وفي أول فبراير‏1968‏ صدر قرار جمهوري بإنشاء قوات الدفاع الجوي واعتبارها أحد الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة‏,‏ وقبل هذا الوقت كانت تبعية هذا السلاح للقوات الجوية‏!‏

مرت شهور‏1968‏ ووصلنا عام‏1969‏ وفيه صدر قرار حرب الاستنزاف لأجل ألا يهنأ الصهاينة في سيناء بيوم واحد ينامون فيه نتيجة العمليات الفدائية للقوات الخاصة المصرية وتحضيرات المدفعية‏,‏ وبالطبع كان الهدف الرئيسي من حرب الاستنزاف هو تطعيم جيش مصر بالحرب للحرب‏..‏ أي إتاحة الفرصة لكل الوحدات للقيام بعمليات ضد العدو‏,‏ وهذا معناه اقتحام للقناة وتخطي الساتر الترابي واختراق خط بارليف وتنفيذ المهمة والعودة مرة أخري لغرب القناة‏..‏ ومن يقوم بذلك يكون قد تم تطعيمه للحرب بمواقف من التي ستحدث في الحرب‏!.‏ العمليات كل يوم وحرب الاستنزاف استمرت‏500‏ يوم كمائن وإغارات واشتباكات ونسف وتدمير علي العدو لأجل استنزاف دمه وأعصابه وقوته وثقته وخلال أشهر مايو ويونيو ويوليو‏1969‏ بلغت خسائر العدو البشرية‏108‏ أفراد بين قتيل وأسير‏,‏ وفي المقابل لم يعرف الصهاينة ماذا يفعلون أو كيف يردون؟

نحن في الربع الأخير من سنة‏1969‏ والعدو يفكر علي محورين‏..‏ الأول رد موجع يوجع المصريين والثاني البحث عن طريقة لوقف حرب الاستنزاف‏..‏ وخلال الاجتماعات التي لا تتوقف لصقور الصهاينة عيزرا وايزمان رئيس عمليات جيش العدو وقتها قال مقولته الشهيرة‏:‏ من يملك السماء يملك الأرض ونحن نملك السماء ولابد من ضربة جوية موجعة للمصريين‏..‏ وبدأ تنفيذ الخطة بوكسير بتوجيه غارات جوية متلاحقة علي القوات المصرية في جبهة القناة‏,‏ وجاء العبء الأكبر علي عاتق الدفاع الجوي المصري المطلوب منه منع هذه الغارات‏!‏

وقتها الدفاع الجوي الموجود في الجبهة أول عن آخر ست كتائب دفينا‏(‏ صواريخ‏)‏ ومعها عدد من وحدات المدفعية المضادة للطيران ومقابلها الصهاينة لديهم فوق الـ‏300‏ طائرة قتال حديثة وطيارو العدو يعرفون مواقع دفاعنا الجوي ويعرفون إمكاناتها القتالية‏..‏ يعرفون أن صواريخ دفينا ليس بإمكانها التعامل مع الطيران المنخفض‏..‏ ويعرفون أن كتيبة الصواريخ المصرية ليس بإمكانها التعامل مع أكثر من هدف في وقت واحد‏..‏ ولهذا كانوا يهاجموننا بطيران منخفض وبتشكيلات تهاجم من كل الجهات‏..‏ يهاجمون بشراسة لأجل انسحاب كتائب الصواريخ من الجبهة ويوم‏20‏ يوليو‏1969‏ هاجمت‏46‏ طائرة ميراج وسكاي هوك كتيبة الصواريخ الوحيدة الموجودة في بورسعيد ويومها قصفت وأسقطت الطائرات الصهيونية أكثر من‏30‏ طن صواريخ ومتفجرات علي كتيبة الصواريخ المصرية التي استشهد قائدها الرائد رجب عباس في هذه المعركة غير المتكافئة لتواضع إمكانات الصواريخ في مواجهة تكنولوجيا الطائرات‏!‏

المهم أن الصهاينة ضاعفوا هجماتهم علي كتائب الصواريخ انتقاما مما يحدث لهم في سيناء بحرب الاستنزاف‏..‏ وتكبدت كتائب الدفاع الجوي خسائر في الأرواح والمعدات‏..‏ ورغم صعوبة وشراسة المعارك اكتسبت قوات الدفاع الجوي مع كل اشتباك خبرة وصمودا وجرأة وحافزا يكبر يوما بعد يوم للانتقام عندما يأتي اليوم‏!..‏ في هذا الوقت وتحديدا خلال الفترة من‏20‏ يوليو وحتي أول سبتمبر قام الطيران الصهيوني بأكثر من ألف طلعة جوية علي الجبهة‏..‏ والمحصلة‏!‏

حاييم بارليف رئيس الأركان صرح بقوله‏:‏ إنه ليست لدينا القوة في الوقت الحالي لإيقاف حرب الاستنزاف‏!.‏ هذا قائد عسكري كبير يعترف بأنهم فشلوا رغم ما يملكون‏..‏ والذي يملكونه ترسانة أسلحة أمريكية وغربية أبوابها مفتوحة للإمداد حيث لا مشكلة في ذخيرة ولا في صواريخ ولا في قنابل ولا في قطع غيار ولا حتي طائرات بطيارين‏,‏ وفي المقابل نحن لا نملك هذا التميز وكل الذي نملكه مقاتلون لا يخشون الموت يقومون بعمليات فدائية ليل نهار في سيناء وكل اعتمادهم علي الله وعلي ما أعطاهم من شجاعة وجلد وشموخ وعقيدة راسخة بأنهم يقاتلون عن حق لأجل أرض وشرف وعرض‏..‏ والموت لا مكان له في عقولهم وقلوبهم‏!‏

وفي‏9‏ سبتمبر‏1969‏ بدأ وصول طائرات الفانتوم واشتدت الهجمات الجوية شراسة‏,‏ ويوم‏25‏ ديسمبر نفذ الصهاينة أعنف هجوم جوي منذ حرب‏1967‏ من خلال‏192‏ طلعة جوية علي كتائب الصواريخ المصرية‏..‏ وبات واضحا للقيادة المصرية أن العائد من وجود هذه الكتائب علي الجبهة لا يقارن بخسائرها وعليه صدر قرار إخلائها من القناة وانطوت سنة‏1969‏ وحرب الاستنزاف قائمة وخسائر العدو هائلة ومحاولات إيقافها انتهت بالفشل‏!‏

عادت كتائب صواريخ الدفاع الجوي إلي المواقع التي تسمح لها بمراجعة الدروس المستفادة من سنة‏1969..‏ وثبت يقينا أن سنة‏1969‏ ومعاركها كانت أفضل تطعيم للدفاع الجوي ضد الحرب استعدادا للحرب‏!.‏ خبرات هائلة اكتسبوها وأتوقف هنا أمام أربع مشكلات أظهرتها معارك سنة‏1969‏ وكثرة الاشتباكات أكسبت مقاتلينا تطعيما ضدها ودفعت مقاتلينا لإيجاد حلول لها ولما يواجههم من مشكلات‏!‏

الصاروخ شرايك المضاد للرادارات مشكلة لأنه يطلق من الطائرة علي شعاع الرادار وبلغة الدفاع الجوي يركب شعاع الرادار الذي يأخذه مباشرة إلي هوائي الرادار ويدمره‏!.‏ الطائرة الصهيونية تطلق الصاروخ شرايك من علي بعد‏20‏ كيلومترا‏,‏ وما إن انطلق وركب شعاع الرادار المصري انتهي الأمر وتدمر الهوائي خلال سبع أو ثماني ثوان فقط‏!.‏ ضباط الدفاع الجوي المصريون عقلياتهم فذة وقدراتهم العلمية بلا حدود لأن الظروف أجبرتنا علي أن نعتمد علي أنفسنا وعلي الكم والكيف الموجودين والمتاحين من السلاح وعلينا أن نطور نحن ونحل المشكلات نحن عن قناعة بأن عقولنا لا تقل عن عقولهم إن لم تكن أفضل‏!‏المصريون ليس لهم حل لذلك وجدوا الحل بتغيير وضع الهوائي‏180‏ درجة ومعه يتغير مسار الشعاع ومعه الصاروخ يركب الهواء بلغة أولاد البلد ويذهب بعيدا‏!‏

المشكلة الثانية كانت أجهزة الإنذار في الطائرة الفانتوم وأحدها ينبه الطيار الصهيوني لحظة إطلاق صاروخ مصري عليه فيقوم بتغيير اتجاهه ويهرب من الصاروخ‏..‏ فماذا فعل مقاتلو الدفاع الجوي‏!.‏ توصلوا إلي حيلة بمقتضاها ضحكوا علي أحدث تكنولوجيا في العالم بإطلاق إلكتروني كاذب لصاروخ يعطي نفس الإشارات التي تصدر عند إطلاق صاروخ حقيقي فيتعامل معها جهاز الإنذار في الفانتوم ويعطي إنذاره للطيار الذي يغير وجهته وفي هذه اللحظة يفاجئونه بالصاروخ الحقيقي‏.‏

المشكلة الثالثة تمثلت في مستودعات الإعاقة الإلكترونية بالطائرة الفانتوم وتشمل أنواعا كثيرة من الأجهزة ذات الترددات المختلفة التي ترسل موجات من الإشارات للهوائيات المصرية لتضليلها عن الموقع الحقيقي للطائرة وأيضا هذه الحيلة المتطورة تكنولوجيا وجدت عقولا لا تعرف المستحيل ونجحت في إيجاد أساليب أحدث تفوقت علي أسلوب الإعاقة الموجود في الفانتوم‏!‏

الطيران المنخفض مشكلة لأن كتائب الصواريخ الموجودة لدينا وقتها تتعامل فقط مع الطيران العالي‏..‏ لكن المشكلة انتهت بوصول الصواريخ سام‏3‏ بتشورا من الاتحاد السوفيتي وهي قادرة علي إسقاط أي طائرة حتي لو كانت فوق الأرض بمتر واحد‏!‏

عشرات الغارات التي شنها العدو علي كتائب الدفاع الجوي قبل إخلائها‏..‏ حققت خسائر وحققت أيضا لمقاتلينا خبرة كان مستحيلا معرفتها والتعرف عليها إلا من المعارك التي خرجنا منها بمعرفة تامة لفكر عدونا وقدرة هائلة علي توقع ردود فعله‏..‏ وعندما تعرف أسلوب تفكير عدوك ورد فعله يصبح سهلا عليك أن تفاجئه بأفضل استعداد‏!.‏ هذه المعارك عرفنا منها أن العدو علي درجة كفاءة عالية ولديه أسلحة متطورة يعرف جيدا كيف يستخدمها‏..‏ وعرفنا من هذه المعارك أيضا عن يقين أن العدو ليس أسطورة كما يزعمون‏,‏ وأننا نقدر علي هزيمته‏!‏

وصلنا إلي يناير‏1970‏ وحرب الاستنزاف قائمة رغم كل الضغوط المبذولة من دول كثيرة لأجل إيقافها‏!.‏ الجبهة لم يعد عليها كتائب الصواريخ وقرار إخلائها سليم ولأسباب سنعرفها فيما بعد إلا أن خروجها من الجبهة كان معناه إعطاء الحرية للطيران الصهيوني لقصف قواتنا باعتبار المدفعية المضادة للطائرات لن توفر الفعالية الكاملة ولا الوقاية التامة‏!.‏ ومعناه ثانيا وجود ممرات آمنة لطيران العدو ليدخل إلي العمق المصري وقصف أهداف مدنية أو عسكرية مثلما حدث في بحر البقر‏!.‏ والمعني الثالث وهو الأهم‏..‏ استحالة اقتحام القناة في حرب شاملة دون غطاء جوي بصواريخ الدفاع الجوي‏!‏

المعاني الثلاثة التي ذكرتها كانت معروفة جيدا للقيادة السياسية التي تحت يديها خطة قدمتها قيادة قوات الدفاع الجوي تهدف إلي بناء دفاع جوي جديد في الجبهة‏,‏ وهذا ما دفعها إلي إخلاء كتائب الصواريخ لأجل إعادة تشكيلها ودعمها لتكون نواة الدفاع الجوي الجديد الذي هدفه بسط سيطرته إلي أقصي مسافة شرق القناة ويقدر علي الصمود أمام طيران العدو الذي ظن أن أحدا لن يقدر علي الصمود أمامه‏!‏

الدفاع الجوي الجديد مطلوب له أسلحة ومعدات جديدة ومتطورة‏..‏ ومطلوب له مواقع خرسانية محصنة تحميه من طائرات العدو‏!‏

مشكلة السلاح المتطور وذخيرته وقطع غياره تولاها الرئيس عبدالناصر الذي سافر يوم‏22‏ يناير‏1970‏ إلي موسكو ولم تكن المسألة سهلة لأن اجتماعات الكرملين عاصفة ساخنة‏,‏ ونجح ناصر في إقناع القيادة السوفيتية بإمداد مصر بكتائب صواريخ بتشورا وصواريخ ستريلا ومدافع‏23‏ مم الرباعية ووحدات رادار‏..‏ وانتهت مشكلة سلاح وبقيت مشكلة الأطقم التي ستعمل علي هذا السلاح والمشكلة أن التدريب يستغرق شهورا‏!‏

إنشاء المواقع الحصينة اتضح أنه معركة شرسة وليس مجرد مشكلة‏..‏ وعندما بدأت مصر البناء خرج صقور الصهاينة علي العالم كله بتصريحات ثلاثة لكل من‏:‏ إيجال ألون نائب جولدا مائير رئيسة الوزراء وموشي ديان وزير الدفاع وحاييم بارليف رئيس الأركان‏..‏ الثلاثة قالوا‏:‏ لن نسمح بإدخال الصواريخ المضادة للطائرات المصرية إلي الجبهة وسيواصلون القصف الجوي لمنع بناء المواقع المحصنة‏,‏ لأن إقامتها سيوفر لمصر قدرات هجومية وسيوجد لديها شعورا بالحرية لفعل ما تريد‏.‏

تصريحات مغرورة وقحة لأن المواقع التي تبنيها مصر هي علي أرض مصرية وفي غرب القناة التي عليها قوات مصرية‏..‏ لكن ماذا نقول للغرور الذي تحميه الإرادة الدولية؟

هذه أيام فارقة في تاريخ مصر وفيها تجلت عظمة وشجاعة وجرأة المصريين‏..‏ جيشا وشعبا لأن بناء هذه الحصون قضية حياة أو موت بالنسبة لنا‏..‏ لأنه لا حرب ولا اقتحام للقناة دون دفاع جوي‏,‏ ولن يدخل الدفاع الجوي الجبهة إلا ببناء الحصون‏..‏ وبدأت أعنف معركة خاضها شعب وجيش مصر‏!‏

شركات البناء الكبيرة‏..‏ المقاولون العرب وحسن علام ومختار إبراهيم وشركات أخري‏..‏ كلها بمهندسيها وفنييها وعمالها مع مقاتلي الدفاع الجوي وسلاح المهندسين يعملون طوال الليل ويتوقفون طوال النهار‏,‏ لأن الغارات لا تتوقف لحظة‏!.‏ نحن نبني بالليل وهم يهدمون بالنهار‏..‏ ومع هذا نجحنا نحن وفشلوا هم‏,‏ رغم أنهم نفذوا‏332‏ غارة جوية علي مواقع البناء وخلالها وقع شهداء مدنيون وعسكريون‏!‏

حرب الاستنزاف قائمة في سيناء والحرب علي حصون الدفاع الجوي قائمة غرب القناة حتي إن الأمر بدا وكأن الصراع انحصر بين الدفاع الجوي المصري والطيران الحربي الصهيوني‏!‏

يوم‏9‏ أبريل اجتمع الرئيس عبدالناصر مع أربعة من قادة كتائب الدفاع الجوي في حضور وزير الدفاع ورئيس الأركان وقائد الدفاع الجوي‏,‏ وبدأ الاجتماع في السابعة مساء وانتهي في الثالثة صباحا‏,‏ وتكرر نفس الاجتماع لنفس المدة يوم‏16‏ أبريل‏!‏

الاجتماع ناقش الوضع ووضع يده علي المشكلة وهي عربدة الطيران الصهيوني دون ردع فاعل‏!.‏ أطقم السلاح الجديد التي تتدرب في الاتحاد السوفيتي لن تحضر إلا في أغسطس‏!.‏ صعوبة قبول هذا الواقع‏!.‏ صعوبة إعادة نشر كتائب الصواريخ‏(8‏ كتائب‏)‏ علي الجبهة دون وجود الحصون الخرسانية‏,‏ وفي نفس الوقت صعوبة بناء الحصون دون حماية من كتائب الصواريخ‏!‏

انتهي الأمر إلي حل مؤقت وهو عمل كمائن بكتائب الصواريخ في طريق دخول الطيران الصهيوني والعودة بعد الاشتباك إلي أماكنها بسرعة‏..‏ ونجح هذا الحل وأوقع خسائر في العدو لكنه لم يكن بديلا عن الخطة الأصلية وهي دفاع جوي جديد دائم في الجبهة‏!‏

الوقت دقيق والصعوبات تكاد تكون مستحيلة وعربدة الطيران الصهيوني مستمرة والحل الأوحد هو المستحيل بعينه‏,‏ فكيف ندخل إلي الجبهة حائط صواريخ مصريا يكون دفاع مصر الجوي القائم والثابت في خط النار لحماية جيش مصر وسماء مصر؟

الرجال يواصلون الليل بالنهار في اجتماعاتهم التي تبحث آلاف التفصيلات التي سيقوم عليها ويستند إليها القرار المستحيل‏..‏ الذي استعرض تفاصيل التفاصيل لأننا نتكلم عن تكنولوجيا متطورة مطلوب إخضاعها لأوضاع جديدة‏!.‏ نتكلم عن أجهزة ومعدات دقيقة حساسة تعمل في ظروف خاصة ومناخ خاص‏,‏ ومطلوب حلول لأجل أن تعمل في وضع مختلف جذريا‏!.‏ نتكلم عن شبكة اتصالات داخلية وخارجية تقنيتها عالية جدا وكفاءة عملها مرتبطة بمتطلبات مكانها‏,‏ ومطلوب أن تقام هذه الشبكة وتربط هذه الشبكة وتعمل هذه الشبكة في لا وقت وتحت القصف الجوي‏!.‏ نتكلم عن حصون وعن إمداد وعن بنود لا حصر لها وعن غاية السرية في التكتم وغاية السرعة في التنفيذ‏!.‏ كل هذه الإجراءات والمفردات والتفصيلات انصهرت في خطة جاهزة للتنفيذ يوم‏24‏ يونيو‏1970.‏

ــ يوم‏25‏ يونيو‏:‏ ثماني كتائب صواريخ دفينا تم تمركزها بين بلبيس شمالا وعلامة الكيلو‏30‏ طريق السويس جنوبا والتعليمات منع الإشعاع تماما في كل الاتجاهات منعا لرصدها إلكترونيا‏!.‏ لا أحد يعرف موعد التحرك للجبهة‏!‏

ــ يوم‏28‏ يونيو‏:‏ المهندسون العسكريون بدأوا التجهيز الميداني للمواقع المخططة وقبل أن تغرب الشمس انتهوا من عملهم‏.‏

علي جانب آخر بدأت في الرابعة بعد الظهر عملية تلقين التحرك للكتائب الأربع التي تحركت بالفعل مع آخر ضوء إلي مواقعها في الجبهة‏,‏ والتحرك ونحن نتكلم عن مسافة تقترب من الـ‏40‏ كيلومترا والوصول وتجهيز المعدات للاشتباك وتركيب الهوائيات‏,‏ كل هذا تم في إضاءة مقيدة بالبطاريات وفي صمت لاسلكي تام‏!‏

ــ فجر يوم‏29‏ يونيو‏:‏ الكتائب الأربع في مواقعها وجاهزة للاشتباك ودخلت منظومة تعاون نيران الدفاع عن القاهرة‏.‏

ــ آخر ضوء يوم‏29‏ يونيو‏:‏ تحركت الكتائب الأربع الأخري واحتلت مواقعها وقبل أن يرحل الليل الكتائب جاهزة للاشتباك ودخلت منظومة الدفاع الجوي عن القاهرة‏!‏

ــ يوم‏30‏ يونيو‏:‏ في الجبهة الآن تجمع جديد لقوات الدفاع الجوي شكلت حائط صواريخ أنا لن أتكلم عنه لكن أترك شهادة اثنين من الخبراء العسكريين في هذا المجال أحدهما أمريكي واسمه لورانس والثاني صهيوني واسمه زيف وكلامهما منشور في مرجعين الأول حرب القناة والثاني اسمه فانتوم فوق النيل‏..‏ جوز الخبراء قالا‏:‏

شبكة الدفاع الجديدة تتمركز في مستطيل طوله‏70‏ كيلومترا من غرب الإسماعيلية شمالا وحتي طريق السويس جنوبا بعمق‏30‏ كيلومترا وأقرب كتائبه علي بعد‏23‏ كيلومترا من القناة‏.‏ هذه الشبكة توفر مظلة دفاع جوي بمواجهة‏110‏ كيلومترات من الشمال إلي الجنوب بموازاة القناة وبعمق‏70‏ كيلومترا من الشرق إلي الغرب‏.‏ ورغم أن الكتائب تتمركز في مواقع سريعة التجهيز فإنها شكلت تجمعا متكاملا متعاونا بالنيران والطائرة التي تهاجم موقعا تتعرض لنيران ثلاثة أو أربعة صواريخ أخري من كل الاتجاهات‏.‏ والطيران المنخفض يجد نفسه أمام نيران صواريخ الضبع الأسود التي تتعامل مع الطيران المنخفض وتجبر الطيار علي الارتفاع ليتفاداها فيدخل في نطاق نيران الصواريخ‏!.‏ التجمع الجديد أصبح قادرا علي تقديم الحماية للقوات البرية في الجبهة وتقديم الحماية للعاملين في بناء المواقع المحصنة باستثناء شريط عرضه عشرة كيلومترات غرب القناة‏.‏

تلك كانت شهادتهم التي تؤكد وجود حائط صواريخ علي الجبهة‏!.‏

نحن في يوم‏30‏ يونيو‏1970‏ وهذا اليوم بالنسبة لنا مختلف تماما عن كل ما سبقه من أيام ولابد أن يكون مختلفا لأن لمصر منذ هذا الصباح حائط صواريخ قادرا علي منع العربدة الصهيونية في سماء مصر‏!.‏ هذه هي الحقيقة التي رفضت الغطرسة الصهيونية أن تفهمها وراحت تمارس نفس لعبة العربدة الجوية‏..‏ فماذا حدث؟‏.‏

في صباح يوم‏30‏ يونيو حلقت طائرة استطلاع صهيونية ورصدت أجهزة الرادار موقعها حيث تحلق علي ارتفاع‏12‏ كيلومترا وعلي حدود مدي نيراننا وبالفعل اشتبكت معها الكتيبة‏416‏ بصاروخ فلتت منه الطائرة وعادت لقواعدها لكن هذه المرة بالنبأ اليقين‏..‏ المصريون شيدوا حائط صواريخهم‏!.‏

حائط الصواريخ المصري توقع الهجوم واستعد للرد ومرت الثواني ببطء وليس الدقائق والساعات‏..‏ وبعد آخر ضوء رصدت الرادارات المصرية‏24‏ طائرة صهيونية قادمة لأجل تحطيم حائط الصواريخ وهذا فكرها وغرضها وحلمها‏,‏ لكن أبدا لن يتحقق وفي صدور الرجال‏..‏ رجال الدفاع الجوي قلوب تنبض‏!‏

معركة هائلة نشبت بين الأربع والعشرين طائرة وبين حائط الصواريخ المصري علي مواجهة‏110‏ كيلومترات وأسقط الدفاع الجوي المصري أربع طائرات‏..‏ اثنتين فانتوم واثنتين سكاي هوك وشهد يوم‏30‏ يونيو سقوط أول طائرة فانتوم بصاروخ مصري وتم أسر أربعة طيارين صهاينة‏!‏

يوم‏30‏ يونيو انتهي الأمر بعد أن عرف الصهاينة يقينا أن للمصريين دفاعا جويا قادرا علي الردع‏,‏ وفي أول مواجهة حقيقية أسقط أربع طائرات وأسر أربعة طيارين‏!.‏ عرف الصهاينة أن السماء علي القناة لم تعد متاحة ولا مباحة‏!.‏ أيقن الصهاينة أنه لا شيء في السماء بعيد عن متناول المصريين ابتداء من‏30‏ يونيو‏!‏

وجاء شهر يوليو ويبدو أن الصهاينة أرادوا المغامرة بشيء ستتوقف عليه أشياء‏!.‏ أرادوا التأكد من حقيقة هي مستحيلة‏..‏ حقيقة إقامة المصريين لحائط صواريخ دفاع جوي في الجبهة‏!.‏ الصهاينة لا يعرفون هو حلم أم علم‏..‏ خيال أم حقيقة‏..‏ هل حقا علي الجبهة حائط صواريخ مصري‏..‏ هل فعلها المصريون‏..‏ كيف والأمر مستحيل بكل الطرق وكل اللغات‏!.‏ خلاصة القول أراد الصهاينة القيام بهجوم جوي وبعدها يكون قرارهم الأخير‏!‏

فعلوها وجاء الرد منا عليهم كالضرب علي القفا‏!.‏ الدفاع الجوي المصري أسقط عشر طائرات صهيونية‏..‏ خمس في عين العدو فانتوم وهي آخر ما ابتكرت أمريكا‏..‏ وخمس أخري في العين الأخري سكاي هوك وخمسة ثالثة في عين العدو أيضا من الطيارين الصهاينة الأسري‏!‏

بعد الخمسات الثلاث‏..‏ خمس فانتوم وخمس سكاي هوك وخمسة طيارين أسري‏..‏ بعدها قال العدو حقي برقبتي‏..‏ ألا تكفي حرب الاستنزاف حتي تخرج علينا حرب الدفاع الجوي‏!‏ العدو الصهيوني استعان بصديق لأجل إعادة طرح مبادرة روجزر لإيقاف النار التي رفضها الصهاينة بعد يونيو‏1967!.‏ أمريكا أعادت طرح مبادرة روجرز بعد أن دخلت حرب الاستنزاف مرحلة استنزاف أرواح الصهاينة وبعد أن أدخل الدفاع الجوي حائط صواريخه للجبهة‏..‏ مسقطا أي طائرات حتي ولو كانت فانتوم‏!‏

مصر رفضت أن تكون المبادرة منها لقبول المبادرة وقبل الصهاينة أن يبادروا هم بالقبول وهذا علي خلاف الغطرسة الصهيونية‏,‏ لكنهم قبلوا لأن القوات الخاصة المصرية لا تهدأ وحائط صواريخ الدفاع الجوي لا يرحم‏!‏

يوم‏7‏ أغسطس وقبل إعلان وقف إطلاق النار يوم‏8‏ أكتوبر‏..‏ مصر تقدمت بحائط الصواريخ المصري‏30‏ كيلومترا تجاه القناة وأضافت أربع كتائب أخري للحائط‏,‏ وبذلك باتت قناة السويس سماؤها مؤمنة بصواريخ دفاع مصر الجوي‏,‏ وهذا أمر هائل ظهرت أهميته وقيمته وفعاليته فيما بعد‏!‏ وهذه حكاية أخري‏!‏

تحية لرجال الدفاع الجوي في عيدهم‏.‏

تحية لأرواح شهدائهم‏.‏

تحية إلي جيش مصر العظيم في الأمس واليوم وفي الغد وكل غد‏!‏

وللحديث بقية مادام في العمر بقية
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

بصراحة اخت ريم هذا الرجل انا احترمة كثيرا
واحترم اراءاه واتابعه دائما
شكرا للمجهود
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

عرفوا من السبت الحزين أنه لا مخلوق يحميهم من المصريين‏!‏
‏بقلم : إبـراهيـم حجـازي​



**‏ الرياضة نشاط عظيم لو تعلمون‏..‏ الرياضة صحة وعافية وقوة وشموخ‏..‏ الرياضة إنتاج واقتصاد‏..‏ الرياضة توازن بدني وصحي ونفسي‏..‏ الرياضة صمام أمان المجتمع‏..‏ الرياضة من خلال كرة القدم جعلت مصر كلها في عيد‏!.‏

الرياضة هي العمود الفقري للقوات المسلحة عموما والقوات الخاصة تحديدا حيث لا سقف للياقة البدنية عند مقاتلي الصاعقة والمظلات وهذا ما وضح في الاحتفال بيوم تفوق المظلات‏..‏ قوة وشموخ وعزة وكبرياء وكفاءة قوات المظلات المصرية وقبلها قوات الصاعقة تجعلني أقول مرة أخري‏:‏ ليت مصر كلها كانت تشاهد معي يوم تفوق قوات المظلات وتري مقاتلي المظلات وتزهو وتفخر برجال المظلات‏..‏ وليس هذا بجديد ولا مستغرب علي القوات الخاصة المصرية التي جعلت العدو يري نجوم الظهر كما يقولون‏!.‏ اليوم أواصل كلامي الذي بدأته من أسبوعين عن عملية‏30‏ مايو‏1970‏ التي أطلق عليها الصهاينة اسم السبت الحزين‏!.‏ الوقت أواخر أبريل وتعليمات جديدة من اللواء عبد المنعم واصل إلي المقدم نبيل الزفتاوي قائد المجموعة‏129‏ صاعقة‏.‏

التعليمات الجديدة الدفع بعدد‏2‏ كمين إلي شرق القناة الأول من الصاعقة في منطقة الكاب والثاني من اللواء‏135‏ مشاة في منطقة رأس العش‏..‏ وتحدد يوم‏30‏ مايو موعدا وهذا معناه تحرك قوة كل كمين ليلة‏29‏ لأجل أن يكونوا في موقع الكمين قبل طلوع فجر‏30‏ مايو وهذا ما حدث‏..‏

وأوضح أنهم سيقومون خلال ساعات الليل بحفر حفر برميلية وكل مقاتل في حفرة وكلما كانت صغيرة قلت فرصة العدو في اكتشافها ومعني هذا أن المقاتل سينزل في جوف الأرض داخل مساحة ضيقة يجلس فيها القرفصاء ومعه سلاحه وذخيرته ومياهه وغذاء جاف وعليه أن يقضي ساعات ربما تصل‏12‏ ساعة في هذه الحفرة التي ستكون أيضا بيت راحته إذا ما أراد قضاء حاجته‏!.‏

كمين الصاعقة صاحب ملحمة السبت الحزين في قيادته الملازم عبد الحميد خليفة عبد الرحيم والملازم محمد محمود التميمي والغريب والمدهش أن قيادة مجموعة الصاعقة اختارت نفس مكان كمين‏5‏ فبراير ليكون هو مكان كمين‏30‏ مايو والاختيار فيه جرأة وفيه فهم وفيه بعد نظر وفيه قراءة واضحة لعقلية الصهاينة وتفكيرهم بل وفكر النظريات العسكرية التي تستبعد أن تهاجم قوات من مكان واحد مرتين علي التوالي وما استبعدته النظريات ولم يفكر فيه الصهاينة نفذناه نحن وتحدد نفس المكان وهو الكيلو‏30‏ و‏400‏ متر عند القنطرة ليكون كمين‏30‏ مايو‏..‏ والمكان المحدد وصلته قوة الكمين قبل منتصف الليل وبدأ الحفر وخلال أربع ساعات كل مقاتل في حفرته ومعه سلاحه وذخيرته وتعيين قتاله ومياهه وفي قلبه شجاعة لا توصف وفي يقينه الانتصار وما عليه إلا الانتظار الذي سيطول ساعات ربما تقترب من مسافة نصف يوم والانتظار‏..‏ انتظار لحظة قتال من داخل حفرة ضيقة مظلمة الهواء لا يعرف طريقه إليها لأنها مموهة والمتروك للتهوية ثقب صغير حتي لا يراه أي عدو مترجل علي قدميه‏!.‏

الوقت يمر بطيئا والثواني كأنها ساعات والدقائق تحسبها أياما وهذه طبيعة الأمور والوقت عندما تريد مروره بسرعة يبدو وكأنه مشلول ويمر كلمح البصر فيما لو أردته بطيئا‏..‏ وأخيرا جاء الفجر وطلعت الشمس والمقاتلون في مكانهم بباطن الأرض يتعجلون قدوم الدورية المدرعة المنتظر له العاشرة صباحا‏..‏ ينتظرون قدومها لأنه علي أضعف الإيمان معناه أن العملية تسير وفق المخطط وكل ما عليهم انتظار عودتها بعد خمس ساعات تقريبا‏!.‏

ووصلت الدورية في العاشرة والنصف والكمين صامت وهو يودعها بأذنيه والأصوات تبتعد في طريقها للشمال في رحلة الذهاب وقبل أن تصل إلي الكيلو عشرة في رأس العش كانت قد وقعت في أحضان كمين المشاة الذي فتح نيرانه وأصاب من أصاب وقتل من قتل والعدو يلملم نفسه للهروب بأقل خسائر تجاه نقطة رأس العش القوية والمدهش أنه لم يحاول تفتيش المنطقة خوفا من التعرض لمزيد من الموت والخوف الذي تخطي مرحلة الجبن جاء في مصلحة مقاتلي الكمين الذين اختبأوا في الساتر الترابي ومعهم أسير صهيوني وبقوا في مكانهم حتي آخر ضوء وعادوا إلي الغرب بالأسير في الظلام‏...‏

لا النقطة القوية فكرت ولا ما تبقي من الدورية الصهيونية أراد‏..‏ وهم لم يفكروا ولم يريدوا خوفا من الوقوع في كمائن أخري للمصريين‏..‏ لهذا هم انشغلوا بإعداد الدورية للعودة إلي الجنوب لإجلاء جرحاهم وموتاهم ونقطة القنطرة التي هي نقطة الوصل ما بين الجبهة والقيادة الصهيونية في الخلف‏!.‏ دورية العدو استعدت للعودة بعد دعمها بقوات جديدة لحمايتها‏..‏ تحركت في عربة جيب وعربتين مدرعتين ودبابتين وأوتوبيس مجهز لنقل الجرحي‏..‏

وتحركت الدورية الصهيونية من رأس العش متجهة إلي القنطرة وليس في ذهن صهيوني واحد أن يكون في انتظارها كمين رابض في قلب الأرض من ساعات طويلة وينتظر تلك اللحظات التي تدخل فيها الدورية من الحد الأيسر للكمين وصمت النيران مستمر إلي أن تبلغ مقدمة الدورية الحد الأيمن للكمين‏..‏ وهذه اللحظات جاءت بعد انتظار ساعات‏..‏

الجحيم في وضح النهار ظهر والساعة تخطت الثالثة بعد ظهر‏30‏ مايو والجيب والمدرعتان والدبابتان والأوتوبيس‏..‏ ساحت من كم النيران الهائل الذي لم يفلت منه أحد والخسائر‏39‏ قتيلا والوحيد الذي فلت بعمره هو الأسير‏..‏ يائير دوري‏..‏ الذي نشرت جريدة الأخبار الصادرة يوم‏2‏ يونيو‏70‏ صورته وصورة الرقيب أول حسن خليل وهو صف ضابط مصري مجند وأشارت إلي العملية الفدائية بقولها‏:‏ إن قائد هذه المجموعة شاب خجول متواضع اسمه عبد الحميد من محافظة سوهاج متخرج من ستة أشهر ويحمل رتبة الملازم والكلام علي الملازم عبد الحميد خليفة وأشير هنا إلي أن مجموعة الصاعقة الفدائية لم تفقد أحدا من رجالها في هذه العملية لأن ما حدث في كمين‏5‏ فبراير درس تمت الاستفادة منه‏!.‏ أشير إلي أن الملازم عبد الحميد خليفة والملازم محمد التميمي مع ضباط الصف والجنود الذين نفذوا هذه العملية‏..‏ غيروا بعمليتهم الشجاعة الجريئة نظريات عسكرية وأكدوا أنه لا قوة علي ظهر الأرض بإمكانها أن توقف المصريين أو تحمي الصهاينة من المصريين‏!‏

العدو خسر أكبر عدد من جنوده في يوم واحد في كمين‏30‏ مايو وقبلها بأسبوع تقريبا قوات الدفاع الجوي المصري قامت بمذبحة للطيران الصهيوني أسقطت خلالها خمس طائرات فانتوم في ضربة واحدة‏..‏

هنا عرف الصهاينة أن لحم المصريين مر وأن أسطورة الجيش الذي لا يقهر وهم وأن الأمر يتطلب الاستعانة فورا بصديق وأمريكا الصديق‏!.‏

خلال‏20‏ يوما ظهرت مبادرة روجرز ووافقت إسرائيل فورا عليها بعد السبت الحزين‏..‏ وهي التي رفضت من منطق القوة أية مبادرات لوقف إطلاق النار من يونيو‏1967!.‏

تحية إلي مقاتلي الصاعقة الذين نفذوا عملية السبت الحزين بقيادة عبد الحميد خليفة ومحمد التميمي‏..‏ تحية إلي المقاتلين‏..‏ المساعد أول فاروق هيكل ورقيب أول مجند حسن خليل وأوضح هنا أنه نادرا ما يصل مجند إلي رقيب أول لكن بطلنا حسن خليل وهو مجند مؤهلات عليا حصل علي هذه الترقيات من خلال بطولات‏!.‏ تحية إلي المقاتلين شكري هاشم وحماد إبراهيم وأبو الحمد سيد أحمد وعبدالرءوف جمعة وعبدالله مصطفي وسيد محمد علي وخليفة متري وأتوقف أمام الرقيب مجند خليفة متري ميخائيل المتميز بالقوة واللياقة والصحة والذي كان ضمن مهمته حمل الأسير من الشرق للغرب ونفذها بدقة وعندما حاول الأسير الهرب في عرض القناة قفز وراءه في الماء وطعنه بالخنجر وحمله عائدا به إلي الغرب‏!.‏

تحية إلي جيش مصر العظيم في الأمس واليوم وفي الغد وكل غد‏.‏

وللحديث بقية مادام في العمر بقية
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

حرب أكتوبر‏64‏ معركة‏..‏ انتصرنا في‏51‏ بشهادة ديان
وكيسنجر وديبويه وبوف وقائد الـ‏200‏ قتيل الذين مزعتهم الكتيبة‏16‏ مشاة‏!‏
بقلم : إبـراهيـم حجـازي


خير اللهم اجعله خير‏!.‏
في شهر واحد هو أكتوبر الذي نحن فيه‏..‏ يطلع علينا في أوله من يسأل‏:‏ حرب أكتوبر تحريك أم تحرير؟ وقبل أن يغادرنا أكتوبر الذي نحتفل فيه سنويا بأعظم انتصارات الأمة‏..‏ قبل أن يرحل الشهر فوجئنا بوزير خارجية إنجليزي سابق لا أعرف من الذي رماه علينا في ندوة بالجامعة الأمريكية لم تكن حرب أكتوبر موضوعها وفيها قال إن مصر انهزمت في حرب أكتوبر‏1973.‏ قال ذلك في حضور كبير يتصدره الأستاذ هيكل الذي أدار الندوة والأستاذ لم يعقب علي الكلام ولا أدري هل جاء صمت الأستاذ هيكل ترفعا عن الرد علي كلام فارغ لا يستحق ردا أم كان صمت الأستاذ هيكل موافقة ضمنية علي أن مصر انهزمت؟‏.‏

هو فيه إيه؟‏.‏
في شهر واحد وليس بأي شهر‏..‏ حملة تشكيك بدأت في الفضائية إياها وتم استكمالها في الجامعة الأمريكية التي كبرت وانتشرت وتغلغلت واستشرت أدوارها في المجتمع‏!.‏ التشكيك في أنها لم تكن حربا ولا حاجة ثم التأكيد علي أننا تحديدا في الحرب التي لم تكن حربا ولا حاجة‏..‏ انهزمنا‏!.‏ هل حرب التشكيك والأكاذيب لنسف أعظم عمل وأعظم فكر وأعظم تخطيط وأعظم تنفيذ وأعظم انتصار‏..‏ هل هذا الأمر له علاقة بما عليه أمة العرب‏..‏ بما يحدث في فلسطين والعداء الذي استحكم بين أبناء الشعب الفلسطيني؟‏.‏

هل له علاقة بحدوتة دارفور التي تنزف في الجسد السوداني؟‏.‏
هل له ارتباط بالكارثة التي يعيشها اليمن؟‏.‏ هل له صلة بسوريا التي تقرقش الزلط للدنيا كلها وتتمني همسة لأجل أن تزعل وتنقمص وتأخذ جنبا منا؟‏.‏ هل حملة التشكيك لها علاقة بالدولة العربية إياها التي تحلم بزعامة العرب وقيادة العرب؟‏.‏ الله وحده الأعلم بالحقيقة وإن كانت الشواهد تترك لنا استنتاجات ربما تكون أقوي من المعلومات‏..‏ استنتاجات تؤكد أن القادم علي الأمة العربية صعب جدا عليها وسهل جدا علي عدونا‏!.‏ صعب علينا لأننا بطبعنا مختلفون وبقليل من التركيز معنا وعلينا أصبحنا ألد الأعداء لأنفسنا ولذي يراجع الإنترنت بمناسبة مباراة مصر والجزائر سيكتشف بشاعة ما وصلنا إليه من تشرذم وتفرق وعداء والأمة تمزقت وقوة دفعها تلاشت لأن كل دولة في واد‏..‏ وهذا ما يجعل القادم صعبا جدا علي أمتنا وسهلا جدا علي عدونا الذي يتفرج علي أمة تتباعد وتتفرق وتتهاوي‏!.‏

الذي يعنيني اليوم وكل يوم وحتي آخر يوم‏..‏ حرب أكتوبر لأنها الشاهد علي عبقرية شعب وشجاعة شعب‏..‏ لأنها العنوان الصحيح في حياتنا الذي إن فهمناه وعرفناه وسلكناه حتما ننتقل من حال إلي حال‏!.‏ حرب أكتوبر يريدون دفنها‏..‏ يدفنون أعظم ما فكرنا وعملنا وأنجزنا‏!.‏ يدفنون أعظم انتصار في تاريخنا‏..‏ ربما لتتساوي الرءوس‏..‏ رءوس الدول في أمة العرب‏!.‏

أن يقول وزير خارجية بريطانيا الأسبق إن مصر انهزمت في حرب أكتوبر فهذا كلام فارغ لا يستحق ردا لكنني مضطر للرد لأن قرابة ثلثي الشعب المصري لم يعايشوا هذه الفترة ولا يعرفوا تفاصيلها وأحداثها ولأن حرب أكتوبر لم تسجلها السينما في أعمال فنية تتناسب مع حجم الانتصار ولأن الذي يكتب عن أكتوبر نادر‏!.‏ أكتب لأن حرب أكتوبر وبطولاتها وملاحمها وأبطالها‏..‏ هي الإنجاز وهي الانتصار وهي الزاد الوحيد للشباب في هذه الأيام المسطحة‏!‏

حرب أكتوبر فيها من الأحداث المثبتة التي أقرها واعترف بها العدو ما يملأ مجلدات وما ينسف ادعاء وزير خارجية بريطانيا وأتمني أن تتسع المساحة لنقاط تلخيص هذه الأحداث‏:‏

‏1‏ـ لو أن حرب أكتوبر تمثيلية وتحريك وليس تحريرا كما يدعون ما كانت معركة الدهاء والذكاء التي خططتها ونفذتها مصر باقتدار قبل‏6‏ أكتوبر ولعل أعظم ما في هذه المعركة هو أن تجعل عدوك يتشكك في قراره وهذا مثال‏!.‏

الفدائيون الفلسطينيون خطفوا قطارا يستقله مهاجرون يهود يتم تجميعهم للهجرة إلي إسرائيل‏.‏ العملية تمت في النمسا وجولدا مائير سافرت إلي هناك ووجدها الرئيس السادات فرصة‏!.‏ أرسل يوم‏3‏ أكتوبر‏1973‏ إسماعيل فهمي إلي مستشار النمسا برسالة لأجل أن يبلغها المستشار إلي جولدا مائير والرسالة أنه إذا اتجهت إسرائيل للسلام فلن تكون هناك عمليات اختطاف لقطارات أو طائرات وسنعمل جميعا علي استقرار المنطقة‏!.‏ السادات برسالته في هذا التوقيت الذي يبعد‏72‏ ساعة فقط عن موعد حرب أكتوبر جعلها تتشكك في توجه مصر للحرب‏..‏

وهذا ما وضح صباح يوم‏5‏ أكتوبر خلال اجتماع مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر أو مجلس الحرب بعد أن وصلت إلي إسرائيل معلومة بأن المصريين سوف يقومون بالحرب يوم‏6‏ أكتوبر‏!.‏ جولدا مائيرعارضت المجتمعين الذين يرون أن مصر سوف تحارب بعد أن ابتلعت طعم التشكيك‏..‏ وانفض الاجتماع بتولي مائير رئيسة الوزراء وديان وزير الدفاع المسئولية في اتخاذ أي إجراءات فيما لو حاولت مصر وسوريا شن الحرب‏..‏ بل إن مائير أرسلت للولايات المتحدة رسالة لإبلاغها لمصر بأنها لن تحاربها حاليا‏!.‏ الخداع المصري علي أعلي مستوي لدرجة أنه جعل إسرائيل نفسها تشك في نية الحرب لدي المصريين وهذا الكلام متي؟‏.‏ قبل‏24‏ ساعة فقط من الموعد المقرر للحرب‏!.‏ حرب الذكاء والدهاء انتصار سياسي حمل معه بوادر الانتصار العسكري علي أرض المعركة‏!.‏

‏2‏ـ موشي ديان أسطورة العسكرية الإسرائيلية ووزير الدفاع وقتها‏..‏ أتوقف أمام ثلاثة مواقف له معلنة ومعروفة ومنها تعرفون حضراتكم من الذي انتصر في حرب أكتوبر‏!.‏

الموقف الأول‏..‏ بعد تلقي إسرائيل معلومة أن الحرب يوم‏6‏ أكتوبر والمعلومة تلقتها من العميل المأمون حسب وصفهم له‏..‏ موشي ديان توجه بنفسه إلي الجبهة المصرية وفي الحادية عشرة صباحا وصل إلي النقطة القوية في نمرة‏6‏ شمال الإسماعيلية وهناك رصدته نقاط ملاحظة اللواء الرابع مشاة واستأذن قائد اللواء القيادة في ضرب وزير الدفاع ومن معه من قادة إلا أن التعليمات رفضت الإجراء حتي لا يحدث أي شيء علي الجبهة قبل ثلاث ساعات من ساعة الصفر‏..‏ والمهم هنا أن ديان تأكد بنفسه مما رآه أن المصريين لن يحاربوا والذي رآه لا يوحي مطلقا بأن المصريين سيحاربون لا اليوم ولا في أي يوم قريب‏!.‏

الموقف الثاني من ديان جاء بعد عودته من الجبهة وبعد أن فوجئوا بضربة الطيران وبدء الحرب‏.‏ الصحفيون سألوا ديان‏:‏ ماذا أنت فاعل؟‏.‏ قال‏:‏ أمامنا‏48‏ ساعة تعبئة و‏48‏ ساعة بعدها لدحر الجيش المصري والجيش السوري والـ‏48‏ ساعة الأخيرة لدخول القاهرة ودمشق‏!.‏

الموقف الثالث بعد أقل من‏72‏ ساعة من تصريحاته التي أكد فيها للصحفيين أن الـ‏48‏ ساعة الثالثة سيكون جيش إسرائيل قد وصل فيها إلي القاهرة ودمشق‏!.‏ ديان قال في مؤتمر صحفي ما جعل جولدا مائير تمنع نشر كلامه في الإعلام خشية تدمير الروح المعنوية لجيشها وشعبها وقامت بتعيين الجنرال حاييم هرتزيك مدير المخابرات السابق متحدثا عسكريا ورقيبا علي المعلومات المصرح بنشرها‏!.‏ الذي قاله ديان إقرار بهزيمته واعتراف بانتصارنا‏!.‏ ديان قال بالحرف الواحد الآتي في إجاباته علي الصحفيين‏:‏

نعتذر لأننا غير قادرين علي رد المصريين‏.‏ المصريون لديهم معدات ضخمة وهم مختلفون تماما عن أي حرب سابقة‏.‏ ما نمتلكه من دبابات وسلاح وطيران قوي لم يمكننا من الرد علي المصريين‏.‏ سوف أذهب إلي رئاسة الوزراء وأطلب الانسحاب إلي خطوط خلفية‏.‏ نحن غير قادرين علي مجابهة المصريين‏.‏ قتلانا كثيرون ونحن غير قادرين علي مواجهتهم‏.‏ دباباتهم كثيرة وصواريخهم فاعلة وتقتل دباباتنا وصواريخ الدفاع الجوي قتلت الكثير من طائراتنا‏.‏ معذرة فأنا غير قادر علي مواجهة المصريين علي الجبهة الجنوبية‏.‏

‏3‏ـ جولدا مائير يوم‏9‏ أكتوبر اتصلت تليفونيا بهنري كيسنجر وزير خارجية أمريكا وقالت له وهي تبكي وهذا كلامهم وهذا منشور عندهم‏..‏ قالت وهي تصرخ‏:‏ أنقذونا‏!.‏ إسرائيل في ضياع‏.‏ فقدنا أكثر من‏400‏ دبابة وأكثر من‏50‏ طائرة‏!.‏ مائير طلبت التوجه إلي واشنطن لتوضح بنفسها الموقف لكنه طلب منها عدم القيام بهذه الخطوة حتي لا تدل علي هزيمة إسرائيل‏.‏

‏4‏ـ كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي اليهودي الديانة له هو الآخر ثلاثة مواقف‏!‏

الأول‏:‏ يوم‏6‏ أكتوبر عندما أيقظوه من النوم وأبلغوه بأن الحرب بدأت في الشرق الأوسط‏!.‏ كيسنجر اتصل تليفونيا بوزير الخارجية المصري أحمد حسن الزيات الموجود في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة ووجوده هناك قبل‏6‏ أكتوبر جزء من عملية الخداع المصري‏!.‏ المهم أن كيسنجر أبلغ الزيات بثلاثة قرارات‏.‏ الأول وقف إطلاق النار فورا‏.‏ الثاني قبول لجنة تحقيق لتحديد من الذي بدأ إطلاق النيران‏.‏ الثالث انسحاب الجيش المصري فورا إلي غرب القناة‏!.‏ الزيات أبلغ الرسالة ومصر رفضتها شكلا وموضوعا‏!.‏

الموقف الثاني لكيسنجر قبل يوم‏8‏ أكتوبر‏..‏ عمل علي إيقاف أي قرارات تصدر من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن خاصة بحرب الشرق الأوسط‏..‏ انتظارا إلي ما سيسفر عنه هجوم الجيش الإسرائيلي المضاد والمحدد له صباح يوم‏8‏ أكتوبر‏!.‏ كيسنجر أوقف عقارب الساعة ونجح في أن يجعل دول أوروبا لا تتدخل لا من قريب ولا من بعيد إلي أن يمر يوم‏8‏ أكتوبر ليقينه أن الجيش الإسرائيلي سوف يكتسح القوات المصرية في شرق القناة ويعبر إلي غرب القناة ويحتل السويس قبل أن تغيب شمس‏8‏ أكتوبر‏..‏ فماذا حدث؟

بدأ الهجوم المضاد في التاسعة صباحا بتوقيت القاهرة الثانية بعد منتصف الليل في واشنطن وكيسنجر نائم وفي بطنه بطيخة صيفي وعندما استيقظ أبلغوه بأن الجيش الذي لا يقهر تدمرت له‏143‏ دبابة ووقع في الأسر من وقع وقتل من قتل والفرق المدرعة الثلاث الصهيونية انسحبت‏..‏ وعندما عرف كيسنجر جاء موقفه الثالث وفيه قال ما لم ينطق به مسئول أمريكي أو غربي علي مدي سنوات الصراع العربي الصهيوني‏..‏ قال بالحرف الواحد‏:‏ إن مصر والعرب أحرزوا نصرا في منطقة الشرق الأوسط وهذا النصر له قيمة استراتيجية هائلة ولن تعود العجلة للوراء‏!.‏ الذي قاله كيسنجر أول تصريح يعني تحقيق المصريين انتصارا كبيرا في حرب أكتوبر‏1973..‏ فهل نصدق كيسنجر وما قاله يوم‏8‏ أكتوبر‏1973‏ أم نصدق وزير خارجية إنجليزي سابق بعد‏36‏ سنة من الحرب وهو يعلن أن مصر انهزمت؟

‏5‏ـ مدير المخابرات الإسرائيلية إيلي زاعيرا في كتابه حرب يوم الغفران قال بالحرف الواحد‏:‏

إن خطة الخداع المصرية هي أكبر نجاح علي المستوي الاستراتيجي وتكمن عظمة الخطة وسر نجاحها في الإدراك بأنه لكي تنجح في خداع الجيش الإسرائيلي أن تنجح في خداع الجيش المصري نفسه إلي ما قبل لحظة بدء الحرب ذاتها ومن أجل خداع الجيش المصري كان لزاما علي السادات ومجموعة كاتمي الأسرار المحدودة أن ينفذوا ثلاثة شروط‏:‏

الأول‏:‏ الحرص علي أن يبقي توقيت الحرب سرا دفينا وألا يوزع كأمر عمليات سري للغاية إلا في آخر لحظة‏.‏

الثاني‏:‏ إلغاء الحاجة إلي إجراءات الحشد والاستطلاع قبل شن الحرب نظرا إلي أن مثل هذه الأعمال بطبيعتها تكشف النقاب عن النيات‏.‏

الثالث‏:‏ وضع خطة حرب بسيطة وفاعلة لا تحتاج إلي إجراءات أو تحركات معقدة تتطلب تغييرات في أوضاع القوات علي الجبهة‏..‏ وقد نجح الجيش المصري في استيفاء وتحقيق كل شروط المفاجأة بل إن كل مناوراته اعتبارا من‏1971‏ كان هدفها الإعداد لتنفيذ خطة بسيطة يفاجئ بها الجيش الإسرائيلي‏!.‏

هذا كلام مدير المخابرات الإسرائيلي‏..‏ فهل في كلامه ما يفيد أو يشير أو يلمح إلي أن مصر انهزمت؟

‏6‏ـ خبراء الاستراتيجية في العالم وقت حرب أكتوبر وبعدها ولا أظن أن وزير الخارجية الإنجليزي واحد منهم‏..‏ جميعهم أجمع علي انتصار مصر‏..‏ وأكتفي هنا بكلام ديبويه وهو من أكبر خبراء الاستراتيجية في أمريكا وقتها‏..‏ والجنرال الفرنسي بوف قائد القوات الفرنسية في العدوان الثلاثي علي مصر‏...‏ اجتمع الخبير الأمريكي والخبير الفرنسي علي شيء واحد قالا فيه‏:‏

لا يحق لأي جيش في العالم مهما كانت درجة تقدمه أن يدعي أنه كان بإمكانه أن يخطط أو ينفذ حربا علي نفس الدرجة التي أدار بها الجيش المصري حرب‏1973...‏

بل إن ديبويه ذكر في كتابه النصر المراوغ أن ما قامت به إسرائيل في عملية الثغرة هزيمة وعملية تليفزيونية أدت إلي تحقيق الهدف المصري في إطالة زمن الحرب ووضعت إسرائيل نفسها في وضع حصار لقواتها في الثغرة لم تنقذها منه إلا الولايات المتحدة الأمريكية في صفقة فض الاشتباك الأولي التي وقعت في‏17‏ يناير‏1974.‏

‏7‏ ـ الخبير الاستراتيجي الأمريكي شهد بأن الثغرة لم تكن انتصارا ووزير الخارجية الإنجليزي إياه يري أنها انتصار معه مصر تعتبر مهزومة‏!.‏

طيب إن كانت الثغرة هزيمة لنا والمنتصر يملي إرادته علي المهزوم‏..‏ لماذا لم تتغير الأوضاع والمهزوم يعود إلي غرب القناة؟‏.‏ هل عاد جيش مصر للغرب بعد الثغرة أم أنه بقي في شرق القناة بعمق‏15‏ كيلومترا وبمواجهة‏168‏ كيلو؟‏.‏ وهل الثغرة التي تمت في مواجهة نصف كيلو علي القناة تقارن عسكريا باقتحام‏80‏ ألف مقاتل وألف دبابة للقناة واجتياحهم الساتر الترابي وإسقاطهم‏31‏ نقطة قوية هي خط بارليف وتقدمهم‏15‏ كيلو في العمق واحتلالهم جميع الهيئات الحاكمة الاستراتيجية مثل تبة الطاليا وتبة الشجرة؟‏.‏ هل ما قام به فؤاد عزيز غالي يوم‏7‏ أكتوبر واستيلاؤه علي القنطرة شرق وإسقاطه‏6‏ نقاط قوية‏..‏ ليس انتصارا؟‏.‏ هل معارك يوم‏8‏ أكتوبر التي قادها حسن أبوسعدة وتدمير‏143‏ دبابة صهيونية وأسر وتدمير كتيبة بأكملها وأسر وقتل أفرادها وأولهم قائدها عساف ياجوري‏..‏ هل كانت انتصارا أم هزيمة؟ هل كانت معارك يوم‏9‏ أكتوبر التي قادها عبدرب النبي حافظ وتدميره‏113‏ دبابة‏..‏ هل كانت هزيمة؟‏.‏ هل ما حدث في الثغرة غرب القناة‏..‏ مساحة وخسائر وتأثيرا يقارن بشيء مما حدث للصهاينة شرق القناة في سيناء؟‏.‏ فعلا اللي اختشوا ماتوا‏!.‏

‏8‏ـ الثغرة حققت نجاحا محدودا للعدو دفع مقابله خسائر فادحة أضيفت لرصيد انتصاراتنا وموشي ديان هو الذي قال ذلك في كتابه حياتي‏:‏ القوات الإسرائيلية في الثغرة وما قبلها وقعت بها خسائر لم تكن في حسباننا وعندما ذهبت لأشاهد آثار المعركة في منطقة المزرعة الصينية وجدت مئات الدبابات والعربات التي احترقت ومازال الدخان يتصاعد منها وتجولت لكي أري لمن تتبع هذه الدبابات وكنت أتمني ألا أجد عليها العلامات الإسرائيلية لكنني للأسف وجدت هذه العلامات كثيرة‏..‏ كثيرة جدا‏!.‏

‏9‏ـ يوم‏17‏ أكتوبر حاول لواء مظلي صهيوني الهجوم علي كتيبة من الفرقة‏16‏ المصرية‏.‏ اللواء المظلي سقط منه‏200‏ قتيل بخلاف الجرحي والأسري واضطرت قيادة العدو لنجدته بكتيبتين مدرعتين لأجل إنقاذ ما تبقي من قواته التي وقعت في أتون نيران الكتيبة‏16‏ من الفرقة‏16‏ في شرق الدفرسوار‏...‏

الكلام هنا لموشي ديان في كتابه عن هذه المعركة ويحكي ديان أنه قابل بعدها مباشرة قائد اللواء المظلي بعد إنقاذه ومن تبقي من قواته‏..‏ من الكتيبة‏16‏ المصرية المتوحشة‏..‏ ديان يحكي أنه وجد الكولونيل عوزي مائير قائد اللواء المظلي في حالة نفسية سيئة ويكاد يبكي وهو يقول لوزير دفاعه‏:‏ لماذا قمتم بدفعي لهذه المعركة؟ من يعوضنا عن مئات القتلي والجرحي؟‏.‏ أنا غير قادر الآن علي الدخول في معارك أخري إلا بعد إمدادي بقوات جديدة‏!.‏

علي فكرة‏:‏ العدو يتباهي بأن رجال المظلات عنده‏..‏ علي أعلي مستوي من الكفاءة والشراسة‏..‏ وقائد اللواء المظلي تصور أنه سيمزق المصريين إن وقفوا في طريقه‏!.‏ اللواء المظلي قبل أن يهاجم الكتيبة‏16‏ مشاة سبقته تحضيرات مدفعية وضربات جوية للمنطقة التي سيتقدم منها وعندما حاول التقدم وجد المقاتلين المصريين تنشق الأرض عنهم والواحد منهم بمائة‏..‏ والكتيبة‏16‏ مشاة بعد ضربها بالمدفعية والطيران صدت ودمرت لواء مظليا وأجبرته علي الانسحاب وعلي ترك قتلاه وأسلحته وذخائره‏!‏ الذي أشار إلي الانتصار الساحق للكتيبة المصرية هو نفسه الكولونيل عوزي مائير قائد اللواء المظلي الصهيوني المهزوم في حديثه مع وزير دفاعه موشي ديان والذي أذاع هذه الشهادة موشي ديان نفسه في كتابه حياتي والكتاب من جزءين وموجود‏...‏

ليس صحيحا أن الثغرة وما تلاها من معارك كانت انتصارا للعدو أو حتي في مصلحة العدو وهذا ما اتضح بعدها لإسرائيل وأمريكا عندما اكتشفوا أن قوات الثغرة محاصرة من ثلاث جهات في الغرب وهلاكها مؤكد لأنه بمجرد الهجوم المصري سيغلق الجيشان الثالث والثاني الجهة الرابعة في الشرق‏!.‏ ثم إن الخسائر التي كبدها الجيش المصري للصهاينة في الثغرة وما بعدها رهيبة وإذا كانت الأيام الأولي من القتال قد شهدت تدمير‏500‏ دبابة فإن الثغرة وما تلاها دمرنا فيها للعدو‏400‏ دبابة‏..‏ والطائرات التي سقطت ارتفع عددها من‏50‏ طائرة إلي‏127‏ طائرة بعد الثغرة‏..‏ فأين الهزيمة؟

ملاحظة‏:‏ الكتيبة‏16‏ من الفرقة‏16‏ التي جعلت لواء مظليا صهيونيا يري الجحيم قبل أن تقوم القيامة‏..‏ قائدها المقدم محمد حسين طنطاوي‏!.‏

‏10‏ـ يوما‏23‏ و‏24‏ أكتوبر حاول إبراهام أدان قائد الفرقة‏162‏ مدرع الهجوم علي السويس والاستيلاء عليها كهدف استراتيجي لتعلن إسرائيل أنها داخل العمق المصري‏..‏ فهل تحقق هذا؟‏.‏ الفرقة‏162‏ هاجمت السويس من ثلاثة اتجاهات‏.‏ الشمالي طريق المعاهدة والغربي طريق القاهرة السويس والجنوبي حوض الدرس‏.‏ العدو خطته الاندفاع بأقصي سرعة بمدرعاته وهذا أسلوبه وهذا ما فشل فيه ولم يتعلم من يوم‏8‏ أكتوبر يوم تحول قطاع الجيش الثاني المصري إلي مقبرة لهجوم العدو المدرع‏..‏ مقبرة اندفنت فيها‏143‏ دبابة تحطمت ومئات الجثث‏!.‏ المهم أن خطة الاستيلاء علي السويس عن طريق الاندفاع بأقصي سرعة للدخول إلي وسط السويس في أسرع وقت‏..‏ فحدث للفرقة‏162‏ المدرعة وقائدها إبراهام أدان ما حدث للقوات البريطانية وقائدها فريزر سنة‏1807‏ عندما دخلوا رشيد‏..‏ اكتشفوا أنهم دخلوا بأرجلهم جهنم‏..‏ نيران من كل الأجناب والدبابات الصهيونية تحترق والمقاومة الشعبية مع القوات المسلحة في ملحمة شجاعة فائقة والدبابات تحترق ونداءات اللاسلكي الصادرة عنها لا تحمل إلا إشارات استغاثة مفادها أننا نتدمر وأغيثونا وجاء الرد من قائد الفرقة انسحبوا بأسرع ما يمكن ومثلما اندفعوا ل
إسقاط السويس بسرعة انسحبوا من جحيم نيران السويس بسرعة أكبر‏..‏ تاركين خلفهم خسائر لا تحصي ولا تعد‏!.‏

‏11‏ـ حرب أكتوبر شهدت‏64‏ معركة والمعركة هي القتال الذي يشارك فيه لواء فما فوق وأي اشتباكات بين تشكيلات أقل لا تحتسب معارك‏!.‏ الـ‏64‏ معركة التي دارت بين قواتنا والعدو‏..‏ قواتنا حققت نصرا حاسما ساحقا مطلقا في الأرواح والمعدات في‏51‏ معركة واستولت علي مساحة أرض كان العدو يحتلها بمواجهة‏168‏ كيلو وعمق‏15‏ كيلو وهذه المساحة بما كان عليها من‏31‏ نقطة قوية لا تقارن لا شكلا ولا موضوعا ولا استراتيجيا بالمساحة التي حوصرت قواتهم فيها في الثغرة‏..‏ فأين هي الهزيمة؟‏.‏

‏12‏ـ يوم‏10‏ أكتوبر جولدا مائير غيرت أغلب القيادات علي الجبهة المصرية وتغييرها دليل إخفاقها وهزيمتها ولو كانت ناجحة منتصرة ما تغيرت‏..‏ وما حدث بعد يوم‏10‏ أكتوبر من معارك في الثغرة والسويس خسائرهم فيه فادحة باعتراف وزير دفاعهم في مذكراته ومعارك المزرعة الصينية يوم‏17‏ أكتوبر شاهدة والكتيبة‏16‏ المصرية مزعت لواء مظليا صهيونيا‏..‏ والاختراق الذي حدث في الثغرة لا يقارن بحال بالاقتحام الذي نفذته خمس فرق مصرية للقناة واختراقها الساتر الترابي واستيلائها علي خط بارليف الذي قالوا عنه أقوي خط دفاعي عرفته العسكرية بالعالم‏..‏ فمن أين حدثت الهزيمة التي يتكلم عنها وزير خارجية إنجليزي سابق؟

‏13‏ـ الكل يغفل الجسر الجوي الأمريكي الذي بدأ يوم‏10‏ أكتوبر وحتي‏13‏ أكتوبر بطائرات إسرائيلية ومن يوم‏13‏ دخلت الطائرات الأمريكية العملاقة التي نقلت لإسرائيل‏28‏ ألف طن من الأسلحة الأحدث علي الإطلاق من ترسانة السلاح الأمريكي أما البحرية الأمريكية فقد نقلت لإسرائيل‏36‏ ألف طن سلاح وذخيرة لتعويض الخسائر‏,‏ والدبابات الـ‏900‏ التي تدمرت بدأ استعواضها والمعارك قائمة والطائرات العملاقة تحمل دبابات أمريكية علي الزيرو‏..‏ وفي المقابل الجسر السوفيتي قدم لمصر وسوريا‏15‏ ألف طن مناصفة والمشكلة أن ما وصلنا من إمداد اختلف كثيرا عما طلبناه من ذخائر وصواريخ وأسلحة‏..‏ ومع هذا‏!.‏

جيش مصر انتصاره مطلق في‏80‏ بالمائة من المعارك علي الصهاينة‏..‏ فمتي حدثت الهزيمة التي يحكيها الوزير الإنجليزي السابق في ندوة بالجامعة الأمريكية؟‏.‏

‏14‏ـ لو كانت الثغرة انتصارا هائلا للعدو وهزيمة تامة لنا لأجبرونا علي الانسحاب من سيناء والعودة إلي غرب القناة لأن المنتصر يفرض إرادته علي المهزوم وهذا لم يحدث لأننا لم ننهزم والذي حدث أن‏80‏ ألف مقاتل مصري اقتحموا القناة رغم أنف الصهاينة ورغم المانع المائي ورغم الساتر الترابي ورغم خط بارليف‏..‏ اقتحموا القناة وتقدموا في العمق‏15‏ كيلومترا بعرض‏168‏ كيلو وهذا الانتصار العسكري لنا جاء علي حساب هزيمة لهم راح فيها أربعة آلاف قتيل وسقطت فيها أسطورة جيش لا يهزم وتعلم منها العدو أن احتلال الأرض لا يضمن أمنا ولا أمانا‏..‏ عرفوا هذا في حرب الاستنزاف وتأكدوا يقينا منه في حرب أكتوبر‏..‏

الأحداث كثيرة والحقائق أغلبنا لا يعرفها والحقيقة المعلنة بوضوح منذ بدأ الصراع العربي الصهيوني أن أمريكا والغرب مع الصهاينة علي طول الخط‏..‏

إن كانت هذه هي الحقيقة‏..‏ فكيف ننتظر اليوم من مسئول إنجليزي سابق أو حالي شهادة حق؟

شهادة الحق لن تحدث ولن ننتظرها منهم ولكن‏...‏
ما لم أكن أنتظره شهادة الصمت من مصريين‏..‏ هانت عليهم أرواح شهداء قدموا حياتهم فداء لوطن‏...‏

وللحديث بقية مادام في العمر بقية
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

هذا ما قاله الشيخ سالم للعدو قبل‏41‏ سنة‏!‏



**‏ في تاريخ الشعوب أيام يجب ألا تنسي والشعوب الواعية تطبع مثل هذه الأيام في عقول وقلوب ووجدان أبنائها ليتوارثوها جيلا بعد جيل لما فيها من ولاء وانتماء وفخر وكرامة وعزة و‏....‏

يوم‏26‏ أكتوبر‏1968‏ واحد من هذه الأيام العظيمة والمهمة في تاريخ مصر وفيه تجلت وتجسدت أصالة شعب مصر العظيم‏...‏

في هذا اليوم من‏41‏ سنة وجهت إسرائيل الدعوة لوكالات الأنباء العالمية ومراسلي التليفزيون والصحف من كل أنحاء العالم لحضور مؤتمر صحفي يعلن فيه موشي ديان وزير دفاع العدو مفاجأة‏...‏

قوات العدو رتبت لهذا المؤتمر في الحسنة بوسط سيناء وأحضرت شيوخ وعواقل قبائل سيناء ليعلنوا علي العالم المفاجأة التي ستفحم مصر‏....‏

هذا ما تم ترتيبه بدقة وفي سرية من جانب العدو المعتقد أن المصريين في غيبوبة وكيف لهم أن يعرفوا ما يدور في سيناء التي تم أسرها في يوم‏5‏ يونيو‏1967‏ ؟

الذي لم يعرفه الصهاينة ولن يعرفوه أبدا لا هم ولا من يحكمون أمريكا ويأتمرون بأمر الصهاينة أن المصريين يعشقون تراب الوطن ويرحبون بالموت ليبقي الوطن وأيا كانت الضغوط والتهديدات أو العروض والمغريات مستحيل أن يبيعوا الوطن‏!.‏

الصهاينة لا يعرفون وكيف لهم أن يعرفوا‏..‏ أن الأرض بالنسبة للمصريين شرف نحميه بأرواحنا‏!.‏

الذي لم يفهمه الصهاينة ولن يفهموه أبدا أن سيناء وأرضها وترابها وأهلها وسماءها مصرية ومن يعيش عليها مصريون وأن كل ما يحدث يتم إبلاغه من خلال رجال المخابرات الحربية المصرية الذين يعرفون ويرصدون تحركات العدو من خلال دوريات الاستطلاع المصرية خلف خطوط العدو وبالتنسيق الدائم مع شيوخ القبائل في مواجهة الأحداث التي كانت عادية إلي أن جاء‏26‏ أكتوبر‏1968‏ وفيه دعت قوات العدو إلي مؤتمر يجمع شيوخ وعواقل قبائل سيناء في حضور مختلف وسائل الإعلام العالمية‏..‏

بدأت أحداث المؤتمر الصحفي العالمي لتغطية خبر سوف يتكلم العالم عنه أياما وسوف تترتب عليه أفعال‏...‏

شيوخ وعواقل سيناء جالسون والذي سيتكلم باسمهم الشيخ سالم القرشي‏..‏ ووقف الرجل وساد الصمت الحضور وانحبست الأنفاس في الصدور استعدادا للقنبلة التي ستنفجر‏...‏

الذي أراده الصهاينة وسايرهم الرجل فيه‏..‏ أن يعلن الشيخ سالم رغبة أهالي سيناء في تدويل سيناء‏..‏

ووقف الشيخ سالم القرشي وأمسك بالميكروفون وأعلن مقولة أظنها تاريخية‏..‏ قال‏:‏

'‏سيناء أرض مصرية وستبقي مصرية ومن يريد الحديث عن سيناء يتكلم مع زعيم مصر جمال عبد الناصر‏.'‏

وعلت الهتافات باسم مصر وحاول الحاكم العسكري الصهيوني لسيناء أن ينقذ ما يمكن إنقاذه وأمسك بالميكروفون وبأعلي صوت قال‏:'‏غير الموافق علي رأي الشيخ سالم يرفع يده‏..'‏ وتنقطع يد من يرفع يده ويصوت للصهاينة وانفض المؤتمر وفشل المخطط الصهيوني وسجل التاريخ لعرب سيناء المصريين الدرس الذي لقنوه للصهاينة في الشرف والانتماء والكرامة والعزة‏!.‏

سيناء تحتفل سنويا بهذا اليوم يوم‏26‏ أكتوبر‏1968..‏ يوم الولاء لمصر والانتماء لمصر‏..‏ يوم شموخ وصمود قبائل سيناء‏..‏

يوم الثلاثاء القادم تحتفل سيناء بهذا اليوم التاريخي‏..‏ احتفالا يليق بالمناسبة وفيه يفتتح محافظ شمال سيناء اللواء أركان حرب محمد شوشة قاعة الصمود في الحسنة بنفس المنطقة وعلي نفس المكان الذي أقيم فيه المؤتمر الصحفي العالمي يوم‏26‏ أكتوبر‏1968.‏ قاعة المؤتمرات الضخمة أو قاعة الصمود شيدها الدكتور حسن راتب لأجل الاحتفال سنويا بيوم عظيم في تاريخ مصر‏..‏ فيه وضح للعدو معدن المصريين وشموخ المصريين‏..‏

تحية إلي سيناء الحبيبة شمالها وجنوبها وتحية لكل شيوخ وعواقل أرضها وتحية للشيخ سالم القرشي ووقفته الشامخة الرائعة وتحية لرجال المخابرات الحربية الذين لا تنام عيونهم ولا تغفل للحظة عقولهم‏..‏ تحية لمن تولي هذا الملف وقتها من المخابرات الحربية الرائد يحيي شبابيك والرائد بدر الدين حامد‏..‏

تحية لكل موقف وطني رائع قام به أبناء سيناء علي مدي تاريخ الصراع العربي الصهيوني والذي قاموا به من أعمال بطولية مع المقاتلين المصريين‏..‏ لابد أن يعلمه هذا الجيل الذي لم يعد يسمع إلا التشكيك‏!.‏

آخر حملات تشكيك ما قاله اللورد‏'‏ ديفيد أوين‏'‏ وزير خارجية بريطانيا الأسبق في ندوة أقيمت مؤخرا بمصر وأدارها مصري وحضرها مصريون وفيها نطق بكلام غريب‏..‏ قال‏:‏ إن مصر انهزمت في حرب أكتوبر‏!.‏

الأغرب أن أحدا لم يقاطعه وأحد لم يناقشه وأحد لم يعترض عليه وأحد لم يوضح الحقيقة‏!.‏

الندوة الغريبة والكلام الأغرب هنا في مصر ومتي في شهر أكتوبر الذي نحتفل فيه سنويا بانتصارات أكتوبر أعظم انتصارات الأمة‏...‏

يا حبيبتي يا مصر‏.‏

وللحديث بقية مادام في العمر بقية
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

عفـوا جنــرالات الفضائيـــات
أربعة آلاف قتيل صهيوني وجرحي وأسري‏..‏
وطائرات وقعت ودبابات ولعت وجيش لا يقهر انفضح‏..‏
وتسألون تحريك أم تحرير؟‏!‏
بقلم : إبـراهيـم حجـازي‏​


**‏ بعد‏36‏ سنة مرت علي حرب أكتوبر‏..‏ جنرالات المقاهي وجدوا ضالتهم في الفضائيات الشقيقة ليناقشوا حرب هي أم لا وتحريك أم تحرير؟‏.‏

لا اعتبار للشهداء الذين قدموا حياتهم دفاعا عن قضية وأرض وعرض ولا وزن للمعارك الشرسة التي دارت وملاحم الشجاعة والفداء والرجولة التي حدثت والإصابات التي تركت بصمتها علي مقاتلين فقدوا أجزاء من أجسامهم وارتوت الأرض بدمائهم فداء للوطن في حرب العزة والشرف والكرامة‏...‏

أخطر ما في هذه القضية أن ملايين الشباب في الأمة لا يعرفون شيئا عن حرب أكتوبر وملاحم الشجاعة الهائلة التي شهد لها العدو وقتها ويشكك فيها بعض الأشقاء الآن وكأنه يعز عليهم أن يبقي في تاريخنا رمز لم يتم تشويهه‏!.‏

لهذا السبب استعرضت الأسبوع الماضي كيف انتقلنا من مرحلة هزيمة وانكسار في‏1967‏ إلي إعداد واستعداد لليوم القادم حتما‏!.‏ عرضت سريعا مرحلة تهدئة الجبهة عقب هزيمة‏5‏ يونيو ومرحلة الرد بحذر من نوفمبر‏1967‏ ثم حرب الاستنزاف من‏7‏ مارس‏1969‏ وحتي‏8‏ أغسطس‏1970‏ ومرحلة الإعداد النهائي للحرب واستمرت‏38‏ شهرا ثم شرحت الموقف علي الجبهة في أخطر ساعات سبقت الحرب ابتداء من‏4‏ أكتوبر‏1973‏ وحتي فجر يوم‏6‏ أكتوبر الذي شهد بزوغه إتمام دخول صواريخ الدفاع الجوي إلي مواقعها في الليل وكانت ختام الاستعداد‏!.‏ وضحت أنه علي الجبهة خمس فرق وثلاثة ألوية و‏2000‏ مدفع علي امتداد‏160‏ كيلو من السويس وحتي بورسعيد وعلي أرض المطارات‏220‏ طائرة جاهزة للقيام بواحدة من أهم ضربات الطيران في تاريخ الحروب‏!.‏

قلت إن خطة خداع العدو أذهلت العالم كله وعنصر المفاجأة كان مفاجأة للعدو ولكل الدنيا وأكدت أن موشي ديان وزير دفاع العدو حضر صباح‏6‏ أكتوبر للجبهة بعد تلقي إسرائيل معلومة بأن المصريين سيشنون حربا شاملة يوم‏6‏ أكتوبر وحضر ديان وشاهد بنفسه الجبهة ولم يجد علي الضفة الغربية للقناة شيئا واحدا يوحي بأن المصريين سيحاربون وعاد إلي تل أبيب وأكد لهم هناك أن الجبهة هادئة ولم يكن يدري أنه الهدوء الذي يسبق هجوما كاسحا بضربة جوية مميتة دمرت مركز قيادة العدو في سيناء وكل الاحتياطيات الموجودة في سيناء والمدفعية أطلقت في‏53‏ دقيقة ثلاثة آلاف طن ذخيرة ولنا أن نتخيل الهلاك الذي أنزلته بالعدو وتحت السماء لا تري زرقتها من تتابع دانات المدافع بدأ اقتحام المشاة للقناة وتلك وحدها أسطورة لأنه مع أول ضوء يوم‏7‏ أكتوبر كان علي أرض سيناء‏2000‏ دبابة و‏80‏ ألف مقاتل وأعتذر هنا عن خطأ غير مقصود الأسبوع الماضي في العنوان الذي قال إنهم‏100‏ ألف مقاتل‏...‏

خلال‏16‏ ساعة من الثانية بعد ظهر‏6‏ أكتوبر وحتي السادسة صباح‏7‏ أكتوبر اقتحم القناة‏80‏ ألف مقاتل مصري و‏2000‏ دبابة خلاف أعداد لا حصر لها من معدات وعتاد وذخيرة ومؤن ومياه وسيارات‏..‏ ويقيني ويقينكم أنها مسألة مستحيلة ولو فكرنا في نقل‏80‏ ألف شخص فقط بقوارب ومعديات من شرق النيل إلي غربه أو العكس فالمؤكد أن الأمر سيستغرق وقتا أطول وهذا يوضح عبقرية تخطيط وشجاعة مقاتلين يستحيل إغفالها أو التشكيك فيها‏..‏ ما علينا وأعود إلي ما انتهيت إليه الأسبوع الماضي يوم‏7‏ أكتوبر وقبل الحديث عن تفصيلات ما حدث في هذا اليوم والأيام التالية أستأذن حضراتكم أن أستعرض سريعا أهم ما قام به جيش مصر من إغارات وعمليات وكمائن واشتباكات مع العدو والخسائر التي أوقعها بالعدو خلال حرب الاستنزاف التي كانت جزءا أساسيا من خطة حرب أكتوبر وبعدها نعرف معا ماذا حدث في أكتوبر‏:‏

‏1‏ـ جيش مصر نفذ بنجاح‏54‏ إغارة وكمينا علي العدو منها عشر إغارات داخل إسرائيل‏!.‏

‏2‏ـ المدفعية نفذت‏4110‏ اشتباكات مع العدو وشهر أكتوبر‏1969‏ سجلت فيه المدفعية المصرية أعلي معدلاتها وضربت العدو‏462‏ مرة وأي اشتباك لم تقل الوحدات المشاركة فيه عن ثلاث كتائب مدفعية‏..‏ أما القناصة والأسلحة الصغيرة فلم تتوقف لحظة علي مدار اليوم طوال حرب الاستنزاف وقطعت رجل العدو علي الضفة الشرقية للقناة بنظرية‏'‏ اللي يفوت يموت واللي تراه العين يراه القبر‏!.‏

‏3‏ـ القوات البرية المصرية تفوقها حاسم علي العدو ويشهد علي ذلك خط بارليف الذي تدمر تماما خلال حرب الاستنزاف وتم بناؤه بتكلفة‏242‏ مليون دولار حسبما قالوا هم والخبراء الذين حضروا وقتها للبناء من أمريكا وفرنسا وبلجيكا‏..‏ وبعد حرب الاستنزاف أعيد بناء خط بارليف بتكلفة‏500‏ مليون دولار والرقم وفقا لتصريحاتهم‏.‏

‏4‏ـ حتي‏20‏ يوليو‏1969‏ طيران العدو يضرب علي الجبهة فقط والطيران المصري مع الدفاع المصري لم يمكنوه من إصابة أي أهداف علي امتداد الجبهة وهذا ما دفع الصهاينة إلي الإعلان عن خطة الضرب في العمق ضد الأهداف المدنية ونفذوا‏35‏ غارة جوية من يناير وحتي شهر يونيو سنة‏1970‏ وفي أسبوع واحد فقط اصطدناهم بعد أن اكتملت منظومة الدفاع الجوي وخلال الأيام من‏30‏ يونيو وحتي‏5‏ يوليو‏1970‏ أسقطنا‏20‏ طائرة سبع منها وقعت عندنا وأسرنا أربعة طيارين‏.‏

‏5‏ـ أشهر أسير للعدو هو النقيب دان أفيدان واصطاده كمين لقوة من الفرقة الثانية شرق سرابيوم اقتحمت القناة وعادت به وقامت الدنيا هناك لوقوعه في الأسر لأنه قريب رئيسة الوزراء جولدا مائير التي جعلت دولا كثيرة تتوسط للإفراج عنه إلا أنه بقي في الأسر إلي ما بعد حرب أكتوبر وخرج مع بقية الأسري‏!.‏

‏6‏ـ أهم عمليات الإغارة التي أوقعت خسائر فادحة بالعدو تلك التي تمت علي لسان بورتوفيق وخسر فيها العدو‏37‏ قتيلا بخلاف الجرحي وتدمرت أربع دبابات وعادت قوة الصاعقة التي نفذت الإغارة بجوز أسري وتلك العملية غاية في الجرأة لأنها إغارة صاخبة استخدمت فيها لنشات وليس قوارب وسبقتها تحضيرات مدفعية وتمت في النهار وفعلنا ما فعلناه جهارا نهارا والرسالة وصلت واضحة بأنه لا نهار ولا ليل ولا مانع مائي ولا بارليف ولا دبابات ولا كل سلاح الدنيا يحميهم أو يمنع وصولنا إليهم‏!.‏

‏7‏ـ أشهر اقتحام للقناة من حيث عدد المقاتلين المصريين نفذته كتيبة مشاة بالكامل من الفرقة‏18‏ في سبتمبر‏1969..‏ اقتحمت القناة جنوب منطقة البلاح واحتلت مساحة كبيرة من الأرض في سيناء لمدة‏48‏ ساعة ولم يتمكن العدو من الاقتراب منها وعادت بعدما صدرت إليها الأوامر بالعودة للغرب‏..‏ وهذه العملية الجريئة في ذلك الوقت أوضحت الكثير من النقاط الخاصة بعملية الاقتحام بأعداد كبيرة من المقاتلين إضافة إلي أنها تطعيم للمقاتل المصري علي اقتحام القناة‏..‏ عملية ترفع الهمم في غرب القناة وتخسف بالروح المعنوية للعدو في الشرق‏!.‏

‏8‏ـ أهم عملية جوية نفذها نسور الجو المصريون في‏11‏ سبتمبر‏1969‏ بضربة جوية جاءت نسخة مصغرة لضربة‏6‏ أكتوبر وفيها اخترقت طائرات مصر الحربية حاجز الصوت فوق القناة ودمرت جميع الأهداف المحددة لها في سيناء وعادت جميعها سالمة إلي قواعدها‏.‏

‏9‏ـ القوات البحرية نفذت عمليتين تكلم عنهما العالم كله‏!.‏ رجال الضفادع البشرية المصريون فعلوا ما لم يحدث من قبل في العالم كله‏..‏ أغاروا علي ميناء إيلات ثلاث مرات ومعروف أن الضفادع إن اقتحمت مكانا لا تعود له لأنه سيكون في انتظارها ألغام وكمائن ومصائب الدنيا‏..‏ لكن صاعقة مصر البحرية قلوبهم لا يعرف الخوف طريقا إليها وأغاروا علي إيلات في نوفمبر‏1969‏ وفي فبراير‏1970‏ ثم يونيو‏1970‏ ونسفوا الميناء في واحدة من أهم عمليات الضفادع البشرية في تاريخ الحروب‏.‏

والعملية الثانية نفذتها الصاعقة البحرية مع المخابرات العامة المصرية التي رصدت حفارا عملاقا اسمه كيتين في ساحل العاج والعدو استعان به لأجل القيام بعمليات تنقيب عن البترول في خليج السويس والذي قرره الصهاينة غطرسة وغرور وبجاحة لكنهم وقعوا في أيدي المخابرات العامة التي لا ترحم في مثل هذه الأمور ووضعت خطة محكمة تم تنفيذها باقتدار والحفار العملاق راقد من فبراير‏1970‏ في قاع البحر بساحل العاج بعملية عرفت بعدها أجهزة المخابرات العالمية أن في مصر أمنا قوميا يده تطول ما بعد الحدود بحدود وحدود‏!.‏

‏10‏ـ الشاطئ الآخر من خليج السويس من شرم الشيخ حتي رأس سدر ومن سبتمبر‏1969‏ إلي‏7‏ أغسطس‏1970..‏ تحت السيطرة الكاملة لنا لأن في مصر أسطورة اسمها المجموعة‏39‏ وهم مقاتلون من طراز لا مثيل له في العالم ويقودهم أسطورة شجاعة اسمها إبراهيم الرفاعي‏!.‏

‏11‏ ـ نحن اليوم في‏7‏ أكتوبر‏1970..‏ علي أرض سيناء‏80‏ ألف مقاتل بمواجهة‏168‏ كيلومترا من السويس وحتي بورسعيد وبعمق‏4‏ وحتي‏5‏ كيلومترات من القناة والقوات المصرية دمرت كل احتياطيات العدو وأخلت المنطقة التكتيكية من العدو فيما عدا النقاط القوية المحاصرة التي لم تسقط بعد وبحلول الليل يوم‏7‏ أكتوبر كانت قد سقطت‏18‏ نقطة والمتبقي‏13‏ فقط‏!.‏

في صباح‏7‏ أكتوبر العدو قام بضربة جوية علي نفس تخطيط ضربة‏5‏ يونيو‏1967‏ لكنها بطائرات أكثر وأحدث‏!.‏ في‏5‏ يونيو ضربة العدو الجوية دمرت جميع المطارات وأغلب الطائرات وأصبح جيش مصر في سيناء بدون غطاء جوي‏!‏ في‏7‏ أكتوبر‏1973‏ الطائرات أحدث وأكفأ وأفضل وعددها أكثر ومع هذا لم تتمكن من الوصول إلي أي مطار أو هدف حيوي لأن لمصر الآن درعا يحمي سماءها وسيفا يطول أعداءها‏!.‏ وقت العربدة في سماء مصر انتهي لأنه علي أرض مصر الآن قواعد صواريخ دفاع جوي لا ترحم ولدي مصر طيارون مقاتلون شجاعتهم نادرة وكفاءتهم مبهرة وهذا ما تأكد العدو منه في الجحيم الذي حققته ضربة‏6‏ أكتوبر الجوية وفي الكمائن التي نصبتها الطائرات المصرية لفانتوم وميراج العدو وبحلول ليل يوم‏7‏ أكتوبر خسائر العدو في الطائرات وفقا لتصريحاتهم‏54‏ طائرة‏.‏

لم يرحل يوم‏7‏ أكتوبر قبل أن يسلمنا القنطرة شرق التي كانت عقبة ومشكلة لأن بها‏6‏ نقاط قوية متجاورة تشكل حائط صد محكما‏..‏ أربع نقاط في الوسط تحميها نقطتان علي الأجناب وكم النيران الذي تشكله النقاط الست القوية في كل الاتجاهات يجعل محاولة التفكير في الاقتراب منها نوعا من الانتحار‏..‏ ومع ذلك وقعت وسقطت النقاط الست والقنطرة بأكملها ولم تعلن القيادة الخبر إلا يوم‏8‏ أكتوبر بعد التأكد نهارا من عدم وجود جيوب للعدو في مدينة القنطرة‏!.‏

‏12‏ ـ فجر‏8‏ أكتوبر‏..‏ القوات جاهزة من ساعات الليل لصد أي هجوم مضاد من أي اتجاه ومع حلول الفجر تأكدت القيادة من أن الهجوم المضاد مجهوده الرئيسي القطاع الأوسط شمال وجنوب الإسماعيلية والموجودة فيه الفرقة الثانية بقيادة جنرال عظيم اسمه اللواء حسن أبوسعدة‏.‏

القيادة المصرية تعلم أن العدو يعتمد علي أسلوب واحد في الهجوم هو الاختراق بأقصي سرعة والدبابات سرعتها من‏40‏ وحتي‏60‏ كيلومترا وهي سرعة كبيرة جدا في عالم الدبابات بميدان قتال‏..‏ وشارون أحد صقور الصهاينة له مقولة عسكرية شهيرة‏:‏ اهجم بأقصي سرعة بحيث لا تجعل العدو ينجح في تعمير الطلقة الثانية لمدفعه‏!.‏

خطة اصطياد الصهاينة في الهجوم المضاد وضعت المشاة في النسق الأول الدفاعي والخط الثاني الدفاعي علي شكل نصف قوس وفيه الدبابات المصرية والصواريخ المضادة للدبابات لتطبق من كل جهة علي مدرعات العدو المندفعة بأقصي سرعة وهي لا تدري أنها تجري نحو هلاكها‏!.‏

ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين‏.‏ من أول نهار يوم‏8‏ أكتوبر كيسنجر يتزعم حركة عالمية لأجل عدم تدخل أي دولة في العالم ولو ببيان عما يدور في الشرق الأوسط‏!.‏ كيسنجر كل ما يريده أن يصمت الجميع إلي أن يمر يوم‏8‏ أكتوبر علي اعتبار أن القوات الصهيونية ستقوم بهجوم مضاد لا يتوقف إلا في مدينة السويس بحيث تشرق شمس يوم‏9‏ أكتوبر وجيش إسرائيل ومدرعاته في الغرب ووقتها تقول دول العالم ما يحلو لها‏!.‏ هذه الخطة‏..‏ خطة الهجوم المضاد التي وضعها الأمريكان في البنتاجون وسافر ضباط أمريكيون انضموا إلي هيئة عمليات العدو وهذا ما قاله ديفيد أليعازر في مذكراته‏!.‏ كيسنجر يوم‏7‏ أكتوبر التقي مع وزير الخارجية المصري محمد حسن الزيات فماذا حدث؟‏.‏ كيسنجر قال للزيات بالحرف الواحد‏:‏ أنصحكم بعودة قواتكم فورا للغرب لأن خسائركم ستكون فادحة‏!.‏

إذن نحن سنواجه هجوما مضادا كاسحا لن يتوقف إلا غرب القناة‏!.‏ الخطة الأمريكية تنفذها ثلاث فرق مدرعة‏.‏ الفرقة‏143‏ بقيادة شارون‏.‏ الفرقة‏162‏ بقيادة إبراهام أدان‏.‏ الفرقة‏252‏ بقيادة إبراهام ميندلر‏.‏ الخطة الأمريكية كما قال ديفيد أليعازر رئيس الأركان الصهيوني في مذكراته‏..‏ هدفها إرباك القوات المصرية بتحقيق نصر له أبعاد سياسية وإعلامية أكثر من كونه نصرا عسكريا من خلال عبور القوات الإسرائيلية إلي الضفة الغربية واحتلال مدينة السويس علي أن يتم ذلك قبل طرح الولايات المتحدة قضية الحرب علي مجلس الأمن‏!.‏ أمريكا لم تضع في اعتبارها أي وزن للقوات المصرية شرق القناة وكأنها غير موجودة أو أن اختراقها وتدميرها وعبور القناة مسألة مؤكدة‏!.‏

خطة أمريكا أن تهاجم الفرقة‏162‏ الجيش الثاني من الشمال إلي الجنوب وتهاجم الفرقة‏252‏ الجيش الثالث من الجنوب إلي الشمال علي أن تتلاقي الفرقتان عند نقطة واحدة هي الدفرسوار ومنها العبور إلي أرض أفريقيا وهو الاسم الذي يطلقه الصهاينة علي غرب القناة باعتبار شرقها أرضا آسيوية‏!.‏ أما الفرقة الثالثة التي يقودها شارون فهي علي النسق الثاني للقتال لدعم أي من الفرقتين‏!.‏ تري ما الذي جري؟‏.‏

‏13 ‏ ـ الفرقة‏162‏ تقدمت بسرعة من الشمال إلي الجنوب واخترقت النسق الأول للمشاة وهللت القيادة الإسرائيلية باعتبار الخطة نجحت‏..‏ هللت وهي لا تعلم أنه مستحيل أن تنجح لأن المواجهة من الفرقة الثانية للجيش الثاني الذي يقوده جنرال عظيم هو اللواء سعد مأمون ولأن الفرقة الثانية يقودها جنرال مصري عظيم هو اللواء حسن أبوسعدة الذي أذاق برجاله المر للصهاينة الذين تصوروا أنهم سيخترقون دفاعات المصريين ولن يوقفهم أحد‏!.‏ تصوروا هذا إلي أن وجدوا أنفسهم في أتون نيران رهيب من كل جهة بعد اختراقهم نسق المشاة الدفاعي الذي كان فخا لاستدراج الصهاينة بخطتهم الأمريكية ومدرعات العدو المندفعة بأقصي سرعة وجدت نفسها في قبضة المدرعات المصرية والصواريخ المضادة للدبابات والتي أطبقت عليها من ثلاث جهات هي جهنم الحمراء والأمر لم يستمر طويلا والخطة الأمريكية توقفت عند هذا الحد لأن الفرقة‏162‏ الصهيونية المدرعة ضاعت و‏147‏ دبابة تدمرت وأحلام الوصول إلي القناة تبخرت‏!‏ الفرقة الثانية المصرية صنعت مجدا عسكريا ما بعده مجد‏..‏ فكر وتخطيط وتنفيذ غير مسبوق وخطة استدراج العدو شربها الصهاينة وخسائر رهيبة في المعدات والأرواح والأسري لا عدد لهم‏..‏ عمركم س
معتم عن رفع كتيبة بأكملها من الخدمة بعد قتل وأسر كل ضباطها وأفرادها؟‏.‏ هذا حدث وكتيبة مدرعة صهيونية ضاعت عن آخرها وقائدها العقيد عساف ياجوري في مقدمة الأسري‏!.‏

‏14‏ ـ نهار‏8‏ أكتوبر انتهي ودبابات الصهاينة التي نفدت بجلدها من المذبحة تجري بأقصي سرعتها للشرق بعيدا عن جحيم الفرقة الثانية‏!.‏ كيسنجر عندما عرف الحقيقة قال تصريحه الشهير‏:‏ لقد حقق المصريون نصرا في الشرق الأوسط ولن تعود العجلة للوراء‏.‏ هذا التصريح جاء أول اعتراف من العالم بالانتصار المصري‏.‏

‏15‏ ـ نحن في يوم‏9‏ أكتوبر وقبل أن تشرق شمس اليوم شارون يهاجم بفرقته المدرعة الفرقة‏16‏ المصرية بقيادة جنرال عظيم هو اللواء عبدرب النبي حافظ‏.‏ شارون قام بـ‏11‏ هجوما مضادا متتاليا علي الفرقة‏16‏ ولم ينجح في اختراق متر واحد من دفاعاتها‏!.‏ شارون تدمرت له‏114‏ دبابة وانسحب بما بقي لديه من دبابات‏!.‏

‏16‏ ـ خسائر العدو الرهيبة في الأرواح والدمار الهائل في المدرعات يضاف لهما الشجاعة النادرة والكفاءة الفائقة للمصريين‏..‏ هذه العوامل مجتمعة دفعت وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان لأن يلقي خطابا في التليفزيون‏..‏ خطابا لم يذع إلا مرة واحدة وحظرت جولدا مائير رئيسة الوزراء إذاعته بل ومنعت ديان من الكلام بل وعينت متحدثا عسكريا لا أحد غيره يتكلم‏!.‏ جولدا مائير اعتبرت خطاب ديان تدميرا للروح المعنوية للشعب والجيش‏!.‏ لو المساحة تسمح لنشرت نص الخطاب لكنني أشير إلي بعض ما جاء فيه‏.‏ ديان قال‏:‏ المصريون يمتلكون أسلحة كثيرة ونحن غير قادرين علي التغلب علي دفاعاتهم وعلي أسلحتهم وعلي إسرائيل أن تنسحب بقواتها إلي أماكن آمنة وسوف أطلب العودة إلي غرب المضايق وعلينا أن نفكر في تسليح الإسرائيليين للدفاع عن أنفسهم‏!.‏

‏17‏ ـ نحن في يوم‏10‏ أكتوبر وفي هذا اليوم أسرنا دبابات بأطقمها والمفاجأة أنها كانت علي الزيرو وفي تبة الطاليا دبابة للعدو تدمرت وعدادها لم يكمل الـ‏250‏ كيلو مترا‏.‏ وهذا معناه أن استعاضة الخسائر فورية والدبابة التي نحرقها يأتي غيرها فورا والبركة في ترسانة الأسلحة الأمريكية التي فتحت جسرا جويا يعمل ليل نهار مابين أمريكا ومطار العريش‏!.‏ المهم أن العدو حاول أن يقوم بهجوم شامل علي امتداد الجبهة وفشل وفي هذا اليوم اكتمل استيلاء القوات المصرية علي مركز قيادة العدو‏..‏ تبة الطاليا وتبة الشجرة وجبل المر وجلبانة‏!.‏ في هذا اليوم عينت جولدا مائير قادة جددا في الجبهة‏!.‏ بعد يوم‏10‏ أكتوبر معارك متفرقة وسباق بيننا وبين العدو علي احتلال خط تقسيم المياه‏..‏ وهو خط وهمي علي امتداد الجبهة يمر بالهيئات الحاكمة علي مسافة من‏12‏ وحتي‏15‏ كيلو شرق القناة ويعطي فرصة لمن يحتله أن يحكم سيطرته بالنيران علي أي أراض حتي غرب المضايق علي بعد‏30‏ كيلو شرق القناة‏.‏

العدو أسقط لواء مظليا للاستيلاء علي الكنتور‏100‏ إلا أن الفرقة الثانية احتلته قبل أن يصل المظليون إلي الأرض وانتظرتهم بنيران أبادت أغلبهم‏..‏

الهجوم المضاد الذي وضعته أمريكا فشل وخسائر الصهاينة تخطت الـ‏500‏ دبابة وآلاف الجرحي ومئات الأسري أما القتلي فالعدو يقترب من الأربعة آلاف قتيل والذي قال هذا موشي ديان في مذكراته التي قال فيها إن حرب أكتوبر تسببت في قتل واحد من كل ألف إسرائيلي ووقتها تعداد إسرائيل قارب علي الأربعة ملايين نسمة‏..‏

......‏

......‏

هذا ما حدث في الاستنزاف وأكتوبر وهذا ما يشككون الآن فيه علي الفضائيات‏...‏

طيب‏..‏ لو كانت تمثيلية فهل شارك الصهاينة فيها بأربعة آلاف قتيل؟

كل هذه الانتصارات الهائلة لنا وكل هذه الخسائر الفادحة لهم ويقولون‏:‏ تحريك أم تحرير؟

يا حبيبتي يا مصر‏...‏

وللحديث بقية مادام في العمر بقية
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

عفوا جنرالات الفضائيات‏1‏
من الثانية يوم‏6‏ للسابعة يوم‏7‏ ألف دبابة و‏100‏ ألف مقاتل
اقتحموا القناة وتمركزوا في سيناء‏!‏
‏بقلم : إبـراهيـم حجـازي


‏‏ أن يكره الصهاينة شهر أكتوبر لأنه يذكرهم بسقوط أسطورة الجيش الذي لا يقهر‏..‏ فهذا طبيعي ومنطقي‏...‏

أما أن يصيب شهر أكتوبر جنرالات الكلام الأشقاء من بعض البلاد العربية في بعض الفضائيات الشقيقة فهذا غرض والغرض مرض والعياذ بالله‏...‏

بعض الأشقاء بعد‏36‏ سنة مرت علي أعظم انتصارات الأمة‏..‏ يشككون في حرب أكتوبر‏...‏

بعض الأشقاء يعلمون أن أجيالا تضم الملايين من أبناء الأمة لا يعلمون شيئا عن حرب أكتوبر والذي عمره حاليا‏40‏ سنة كان في الرابعة من عمره عام‏1973‏ وهذا معناه أن كل من هو في سن الـ‏40‏ وأصغر أو حتي أكبر قليلا لم يعايش هذه المرحلة ولم يعرف وقتها تفاصيلها ولم يعرف بعدها حكايتها لأن أعظم ما في تاريخ مصر من عبقرية فكرت وخططت وقلوب شجاعة نفذت‏..‏الأعظم في تاريخنا من يومه بعيد عن العين والقلب‏!.‏

الأسطورة الحربية الفذة لم تجد من يجسدها في سينما الواقعية لأنها كما هو واضح مشغولة بالجنس والأجساد العارية والنماذج الفاسدة‏...‏

بعض الأشقاء الذين تملك الغرض منهم يعلمون أن أجيالا بأكملها لا تعلم شيئا عن حرب أكتوبر‏!‏ ومن ثم فكرة التشكيك يمكن تمريرها‏..‏ ومعركة الشرف التي في سبيلها ضحي آلاف الشهداء بأرواحهم باتت قضية مشكوكا فيها وعليها خلاف‏!.‏

الذين أعمي الحقد علي مصر قلوبهم قبل عيونهم يطرحون الآن تساؤلا يقول‏:‏ حرب أكتوبر تحريك أم تحرير؟‏.‏

معني الكلام أنها لم تكن حربا ولا يحزنون إنما تمثيلية متفق عليها‏!.‏

التساؤل المريض لا يستحق ردا أو حتي توضيحا إنما عليه تعقيب‏,‏ في النهاية لأن البداية للفخر والعزة والكرامة والرجولة والشجاعة والنخوة‏..‏ لحرب أكتوبر

تعالوا نعرف ماذا حدث والذي حدث الحقيقة ولا شيء غيرها وهو رائع وهائل وعظيم وأرجو أن أوفق في عرضه علي حضراتكم من خلال هذه النقاط‏:‏

‏1 -‏ نحن في يونيو‏1967‏ والشهر والسنة بل والدنيا كلها شاهد علي أقسي هزيمة يمكن أن تلحق بجيش في حرب‏!.‏

دول كثيرة في العالم عاشت حالة شماتة غريبة في هزيمتنا وأولها المعسكر الغربي وهذا متوقع لكن الصدمة والقرف والمفاجأة كانت من بعض الأشقاء في بعض دول المعسكر العربي الذين أسعدتهم هزيمة جيش مصر ووقوع مصر‏,‏ ووقتها جنرالات المقاهي الأشقاء هللوا للهزيمة لم يبرروا ولم يشككوا في الهزيمة لأنها بالنسبة لهم غاية المراد من رب العباد‏!.‏

‏2-‏ أصعب ما يواجه دولة تلك الفترة التي تعقب حربا انتهت بهزيمة وهي في حالتنا ليست أي هزيمة لأنها أسفرت عن احتلال سيناء بأكملها وجاءت بالعدو علي قناة السويس التي أصبحت الحدود وباتت خط النار‏!.‏ الناس وقتها مصدومة غير مستوعبة لأنها عاشت سنوات قناعتها أن أمريكا نفسها تنهزم من مصر‏!.‏

الأصعب الذي واجهته مصر بعد الهزيمة‏..‏ انعدام الثقة وتهلهل معنويات جيش وشعب‏!‏ الصعب عقب أي حرب هو تعويض السلاح والذخيرة والعتاد‏,‏ وهذا الصعب في حالتنا يصبح مستحيلا لأن ما كان لدينا من سلاح وما تبقي عندنا من سلاح هو في الواقع سلاح انقرض وتخطاه الزمان لأنه من بقايا أسلحة الحرب العالمية الثانية وتخطاه الزمان بزمن والمطلوب سلاح حديث متطور وليس استكمال ما فقدناه من سلاح قديم‏!.‏ والمستحيل الآخر أنه لا أحد في العالم يريد بيع سلاح لنا وفقا لاحتياجاتنا وما يطلبه جيشنا وما تفرضه المواجهة مع عدو مفتوحة له وأمامه ترسانة سلاح أوروبا الغربية وأمريكا‏!.‏

جنرالات المقاهي الأشقاء انشغلوا بالشماتة في مصر ولم يروا كيف أن مصر بدأت من تحت الصفر مرحلة الإعداد والاستعداد ليوم هو آت لا محالة‏!.‏

‏3 -‏ أول مرحلة في رحلة استعادة الوعي والإعداد كانت قرار تهدئة الجبهة وضبط النفس وعدم الاستدراج لأي مناوشات وهذه المرحلة بدأت من بعد‏11‏ يونيو‏1967!.‏

المرحلة الثانية بدأت في‏24‏ نوفمبر‏1967‏ وهي الرد بحذر وكان لابد منها لأن قرار تهدئة الجبهة خنق قواتنا الموجودة علي القناة التي تريد الرد علي الاستفزازات‏!.‏ الرد بحذر حدد سلطات كل قيادة في الرد والاشتباك حتي لا تتحول الأمور في لحظة إلي مواجهة علي طول الجبهة‏!.‏

التهدئة والرد بحذر جعلا الصهاينة يتمادون وفي فبراير‏1969‏ بدأت حملة استفزاز سياسية بتصريحات للصهاينة عن أن القناة هي خط الهدنة الجديد وظهر في القناة لأول مرة قوارب للصهاينة كاختبار لقبول المصريين بالأمر الواقع‏!.‏

‏4 -‏ الرد المصري جاء سريعا وحازما وحاسما يوم‏8‏ مارس‏1969‏ التي قررت مصر فيه بدء حرب الاستنزاف‏!.‏ الاستنزاف بعمليات تسخين تصاعدت إلي أن أصبحت سيناء جهنم حمراء‏!.‏ حرب الاستنزاف أدارتها مصر بكفاءة كاملة وظلت مقصورة علي القوات البرية من‏8‏ مارس وحتي‏20‏ يوليو‏,‏ إلا أن إسرائيل لم تتحمل الخسائر المتوالية لقواتها والرعب الذي أصبح علي مدار ساعات اليوم من عملية كوماندوز‏,‏ ولهذا أقحمت سلاح الطيران في الحدوتة متوقعة أننا لن نفعل لكننا فعلناها والعين بالعين‏!.‏ إسرائيل استخدمت الطيران علي الجبهة علي أمل إضعاف الروح المعنوية بالفانتوم والصواريخ ونحن استخدمنا الطيران وضربنا قواتهم في أماكن أوجعتهم ولم يكونوا يتصورون أن يقتحمها نسور الجو المصريون‏!.‏

‏5-‏ في‏7‏ يناير‏1970‏ الصهاينة نفذوا الخطة بريما وهي ضرب المدنيين المصريين والمنشآت الحيوية في العمق علي أمل إجهاض الروح المعنوية للشعب لأجل أن ينقلب علي الدولة وعلي الجيش‏..‏ ومصر قامت بالرد وفي العمق‏!.‏ الصهاينة خسروا أكثر مما كسبوا والتعبئة التي ظلت معلنة منذ بدأت حرب الاستنزاف قصمت ظهر الصهاينة‏.‏

‏6-‏ يوم‏8‏ أغسطس‏1970‏ أعلنت مصر وقف حرب الاستنزاف التي استمرت‏500‏ يوم لتبدأ مرحلة الإعداد النهائي للحرب وكانت‏38‏ شهرا هي المسافة من‏8‏ أغسطس‏1970‏ وحتي‏6‏ أكتوبر‏1973.‏

‏7-‏ الـ‏38‏ شهرا إعداد نهائي المبذول فيها من فكر وجهد يفوق الخيال‏!.‏ ما من أرض في مصر لها تضاريس مشابهة لأرض المعركة المتوقعة‏..‏ إلا وشهدت تدريبات ومناورات وحكايات‏!.‏ المهندسون يتدربون علي النيل وفروعه في مد الكباري وخلافه‏!.‏ رجال المدرعات يدركون أن التدريب ليل نهار السبيل الوحيد لأجل تعويض الفارق الهائل بين كفاءة وإمكانات دبابات العدو ودباباتنا‏..‏ ونجحوا‏!.‏ المدفعية حدوتة مصرية هائلة والدفاع الجوي الذي فاجأ الروس أنفسهم باستيعاب تكنولوجيا الصواريخ المتطورة بل وتطويرها‏..‏ ونسور الجو المصريون الذين يعلمون فارق الإمكانات الهائل لطائرات العدو لكنهم عوضوه بفارق التدريب الهائل وفارق الشجاعة المذهل الذي يمتلكونه‏..‏ قوات المشاة عصب الجيش وكل جيش والذين حطموا كل الأرقام المتعارف عليها عسكريا في عدد ساعات التدريب والقوات الخاصة في معقلها بأنشاص وفي أي مكان تتمركز فيه جاهزة علي مدار اللحظة للتحرك والاشتباك والانتصار في أي مكان‏...‏

‏8-‏ نحن في يوم‏4‏ أكتوبر‏1973‏ وفي هذا اليوم بدأت خطة تجميع القوات للهجوم‏..‏ قوات قادمة من القاهرة وأخري من النسق الثاني وكلتاهما تنضم للنسق الأول في عدد هائل من المواقع التبادلية والهيكلية‏.‏

جميع القوات تتحرك ليلا بدون إضاءة‏..‏ كل وحدة تدخل موقعها وتتمركز فيه ليلا‏..‏ وتلك المواقع من قبل خالية وهيكلية وطائرات استطلاع العدو وأقمار التجسس الأمريكية تعرف أنها مواقع لا قوات فيها ولا حركة بها من وقت طويل‏...‏

ملاحظة‏:‏ عنصر المفاجأة هو العمود الفقري لخطة حرب أكتوبر تحديدا وبدون المفاجأة مستحيل أن يتحقق انتصار علي عدو لديه ألف بديل لصد أي محاولة اقتحام للقناة وإنزال خسائر فادحة مميتة بمن يحاول الاقتراب من القناة وليس اقتحامها ولذلك عملية الانتصار مرهونة تماما بقدرة المصريين علي نقل قواتهم من مرحلة الدفاع إلي الهجوم دون أن يعرف العدو‏,‏ وهي مسألة تكاد تكون مستحيلة لأننا نتكلم عن تحريك قوات تصل إلي‏100‏ ألف مقاتل ومدافع ودبابات وذخائر ومؤن ووقود ومياه‏..‏ كلها تنتقل من حال إلي حال دون أن ترصدها أقمار التجسس الأمريكية ودون أن يلحظها العدو‏!.‏

‏9 -‏ ليلة‏5‏ أكتوبر‏..‏ تلك الليلة كانت أخطر الساعات في خطة إعادة التجميع‏,‏ كباري المهندسين التي ستقام علي القناة جاءت من القاهرة ليلا ودخلت إلي أقصي مكان في العمق الدفاعي الذي تحملته من شهور طويلة سيارات لا حصر لها‏,‏ ومعروف للعدو أنه مكان تجميع سيارات إلا أنه في هذه الليلة خرجت السيارات في الظلام ودخلت الكباري‏.‏

صواريخ الدفاع الجوي دخلت مواقعها في النصف الثاني من هذه الليلة وهي المواقع الهيكلية ذات التمويه الرائع والتي يعرف العدو أنها خالية لكنها عمرت في أربع ساعات وباتت أقوي خط دفاع جوي بالصواريخ‏!.‏

‏10 -‏ مع أول ضوء يوم‏6‏ أكتوبر انتهت بنجاح خطة إعادة التجميع وخدمة القائد وجيش مصر جاهز لاقتحام القناة في الوقت المحدد المتبقي عليه ساعات‏..‏ فماذا حدث في هذه الساعات؟‏.‏

القوات التي ستهاجم رابضة في مواقعها بينما القوات التي ستبقي في الغرب للدفاع أخذت حرية الحركة لتعيش حياتها علي الشاطئ الغربي للقناة كأي يوم عادي علي مرأي من نقاط ملاحظة العدو‏!.‏ عساكر بأفرولات عادية وأحذية كاوتش تتحرك هنا وهناك وعساكر تغسل ملابسها وأخري تلعب كرة واليوم مثل أي يوم‏...‏

‏11 -‏ التلقين بأوامر الحرب تم في الثانية عشرة ظهرا يوم‏6‏ أكتوبر‏..‏ في هذه الساعة الضباط يبلغون جنودهم بساعة الصفر‏,‏ التعليمات دخول كل المقاتلين إلي الملاجئ والمواقع الخاصة بهم ويحظر علي أي مقاتل الخروج بخوذة أو شدة قتال إمعانا في السرية‏!.‏

‏12-‏ نعود للوراء‏60‏ دقيقة والساعة الآن الحادية عشرة من صباح‏6‏ أكتوبر وإشارة عاجلة للقيادة من نقطة ملاحظة مصرية رصدت تحركات في شرق القناة بقيادة المنطقة الجنوبية للعدو ورجال المخابرات الحربية والاستطلاع رصدوا وأكدوا وجود موشي ديان وزير الدفاع ومعه الجنرال جونيت قائد الجبهة ووصل الأمر للاستئذان بإطلاق النار عليهما وجاءت التعليمات بالرفض القاطع حتي لا ننسف عنصر المفاجأة‏...‏

وزير الدفاع الإسرائيلي حضر إلي الجبهة ليتأكد بنفسه من صحة معلومة غاية في السرية وصلت إسرائيل بأن المصريين سوف يقتحمون القناة يوم‏6‏ أكتوبر في حرب شاملة علي طول الجبهة‏.‏ موشي ديان حضر وشاهد وعاين واقتنع بأن معلومة الحرب وهم والذي رآه في الجبهة يؤكد استحالة قيام حرب‏!.‏ من الذي أبلغ إسرائيل بقرار الحرب الذي أخذته مصر‏..‏ سؤال أطرحه علي الجنرالات الأشقاء؟‏.‏

ملاحظة‏:‏ كيسنجر وزير خارجية أمريكا في تعليقه علي النجاح المبهر للمصريين في تحقيق عنصر المفاجأة بخطة تمويه عبقرية استغربها موشي ديان نفسه‏..‏ الوزير الأمريكي قال‏:‏ الإسرائيليون رأوا الأشجار ولم يروا الغابة‏!‏

‏13 -‏ الإصرار علي عنصر المفاجأة لماذا؟‏.‏ لأن خطة الحرب التي وضعها القادة المصريون تعتمد علي حتمية تأخير الصهاينة للتعبئة لمدة يوم علي الأقل لنحرمهم من خطتهم الدفاعية في سيناء وهذه مسألة فاصلة‏!.‏ ليه؟‏.‏

لأن خط بارليف يتكون من‏31‏ نقطة قوية وكل نقطة قوية مساحتها‏40‏ ألف متر مربع لأنها‏200*200‏ متر‏..‏ وهذه النقاط القوية مطلوب حصارها وإسقاطها في الساعات الأولي للقتال لأنها لو استخدمت أسلحتها فستدمر الدنيا‏!.‏

ولأن خط المواجهة علي القناة طوله‏168‏ كيلو مترا ويوجد علي امتداده مرابض للدبابات أي مصاطب من الخرسانة تستخدمها الدبابات لإطلاق نيرانها علي القادمين من الغرب والمهم معرفة أنه كل‏100‏ متر يوجد مربض دبابات علي امتداد الـ‏168‏ كيلو مترا‏,‏ وأن هذه المرابض تتم حمايتها بنيران النقاط القوية الـ‏31‏ والأهم بالنسبة لنا ألا تصل هذه الدبابات من الاحتياطيات إلي المرابض وأن تسقط النقاط القوية‏..‏ والمفاجأة لها دور والعبقرية المصرية لها كل الأدوار‏!.‏

‏14 -‏ اقتحام القناة من الغرب إلي الشرق وسيلة تبدأ بعدها الغاية‏..‏ ولذلك عبقرية القادة المصريين تجلت في عنصر المفاجأة لأنه جعل اقتحام القناة آمنا وهو الذي قالت عنه كتب العسكرية سيكلف الجيش المصري في أول يوم قتال‏65‏ بالمئة خسائر في الأرواح أي كل‏100‏ مقاتل يقتل ويصاب‏65‏ منهم يعني انتحارا جماعيا في مياه القناة في أول يوم وقبل أن نصل إلي أرض سيناء التي نريد تحريرها‏!.‏ عبقرية الخطة التي لم يستوعبها الجنرالات الأشقاء في الفضائيات أن يكون اقتحام القناة آمنا ولن يكون إلا بالمفاجأة لأن الحرب في الشرق ولابد أن يصله المقاتل سالما‏!.‏

فلسفة الخطة المصرية أنه إذا وضعنا أقدامنا في شرق القناة وسيطرنا علي منطقة بعمق خمسة كيلو مترات علي امتداد الـ‏168‏ كيلو مترا نكون قد ضمنا الانتصار علي العدو بنسبة‏90‏ بالمئة وإذا وصلنا إلي عمق‏8‏ كيلو مترات علي امتداد الجبهة قبل أن يبدأ الهجوم المضاد نكون قد حققنا الانتصار بنسبة مائة في المائة‏..‏ وهذا ما حدث‏!.‏

‏15-‏ الموقف بصورة أخري يوم‏6‏ أكتوبر‏..‏ لدينا قرابة الـ‏220‏ طائرة نفذت الضربة الجوية وهذه الضربة قصمت ظهرهم بكل ما تحمله الكلمة من معني‏!.‏ علي امتداد الجبهة‏2000‏ مدفع أطلقت في‏53‏ دقيقة ثلاثة آلاف طن ذخيرة والـ‏53‏ دقيقة محسوبة بدقة بالغة وتمثل الفترة الزمنية الكافية لاقتحام النسق الأول للقناة وتحركه في سيناء للمسافة المتفق عليها والمحددة وفقا لطبيعة الهيئات الأرضية الحاكمة وقبل حلول الليل‏.‏

ضربة الطيران وتمهيد المدفعية دمرت احتياطيات العدو القريبة فلم تحضر دبابة إلي مربض وهذا انتصار هائل‏.‏

‏16-‏ النسق الأول ضم خمس فرق مشاة‏,‏ إضافة إلي ثلاثة ألوية اثنان منها مدرعان والثالث برمائي‏.‏ بدأ اقتحام المشاة للقناة الساعة الثانية و‏18‏ دقيقة علي‏12‏ موجة والفاصل بين كل موجة والأخري‏15‏ دقيقة‏.‏

بدأ سلاح المهندسين عمله في الساعة الثانية و‏40‏ دقيقة وهذا التأخير لضمان وصول المشاة إلي مسافة‏400‏ متر علي الأقل في الشرق لتأمين المهندسين من نيران الأسلحة الخفيفة التي أقصي مدي لها‏300‏ متر‏.‏

‏17-‏ بمجرد أن بدأت الضربة الجوية والطيران المصري فوق القناة متجها إلي الشرق تم تدمير كل نقاط ملاحظة العدو المقامة علي أبراج عالية والتدمير تم بنيران المدفعية المباشرة‏.‏

‏18-‏ نقاط خط بارليف الـ‏31‏ تم حصارها وبدأ التعامل معها في توقيت واحد لأجل إرباك العدو وإجباره علي تخلي النقاط القوية عن خطة الدفاع الموضوعة لإيقاف أي اقتحام للقناة والذي حدث أن كل نقطة انشغلت في مصيبتها والحصار المفروض عليها لإسقاطها‏!.‏

‏19-‏ احتياطيات العدو القريبة مهمتها النقاط القوية التي كانت مهمتها ضرب كل من يفكر في الاقتراب من القناة والعبقرية المصرية تعاملت مع الموضوع من الآخر والاحتياطات التي ستنجد النقاط القوية انضربت والدبابات التي كانت ستذهب للمرابض انضربت والنقاط القوية ذات نفسها محاصرة وبدأت تستسلم‏!.‏

‏20-‏ الطيران المصري دمر مركز قيادة العدو الرئيسي في أم خشيب ولولا المفاجأة ولولا الشجاعة ولولا الفكر والتخطيط والتنفيذ ما أصاب الشلل جيش الصهاينة لأن مركز قيادته تدمر والمسألة لم تكن حظا إنما هي فكر وعلم وتخطيط نجح في تعمية وشل مركز قيادة العدو من أول لحظة‏..‏ وأمريكا ذات نفسها صرحت بأن ما فعله المصريون استفادت منه في استراتيجيتها العسكرية‏.‏

‏21-‏ طلعت شمس‏7‏ أكتوبر وعلي أرض سيناء‏100‏ ألف مقاتل مصري وألف دبابة وآلاف المعدات وإيه؟ القوات احتلت مواقع أقربها علي بعد خمسة كيلو مترات من القناة‏!.‏

المساحة انتهت لكن الملحمة فيها كلام استكمله الأسبوع القادم بإذن الله ومعه التعقيب الذي أشرت إليه في البداية‏!.‏

ويبقي التقدير والإعزاز والإجلال لأرواح الشهداء علي كل أرض عربية‏...‏

وكل التحية والتقدير والحب والاحترام إلي جيش مصر العظيم في الأمس واليوم وكل يوم‏.‏

وللحديث بقية مادام في العمر بقية
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

يوم‏5‏ فبراير عرفوا أن الموت نفسه لا يوقف المصريين‏!‏
بقلم : ‏إبـراهـيـم حجــازي



**‏ السبت الحزين‏..‏هو يوم‏30‏ مايو‏1970‏ والذي أطلق هذا الاسم علي ذاك اليوم الصهاينة وليس نحن‏..‏ وتلك حكاية تستحق أن نسردها من البداية‏!.‏

في هذا الوقت حرب الاستنزاف في قمتها والعدو لا تغمض له عين في سيناء من العمليات الفدائية المصرية الشجاعة المتتالية والحكاية لا تنقصها عملية جديدة خسائرها البشرية للصهاينة في يوم وصلت إلي‏40‏ فردا منهم‏39‏ قتيلا والفرد الأربعون حمل لقب أسير وهذه الخسارة لم تحدث للعدو من بداية حرب‏1967‏ وحتي يوم‏30‏ مايو‏1970!‏ تعالوا نقرأ فصول هذه الحدوتة من أول كلمة في أول سطر‏..‏ ومعلوماتي حصلت عليها من اللواء نبيل الزفتاوي قائد المجموعة‏129‏ صاعقة التي خرجت دوريات الإغارة من إحدي كتائبها‏..‏ ومما نشرته الصحافة المصرية وقتها عن هذه العملية الفدائية‏!.‏

الوقت‏..‏ يناير‏1970‏ وحرب الاستنزاف علي آخرها والصهاينة يتكبدون خسائر كادت تكون يومية ومن وقت لآخر يضطر الصهاينة للقيام بعمليات بعيدا عن خط المواجهة علي القناة الذي يستحيل عليهم المغامرة بعملية عسكرية يقتحمون فيها القناة من الشرق إلي الغرب‏..‏ يستحيل ذلك لأن اقتحام القناة ليس سهلا والضفة الأخري غير مؤمنة وليس سهلا الاشتباك مع قوات مصرية غرب القناة لأن روحهم المعنوية في السماء نتيجة عمليات حرب الاستنزاف التي فيها يقتحم المصريون القناة وينفذون ما يريدون في سيناء ويعودون وكل عملية تضيف للرصيد المصري وترفع معنوياته وفي المقابل تأخذ من الجانب الصهيوني وهذا ما جعل الصهاينة يردون علي خسائرهم في حرب الاستنزاف بعمليات في البحر الأحمر مثل عملية الزعفرانة وخطف الرادار أو ضرب نجع حمادي‏...‏

في منتصف يناير قائد الجيش الثاني اللواء عبدالمنعم خليل أعطي تعليمات إلي العقيد نبيل الزفتاوي قائد المجموعة‏129‏ صاعقة للقيام بعملية عسكرية ضد العدو‏!.‏

المواجهة يوجد فيها أربع نقاط قوية للعدو بخط بارليف من القنطرة جنوبا حتي رأس العش شمالا وبينهما نقطتا الكاب والتبة وهما أصغر حجما وأقل تسليحا من القنطرة ورأس العش والمسافة بين كل نقطة من النقاط الأربع في حدود الـ‏12‏ كيلومترا‏..‏ وهذه النقاط القوية صعب مهاجمتها من المواجهة أو الأجناب وبالتالي لن تكون هدف العملية‏.‏

هذه النقاط الأربع تمر يوميا عليها دورية مكونة في الغالب من سيارة جيب وعربتين مدرعتين وثلاث دبابات‏..‏ وتتحرك صباحا في حدود العاشرة من الجنوب‏(‏ القنطرة‏)‏ إلي الشمال‏(‏ رأس العش‏)‏ وتتوقف عند كل نقطة قوية قرابة نصف الساعة بينما تقضي في حدود الساعة في رأس العش ثم تعود ظهرا وتصل إلي القنطرة في قرابة الثالثة بعد الظهر‏.‏

علي مدي أسبوعين استطلاع يومي من الصاعقة لهذه الدورية ثبت خلالهما أن القوة ثابتة والمواعيد تقريبا ثابتة وطائرة الاستطلاع الصغيرة يوميا تمسح الجبهة والذي أريد توضيحه أن أجهزة تصوير مثل هذه الطائرات بالغة الدقة وبإمكانها أن تكشف آثار أقدام علي رمال أو ناتج حفر رمال والصور تكشف هذا وتلك مشكلة تواجه من يخطط للقيام بعمل مثل الذي أراده اللواء عبد المنعم خليل وخطط له العقيد نبيل الزفتاوي قائد مجموعة الصاعقة الذي سيخرج الكمين من وحداته‏.‏

أنا أتكلم عن كمين‏5‏ فبراير لأنه إذا أردنا الحديث عن كمين السبت الحزين فلابد من الوقوف أمام كمين‏5‏ فبراير لما فيه من خبرات استفاد منها المقاتل المصري‏.‏

داخل الكتيبة‏83‏ صاعقة درجة الاستعداد هي القصوي وقائدها الرائد عبدالعزيز محمود عبدالعزيز مع رئيس عملياته النقيب عصام العجرودي‏(‏ استشهد فيما بعد‏)‏ انتهيا من تجهيز دورية الكمين‏..‏ كمين‏5‏ فبراير الذي كان تمهيدا لكمين السبت الحزين‏.‏ الدورية تدربت في مصرف بحر البقر وأعطت تمام الاستعداد ولم يبق إلا تحديد الموعد الذي اختير له‏5‏ فبراير وهي ليلة معتمة غير مقمرة حتي لا تنكشف قوارب الكمين في مياه القناة‏..‏ وفي الموعد المحدد سبح مقاتل حتي الشاطئ الشرقي للقناة ومعه حبل ومن هناك بدأ يسحب أول قارب تجاه الشرق وهي الوسيلة المضمونة لعدم إحداث أي صوت وبانتهاء سحب القوارب الأربعة وصلت قوة الكمين وهي‏22‏ مقاتلا من بينهم أربعة ضباط بقيادة الملازم أول رضوان يوسف حسني الذي استشهد بعد‏3‏ سنوات خلال حرب أكتوبر‏.‏ المطلوب أن ينتهي كل مقاتل من حفر حفرة برميلية تتسع له ولسلاحه ويتم تغطيتها بمشمع مموه ويقوم مقاتل صاعقة غير مشترك في الكمين بعمل التغطية والتمويه لكل الحفر وينسحب عائدا للغرب وأتوقف هنا لأوضح لشبابنا أن كل مقاتل صاعقة مطلوب منه أن يتعايش مع هذه الحفرة الضيقة ويعيش مع سلاحه وذخيرته وأكله ومياهه‏..‏ يعيش من الثالثة بعد م
نتصف الليل وحتي موعد تنفيذ المهمة المحدد بوصول دورية العدو ونحن نتكلم هنا عن ساعات طويلة وليس ساعة أو اثنتين وأنت تعيش في حفرة وسط أرض غير مؤمنة يحتلها العدو‏!.‏

الذين يحاربون عن عقيدة يقدرون علي هذا‏!.‏ الذين لا يعرف الخوف طريقا إلي عقولهم وقلوبهم سهل عليهم ذلك‏!.‏ الذين لا يخشون الموت‏..‏لا شيء يقف أمامهم‏!.‏ والمصريون يحاربون عن عقيدة ولا يعرفون الخوف ولا الخوف يعرفهم‏!.‏

التعليمات للكمين واضحة‏..‏ ما إن تصل أول مركبة للدورية أمام الحد الأيسر للكمين حتي يبدأ الاشتباك ووقتها ستكون مركبات العدو بمن عليها في نطاق نيران الكمين‏..‏ الوقت يمر وجاءت العاشرة صباحا ولم تصل الدورية والدقائق تكاد لا تتحرك والدورية تأخرت عن موعدها لأن دبابة من الثلاث تعطلت علي مقربة من ألف متر من الكمين وتوقفت الدورية بعض الوقت علي أمل إصلاحها واضطرت الدورية للتحرك تاركة خلفها الدبابة التي جاء تعطلها إنقاذا لأرواح وإنهاء لأعمار‏!.‏

وصلت الدورية إلي الحد الأيمن للكمين وصمت النيران قائم إلي لحظة وصول مقدمة الدورية إلي حد أيسر الكمين وعندها رأت‏..‏ جهنم الحمراء‏!.‏

الأرض انشقت وخرج من جوفها‏22‏ مقاتلا كل واحد منهم طاقة نيران تصب جحيمها علي الهدف المكلف به لينتهي الأمر أسرع مما كان يتوقع مقاتلونا والجيب مع المدرعتين وجوز الدبابات في حالة تدمير شامل والنيران فيها مشتعلة‏..‏ وما إن تأكد كمين الصاعقة من تدمير الهدف حتي بدأ انسحابه لرحلة العودة إلي غرب القناة في القوارب الأربعة ولم يخطر علي بالهم أن الدبابة المعطلة التي نجت من الكمين تم إصلاحها ووصلت إلي الموقع ورجال الصاعقة في قواربهم بعد انتهاء مهمتهم وصعدت الدبابة إلي مصطبة مجهزة علي الساتر الترابي ومنها ركبت المجري المائي للقناة وأطلقت نيرانها وأصابت قاربا واستشهد ستة مقاتلين وتم التعامل مع الدبابة من الغرب واضطرت إلي الانسحاب وأسدل الستار علي كمين‏5‏ فبراير الذي فقد فيه العدو عشرين قتيلا ودبابتين ومجنزرتين وسيارة جيب مقابل ستة شهداء من الصاعقة والذي حدث في هذا الكمين أصاب الصهاينة بحالة ذهول بعدما تأكدوا يقينا أن المصريين لن يوقفهم مانع ولا ألغام ولا سلاح ولا طائرات ولا نقاط قوية ولا أي شيء طالما الخوف من الموت ذات نفسه لا يوقفهم‏!.‏

وتمر الأيام‏..‏ أيام حرب الاستنزاف التي استمرت‏500‏ يوم كانت ولا‏500‏ سنة علي الصهاينة لأن العمليات لا تتوقف وسيناء أصلا علي أرضها دوريات خلف خطوط من المقاتلين المصريين لا حصر لعددها وتقريبا لم يكن يمر يوم بدون خسائر للعدو إن لم تكن في البشر تكون في نسف وتدمير معدات ومخازن ذخيرة وسلاح ومركبات وحظهم الأسود أن أياما كثيرة شهدت عدة عمليات فدائية مصرية في توقيت واحد وكل هذه الأمور مدروسة بدقة متناهية لأن أحد أهم أهداف حرب الاستنزاف هو استنزاف الروح المعنوية للعدو نتيجة ترسيخ حقيقة في عقله أن الموت قادم في أي لحظة وسوف يطوله حتما حتي وإن لم يخرج من تحت أرض أي نقطة قوية في بارليف‏..‏ وفي المقابل كان هناك حرص في الجانب المصري علي مشاركة كل الوحدات في مثل تلك العمليات ليكونوا أبطالا لملاحم الفداء والشجاعة‏..‏ وكل عملية ترفع معنويات المقاتلين في السماء وعملية بعد عملية ونجاحا يتلو نجاحا نجحت خطة القيادة في تطعيم جيش مصر للحرب المنتظرة لأن الحرب التي ينتظرها بفارغ الصبر جيش مصر أساسها اقتحام القناة وقتال العدو الموجود في الشرق وهذا كله تحقق في الاستنزاف‏..‏ القناة اقتحموها مئات المرات في عمليات فدائية حملت معها الموت و
الدمار للعدو وانعكس هذا علي معدلات غياب وفرار جنود الصهاينة من سيناء‏!.‏

بعد عملية‏5‏ فبراير وقفت الضفة الشرقية للقناة علي حيلها والدورية المدرعة اليومية ما بين النقاط القوية توقفت لعدة أيام والطائرات الحربية تحلق علي ارتفاعات منخفضة وطائرة الاستطلاع تمسح المنطقة في أول ضوء وقبل آخر ضوء واستمر الحذر فترة وبعدها عادت الأمور إلي ما كانت عليه وقبل أن يأتي شهر أبريل كانت الأمور قد عادت إلي ما كانت عليه من قبل وهذه السلبية أساسها نزف الروح المعنوية وتآكل الثقة عند العدو‏!.‏

غرب القناة الثقة تتراكم وتتزايد والروح المعنوية لجيش مصر ترتفع ووسط هذا المناخ تصدر التعليمات بالإعداد لعملية شرق القناة من ضمن أهدافها العودة بأسير بعدما رصدت وحدات الاستطلاع وصول قوات جديدة إلي الجبهة ولابد أن يعرف المصريون ومعرفة أحدث المعلومات وأدقها يكون من استجوابات أسير والأسري الصهاينة من أول قعدة بيقولوا لأن المسألة ليست عقيدة لأنه علي أرض يعلم أنها ليست أرضه فكيف يموت في سبيلها؟‏.‏

الكتيبة‏83‏ صاعقة اختيرت لتنفيذ المهمة وما إن نالت هذا الشرف وكل الكتيبة تريد أن تكون الكمين‏!.‏ روح وشموخ وثقة وشجاعة والكل يريد المشاركة في مهمة معروف مسبقا أن الاستشهاد فيها أقرب الاحتمالات لأننا نتكلم عن اقتحام مانع مائي فيه ألغام واختراق مانع ترابي به ألغام ثم حفر ملاجئ صغيرة برميلية تتسع لإنسان جالس القرفصاء والمعيشة فيها قرابة الـ‏12‏ ساعة والعدو حولها يتحرك ثم الإغارة علي دورية مدرعة وتدميرها والحصول علي أسير حي منها والعودة للغرب من خلال المانع الترابي والمانع المائي‏!.‏

المهمة الصعبة الكل داخل الكتيبة يريد القيام بها وفي النهاية اختيارات قائد الكتيبة حسمت الموقف والقائد اختار الأكفأ من بين ضباطه وصف ضباطه وجنوده‏..‏ اختار الأكفأ وهو يعلم جيدا قدراتهم لكنه لم يكن يعلم أنه اختار الأكفأ لموعد مع العزة والكرامة والشموخ والشجاعة والفداء‏!.‏ اختار الأكفأ من رجاله لأنهم بعمليتهم الجريئة سيقلبون الأمور رأسا علي عقب وسيدفعون الصهاينة لقبول ما رفضوه مرارا‏!.‏

وللحديث بقية مادام في العمر بقية
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

تمنيت لو مصر كلها معي تشاهد مقاتلي الصاعقة‏!‏
بقلم : إبـراهـيـم حجــازي



**‏ أكتب عن الأبطال والبطولات وملاحم الشجاعة والفداء وقصص لا آخر لها في التضحية بالحياة لأجل وطن‏..‏ وهي أعلي ما يملك الإنسان وآخر ما يقدمه الإنسان‏..‏

الذي أكتبه أظنه بالغ الأهمية في هذا الوقت وكل وقت لشباب الأمة لأجل أن يجد للحياة معني عندما يعرف أن في تاريخ الوطن رجالا بالآلاف وضعوا أرواحهم علي أيديهم لأجل تحرير أرض‏!.‏ ليعرف الشباب أن الحياة ليست أخذا فقط إنما هناك أوقات ليس فيها إلا العطاء علي طول الخط وبالأرواح‏!.‏ ليعرف الشباب أنه من صلب رجال لم يعرف الخوف طريقا لهم‏!.‏ ليعرف الشباب أن البطولات والأبطال ليست مقصورة علي فترة زمنية انطوت إنما البطولة في أي وقت مادام هناك أبطال وهم موجودون اليوم وكل يوم بنفس القوة ونفس الشموخ ونفس العطاء ونفس الشجاعة ونفس التضحية ونفس الفداء ونفس الرجولة ونفس الشهامة‏....‏

نعم الأبطال عندنا وموجودون لأن أرض المحروسة لم تنضب ونبع البطولة والشجاعة والنخوة لم يجف وسلالة الفداء لم تنقطع ورجالنا وشبابنا في القوات المسلحة المصرية اليوم هم أبناء وأحفاد أبطالنا ومقاتلينا في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر‏.‏

أري وأسمع وألمس بنفسي هذه الحقيقة وأنا أعايش سنويا وحدات القوات المسلحة المختلفة احتفالاتها بيوم قتالها أو يوم عيدها الذي تراجع فيه ما تم تنفيذه من مهام علي مدار السنة‏..‏

وهذا الأسبوع شهد يوم قتال قوات الصاعقة وشرفت بمشاهدته وتمنيت لو أن مصر كلها تشاهد ما ليس له مثيل إلا في القوات المسلحة عموما والقوات الخاصة تحديدا وأقصد الصاعقة والمظلات في قلعة الفداء المعروفة باسم أنشاص قلعة الشجاعة والرجولة والالتزام والانضباط وأعلي مستويات التدريب والكفاءة في العالم كله‏!.‏ تمنيت أن يكون شباب الوطن معي يشاهدون مقاتلي الصاعقة يستعرضون إمكاناتهم وقدراتهم في القتال وعلي القتال في يوم عيد الصاعقة ومعركة رأس العش أخذتها الصاعقة عيدا لها رغم أن لقوات الصاعقة عشرات المئات من المعارك والدوريات والكمائن وجميع العمليات الفدائية التي تتطلب مقاتلين الموت ليس في حسبتهم عن قناعة تامة بأن لكل أجل كتاب ولا وساطة في الموت وطالما الأمر هكذا فلماذا يخشون الموت؟

وحدات الصاعقة قدمت للوطن‏939‏ شهيدا من خلال عمليات حربية فدائية هائلة يصعب حصرها ومع هذا اتخذت عملية رأس العش يوما لعيدها واحتفالها والاختيار موفق ودقيق لأن رأس العش جاءت بعد أيام قليلة من أقسي هزيمة يمكن أن يتعرض لها جيش في العالم‏!.‏

جاءت والصهاينة في قمة الزهو والخيلاء والغرور بعدما ثبت للعالم كله أن مقولة الجيش الذي لا يقهر صحيحة‏..‏ وبعدما اكتشف العالم كله أن العرب لو عملوا وفعلوا واحدا علي مائة مما يقولون ويصرحون به ما كان هذا حالهم‏..‏ وبعدما فوجئت دول العالم بأن المنطقة التي عاشت شهرا علي صفيح ساخن من التصريحات النارية للمصريين‏..‏ الحرب فيها انتهت قبل أن تبدأ والجيش المصري انسحب دون أن يطلق طلقة‏!.‏

جاءت معركة رأس العش بين طابور مدرع يضم عربات مدرعة ودبابات ومدفعية علي عربات مجهزة وكل ما يخطر علي بال من أسلحة خفيفة ورشاشات وقاذفات لهب‏!‏ كل هذه الترسانة في الطابور المدرع الذي له أول بالإمكان رؤيته بالعين المجردة وليس له آخر علي الطريق الضيق الموازي للقناة‏!.‏ الطابور المدرع وجهته مدينة بورفؤاد الصغيرة ومهمته احتلالها والمهمة سياسية أكثر منها عسكرية لأجل إخبار العالم أن سيناء بالكامل في قبضة الصهاينة وآخر مدينة وقعت في الأسر وخضعت للاحتلال بورفؤاد وهي ليست بأي مدينة لأنها جزء من بور سعيد المدينة التي عرفها العالم بالصمود في‏1956‏ يوم نهض شعبها مع من هو موجود من جيشنا بصد وردع كل محاولات الإنزال والإسقاط التي قامت بها وحدات خاصة مشتركة من إنجلترا وفرنسا مع الصهاينة‏..‏ ومن هنا كانت الأهمية التي أولاها العدو لأجل احتلال بورفؤاد‏..‏ والمهمة وقتها نزهة لجيش الصهاينة الواثق بأنه لا يجد مقاومة وإن وجدت فلن تطول ومن بإمكانه الوقوف أمام جيش لا يقهر؟‏.‏

ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين‏..‏ والذي فكروا فيه وخططوا له فوجئوا بأنه سراب في رأس العش الموجود فيها فصيلة صاعقة مصرية مهمتها وعقيدتها لن يتقدم العدو خطوة تجاه بورفؤاد إلا علي جثثهم وخلاف ذلك لن يخطو مترا واحدا‏!.‏

الطابور المدرع الصهيوني كل تقارير الاستطلاع والصور الجوية الموجودة لديه تؤكد أن القوة المصرية قليلة بتسليحها الشخصي مع ثلاثة أو أربعة‏r.b.g‏ من الجيل القديم لهذا السلاح المضاد للدبابات‏.‏ كل المعلومات تؤكد أن الفارق هائل في عدد المقاتلين ونوعية السلاح وكفاءة التسليح ومخزون الذخيرة ووسائل الدعم‏!.‏ التقارير كلها أنه لا وجه للمقارنة بين قوة صغيرة وطابور مدرع يمتلك كل أنواع النيران‏!.‏

التقارير كلها تناولت وسجلت عناصر المقارنة المتعارف عليها‏..‏ لكن جميع تقارير العدو أغفلت العنصر الأهم لأنهم أصلا لا يعرفون شيئا عنه‏!.‏

أغفلت شجاعة المقاتل المصري‏..‏ أغفلت عقيدة مقاتل يدافع عن أرضه وعرضه وشرفه‏..‏ أغفلت أن جيش مصر انحسبت عليه هزيمة يونيو دون أن تتاح له فرصة الدفاع عن وطنه‏..‏ التقارير أغفلت شموخ وكبرياء ورجولة المقاتل المصري‏..‏ أغفلت أنه مقاتل علي استعداد للشهادة في سبيل وطنه‏.‏

وما أغفلته التقارير أكدته معركة رأس العش التي بدأت بتقدم للطابور المـدرع وانتهت بانسحـــاب الطابــــور المدرع وما بين التقدم والتقهقر قتال شرس دفاعا عن أرض وشجاعة منقطعة النظير وتضحيـة وفـداء لمقاتلين يدافعـون عن أرضهـم بأرواحهـم‏!.‏

ما لم تعرفه التقارير أثبتته معركة رأس العش الشرسة التي عرف منها الصهاينة أنهم حقا أمام خير أجناد الأرض‏!.‏

ومن رأس العش عرفنا نحن وتأكدنا أننا أحياء ولم نمت كما أشاعوا وأننا قادرون علي مواجهتهم والنيل منهم وإجبارهم علي التراجع والذي خرجنا به من تلك المعركة طاقة أمل هائلة في قدراتنا وطاقة نور فضحت أسطورة جيش لا يقهر‏!.‏

معركة رأس العش جاءت في موعدها ونشكر الله علي وقوعها لأنها فصلت بوضوح بين ما قبلها وما بعدها‏..‏ وبعدها عرفنا أن الصهاينة في متناولنا ونقدر عليهم وعرفوا هم أن لحمنا مر‏!.‏

هذا الأسبوع احتفلت الصاعقة بيوم تفوقها في حضور القائد العام للقوات المسلحة المشير طنطاوي ورئيس الأركان الفريق سامي عنان وقادة الوحدات والإدارات‏..‏ ويوم التفوق هو يوم عيدها‏,‏ ورأس العش هي العيد وهي الرمز وهي التضحية وهي الفداء وهي المجد‏.‏

الذي أريد قوله لشبابنا‏:‏ إن ما رأيته من مقاتلي الصاعقة اليوم طمأنني علي الغد وكل غد دون الدخول في تفاصيل‏!.‏

كلما رأيت احتفالا بيوم تفوق لسلاح من أسلحة القوات المسلحة‏..‏ شعرت بالثقة والاطمئنان لأن القوة هي التي تمنع الحرب وتحمي السلام‏.‏

والقوات المسلحة مهمتها ألا يقترب مخلوق من حدود وطن والقوة هي التي تمنع ولأجل ذلك لابد من أن تبقي معدلات الكفاءة في أعلي درجاتها وهذا لن يكون إلا بفكر وتخطيط وتدريب وعرق وجهد لأجل أن تبقي القوة في قمتها لأن العيش في سلام مع الغير يتطلب كل معدلات القوة حتي يبقي هذا السلام عادلا منصفا لأن تراجع القوة يحول السلام إلي خنوع ومذلة واستسلام‏!.‏

أنا أكتب عن الأبطال والبطولات عن قناعة ويقين بأن قصص بطولاتهم وشجاعتهم وفدائهم وتضحيتهم أهم من كل مقررات المنهج التعليمي الفاشل الذي يشوهون به شبابنا‏..‏ أكتب مقررات الفخر والعزة والكرامة والحب والعطاء والشجاعة والخلود في مواجهة مقررات الحفظ والتلقين والهلس والفساد والكراهية والحقد والنفسنة التي يحيطون بها الشباب علي مدي ساعات اليوم وفي مختلف وسائل التثقيف والإعلام‏!.‏

الذي أكتبه عن الأبطال والبطولات ليس استدعاء للحرب أو رفضا للعيش مع الآخر في سلام‏...‏

الذي أكتبه دعوة للقوة‏..‏ أقصي درجات القوة‏,‏ ودعوة للاستعداد‏..‏ أقصي درجات الاستعداد‏..‏ أدعو للقوة والاستعداد في كل لحظة لأجل أن يعيش السلام ونعيش في سلام‏!.‏

أكتب لأن السلام الذي رضينا به ووافقنا عليه ونريد أن نعيشه‏..‏ الآخر لا يريده ونتائج الانتخابات الأخيرة فضحت الصهاينة الذين انتخبوا من يريد احتلال سيناء ومن يريد الحرب ومن يكره المصريين ومن يريد ضرب السد العالي‏!.‏

أكتب لأن القوة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الصهاينة وإن لم تكن قويا دهسوك في لحظة‏...‏

أكتب‏..‏ لأن هناك الحديث عن القوة وعن عودة احتلال الأرض وهنا الكلام في السلام‏!‏

أكتب‏..‏ لأجل يقين عن حق لابد أن يعيشه الشباب‏..‏ يقين أن الشجاعة والتضحية والفداء والمجد مفردات في اللغة الفصحي واللهجة المصرية العامية وأن المصريين يعرفونها من فجر التاريخ وحتي اليوم وأن جيش مصر العظيم لا يعرف غيرها لا في الأمس ولا اليوم ولا في أي يوم‏!.‏

وأنا أجهز للكتابة في ملحمة شجاعة لعبت المصادفة دورها مع مكالمة تليفونية من د‏.‏ ماجد محمد رفعت أستاذ الباطنة بطب عين شمس‏..‏ ووجدته يقول لي بمناسبة اهتمامك بقصص الأبطال والبطولات أمس زارني مريض يشكو الضغط والسكر وخلال حواري لمعرفة تاريخ المرض عرفت أنه لواء متقاعد من قوات الصاعقة والمفاجأة أنني أمام مقاتل صنع مع زملائه ملحمة في الفداء والشموخ والشجاعة‏!.‏

وانتهت المكالمة لأبدأ في جمع المعلومات إلي أن اكتملت الحدوتة‏..‏ حدوتة يوم السبت الحزين وموعدنا معها الأسبوع المقبل بإذن الله‏!.‏

تحية لقوات الصاعقة في عيدها‏...‏

كل التحية إلي جيش مصر في الأمس واليوم وكل يوم‏...‏

وللحديث بقية مادام في العمر بقية​
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

خارج دائرة الضوء
بقلم : إبـراهيـم حجـازي​


‏لمثقفون هنا أغلبهم انشغل وشغل الناس معه بالدفاع أو الهجوم علي الرموز المصرية وفي مقدمتهم عبد الناصر والسادات واتسعت المعركة التي لا يعلو صوت عليها لتشمل كل من له رأي موضوعي في هذه القضية باعتبار الوسطية مرفوضة وإما أنك مع طرف وعدو للآخر أو لا تتكلم‏!.‏ خلاصة القول إننا انشغلنا بقضية وهمية نحن الذين صنعناها وأرسيناها من زمن وبقيت وكبرت وتنامت إلي أن أعمتنا عما يدور هناك‏!.‏

هناك الدولة الصهيونية تشهد جدلا هائلا بين تياراتها المتشددة حول احتلال سيناء والجدل ليس علي الفكرة لأن الكل موافق عليها إنما علي أساليب تنفيذها‏...!.‏

هناك يخططون لاحتلال سيناء المصرية والذي أقوله ليس استنتاجات أو تكهنات إنما هو معلومات متداولة في تقارير لخبراء وتحليلات لمتخصصين وتصريحات لمسئولين وكلها منشورة‏!.‏ هناك وضعوا أكثر من سيناريو لتنفيذ خطة احتلال سيناء أو جزء منها ونحن هنا مشغولون ومنقسمون في حرب تجريح الرموز‏!.‏

تحت يدي دراسة خطيرة بالغة الأهمية للأستاذ أحمد الغريب الباحث في الشئون الإسرائيلية بالهيئة العامة للاستعلامات والبحث عنوانه‏:'‏ ما بين أحلام الاحتلال وأوهام التوطين الصهيونية لا تهدأ أبدا‏..‏ سيناء من هيرتزل إلي ليبرمان‏'.‏

لو هناك مساحة لنشرت البحث كاملا لأن فيه معلومات أغلبنا لا يعرفها وبه رصد دقيق للفكر الصهيوني تجاه هذه القضية تحديدا من سنة‏1903‏ حتي‏2009‏ أو من هيرتزل مؤسس الصهيونية إلي ليبرمان زعيم العنصرية‏!.‏ لم أتمكن من النشر كاملا وأرجو أن أكون وفقت في عرض هذا البحث من خلال هذه النقاط‏:‏

‏1‏ـ منذ نشأة الصهيونية وزعيمها تيودور هيرتزل يسعي لإنشاء وطن قومي في سيناء يستوعب أغلب يهود العالم‏!.‏ في هذا الوقت الروس ودول أخري في شرق أوروبا يضطهدون اليهود الذين هاجروا لاجئين إلي بريطانيا التي وجدت نفسها في مأزق لأنها لا تستطيع منع دخول اللاجئين لأراضيها وليس عندها حلول للبطالة لأن فرص العمل ثابتة والناس في تزايد وهذه الورطة استغلها هيرتزل ليتقدم إلي بريطانيا بمشروع لترحيل اللاجئين اليهود من أراضيها إلي منطقة تصلح لاستيطان اليهود‏!.‏ فكرة يهودي عبقرية مستحيل أن ترفضها بريطانيا وقبولها معناه تنفيذها لأن بريطانيا وقتها إمبراطورية‏!.‏

‏2‏ـ هيرتزل قدم ثلاثة مقترحات‏..‏ الأول‏:‏ الاستيطان في قبرص وتنازل بريطانيا عنها لليهود ولم تكن هناك مشكلة لأن المشكلة بقاء اللاجئين اليهود في بريطانيا العاجزة عن منع دخولهم خشية الرأي العام عندها‏..‏ وفي مؤتمر بازل تغيرت الوجهة من قبرص إلي فلسطين والكل وافق لأن زرع الوطن القومي وسط الدول العربية يخدم مصالح بريطانيا‏!.‏ والاقتراح الثالث فلسطين المصرية في إشارة إلي سيناء‏!.‏ وفشلت فكرة قبرص وتلتها فكرة فلسطين وبقيت أطروحة سيناء وطن قومي وسط رغبة بريطانية حقيقية في التخلص من اليهود خارج أراضيها‏..‏ ورأت بريطانيا في سيناء مشروعا يخدم مصالحها ويمد نفوذها الاستعماري تجاه فلسطين انتظارا للانهيار المرتقب للدولة العثمانية أما هيرتزل فأخذ علي عاتقه الترويج للفكرة بأن وجود دولة صهيونية في سيناء يحمي الضفة الشرقية للقناة ويعزل مصر عن محيطها العربي‏..‏ ووافقت إنجلترا وبدأت إجراءات التنفيذ بتعليمات للورد كرومر باستقبال بعثة صهيونية لتقصي الحقائق عن سيناء وفي سنة‏1903‏ وصلت سيناء بعثة من ستة خبراء في الهندسة والزراعة لأجل تقسيم سيناء كأرض للوطن القومي لليهود‏.‏

‏3‏ـ البعثة قضت في سيناء شهرا وفي تقريرها قسمت سيناء إلي خمس مناطق جغرافية هي وادي الفارما والمنطقة الواقعة جنوب بحيرة البردويل ووادي العريش وصحراء التيه والمنطقة الخامسة المنطقة المحصورة بين جبال التيه والسويس‏.‏

ملاحظة‏:‏ البعثة الصهيونية في تقريرها وعلي عكس الحقيقة عمدت إلي التهوين من ثروات سيناء وتعمدت الإشارة إلي أن سيناء شبه خالية من البشر وخالية من المعادن والبترول والحقيقة غير ذلك‏!.‏ التقرير شمل الحدود المزمع توسيعها وشمل تفاصيل كثيرة منها التوصية باستخدام الفلاحين المصريين لزراعة سيناء لقدرتهم علي التأقلم مع المناخ‏!‏ التقرير تسلمه هيرتزل وعلي ضوء معلوماته وضع مشروع الوطن القومي وقدمه إلي بريطانيا التي أرسلته بدورها إلي اللورد كرومر في مصر لأجل أن توافق عليه مصر تحت الضغوط البريطانية وفشل المشروع أمام الإرادة المصرية‏.‏

‏4‏ـ ما فشل فيه هيرتزل سنة‏1903‏ تحقق بعد‏64‏ سنة وحرب‏1967‏ واحتلال سيناء بأكملها وما إن حدث هذا حتي بدأت الدولة الصهيونية في تنفيذ خطة استيطان هائلة في سيناء عن قناعة في عقولهم بأنها جزء أصيل من الوطن الصهيوني ومكون أساسي لأرض إسرائيل الكبري‏..‏ وفي لا وقت تم بناء سبع مستوطنات صهيونية ضمن خطة تهويد سيناء التي اتخذت أشكالا متعددة علي مسارات مختلفة‏..‏ بناء المستوطنات واستهداف بدو سيناء بحملة ضاغطة عليهم هدفها الفصل المعنوي بين سكان سيناء وسكان الدلتا والوادي من خلال إعداد نفسي يؤهلهم لقبول واقع الاحتلال الصهيوني ونزع الهوية المصرية بالترغيب تارة والتخويف أخري ووضع اللغة العبرية في المناهج وتحريض أهالي سيناء علي طلب الحكم الذاتي والضغط عليهم اقتصاديا بحرق محاصيلهم ومنع دخول البضائع المصرية وتقييد حركة البضائع الداخلية وعقد مؤتمرات مع مشايخ قبائل سيناء لاستمالتهم وترضيتهم مثلما حدث في مؤتمر الحسنة مارس‏1968!.‏

‏5‏ ـ ست سنوات عاشتها سيناء تحت الاحتلال الصهيوني وعلي خلاف ما خطط الصهاينة وتوقع الصهاينة بقيت مصرية عربية مرفوعة الهامة رغم الضغوط الرهيبة والإغراءات الهائلة‏..‏ بقيت لأن في سيناء بدوا مصريين علي استعداد للموت ولا يفرطون في شبر أرض ولا يخونون مبدأ ولا يبيعون قضية والدليل الدعم غير المحدود والمحفوف بالموت وليس المخاطر‏..‏ دعم قبائل سيناء لأبطال القوات المسلحة من رجال الاستطلاع الذين عاشوا في سيناء وسط وخلف خطوط العدو وما كان هذا يحدث لولا وطنية قبائل سيناء‏!.‏ ونفس الشيء ظهر جليا خلال حرب الاستنزاف التي استمرت‏500‏ يوم لم يمر يوم منها إلا وأرض سيناء عليها عمليات فدائية مصرية تستهدف جيش الصهاينة وعتادهم وسلاحهم‏!.‏

‏6‏ ـ حرب أكتوبر‏1973‏ البداية الحقيقية لإنهاء احتلال الصهاينة لسيناء والقيادة المصرية هدفها واضح ومحدد استعادة سيناء كاملة ولهذا تعتبر حرب أكتوبر حكما بإعدام نظرية الأمن الصهيونية وإسقاط نظرية التوسع وضم الأراضي وتأكيدا لقدرة مصر علي زلزلة الداخل الصهيوني‏!.‏

‏7‏ ـ منذ رحيل الصهاينة عن سيناء قبل‏30‏ سنة والحديث لا ينقطع عن حتمية احتلال سيناء‏..‏ من شارون وحتي ليبرمان‏..‏ لغة التهديد لا تتوقف والحديث عن توطين الفلسطينيين في سيناء يتزايد وأفيجدور ليبرمان زعيم حزب إسرائيل بيتنو ـ إسرائيل بيتنا يعتبر الآن بلغة أولاد البلد عندنا‏..‏ أنصح أخوته المتعصبين المتطرفين العنصريين الكارهين لمصر تحديدا والكراهية تتصبب من جسده وكأنه يأكل حقدا ويشرب كرها‏!.‏

أفكار ليبرمان المتطرفة عبر عنها زمير أورن لصحيفة هآرتس في مقال نشرته الجريدة وفيه يدعو الولايات المتحدة للضغط علي مصر لاقتطاع جزء من سيناء وضمه لقطاع غزة ليكون وطنا جديدا للفلسطينيين‏!.‏الكاتب الصهيوني أشار في نفس المقال إلي أن حد النزاع ليس في القدس ولا في رام الله إنما في القاهرة لموافقتها علي ضم أجزاء من سيناء إلي غزة‏!.‏

وأضاف الكاتب في نفس المقال أن الاتجاه السائد حتي وقت قريب هو التوجه شرقا ناحية الأردن لتجسيد شعار ثلاث دول أردنية وصهيونية وفلسطينية لثلاثة شعوب وإن شئنا الدقة لشعبين ونصف نظرا للأقلية الأردنية مقابل الزيادة الفلسطينية وهو ما سيجعل الأردن في النهاية دولة فلسطينية بالتعداد والاقتراع في الانتخابات وهذا الأمر تحديدا لن يسمح بحل القضية وإنهاء الصراع ولهذا‏!.‏

الحل‏..‏ شمال سيناء باعتباره الامتداد الطبيعي الوحيد الذي يمكن توطين الفلسطينيين فيه‏..‏ من رفح في الشرق إلي البردويل والعريش شمالا‏!.‏

الكاتب الصهيوني الذي يعبر عن اليمين المتطرف يقول في نهاية مقاله إن صعوبة هذا المشروع تكمن في السيادة المصرية علي سيناء وما يردده المصريون عن سيادة التراب الوطني والأرض لأصحابها‏!‏

‏8‏ـ نفس النظرية‏..‏ نظرية التوطين في سيناء ناقشها شارون وقدم خطته مكتوبة إلي كونداليزا رايس التي قدمتها بدورها إلي الرئيس بوش الذي وافق عليها‏.‏ الخطة تقول‏:‏ انسحاب الصهاينة من أغلب أراضي غزة واستقطاع الصهاينة لأجزاء من القطاع وضمها للدولة الصهيونية ومقابل ذلك هناك حلان‏.‏ الأول تعويض الفلسطينيين بمساحة أرض بدلا من التي تم استقطاعها أو ترحيل عدد من المقيمين في القطاع ليعيشوا خارج القطاع‏..‏ وبالطبع الأرض التي سيتم تعويض الفلسطينيين بها ليست الأرض التي يحتلها الصهاينة إنما أرض أخري والأرض الأخري سيناء وهنا تقول الخطة الدخول في مفاوضات مع الحكومة المصرية تحت رعاية واشنطن لإرغام مصر علي التنازل عن مساحة‏1600‏ كيلو متر من سيناء وضمها إلي غزة عوضا عن الأراضي التي سوف يستقطعها الصهاينة من غزة‏!.‏

ونفس الخطة أشارت إلي تعويض مصر بأراض مقابل الأرض التي ضمتها إلي غزة والمقترح‏150‏ كيلو مترا في صحراء النقب لمصر مقابل الـ‏1600‏ كيلو متر من سيناء التي أخذتها غزة‏!.‏

‏9‏ ـ مؤتمر مركز هرتزاليا الصهيوني متعدد المجالات لسنة‏2008‏ ناقش أهم قضايا الأمن القومي الصهيوني ومن ضمنها مخطط جديد قدمه البروفيسير عوزي أراد والبروفيسير جدعون بيجر‏.‏ والاثنان مخططهما مختلف وجديد ويقضي بتبادل أراض مع سكانها بين دول المنطقة كافة‏..‏ لبنان وسوريا والأردن ومصر وفلسطين والدولة الصهيونية في إطار ما يطلق عليه الحل النهائي وتعديل الحدود وفيه يحتفظ الصهاينة بمساحة‏200‏ كيلو من الضفة ويحتل الصهاينة‏12‏ في المائة من هضبة الجولان والمقابل مناطق تأخذها سوريا من لبنان علي أن يعوض الصهاينة لبنان بمساحة‏50‏ كيلو من أراضي الحدود بينهما ومقابل تخلي الصهاينة عن أراض في فاران وحولها بما يسمح بإيجاد معبر بين مصر والأردن يتخلي المصريون عن أراض في سيناء يتم ضمها إلي غزة‏.‏

‏10‏ ـ أمام كل هذه المطامع الصهيونية يصبح قرار تنمية سيناء أهم وأخطر مشروع قومي وهذا ما أقره مجلس وزراء مصر سنة‏1994‏ واعتمده مجلس الشعب لكن المشروع لم يتم لأنه أصلا لم يبدأ‏!.‏

انتهت النقاط التي تلخص البحث عند مشروع تنمية سيناء الذي توقف قبل أن يبدأ‏!‏ توقف رغم أنه الضمانة الوحيدة لحماية سيناء من أطماع الصهاينة‏!‏

توقف رغم أنه المشروع القومي الأهم في هذا الوقت الدقيق الحاسم الذي تمر به المنطقة بأكملها والتي فيه كل الحلول المطروحة للقضية الفلسطينية تضع سيناء في جملة مفيدة‏!‏

مشروع تنمية سيناء هو مشروع قومي أراه الأحق باهتمام المثقفين كل المثقفين علي اختلاف ميولهم لأجل وفاق وطني علي مشروع هو بكل المقاييس أهم قضية أمن قومي‏!‏

تعالوا نتفق جميعا مرة وليكن الإجماع علي تنمية سيناء التي يريدون احتلالها وتقسيمها‏!.‏

تعالوا نتفق لأننا بجد وبحق ينتظرنا خطر داهم يحمل لواءه اليمين الصهيوني المتطرف‏!.‏

تعالوا نغلق للأبد ملف تجريح الرموز المصرية لأجل أن نتلاقي ونتوحد في مواجهة الصقور الصهيونية‏!.‏

علينا أن نتذكر أن سيناء أرضنا وعرضنا‏.‏
علينا التأكد من أن جيش مصر العظيم صاحي وجاهز وقادر علي قطع رقبة أي كلب يقترب من حدودنا‏!.‏

وللحديث بقية ما دام في العمر بقية​
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

ملحمة فداء اسمها علي جمجوم‏!‏​


**‏ هذه فقرة خاصة نزولا علي رغبة الشباب الذي يطالبني باستمرار الكتابة عن البطولات والأبطال والذي يريده الشباب منطقي وطبيعي لأنه محاط الآن بتفاهات وسلبيات وروايات وكلها كلام في الفارغ‏..‏ قصص النهب والهبش والهلس ونوادر الاستثمار في الجولف بدلا من القمح‏!‏

أكتب اليوم عن حرب‏1967‏ التي أسفرت عن هزيمة بالغة المرارة لجيش مصر ولا نقاش في هذا لكن ما أتوقف عنده حقيقة أخري وقعت تحت أقدام الهزيمة فلم يسمع عنها أحد‏!.‏ حقيقة أن‏70%‏ من قواتنا في سيناء لم تر بعيونها قوات للعدو ودخلت وانسحبت دون أن تواجه عدوا أو حتي تراه رؤية العين‏!.‏ حقيقة أن‏1967‏ هي حرب القرارات الخطأ وهل هناك أسوأ من أن يكون جيش علي جبهتين‏..‏ واحدة في اليمن والثانية سيناء‏!.‏ حقيقة عدم تقديرنا وفهمنا ووعينا بالقوي الكبري في العالم وتصورنا أننا فهمنا اللعبة وأردنا اللعب مع الكبار وفيما بعد اكتشفنا أن مصالحهم لا تتعارض وعند حد معين يبيعون أي دولة حليفة وعرفنا بعد سنين أن الذي يتغطي بدولة كبيرة عريان‏!‏

عدم درايتنا بلعبة الكبار أغرقتنا‏!.‏ مسئول مصري رفيع المستوي طار إلي الاتحاد السوفيتي قبل الحرب بأيام وقابل رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي كوسجين الذي رد علي المسئول المصري بقوله‏:‏ أنتم انتصرتم سياسيا وحركتم جيشكم إلي سيناء وسط حملة دعائية كسبتم منها سياسيا وعسكريا‏..‏ فكفي‏!‏

كلام رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي رسالة واضحة محددة‏..‏ لغاية هنا وقفوا‏!‏

المسئول المصري قبل أن يغادر الاتحاد السوفيتي قابل جروميكو وزير الدفاع الذي قال للمسئول المصري‏:‏ لا تخف لا تقلق‏..‏ لو دخلت أمريكا الحرب فإن أساطيلنا وطائراتنا وصواريخنا وقواعدنا جاهزة للتدخل‏!‏

الكلام محدد وواضح‏..‏ الروس سوف يتدخلون‏..‏ إذا دخلت أمريكا الحرب وأمريكا لم ولن تدخل ومن ثم الصواريخ والطائرات والأساطيل الروسية لن تتحرك وقامت الحرب وانتهت ولم تتحرك روسيا لأن أمريكا لم تتحرك‏!‏

المسئول المصري رفيع المستوي عاد للقاهرة وفي بطنه بطيخة صيفي علي أساس أن روسيا معنا‏!.‏ هل فهم الترجمة غلط ولم يعرف ما قاله رئيس الوزراء الروسي والذي قاله محدد‏..‏ التحركات العسكرية ولا خطوة تصعيد بعدها‏!.‏ المسئول المصري لم يفهم الرسالة ولم يعرف مغزي كلام وزير الدفاع الروسي الذي ربط تدخل روسيا بدخول أمريكا وهو يعلم أن أمريكا تفتح ترسانتها للصهاينة لكنها مستحيل أن تتدخل‏!.‏ فهمنا غلط واستمرت حملة التصعيد إلي أن اصطادونا وأعلن العدو الحرب بضربة جوية وجاء ردنا عليها بقرار قاتل وليس خاطئا‏..‏ قرار الانسحاب‏..‏ والقوات التي لم يكن في مواجهتها عدو لو كانوا ثبتوا في مواقعهم ما كانت الكارثة حدثت‏!.‏ لو أن القوات تمسكت بمواقعها ولم تنسحب ما حدثت الهزيمة القاسية‏..‏ والدليل‏!‏

الدليل ملحمة شجاعة وفداء وبطولة وشرف وكرامة اسمها علي جمجوم‏!‏

العميد علي جمجوم قائد لواء مشاة مهمته الدفاع عن أبوعجيلة وهي موقع استراتيجي يقع في نهاية المحور الأوسط علي الحدود‏..‏ قوات العدو المواجهة يقودها شارون وتتكون من‏2‏ لواء مدرع‏(220‏ دبابة‏)‏ ولواء مشاة ميكانيكي وفوج استطلاع مدرع‏(40‏ دبابة‏).‏ واضح تماما فارق القوة البشرية والتسليح ما بين لواء المشاة المصري الذي كل ما يملكه من أسلحة معاونة كتيبة مدفعية في مواجهة قرابة الـ‏300‏ دبابة في‏2‏ لواء مدرع وثالثهما لواء مشاة ميكانيكي‏..‏ فماذا حدث؟

بدأت المعركة يوم‏5‏ يونيو‏..‏ وبدأت بهجمات خداعية هدفها استنزاف الموقع طوال النهار تمهيدا للهجوم الرئيسي ليلا وتلك خطة العدو ولم تنجح لأن القائد المصري لم يستدرج لهذه الهجمات التي هدفها سحب القوات واحتفظ بالاحتياطيات لإدراكه أن المعركة ليلا‏!‏

وسط هذه الهجمات الخداعية وصلت إلي العميد علي جمجوم أوامر بالانسحاب من أبوعجيلة‏..‏ لكن البطل رفض الانسحاب قائلا‏:‏ أنا المسئول عن هذه الأرض ومهمتي التي دخلت سيناء لأجلها حماية هذه الأرض‏..‏ وأرضنا هي عرضنا وهي شرفنا وانسحابي انتهاك عرض ولن أسمح بهذا وفي صدري قلب ينبض‏!‏

رفض البطل أوامر الانسحاب لأن مهمته التمسك بالأرض وليس الانسحاب من الأرض‏!‏

وبدأ الهجوم الرئيسي للعدو بعد آخر ضوء يوم‏5‏ يونيو بهجوم شرس من علي الأجناب لخلخلة المواقع المصرية‏..‏ هجوم بالمدرعات وكل أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة علي مدي ساعات الليل والمواقع المصرية ثابتة ولم تفقد حبة رمل واحدة‏!‏

المعركة استمرت طوال الليل وبقيت طوال نهار يوم‏6‏ يونيو ودبابات تذهب ودبابات تجيء ورجال اللواء مشاة يدافعون بشراسة عن أرضهم التي لم يتمكن العدو بكل قواته وعتاده وتفوقه كما وكيفا من أن يتقدم مترا واحدا لأن القضية ليست سلاحا إنما هي في الواقع من الذي يحمل هذا السلاح‏!‏

خطة العدو التي جاءت في المذكرات المنشورة فيما بعد أن يستولي شارون علي منطقة أبوعجيلة يوم‏5‏ يونيو ويتجه إلي الحسنة ويحتلها باعتبارها منطقة حاسمة حاكمة علي المحور الأوسط‏!.‏ تلك هي الخطة الموضوعة لكن تنفيذها فشل لأن أبوعجيلة يدافع عنها قائد شجاع ظل يحارب ليلة‏6‏ يونيو ونهار‏6‏ يونيو وليلة‏7‏ يونيو‏..‏ وفي هذه الليلة‏!‏

بدأت الذخيرة في النفاد لأنه لم تعد هناك خطوط إمداد لأن القوات الموجودة في المنطقة انسحبت ولم يبق إلا لواء المشاة بقيادة العميد علي جمجوم‏!‏

الذخيرة آخذة في النفاد والاشتباكات لا تتوقف بما يعني أنها علي طلوع نهار يوم‏7‏ يونيو لن تكون هناك طلقة واحدة‏!‏

في نفس الليلة‏..‏ ليلة‏7‏ يونيو‏..‏ أعطي البطل تعليماته للقوات بالانسحاب بعد أن حاربت إلي آخر طلقة وبعد أن أثبتت للصهاينة من خلال‏36‏ ساعة قتال متواصلة أن المقاتل المصري شجاعته لا توصف‏..‏ لا يخشي الموت فأي شيء يخيفه‏!.‏ أثبتت قوات علي جمجوم أن المصريين مستحيل أن يفرطوا في متر أرض واحد من أرضهم وأنهم علي استعداد للقتال حتي آخر جندي‏!‏

البطل علي جمجوم والذخيرة في سبيلها للنفاد وظـهر قواته انكشف أعطي تعليمات لضباطه وجنوده بالانسحاب وفق خطة تضمن سلامة قواته مع تعليمات صريحة لضباطه وجنوده‏..‏ لا تتقبل الأسر‏..‏ مت شهيدا ولا تقع أسيرا لأن القتال بشرف والموت بشرف أفضل من مذلة الأسر‏!‏

وبقي البطل علي جمجوم في موقعه لأنه كان مطلوبا أن تستمر الاشتباكات لتأمين الانسحاب‏..‏ بقي البطل لأنه القائد والقائد أول من يتقدم وآخر من يغادر‏!‏

آخر اتصال بين القائد البطل علي جمجوم والقيادة تم في العاشرة من صباح‏7‏ يونيو‏..‏ وآخر كلمات قالها‏:‏ أمامي دبابة علي بعد خمسة أمتار‏.‏ وانقطع الإرسال لأن البطل استشهد وهو يطلق آخر طلقة من سلاحه علي الدبابة الواقفة علي بعد أمتار‏!‏

يا حبيبتي يا مصر‏.‏
وللحديث بقية ما دام في العمر بقية​
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

سيناء ما بين وصية مينا ونظرية
تحتمس وسؤال ابن العاص وإصرار مبارك‏!‏
‏بقلم : إبـراهيـم حجـازي


كل سنة ومصر طيبة بمناسبة عيد تحرير سيناء وأظنه أحد أهم الأعياد في تاريخ المحروسة لأن سيناء ليست بأي أرض ولأن تحريرها ليس أي عمل‏!.‏

سيناء حدوتة مالها مثيل ونحن لا نعرف‏!..‏

يوم أن ضاعت منا سيناء في‏1967‏ كانت أسوأ كارثة في تاريخنا وحلت علينا بعد أقسي هزيمة يمكن أن تحدث لجيش في العالم‏!.‏ ضاعت أعظم أرض ووقعت أبشع هزيمة في ساعات من صباح يوم‏5‏ يونيو‏1967..‏ بدأت الحرب التي استدرجونا لها وانتهت قبل أن ينتصف النهار‏!.‏ بدأت الحرب وانتهت كما أرادها الصهاينة بضربة جوية دمرت مطارات مصر الحربية وتركت جيش مصر في سيناء بلا غطاء جوي يحميه ومن أين الحماية والمطارات كلها انضربت ومعظم الطائرات تحطمت وهي علي الأرض والسماء باتت متاحة مباحة للطيران الصهيوني ليعربد كيفما شاء وكيف لا يعربد وجيش مصر صدرت له تعليمات عشوائية بالانسحاب ولو أنه تقدم للشرق بدلا من التقهقر للغرب لتغيرت أشياء كثيرة لكنها إرادة الله‏..‏ أراد لنا أسوأ هزيمة عقابا أو درسا أو امتحانا لا أعرف يقينا لكن ما أنا علي يقين منه أنه من رحم هذه الهزيمة المهينة تفجرت إرادة الانتصار‏!.‏ أقول ذلك عن يقين لأنني واحد من شباب هذه المرحلة الذين عاشوا الحلم‏..‏ حلم الثورة والزعامة ورمي الصهاينة في البحر‏..‏ وعاشوا الانكسار بعد الهزيمة المهينة التي وضحت أنه لم يكن حلما إنما كان وهما‏!.‏

أنا من الجيل الذي انصدم والصدمة هائلة وبقدر مرارتها وقسوتها تحملنا ولا أعرف كيف‏!.‏ تحملنا ومن فضل الله أن الصدمة لم تكسر العود الأخضر إنما جعلته صلبا صلدا‏!.‏

والذي حدث سمة مميزة للشخصية المصرية تتفرد بها عن سواها تثبت فعلا أن المصريين شعب ليس له حل والمواقف الصعبة التي تطحن أي شعب والهزيمة التي تجهز علي أي شعب‏.‏ أمام هذا الشعب تراجعت ومن مرارتها استلهم الشعب القوة التي أزاحت اليأس والهزيمة وسبحان الله سيناء التي ضاعت وأرضها التي تدنست وحدت المصريين وفجرت طاقات لم نكن ندري أنها في صدورنا وعقولنا ونفوسنا‏!.‏

العالم كله بمن فيه الأشقاء أيقن بعد هزيمة‏67‏ أن مصر رقدت والرقدة ستطول وإن صلبت حيلها وقعدت وليس ـ لا سمح الله ـ وقفت‏..‏ إن حدث وقعدت فلن يكون هذا قبل مرور‏30‏ سنة علي الأقل‏!.‏ أما الصهاينة الذين كسبوا حربا في بضع ساعات وحصلوا علي كل سيناء في عدة أيام لم تصل إلي العشرة‏..‏ الصهاينة أيقنوا أن حكاية من النيل إلي الفرات يبدو أنها قابلة للتنفيذ‏!.‏

أيام حزينة الله لا يرجعها وأسود ما فيها حالة الشماتة التي عليها أشقاء واضح أنهم يعانون من مرض نفسي اسمه مصر‏!.‏

لا الفلوس ولا الغني ولا الثراء ولا البذخ غطت أو عوضت هذا النقص وذاك الإحساس ولم يكن غريبا أن تطفح الفرحة والشماتة علي وجوههم بعد هزيمة‏1967‏ وهذه النقائص لم تكن متوقعة لأنها من وجهة نظرنا مستبعدة علي اعتبار أن أغلب الأشقاء ليس لديه قدرات بشرية حتي تكون له قدرات عسكرية والمحصلة أن مصر قدرها من هذه القضية وبسببها دخل جيش مصر حرب‏67‏ وهو غير مستعد لها‏!.‏ استدرجوا جيش الدولة التي تتزعم العرب في النزاع العربي الصهيوني‏..‏ استدرجوا مصر إلي فخ حرب مرتب لها عندهم واستعددنا نحن لها بالخطب والشعارات والمصيبة أن أشقاء شاركوهم علينا إلي أن ابتلعنا الطعم ورفعنا راية الجهاد في غير وقته وحدث ما حدث والحرب انتهت قبل أن تبدأ والهزيمة وقعت قبل أن نحارب‏!.‏

وسط هذه الأيام الحزينة السوداء وقبل أن يرحل شهر يونيو‏67‏ ويدخل في ذمة التاريخ أراد الصهاينة أن يضربوا ضربتهم القاضية بأن يحتلوا مدينة بور فؤاد باعتبارها آخر بقعة أرض في سيناء موجودة في قبضة المصريين‏!.‏

شرم الشيخ في الجنوب وقعت والعريش في الشمال سقطت‏!.‏ كل المدن وكل الطرق وكل المحاور احتلت وآخرها علي القناة القنطرة شرق ولم تبق إلا بورفؤاد وهم يعلمون أنها ليست أي مدينة إنما هي الابنة المدللة لبورسعيد وعندما يأسر الصهاينة الابنة الوحيدة لواحدة من أهم وأشهر مدن النضال في العالم وأقصد بورسعيد‏..‏ فالضربة بالفعل قاضية‏!.‏

أراد العدو أن يجهز علي ما تبقي من معنويات في مصر‏..‏ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين‏!.‏ أرادوا الإجهاز علي الإرادة المصرية وأراد الله بمكرهم ما لم نكن نحلم بأن يعطونا الفرصة لتحقيقه‏..‏ وهم بقرار احتلال بور فؤاد ثقبوا جدار الظلام لتطل علينا طاقة نور بيقيني أنها كانت فاصلة بين ما قبل وما بعد‏!.‏

ما قبل‏.‏ الجيش المصري تحولت وحداته إلي قوات شاردة بسبب قرار الانسحاب العشوائي وقليل فقط من الوحدات التي حافظت علي هيكلها في انسحابها والصاعقة في مقدمتها ولهذا أغلب وحدات الصاعقة التي تصل إلي غرب القناة يتم تكليفها بمهام دفاعية والقيادة كانت واعية لما قد يفكر فيه العدو لذلك دفعت بأكثر من كتيبة صاعقة لأجل حماية بورسعيد وفصيلة من هذه الكتائب احتلت موقع رأس العش لأجل الدفاع عن بورفؤاد فيما لو تقدم العدو من هذا الاتجاه‏..‏ وهذا ما حدث‏!.‏

طابور صهيوني مدرع له أول والعين لا تري آخره أخذ في التحرك نهارا بمحاذاة القناة علي طريق ضيق يخترق أرضا رخوة مالحة لا تصلح لسير أي مركبات‏.‏ الصهاينة يتحركون في ضوء النهار علي اعتبار من يقدر عليهم وأين هو من يقف لهم‏!‏ الصهاينة تحركوا للاستيلاء علي بورفؤاد وكأنهم في رحلة أو نزهة‏!.‏ الصهاينة لم يضعوا في حساباتهم طبيعة وسمات شعب عبقري عظيم صلب صلد لا ينكسر‏!.‏

المشهد الآخر‏..‏ موقع رأس العش وكل ما عليه من قوات وعتاد‏..‏ فصيلة صاعقة بالسلاح الفردي ـ البندقية الآلية ـ ورشاش مع كل جماعة وثلاثة أو أربعة‏r.b.g‏ وهو الجيل الأول من سلاح مضاد للدبابات يحمل علي الكتف والأجيال الأولي من هذا السلاح تأثيرها مرتبط بمسافة اقترابها من الدبابة ولضمان إصابة الهدف الاقتراب مطلوب من الدبابة لحدود الـ‏20‏ مترا وهذه مسألة تتطلب جرأة وشجاعة وقلوبا لا تعرف الخوف‏!.‏

التعليمات في رأس العش‏..‏ العدو لن يمر إلي بورفؤاد إلا في حالة واحدة‏..‏ استشهاد الجميع‏!.‏

العدو يتقدم علي الطريق الضيق وهو في دهشة من أمر المصريين الموجودين في رأس العش لعلمه أن عددهم قليل وتسليحهم ضعيف والموت هو النهاية المنطقية فيما لو فكروا في إطلاق طلقة‏!.‏ الطابور المدرع يواصل سيره ويقترب‏,‏ والموقع صامت والصهاينة فسروا الصمت علي أنه استسلام مبكر ولم يتصوروا للحظة أنه السكون السابق للعاصفة‏!.‏ قائد موقع الصاعقة تعليماته واضحة بألا تخرج طلقة إلا بعد دخول مفرزة الطابور المدرع الموقع‏!.‏ الطابور الصهيوني يتقدم ويتقدم إلي أن تأكد أن الموقع لن يطلق طلقة وما إن دخلوا حيث يريد مقاتلو الصاعقة حتي بدأت أهم معركة‏..‏ وأهميتها أنها أول مواجهة بهذا الحجم من الشراسة‏!.‏ المواجهة غير متكافئة علي الإطلاق لأنها بين مقاتلين هزيمة جيشهم لم يمر عليها شهر وعددهم وتسليحهم وذخيرتهم لا وجه لمقارنتها بما هو موجود في طابور مدرع‏..‏ ومع هذا‏!.‏

المعركة الرهيبة استمرت بقية النهار وطوال ساعات الليل ورجال الصاعقة لم يتزحزحوا عن مكانهم والطابور المدرع توقف بعد تدمير مقدمته وبعد عملية من غرب القناة استهدفت مؤخرته والطريق ضيق والتقدم مستحيل والتراجع صعب تحت نيران لا ترحم من المقاتلين المصريين الذين أجبروا الصهاينة علي الانسحاب بعد أشرس معركة وشراستها أن الدبابات والمدافع والمجنزرات لم تستطع أن تنال من صلابة وشجاعة مقاتلين أرواحهم تسبقهم دفاعا عن أرضهم وعرضهم‏!.‏ انسحب ما بقي حيا من الطابور المدرع الصهيوني وبقيت بورفؤاد مصرية لأن في رأس العش رجالا لايخشون الموت‏!.‏

انسحب الصهاينة بعد أن قدموا لنا دون أن يدروا أعظم ما خرجنا به من حرب‏1967‏ والأعظم أننا بعد معركة رأس العش وبعد أول مواجهة مع العدو في حرب‏1967..‏ عرفنا أننا لم نمت وأننا أحياء ولن نستسلم لأننا نقدر عليهم‏!.‏

أما العدو الصهيوني فقد عرف حقيقة أظنه لن ينساها‏..‏ عرف أن المصريين لحمهم مر‏!.‏

**‏ هذه المقدمة الطويلة كتبتها عن معركة صغيرة قد لا تقارن بمئات المعارك الكبيرة الرهيبة التي دارت علي أرض سيناء‏..‏ لكنني توقفت أمامها رغم صغرها لأنها وقعت في وقت دقيق بالغ الصعوبة فقدنا فيه خلال أيام‏61‏ ألف كيلو متر مربع إلا مساحة مدينة بورفؤاد وتيار التقهقر والخسارة يتقدم بصورة هائلة وجاءت هذه المعركة لتوقفه ويعرف العدو قبل الحبيب أن الإرادة المصرية لم تسلب بعد وأن في مصر رجالا شجاعتهم وجرأتهم لا مثيل لها في أي مكان بالعالم و‏30‏ مقاتلا مصريا متشبثين بأرضهم أوقفوا فوق الألف من قوات العدو داخل مدرعات وفوق مجنزرات وخلف مدافع علي سيارات وفي أيديهم أحدث الأسلحة ومعهم ذخائر لا تنضب‏..‏ لكن العدد والعتاد لا قيمة لهما في مواجهة رجال يدافعون بالعقيدة عن أرض وعرض وسيناء أرضنا وشرفنا وعرضنا وأمننا وحاضرنا وكل مستقبلنا لا اليوم ولا الأمس إنما من‏5200‏ سنة وتلك هي الحكاية التي لابد أن يعرفها شبابنا من البداية‏!.‏

**‏ الحكاية أنهم ينكرون علي سيناء مصريتها وأول من حاول ذلك هو تيودور هيرتزل مؤسس الدولة الصهيونية عندما حاول سنة‏1907‏ مغازلة إنجلترا وإقناعها باستقطاع جزء من سيناء وضمه إلي فلسطين‏..‏ وقتها قاد مصطفي كامل حركة قومية لمنع استقطاع أرض من سيناء وتراجعت إنجلترا أمام الحركة القومية التي قادتها مصر في هذا الصدد وامتدت إلي داخل الأرض الفلسطينية للتصدي لحركة شراء الصهاينة للأراضي العربية في فلسطين‏!.‏

مصر هي التي تحركت ومصر هي التي وقفت ومصر هي التي تصدت إلي أن بلغ الصدام ذروته عام‏1936‏ وجاءت لجنة منلر لأجل تهدئة الصدامات والأوضاع داخل فلسطين إلي أن حدث تقسيم فلسطين عام‏1947‏ لأن العالم كله يريد والدول العربية بقيادة مصر ترفض وتقاوم لكن كيف وكل الدول العربية محتلة من الدول التي تريد التقسيم وتحمي التقسيم؟‏.‏

إذن حكاية استقطاع جزء من أرض سيناء حدوتة قائمة من زمن وحتي الآن وأمريكا لها اقتراح قائم في هذا ومطروح رغم الرفض المصري التام والدعوة إلي فتح المعابر ودخول الفلسطينيين سيناء هو جزء من المخطط الهادف إلي تفريغ غزة من الفلسطينيين وتركها للصهاينة الذين لن يجدوا مشكلة في إزاحة ما تبقي من الأراضي الفلسطينية إلي الضفة الغربية ويستفردوا هم بالأرض والقدس وتنتهي القضية وينتهي الصراع بدولة فلسطينية في الضفة ولا مانع من أخري في سيناء وانتهت الحدوتة‏.‏ المخطط قائم وبنوده يتوالي تنفيذها وأهم بنوده أن يختلف الفلسطينيون وينقسموا ويتقاتلوا وحدث والعداء الفلسطيني ـ الفلسطيني لا يقل شراسة عن العداء الفلسطيني ـ الصهيوني والمصيبة أن الأخوة الأعداء مصممون علي العداء الذي هو أهم بند صهيوني في المخطط لابتلاع فلسطين‏!.‏ المصيبة أنهم لا ينظرون إلي أنفسهم واستداروا وتجمعوا واتفقوا علي عداء مصر واتهام مصر بالخيانة والعمالة والتفريط‏!‏ مصر التي راح من عندها فوق الـ‏100‏ ألف شهيد هي التي باعت القضية وقطر التي تعدادها أقل من عدد شهداء مصر ومصابيها في العمليات الحربية هي التي تدافع عن القضية الفلسطينية‏!.‏

قرأت وتحاورت كثيرا وتوقفت طويلا أمام كلام الخبير العسكري اللواء عبدالمنعم كاتو والرجل ثقافته العسكرية هائلة رائعة تاريخا وحاضرا والنقاط التالية خلاصة حوار اقترب من الساعتين وكله عن سيناء المصرية من فجر التاريخ‏:‏

‏1‏ ـ فرعون مصر مينا موحد القطرين ترك في جنوب طابا علي خليج العقبة أثرا اسمه جزيرة فرعون بما يثبت حقيقة أن سيناء مصرية من‏5200‏ سنة‏!‏ فرعون مصر مينا كتب وصايا من‏94‏ نسخة علي ألواح المرمر وهي موجودة وفيها أوصي أبناءه بألا يفرطوا في حبة رمل من أرض مصر الموحدة‏.‏

‏2‏ ـ في سيناء قرابة الـ‏36‏ قلعة فرعونية أهمها قلعة ترابيل الخادم بجنوب سيناء وهذه القلعة خصصت لإقامة مراسم تعميد الفرعون قبل توليه الحكم‏.‏

‏3‏ ـ الطريق الساحلي في سيناء المعروف باسم المحور الشمالي اسمه تاريخيا طريق حورس أو طريق الحملات التي كانت تخرج من مصر وأول من اهتم به تحتمس الثالث من‏3500‏ سنة وهذا الفرعون هو أعظم القادة العسكريين في التاريخ القديم وليست هذه شهادة مصرية لأنها ستكون مجروحة لكنها شهادة الولايات المتحدة الأمريكية التي تراه نابليون العصر القديم‏.‏

‏4‏ ـ قديما كانت سيناء منطقة العبور لجميع الحملات التي تؤمن حدود مصر وتحتمس الثالث صاحب نظرية تقول إن الحدود البعيدة لدول الجوار هي أمن مصر القومي لذلك قاد جيوشه لمواجهة الحيثيين عندما حاولوا الاستيلاء علي الشام باعتبار هذا تهديدا لأمن مصر القومي‏.‏

ونفس النظرية تبناها السلطان قطز في العصر الإسلامي عندما خرج لمقابلة التتار في عين جالوت بفلسطين حتي لا يقتربوا من الأراضي المصرية‏!‏

‏5‏ ـ عمرو بن العاص في حملته لفتح مصر توقف عند منطقة اسمها المجرونتين تقع شرق العريش ووصلته رسالة من الخليفة عمر بن الخطاب يطلب منه العودة إذا كان لم يدخل مصر بعد‏.‏

وسأل عمرو بن العاص أهالي المدينة‏:‏ هل أنا في مصر؟ قالوا نعم‏.‏ فأرسل للخليفة يخبره بدخوله مصر وجاء رد الخليفة ابن الخطاب إلي ابن العاص يقول فيه‏:‏ إن كنت دخلت مصر‏..‏ يسعدك الله ويمهد طريقك ومن بعدها سميت هذه المنطقة باسمها القائم للآن‏..‏ المساعيد‏!‏

معني الكلام أن سيناء مصرية من أيام مينا موحد القطرين قبل‏5200‏ سنة ومرورا بالقائد العظيم تحتمس من‏3500‏ سنة وكانت مصرية وقت الفتح الإسلامي ومبلغ علمي أنها لم تحصل فيما بعد علي جنسية أخري‏!‏

‏6‏ ـ سيناء شهدت خمس جولات عسكرية كبيرة وعمليتين صغيرتين‏..‏ العملية الأولي غيرت وجهة العقيدة العسكرية المصرية ووقعت في فبراير‏1955‏ وعرفت وقتها باسم عملية غزة‏!‏ إسرائيل هاجمت معسكرا مصريا في غزة وضربته بالمدفعية وأوقعت خسائر فادحة في العتاد والأرواح التي راح منها‏30‏ مصريا‏!‏

هذه العملية أوضحت فارق التسليح الشاسع بين العدو وبيننا وكشفت بوضوح انحياز الغرب للصهاينة واستحالة أن يعطينا الغرب سلاحا يتفوق أو حتي يعادل ما عند الصهاينة‏!‏ وقتها أيقن الرئيس عبدالناصر الحقيقة وعملية غزة دفعته إلي تغيير العقيدة العسكرية المصرية المرتبطة بالغرب وسلاح الغرب‏..‏ أجبرته علي طلب السلاح من الشرق وفي‏19‏ سبتمبر سنة‏1955‏ وقعت مصر أول صفقة سلاح مع تشيكوسلوفاكيا‏.‏

أما العملية العسكرية الصغيرة الأخري فهي معركة الصبحة في أواخر نوفمبر‏1955‏ وجاءت ردا علي عمل عسكري مصري ضد الصهاينة ردوا عليه في الصبحة وردت مصر وحدثت مواجهة وتصعدت المواقف وتركت هذه العملية انطباعا إيجابيا علينا وسلبيا علي العدو الذي اكتشف أن المسائل تغيرت بعدما أصبح في أيدي المصريين سلاح بحق‏!.‏

‏7‏ ـ حرب‏1948‏ هي أول جولة صراع كبيرة وما يجب ذكره هنا أن مصر تحديدا كانت مستعدة لليوم الذي سيعلن فيه الصهاينة قيام دولتهم والملك فاروق في مؤتمر أنشاص للرؤساء والملوك العرب عام‏1946..‏ الملك فاروق شرح لهم التوجه الغربي في فلسطين وفي مؤتمر بلودان بسوريا في فبراير‏1948‏ سألت مصر ماذا يحدث لو تم إعلان قيام دولة الصهاينة؟‏!‏

مصر سألت ونفذت وبالفعل أرسلت جيشها إلي العريش وجعلت كل التدريبات في سيناء لذلك عندما تم الإعلان عن قيام دولة الصهاينة في‏14‏ مايو‏1948‏ الحرب قامت في اليوم التالي يوم‏15‏ مايو وليس صحيحا ما قيل عن هذه الفترة والصحيح والثابت والمؤرخ أن القوات المصرية دخلت الأراضي الفلسطينية إلي أن أصبحت علي بعد‏25‏ كيلومترا من مدينة تل أبيب‏.‏

الصحيح أن القدس بقيت عربية بفضل قوات الفدائيين المصريين المتطوعين بقيادة البطل أحمد عبدالعزيز الذي دافع بقواته عن القدس من خلال معارك شرسة للصهاينة الذين كانوا يريدون وضع أيديهم ولو علي متر أرض في القدس ولكنهم فشلوا لأن في القدس رجالا تركوا بلدهم وأهلهم وعن طيب خاطر حملوا أرواحهم علي أيديهم لأجل ألا يدنس الصهاينة القدس‏!‏

عندما تأزم موقف الصهاينة تدخلت الدول الكبري وفرضت الهدنة يوم‏11‏ يونيو‏1948‏ وقبلنا الهدنة لأن الدول الكبيرة أعلنت دخولها الحرب ضد من لا يقبل الهدنة‏!‏

وخلال الهدنة وصل إسرائيل‏60‏ ألف متطوع من جميع أنحاء العالم ووصلها سلاح من كل دول العالم ومعها تأييد تام من العالم فانتهي الأمر‏!‏

‏8‏ ـ حرب‏1956‏ هي ثانية جولات الصراع وحرب‏1967‏ هي الثالثة وحرب الاستنزاف الرابعة وحرب أكتوبر‏1973‏ هي الخامسة والخاتمة حتي الآن‏!‏

**‏ النقاط الكثيرة السابقة أخرج منها ببعض الملاحظات أضعها أمام شبابنا الحائر بسبب ما يسمعه ويراه من جماعات النضال علي شاشات الفضائيات إياها ومن معارك وقودها نظريات متحزبة لا تري إلا ما تريد أن تراه وما لا تراه هو في نظرها عدم‏!‏

أقول لشبابنا إنه إذا كانت حرب‏1967‏ هي حرب القرارات الخاطئة‏..‏ فإن حرب الاستنزاف التي استمرت‏500‏ يوم كانت حربا بحق وخبراء العسكرية بالعالم أسموها حرب الإرهاق وتعالوا نسمع اعتراف واحد منهم وليس بأي واحد لأنه وزير دفاع سابق ورئيس جمهورية‏..‏ وأقصد عيزرا وايزمان الذي اعترف في مذكراته ولعله أول اعتراف من الصهاينة بهزيمة‏!..‏ وايزمان قال‏:‏ هذه الحرب أول حرب تخسرها إسرائيل في جولات الصراع العربي الإسرائيلي‏!.‏

أقول لشبابنا هنا إن قرار حرب الاستنزاف هو قرار الرئيس عبدالناصر‏!.‏

أقول للشباب إن حرب أكتوبر‏1973‏ هي جولة عسكرية حطمنا خلالها أسطورة الجيش الذي لايقهر وأثبتنا فيها أن قدرات المصريين لا حدود لها ومن يقتحم مانعا مائيا ويهيل ساترا ترابيا ويستولي علي أعظم خط دفاعي لا شك أن قدراته بلا حدود وشجاعته بلا سقف‏..‏ حرب‏1973‏ هزمنا فيها الصهاينة وحررنا بالسلاح والدم جزءا من أرضنا وأعدنا التوازن المفقود للمنطقة وأجبرنا الصهاينة علي اتخاذ قرارات العودة إلي داخل حدودهم‏!.‏

حرب‏1973‏ جولة عسكرية تكلمنا عنها وجولة سياسية لا تقل أهمية وفيها اعتمد المفاوض علي نتائج المقاتل ولولا الانتصار العسكري والهزيمة التي ألحقها الجيش المصري بالصهاينة ما استمع أحد لنا بل ما جلس أصلا أحد مع مفاوض مصري‏!.‏

أقول لشبابنا هنا‏:‏ إن قرار حرب أكتوبر وما تلاها قرار الرئيس السادات‏.‏

أقول للشباب ومن يتهمون المحروسة بالعمالة والتواطؤ‏..‏ إن مصر دخلت معركة دبلوماسية غاية في الشراسة بسبب الأرض‏..‏ أرض سيناء‏!.‏

الصحيح أن مصر استعادت كل سيناء إلا مساحة لا تذكر ولا حتي تجبر ومع ذلك مصر لم تفرط ولم تهادن ولم تجامل‏!.‏ مصر تسلمت سيناء بأكملها إلا مساحة لا تذكر اسمها طابا‏..‏ تسلمت مصر‏61‏ ألف كيلو متر مربع إلا طابا‏!.‏ مصر رفضت ودخلت في مفاوضات وأجبرت الصهاينة علي قبول التحكيم الدولي وبعد ست سنوات أخذنا طابا لأنه ما ضاع حق وراءه مطالب والذي طالب وصمم هنا الرئيس مبارك وهو نفسه القائد العسكري الذي قاد نسور مصر في حرب أكتوبر وبنفس المقدرة وبكل الصبر والمثابرة والحكمة وضبط النفس أدار معركة سياسية بالغة الشراسة لأجل استرجاع كل حبة رمل مصرية في سيناء‏!.‏

الرئيس مبارك اعتبر سيناء كلها في جهة والـ‏1020‏ مترا مربعا مساحة طابا في الجهة الأخري وليس معني أننا استعدنا‏61‏ ألف كيلو متر مربع أن نسامح ونفرط في ألف متر أو حتي متر واحد‏!.‏

الرئيس مبارك القائد العسكري يعرف أن الأرض هي العرض وسيناء الـ‏61‏ ألف كيلو متر لا تكتمل سيادتها إن نقصت أرضها متر والذي أوصي به مينا نفذه بحذافيره مبارك بعد‏5200‏ سنة‏!.‏

وعادت سيناء بأكملها وعادت من جديد المطامع‏!.‏

هل استوعبنا كل هذه الدروس وترجمنا أهمية سيناء إلي فعل وعمل؟‏.‏

وللحديث بقية ما دام في العمر بقية
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

قلت الأسبوع الماضي إن في سيناء‏36‏ معبدا
فرعونيابحق الدماء التي سالت أنهارا انظروا إلي سيناء‏..‏
جيش مصر وصل مشارف تل أبيب‏..‏ ملحمة فداء مصرية أبقت القدس عربية‏
.‏ قصة البطل أحمد عبدالعزيز أهديها للشباب‏!‏
بقلم : إبـراهيـم حجـازي


وفي الجنوب جزيرة فرعون نسبة إلي الفرعون مينا موحد القطرين قبل‏5200‏ سنة وفي الشمال طريق حورس المعروف باسم المحور الشمالي الآن وشرق العريش توجد المساعيد وهي المكان الذي عرف فيه عمرو ابن العاص أنه علي أرض مصرية في حملة الفتح الإسلامي لمصر‏..‏ وخلاصة ما قلته إن سيناء مصرية من قبل خمسة آلاف سنة وستبقي بإذن الله مصرية إلي يوم الدين و أن مصر دخلت واحدة من أهم المعارك الدبلوماسية والسياسية بعد استرداد سيناء لأجل شريط أرض صغير جدا جدا في طابا‏!.‏ معركة رآها الرئيس مبارك لا تقل أهمية بحال عن المعارك السابقة ومصر في اختبار صعب بحق لأن القرار المصري حيال‏'‏ زيق‏'‏ الأرض الصغير هو في الواقع إرساء لمبدأ عليه تتوقف أمور كثيرة فيما هو قادم‏..‏ والمبدأ أنه لا أحد في مصر يملك التفريط في متر أرض واحد من أي أرض مصرية لأن التنازل عن متر إضفاء للشرعية علي مبدأ التفريط والذي يترك مترا اليوم يبيع بلدا بأكمله في الغد‏!.‏ والمعركة الشرسة استمرت ست سنوات ووصلت إلي التحكيم الدولي الذي حكم في النهاية بأحقية مصر في المساحة محل النزاع وأعيد اليوم ما قلته الأسبوع الماضي‏..‏ الرئيس مبارك لم يأبه بأن سيناء عادت بأكملها ولم يعنه أننا استعدنا

بعودة سيناء‏61‏ ألف كيلومتر مربع‏..‏ كل هذا لم يرضه لأن الأرض المصرية ناقصة والناقص الذي أقمنا الدنيا بسببه‏1020‏ مترا مربعا‏..‏ وهنا الدرس الذي أقدمه إلي الشباب‏..‏ الأرض هي الشرف وهي العرض ولا مساومة ولا نقاش في هذا الأمر لأن الذي يفرط في بضعة أمتار من أرض وطن ويهون عليه تراب الوطن‏..‏ سهل أن يفرط في أي شيء‏!.‏ الدرس أن في الحياة أشياء تستحق التضحية في سبيلها بالروح وأولها وآخرها أرض الوطن وسيناء قطعة غالية من الوطن‏!.‏ ختمت كلامي الأسبوع الماضي بتساؤل‏:‏ هل استوعبنا الدروس وفعلنا شيئا لسيناء وفي سيناء؟
‏**‏ الإجابة بكل الصراحة لا‏..‏ لم نستوعب شيئا ولم نتعلم شيئا وبقيت سيناء أرضا مثالية للمناورة في مصلحة العدو في أي معركة‏!.‏ لم نتعلم من حرب‏56‏ ولا حرب‏67‏ ولا من حرب الاستنزاف ولا حرب أكتوبر‏!.‏ لو كنا تعلمنا لأكملنا ترعة السلام وشققنا منها ترعا كثيرة وكل ترعة هي في الواقع تغيير من طبيعة الأرض وخلق لموانع طبيعية تجعل المناورة العسكرية غاية في الصعوبة‏!.‏ الترع موانع وزراعة الأشجار موانع والشجرة لن تمنع تقدم مدرعات لكنها ستجعل المدرعات لا تقترب تحسبا لوجود قاذف صواريخ خلف كل شجرة‏..‏ والبيوت موانع لأنها ستخلق قري أو مدنا وأي قائد في الدنيا يفكر مليون مرة قبل أن يتورط في معارك مدن‏!‏

تركنا سيناء كما هي اللهم إلا شواطئها والاستثمارات الموجودة علي شواطئها لم تغير شيئا داخلها لتبقي أرضا منبسطة خلاء‏..‏ هي الأفضل بالنسبة للمدرعات والأعظم في نظر الطيران‏!‏

تركنا سيناء علي حالها رغم وجود مشروع قومي لإعمار سيناء قدمته حكومة الدكتور الجنزوري سنة‏1994‏ وصدق عليه مجلس الشعب في عام‏1997‏ والمشروع تكلفته‏70‏ مليار جنيه وينتهي تنفيذ مراحله في‏20‏ سنة ولم يبدأ المشروع حتي ينتهي لأن الدكتور الجنزوري ترك رئاسة الحكومة‏!.‏ توقف المشروع ولم ينفذ وكأنه مشروع خاص بالجنزوري وانتهي برحيله‏!.‏ وكأن المشروعات مرتبطة بأشخاص وليست وليدة خطط وسياسات مستمرة مهما تغيرت أو تعاقبت الحكومات‏!‏

تركنا سيناء رغم أنه لا توجد أي محاذير تعوق إقامة مشروعات من أي نوع والمحظور الوحيد قانون مصري مصدق عليه من مجلس الشعب يمنع ضخ أي استثمارات أجنبية في سيناء وهو قانون عظيم لحماية أرض عظيمة ورغم هذه الحماية التي أعطت الفرصة لرأس المال الوطني ليستثمر براحته في سيناء فإن الاستثمارات تركزت في سواحلها وفي مشروعات متشابهة وكأن الاستثمار في مصر قاصر علي المنتجعات وملاعب الجولف والذي يري إعلانات الترويج للمنتجعات يتصور مصر موطن رياضة الجولف في العالم وأن المصريين لا يتحركون لمكان بدون مضارب الجولف‏..‏ وعندي هنا سؤال محير‏:‏ لماذا لم نسمع عن مستثمرين يدخلون مجال الزراعة ويزرعون في سيناء أو في الساحل الشمالي علي مياه الأمطار نصف أو ربع مليون فدان قمحا باعتباره محصول أمن قومي والبيع مضمون لأن الاستهلاك رهيب‏!.‏ لماذا كل مستثمرينا واستثماراتنا في أراضي البناء التي لا يطلع لنا فيها إلا جولف ومنتجعات؟
تركنا سيناء وأظنها بموقعها الجامع لقارتين وسواحلها التي تطل علي خليجين وبحر وملاصقتها لأهم ممر مائي يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر وقربها من الدنيا كلها‏..‏ تركناها وهي المنطقة الأهم في العالم التي تصلح أن تكون منطقة حرة ولا هونج كونج ولا أي مكان في الدنيا يجمع مميزات سيناء‏!‏

تركنا سيناء علي حالها وحتي المشروعات الكبيرة التي بدأت توقفت‏!.‏ والسكة الحديد توقفت عند الشيخ زويد ولم تصل رفح‏!.‏ ترعة السلام توقف العمل بها عند مرحلة وأظنها تحولت إلي مزارع سمك ونسينا أنها للزراعة‏!‏

الأرواح التي صعدت إلي بارئها دفاعا عن سيناء والدماء التي سالت أنهارا في سيناء لن يعوضها في الدنيا شيء وأقل ما نقدمه لها تعمير سيناء‏!‏

..............................................................‏

**‏ ليس صحيحا أن شبابنا بعيد عن الواقع وغائب عن الأحداث والصحيح أنه موجود ومهتم لكنه لا يعرف الحقيقة وعدم المعرفة مسئوليتنا جميعا‏..‏ أسرة ومدرسة ومجتمعا وحكومة‏!‏

الرسائل الإلكترونية التي وصلتني والمكالمات التليفونية التي تحدثت معي تعقيبا علي ما كتبته حول القضية الفلسطينية وادعاءات الفضائيات التليفزيونية والصحيح عن دور مصر والصواريخ التي تسقط في خرابة ورد الفعل عليها خراب‏..‏ نضال هي أم هلاك؟‏.‏ الرسائل والمكالمات أسعدتني وطمأنتني لما فيها من حب وعشق للوطن وهذه عينة منها‏:‏

أنا هاجر محمد ممدوح‏.‏ طالبة بهندسة المنصورة من مواليد‏1987.‏ قرأت مقال حضرتك في جريدة الأهرام ولا أستطيع أن أصف مدي الفخر الذي شعرت به لأنني أعشق مصر ويؤذيني ما أسمعه في هذه الفضائيات عن خيانة مصر ولا أخفي عليك أنني كنت مشتتة الذهن لا أدري هل موقفنا صحيح أم خائن كما يدعون ولكن عندما قرأت المقال اتضحت لي الرؤية لأنني أثق في آرائك ولأنني أجهل الكثير عن حقائق السياسة وطبعا عن حرب أكتوبر‏.‏ أردت فقط أن أشكرك علي هذا المقال وأن أخبرك بأن شباب مصر بيحبها ومستعد لبذل الكثير من أجل رفعتها كما فعل السابقون‏.‏

رسالة أخري تقول‏:‏ أحب أن أحييك علي هذا المقال الرائع وأحب أن أطمئنك بأن شباب مصر بخير‏.‏ أنا اسمي رفعت تهامي‏18‏ سنة طالب بكلية التجارة وأنا أعرف قدرات جيشنا وثقتي به عمياء حتي إن بعض أصحابي يقولون إن إسرائيل وصلت لأسلحة الجيل الرابع المتطورة وأنا أقول لهم‏:‏ هم وصلوا لكن ليس عندهم خير جنود الأرض ولا يملكون الكلمة التي تزلزل جبالا‏..‏ الله أكبر‏!.‏ شباب مصر بخير لكن خوفي ليس من الخارج إنما من الداخل ولو سألت تعرف‏!.‏ فيه فساد؟‏.‏آه‏!.‏ فيه ظلم؟‏.‏ آه‏!.‏ فيه سوء توزيع للثروة؟‏.‏ آه‏!.‏ فيه ناس بتأخذ وناس لا؟‏.‏
آه‏!‏وأخري‏:‏ أنا اسمي أحمد علي من محافظة بني سويف عمري‏29‏ سنة أتابع مقالك الأسبوعي في الأهرام لكن الذي يهزني فيما تكتب مقالاتك عن البطولات والانتصارات وقصص الأبطال وعندما أقرؤها أعرف كم أحب هذا الوطن وكم أتمني أن أدافع عنه بروحي وجسدي‏.‏ أجد حب مصر في مقالاتك وأبطالك‏..‏ كم أنا أغار منهم‏.‏ هؤلاء الأبطال صنعوا مجدا وفخرا لهم وللوطن وكم أتمني أن أصنع مثلهم المجد والفخر لمصرنا الحبيبة‏.‏

م‏.‏ حسين فكري‏.‏ شكرا جزيلا لمقالاتكم‏.‏ نحتاج إلي المزيد منها لزيادة الوعي الوطني بين الشباب‏.‏ هذه الفترة الحرجة تحتاج منا إلي التكاتف للوقوف ضد هذه الهجمة الشرسة علي وطننا الحبيب وأنت من الأقلام المحترمة في بلدنا‏.‏

هذه النماذج من الرسائل التي وصلت وعبرت عن مختلف وجهات النظر وأظنها ليست في حاجة إلي توضيح أو تعليق والشباب رسالته واضحة في أنه لا يقل انتماء أو وطنية عن شباب الأمس لكنه في حاجة لأن يعرف الحقائق في مواجهة إعلام هائل موجه في غياب تام للإعلام المصري‏!‏

الذي استوقفني فيما وصلني تلك المحادثة التليفونية لفتاة من فرط حماستها نسيت أن تقول اسمها ولم تعطني حتي فرصة سؤالها من سيل كلامها المتدفق‏!.‏ قالت لي‏:‏ هو فيه رياضة علشان تضيع وقتك في الكتابة عن الرياضة‏..‏ اكتب لنا عن البطولات والأبطال‏.‏ اكتب لنا عن حرب أكتوبر التي لا نعرف حاجة عنها‏.‏ اكتب لنا عن التاريخ الذي لا نعرفه‏!.‏ اكتب لأنني حتي يوم الجمعة‏17‏ أبريل الذي قرأت فيه مقالك ورأيت فيه صورة الأسري الصهاينة بالمئات ما كنت عرفت الفارق بين العمل البطولي والشعار النضالي‏!.‏ وأنهت الفتاة المكالمة بمطلب استحلفتني أن أنفذه‏..‏ طلبت مني الكتابة عن البطل أحمد عبدالعزيز الذي أقصي ما يعرفه بعض شباب القاهرة عنه أن له شارعا باسمه في المهندسين‏!‏

..............................................................‏

**‏ البطل أحمد عبدالعزيز حدوتة وطنية رائعة ولقب بطل أظنه قليلا جدا علي أسطورة الشجاعة والوطنية والفداء أحمد عبدالعزيز وحكايته حكاية وهذا طبيعي ومنطقي لأنه مصري ابن مصر والشجاعة والبطولة والرجولة والشهامة أصلها مصر وأرضها مصر‏!‏

أعود للوراء إلي أواخر الأربعينات والمناخ العالمي كله مهيأ لإعلان دولة جديدة اسمها إسرائيل وأقول مهيأ لأن الدول الكبري كلها موافقة وجاهزة للاعتراف بالدولة الصهيونية بمجرد إعلانها وعلي الجانب الآخر الدول العربية لا حول ولا قوة لها لأن الدول المستقلة سبع والبقية تحت الوصاية والدول السبع أراضيها فيها قواعد أجنبية لها تأثير بصورة أو أخري في صناعة القرار والخلاصة أن الدول العربية مغلوبة علي أمرها في مواجهة الكارثة الهائلة المقبلة بإعلان دولة صهيونية علي أرض عربية وهي ليست بأي أرض لأن فيها القدس وفيها المقدسات الإسلامية والمسيحية‏!‏

مصر العربية أمام هذا الوضع الخطير قررت فتح باب التطوع داخل الجيش لإنشاء قوة من الفدائيين هدفها ومهمتها الدفاع عن القدس عندما تبدأ الحرب لأجل أن تبقي القدس عربية‏!‏

بدأت حملة التطوع في فبراير‏1948‏ ووصل عدد المتطوعين من الجيش المصري إلي‏359‏ فدائيا منهم‏112‏ ضابطا وصف وجنديا من سلاح المدفعية و‏247‏ من المشاة وانضم إلي الفدائيين المصريين‏97‏ متطوعا من ليبيا وتونس ليصبح عدد المتطوعين‏456‏ وتولي قيادتهم القائمقام أحمد عبدالعزيز باعتباره أقدم رتبة في قوات المتطوعين التي كان ضمنها الرائد كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة فيما بعد‏.‏

قوات المتطوعين دخلت فلسطين أوائل مايو‏1948‏ ومهمتها الرئيسية فيما لو بدأت الحرب الحفاظ علي القدس عربية وعلي المسجد الأقصي وعلي كنيسة القيامة‏...‏

وبدأت الحرب يوم‏15‏ مايو‏1948‏ وهو اليوم التالي لإعلان قيام الدولة الصهيونية ودخلت ست دول عربية الحرب‏.‏ مصر تولت المحور الجنوبي ووصلت إلي بعد‏25‏ كيلو من تل أبيب والأردن والعراق محور الضفة الغربية والقدس أما المحور الشمالي ففيه سوريا ولبنان‏..‏ والسعودية شاركت بقوة قوامها‏100‏ رجل دعمت الجيش المصري إلي جانب متطوعين من اليمن والسودان‏.‏

القائد العام للجيوش العربية الملك عبدالله ملك الأردن‏..‏ بينما تولي قيادة الجيش الأردني الجنرال الإنجليزي جلوب وسبحان الله‏..‏ إنجلترا مع الدولة الصهيونية مائة في المائة وقائد الجيش الأردني المعني بالضفة والقدس جنرال إنجليزي‏..‏ والطبيعي‏!‏

القوات الأردنية لم تنظر للقدس التي باتت مسئولية الدفاع عنها في رقبة القائمقام أحمد عبدالعزيز ورجاله الفدائيين وكانوا لها‏!.‏ الحرب بدأت‏15‏ مايو وأول هدنة في‏11‏ يونيو أي‏27‏ يوما قتال بين‏456‏ فدائيا تركوا ديارهم وأولادهم وأسرهم لأجل الدفاع عن القدس والمقدسات وجبل المكبر وكنيسة القيامة‏..‏ لأجل الموت وألا يدنس صهيوني المقدسات وألا تقع القدس العربية أسيرة للعصابات الصهيونية‏.‏

القائمقام أحمد عبدالعزيز دخل في الـ‏27‏ يوما‏12‏ معركة طاحنة مع قوات الصهاينة دفاعا عن القدس ولم ينجح صهيوني واحد في الدخول إلي القدس‏!‏

القائمقام أحمد عبدالعزيز وجد نفسه ورجاله يحاربون بدون إمدادات‏!.‏ لا ذخيرة ولا سلاح ولا طعام ولا وقود ولا أي شيء‏..‏ لأن الإمدادات كما كان مقررا مفروض وصولها من القوات العربية التي يقودها الجنرال جلوب ولم تصل فماذا فعل الجنرال العربي المصري‏!‏

كل ما احتاجه من إمدادات حصل عليه من قوات الصهاينة بعد الإغارة عليها وفي كل عملية يستولي علي سلاح وذخيرة ومؤن ونجاح هذه الإغارات انعكس إيجابا علي الروح المعنوية للفدائيين وسلبا علي الصهاينة ومع كل إغارة زادت الصلابة وتعاظمت الشجاعة وتوالت الأعمال البطولية الخارقة للجنرال المصري أحمد عبدالعزيز الذي استحق وعن جدارة أن يسبق اسمه لقب البطل‏!‏

الذي يحمي القدس وينجح فيما هرب الآخرون من القيام به ويخرج من معركة ليدخل معركة ولا ينهزم في أي معركة لابد وأن يكون بطلا‏!‏

الذي قام به البطل أحمد عبدالعزيز يوضح لشبابنا أن القدس بقيت عربية إلي عام‏1967‏ بفضل مصر العربية التي أدت دورها وقامت بواجبها تجاه القضية الفلسطينية من قبل‏1948‏ وحتي هذه اللحظة‏!‏

أقول لشبابنا لا أحد يزايد علي مصر فيما يخص القضية الفلسطينية وتحديدا القناة إياها لأن مصر قدمت الشهداء دفاعا عن فلسطين والقدس من قبل أن تكون هناك أصلا دولة اسمها قطر‏!‏

أقول لشبابنا إن مصر عانت ومازالت من أفعال بعض الأشقاء ولا أقصد هنا تقليب المواجع إنما ليعرف الشباب أن مصر التي يتهمونها بخيانة القضية هي التي انكوت بالخيانة وجيش مصر علي بعد‏25‏ كيلومترا من تل أبيب وبعد الهدنة التي أجبرنا العالم عليها‏..‏ فوجئ بانسحاب القوات العربية التي يقودها الجنرال الإنجليزي جلوب من اللد والرملة‏!.‏ سحب قواته ليكشف جانب الجيش المصري وحاول البطل أحمد عبدالعزيز الاستيلاء علي اللد والرملة لكنه لم يقدر لأن الوضع تغير خلال الهدنة‏..‏ وأرض فلسطين دخلها‏60‏ ألف متطوع من جميع أنحاء العالم لأجل إنقاذ الصهانية وإنجلترا أرسلت طائرات بطيارين دعما للصهاينة‏!.‏ واقعة اللد والرملة كتبها صلاح جاهين وغناها عبدالحليم حافظ‏..‏ في اللد الرملة‏..‏ كانت العملة‏..‏ مأساة كاملة‏!‏

أقول لشبابنا إن البطل أحمد عبدالعزيز استشهد يوم‏29‏ يونيو‏1948‏ وإن من خلفه في القيادة سلم القدس عربية إلي القوات الأردنية وبقيت القدس عربية إلي عام‏1967‏ وما كانت ستبقي لولا مصر وبطلها أحمد عبدالعزيز‏.‏

أقول لشبابنا إن مصر العربية كانت ومازالت وستبقي مهمومة بالأمة العربية والقومية العربية لأنه لا مكان في العالم إلا للتكتلات‏!‏

أقول لشبابنا إن الأمن القومي العربي الحديث قصة مصرية لأنه قبل عام‏1952‏ لم تكن أمة العرب تعرف حاجة اسمها الأمن القومي العربي وكيف تعرف والدول المستقلة سبع هي مصر والسودان والسعودية واليمن وسوريا ولبنان والعراق‏.‏

أقول لشبابنا إنه في مؤتمر القمة الثاني عام‏1964‏ بإلاسكندرية كان أهم قرار صادر عن المؤتمر هو إنشاء القيادة العربية المشتركة‏..‏ ولو أن هذا القرار تم تنفيذه بحق لانتهت القضية من زمن‏!‏

أقول لشبابنا إن مصر العربية مهمومة بوطنها العربي من زمان وفي نفس مؤتمر القمة الذي قرر إنشاء القيادة العربية المشتركة‏..‏ مصر قررت التبرع بمبلغ‏4.5‏ مليون جنيه لنصرة شعوب دول الخليج المحتلة قطر والبحرين وعمان والإمارات‏!‏

يا حبيبتي يا مصر‏
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

خارج دائرة الضوء
لابد للشباب أن يعرف‏
شهداء مصر وجرحاها أكبر من
تعداد بلد‏'‏ مناضل شقيق‏' دولة الجزيرة في قناة قطر‏!‏
‏بقلم: إبـراهيـم حجـازي



**‏ أسأل الله العون‏..‏ كل العون‏..‏ لشبابنا لأجل أن يتعرف علي الحقيقة فيما يدور حوله‏!.‏

أنا لجأت إلي الله لأن المطلب صعب جدا بعدما اختفت ملامح الحقيقة وسط الشعارات والمزايدات وبعد أن فقد الشباب قدرة التمييز بين الصواب والخطأ في كل ما يحيط به من قضايا‏!.‏

والقضية الفلسطينية علي رأس هذه القضايا ولا يجب أن يعلو صوت علي صوتها‏...‏

هذا ما تعلمه الشباب من الكتب الدراسية‏..‏ إلا أن الشباب اكتشف علي أرض الواقع أن القضية الفلسطينية تحولت إلي قميص عثمان‏..‏ الكل يتكلم عنها‏..‏ لكن يفعل لا‏!.‏ كل من يريد البحث عن دور يتشعبط في قطار القضية ويعلن ويصرح ويهدد ويتوعد‏..‏ كله كلام يقع تحت الأقدام ربما قبل أن يصل الآذان‏..‏ ولو كانت الخطب النارية والتصريحات الغاضبة من‏1948‏ وحتي الآن تحقق منها واحد في المائة فقط‏..‏ ما بقيت الدولة الصهيونية وما كانت هناك قضية‏!.‏ لو أن ربع التبرعات التي نقرأ تصريحات في الصحف عنها لأجل القضية‏..‏ لو أن ربعها فقط تم لكان الشعب الفلسطيني في حال غير الحال‏!.‏ العلاقة الوثيقة الحميمة التي تربط حكومة قطر بالدولة الصهيونية‏..‏ لو أن نصفا في المائة من حميمية هذه العلاقة موجود في علاقة قطر بالفلسطينيين‏..‏ ما وصلت القضية إلي ما هي عليه‏!.‏

الشباب في حيرة‏..‏ هل النزاع العربي الصهيوني هو المشكلة؟ أم النزاع الفلسطيني الفلسطيني هو القضية؟‏.‏ الشباب يسأل‏:‏ هل يمكن فض النزاع العربي الصهيوني والشعب الفلسطيني مقسوم علي اثنين‏!.‏ المقاومة الواحدة التي كانت ضد الصهاينة باتت مقاومتين بينهما دم وغارات وأسري والسلاح الفلسطيني غير وجهته من الحدود مع الصهاينة إلي الصدور الفلسطينية داخل فلسطين وكأنه لابد من انتصار إرادة علي إرادة لأجل أن يبدأ الجهاد ضد العدو‏!.‏

الشباب في دهشة لأن بديهيات النضال لتحرير أرض تفرض التوحد لا الانقسام والصدق لا الكذب والانتماء لا التخوين والتآمر والخيانة‏!.‏ الشباب في دهشة لأن جناحي النضال الفلسطيني ما بينهما من عداء لا يقل عن العداء العربي للعصابات الصهيونية والانقسام وصل مداه والحروب الكلامية ما شاء الله واتهامات كل طرف فلسطيني للآخر بالخيانة عرض مستمر‏..‏ فأي طرف يصدقه الشباب ولأي طرف ينحاز الشباب‏!.‏

الشباب لم يجد بين الفضائيات النضالية واحدة تفسر له ما يحدث أو تقول له من علي حق وتقطع الشك باليقين بأن حق الوطن الفلسطيني وحق الدماء التي سالت بحورا وروت رمالا وجبالا ووديانا‏,‏ وحق شهداء النزاع العربي الصهيوني وليس شهداء حرب حماس وفتح‏..‏ هذه الحقوق تنسف أي ادعاء أو تبرير لرفع السلاح الفلسطيني في وجه فلسطيني‏!.‏

لا أحد فسر للشباب صمت الأمة علي ما حدث ويحدث ولا أحد برر للشباب فشل العرب في إنهاء النزاع الفلسطيني الفلسطيني‏!.‏ لا أحد وضح لنا موقف دولة عربية لها علاقة مميزة بطرفي النزاع حماس وفتح وتدفع بسخاء لهما وجمعتهما في ثانية واحدة عندما أرادت‏,‏ ولم يتفقا رغم أنهما قبضا‏!.‏ لم يتفقا ولم تضغط الدولة العربية وبقي السلاح الفلسطيني مرفوعا في وجه الفلسطيني لأن هذه رغبة الصهاينة‏!.‏

الشباب وجد كل القوي التقدمية الثورية النضالية في الأمة في خندق واحد وصوتها العالي واحد‏!‏

المناضلون بالكلام في الأمة تلاقوا وتوحدوا ليس لا سمح الله في إرادة نضال ضد الصهاينة إنما في سباق عداء تجاه مصر‏!.‏

اجتاح العدو الصهيوني غزة وقرار الاجتياح موضوع ومقرر من شهور طويلة لأسباب سياسية وأخري انتخابية والموعد محدد سلفا وساعة الصفر لبدء الاجتياح ستكون عقب سقوط صاروخين من إياها علي أرض خالية في مستعمرة صهيونية‏..‏ وحدث‏..‏ والصاروخان انضربا من غزة وسقطا في خرابة من دون خسائر للعدو وبسببهما بدأ الاجتياح وبدأ الدمار وبدأت الدماء تسيل والعالم يستنكر والصهاينة مستمرون في خطة التدمير حتي نهايتها والغرب متعاطف معها بسبب صاروخين الرز بلبن إياها‏!.‏

أحد لم يتكلم ويوضح أو يسأل‏:‏ هل النضال هو إعطاء مبرر للعدو بتدمير غزة بسبب جوز صواريخ فشنك‏!.‏ هل هذا نضال أم انتحار أم شيء آخر لا نعلمه؟‏.‏

المناضلون بالكلام في دولة الجزيرة بقناة قطر ما إن بدأ الاجتياح الصهيوني لغزة‏..‏حتي بدأت حملتهم القذرة علي مصر وكأن مصر هي التي أطلقت الصاروخين وورطت الفلسطينيين وتسببت في الاجتياح الصهيوني‏..‏ أو أن مصر هي التي أوقعت حماس في فتح أو أن مصر هي التي تدفع وتغدق الدفع بسخاء للطرفين ليبقي الاتفاق علي عدم الاتفاق‏!.‏

الشباب أوجعته المجازر وبحور الدم ومن في مصر لم يضربه الهم والغم‏!.‏ الشباب وجد حملة عاتية علي مصر تطالبها بفتح المعابر‏!.‏ الشباب تصور أنها مؤامرة علي الفلسطينيين المحاصرين في غزة والطيران يضربهم بالصواريخ والدبابات تقذفهم بالدانات والحدود مغلقة بجيش العدو من الضفة الغربية والمعابر مغلقة من جهة مصر‏!.‏ الشباب صدق وراح يطالب بفتح المعابر وهو لا يعلم أن فتح المعابر مطلب أمريكي صهيوني من سنوات‏!.‏

هم يريدون نزوح الفلسطينيين من غزة إلي سيناء وأمريكا من سنوات رأيها أن تعطي مصر مساحة أرض من سيناء للفلسطينيين يقيمون دولتهم عليها‏!.‏

الشباب لا يعلم أن تفريغ غزة من أهلها الفلسطينيين وتركها للصهاينة معناه إسدال الستار علي الفصل الأخير من حدوتة النزاع العربي الصهيوني‏!.‏

الشباب لا يدرك الحقيقة وهو معذور لأن أبواق الجزيرة تصم الآذان لأن السيد حسن نصرالله زعيم حزب الله رأيه من رأي مناضلي الجزيرة والمعابر لابد أن تفتح ولو بالقوة‏!.‏

الشباب بات اعتقاده راسخا بأن مصر باعت القضية باعتبار أن ما يقوله زعيم حزب الله هو الحق وما يؤيده زعيم حزب الله هو الصحيح وما يختلف معه زعيم حزب الله هو المخطئ والزعيم أيد حماس في ضرب الصهاينة بالصواريخ وشجب أعمال الصهاينة في الاجتياح واكتفي بالشجب والدعاء علي الصهاينة في المساجد وأكثر من ذلك لم يفعل رغم أنه علي الحدود‏..‏ لم يفعل أكثر من الكلام لأنه أول من يعلم الحدود التي يستحيل الاقتراب منها‏!.‏ يعلم هذا وأكثر من ذلك بعد المجزرة التي أوقع فيها دولة لبنان وراح ضحيتها عشرات المئات وتدمرت بسببها بنية لبنان الأساسية وهي بالمليارات‏!.‏ الزعيم قرر خطف جندي من الصهاينة ونجح في الخطف ونجح في إطلاق الصواريخ إياها علي المستعمرات الصهيونية والمقابل إعطاء الشرعية للصهاينة لاجتياح لبنان‏!.‏ نفس المنطق ونفس الأسلوب‏..‏ قيام بعمل لزوم النضال‏..‏ كإطلاق صاروخ لم نسمع يوما أنه قتل صهيونيا واحدا أو خطف جنديا كأسير دون اعتبار إلي رد الفعل والصاروخ الذي لم يصب أحدا في مقابله تحركت قوات وحلقت طائرات وتقدمت دبابات وسقطت قنابل وصواريخ وكل هذا الدمار تم ردا علي صاروخ لم يخدش إسرائيليا‏!.‏ والصاروخ الذي لم يصب أحدا عند الصهاينة مقا
بله انفتحت بوابة جهنم وسقط في الاجتياح الصهيوني للبنان فوق الـ‏1200‏ قتيل وفي اجتياح غزة العدد أكثر والجرحي أكثر والدمار أكبر وأكبر‏!.‏

السيد نصرالله يزايد بخطف جندي صهيوني ووضع مسألة الخطف في مصاف العمليات الحربية الضخمة والشباب يصدق والشباب معذور لأن من عمرهم‏36‏ سنة اليوم‏..‏ هم مواليد حرب أكتوبر‏1973‏ وهذا معناه أن كل من هم في سن الأربعين عاما وأقل‏..‏ كل معلوماتهم عن حرب أكتوبر مصدرها قراءة أو استماع أو مشاهدة لبعض الأفلام‏..‏ وهناك من لا يعرف معلومة واحدة عن حرب أكتوبر‏...‏

عندما يكون نصف الشعب المصري ابتعد بعيدا عن حرب‏1973‏ ربما بفعل الزمن ومرور‏36‏ سنة علي الحرب أو لنقص أو لانعدام المعلومات‏..‏ عندما يبتعد نصف الشعب عن أعظم حرب في تاريخ الأمة فالطبيعي والمنطقي أن يكون تعاطفه مع من يمثل القوة ويخطف جنديا صهيونيا أسيرا‏!.‏ يتعاطف وينبهر حتي ولو تسبب القرار في دمار دولة‏..‏ وهذا ما حدث في حدوتة حزب الله والجندي الأسير وحدث بنفس الطريقة ونفس المنطق في الدمار الذي لحق بغزة بسبب إطلاق صاروخين دايت علي مستعمرة صهيونية‏!.‏

الشباب صدق السيد نصرالله وصدق أن دمار دولة وموت‏1200‏ لبناني يهون في سبيل أسر جندي صهيوني‏..‏ وكأن الصهيوني يساوي‏1200‏ عربي وهذا غير صحيح لأنه في سوق الرجال ما يسوي‏!.‏ الشباب نسي المنطق وصدق المزايدات‏..‏ صدق أن مصر باعت القضية وأن مصر عليها أن تفتح المعابر وأن مصر بمجرد أن يضرب أشاوس حماس صاروخا من إياها علي المستعمرات الصهيونية تضرب مصر الصهاينة من حدودها‏..‏ الشباب صدق أن القوة والشجاعة والإقدام والبسالة هي تلك الأعمال غير المحسوبة والتصرفات غير المسئولة‏!.‏ صدق أن القوة والشجاعة هي حزب الله وحماس‏!.‏

الشباب معذور لأنه لا يعرف شيئا عن حرب أكتوبر ولا يعرف حاجة عن حرب الاستنزاف ولا يعرف أن جيش مصر حقق ما لم يحققه جيش في العالم عندما اقتحم القناة وأهال الساتر الترابي ودمر خط بارليف‏!.‏

الشباب لا يعرف أن جيش بلده مصر دمر للصهاينة‏220‏ دبابة في أقل من‏48‏ ساعة‏..‏ دمرها بأسلحة فردية قيمتها وقوة دمارها متوقفة علي شجاعة من يحملها والرجال في صدورهم قلوب لم تسمع يوما عن الخوف‏!.‏

الشباب لا يعرف أن جيش مصر قام بحرب استنزاف للصهاينة في سيناء مدتها‏500‏ يوم‏..‏ كل يوم منها شهد خسائر للصهاينة وبطولات للمصريين‏!.‏

الشباب لا يعرف لكن الصهاينة يعرفون‏!.‏ يعرفون قلب المصريين الميت في القتال‏..‏ يعرفون شجاعتهم النادرة‏..‏ يعرفون أنهم لا يهابون الموت ولا يخشونه‏!.‏ الشباب لا يعرف إبراهيم الرفاعي قائد المجموعة‏39‏ والرجل ومجموعته جعلوا الصهاينة يرون القمر في عز الظهر بعملياتهم الفدائية التي لم تتوقف يوما خلال‏500‏ يوم هي عمر حرب الاستنزاف‏!.‏

الشباب لا يعرف الفارق بين عمل عسكري يتسبب في دمار بلد وبين عمل الهدف منه حرمان العدو من الإحساس بالأمان والاستقرار‏!.‏

الشباب لا يعرف أن قرار حرب الاستنزاف علي طول جبهة القتال لم يتخذ إلا بعد تأمين سماء مصر حتي لا تقابل العمليات الفدائية بتدمير البنية الأساسية‏!.‏

الشباب لا يعرف أن جيش مصر في حرب الاستنزاف كان له في الأسبوع ستة أو سبعة أسري صهاينة يأتي بهم كالخراف من شرق القناة‏!.‏

الشباب لا يعرف قصة اليوم الأسود علي المدرعات الصهيونية يوم تدمرت واحترقت‏220‏ دبابة في ساعات ويوم وقوع العقيد عساف ياجوري في الأسر والجنرال الصهيوني دخل سيناء قائدا للواء مدرعات وخرج من سيناء أسيرا مع من بقي حيا من ضباطه وجنوده‏!‏

الشباب لابد أن يعرف‏..‏ أن جيش مصر الذي صنع أعظم انتصارات الأمة هو نفسه جيش مصر اليوم‏..‏ نفس القوة ونفس الكفاءة ونفس الشجاعة ونفس العزة ونفس الفخر ونفس الانتماء‏!‏

الشباب لابد أن يعرف أن لمصر جيشا عظيما قادرا علي حماية حدود الوطن‏.‏

الشباب عليه معرفة أن حرب‏1973‏ علمتنا أن المنتصر هو من اتخذ القرار ولم يستدرج لقرار‏!‏ علمتنا أن زمن الاستدراج انتهي ولن يعود حتي ـ لا قدر الله ـ لا تعود هزيمة مثل التي ضربتنا في‏1967!.‏ يوم جرجرونا إلي الحرب فكانت الهزيمة منطقية‏!‏

الشباب عليهم الوثوق بأن جيش مصر هو درع الوطن والأمة‏..‏

مع احترامي لكل الأشقاء ورغم إيماني التام بالقومية العربية‏..‏ هذه حقيقة لابد أن يعرفها الشباب‏!‏

يعرف أن جيش مصر العظيم لم يتأخر لحظة عن الأمة‏.‏

يعرف أن جيش مصر قدم للأمة والقضية شهداء وجرحي يفوق عددهم تعداد دولة شقيقة طالعة جديد في حدوتة النضال‏!‏

جيش مصر كان ومازال وسوف يظل‏..‏ الأكبر عددا والأكثر كفاءة والأعظم في الشجاعة‏..‏

عندما بدأت حرب‏1973‏ في الثانية ظهر يوم‏6‏ أكتوبر‏..‏ بدأت بأكبر طلعة طيران في أكبر ضربة جوية والذي حدث لنا في يونيو‏1967‏ ذاقوا مرارته وقسوته من نسور مصر في‏1973‏ الذين جعلوها نارا لا تطفأ في كل مواقع القيادة ومخازن الذخيرة وتجمعات العدو التي استهدفوها في غاراتهم الجوية‏!.‏ عندما بدأت طلعات الطيران وتمهيدات المدفعية‏..‏ كانت علي الجبهة وحدة عسكرية رمزية من دولة شقيقة ولم يتم سحبها حتي لا تثير التحركات شكوك العدو‏..‏ المهم أن الوحدة العسكرية الشقيقة بقيت إلي أن بدأت الحرب وهي بدأت من عندنا وطيران مصر هو الذي يضرب ومدفعية مصر هي التي تضرب شرق القناة من مواقعها غرب القناة‏..‏

المقاتلون الأشقاء عندما وجدوا دانات المدافع المصرية تمر من فوق رءوسهم من الغرب متجهة إلي الشرق‏..‏

انطلقوا في حالة ذعر هائل صارخين مرددين‏:‏ هادي ما حرب‏..‏ هادي جهنم‏!‏
يا حبيبتي يا مصر‏.‏
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

بصراحة اخت ريم هذا الرجل انا احترمة كثيرا
واحترم اراءاه واتابعه دائما
شكرا للمجهود

مشكور اخي الكريم وفعلا هذا الرجل من ابطال مصر العظماء و حق علي كل مصري ان يفتخر بهذا البطل
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

**‏ في مثل هذا الوقت قبل‏40‏ سنة‏..‏ حرب الاستنزاف تتصاعد ضد العدو في سيناء والصهاينة غير مستوعبين ما يحدث لأن الذي يحدث شيء من وراء العقل‏.‏ المصريون يقومون بعمليات فدائية بالغة الجرأة والشجاعة لأنها بكل المقاييس مستحيلة التنفيذ‏!.‏ لماذا؟
لأن القناة حاجز مائي طبيعي علي امتداد‏168‏ كيلومترا هي خط المواجهة مع العدو المحمي في سيناء بالقناة غربا وخليج السويس جنوبا والبحر المتوسط شمالا‏,‏ وهذا معناه أن أي عملية فدائية ضد العدو صعوبتها مضاعفة بسبب الحائل المائي‏..‏ قناة كانت أو خليج السويس أو البحر المتوسط‏..‏ ولهذا‏!.‏
القيادة المصرية بعد شهرين من هزيمة‏1967‏ أصدرت تعليمات إلي القوات الموجودة علي الجبهة لأجل تنفيذ خطة هدفها تطعيم المقاتلين علي اقتحام القناة كمانع مائي صعب بمعني كسر وتحطيم حاجز رهبة اقتحام هذا المانع المائي لأنه في البداية والنهاية وسيلة لا هدف لأن الهدف‏..‏ العدو الموجود في سيناء والوصول إليه لابد أن يكون بعد اجتياز هذا المانع بدون خسائر وبدون اهتزاز للروح المعنوية وبدون أدني تأثير علي الكفاءة القتالية‏,‏ وبمعني أكثر وضوحا لابد أن يتعود المقاتل علي عملية اجتياز القناة في أي وقت ومن أي مكان وتحت أي ظروف‏..‏ وبدأ التجهيز وظهرت حقائق لابد من وضعها في الحسبان‏...‏
القناة ليست مجرد ممر مائي يربط البحر الأحمر بالمتوسط إنما هي أشبه بأنبوب مشتبك مع خليج السويس في الجنوب والخليج أنبوب مشتبك مع البحر الأحمر‏..‏ وهذا جعل مدخل القناة سرعة المياه فيه تصل إلي‏200‏ متر في الدقيقة وهذا التيار شديد السرعة وفي أوقات يتجه من الشمال إلي الجنوب وفي أوقات يتحول للعكس من الجنوب إلي الشمال وانعكاس التيار مشكلة‏!.‏ القناة أنبوب يتعرض إلي المد والجزر المؤثر علي ارتفاع وانخفاض منسوب المياه وهذا المد وذاك الجزر هائل لدرجة أنه يرفع المنسوب في المد أكثر من مترين ونفس المنسوب ينخفض في الجزر لأقل من مترين‏,‏ وتلك مشكلة‏..‏ والمشكلة الأكبر أن التيار يتغير اتجاهه أربع مرات يوميا‏..‏ مرتين التيار يتجه شمالا وفيهما يكون المد ومرتين جنوبا وفيهما يحدث الجزر‏...‏
نحن في أوائل عام‏1969‏ والمنطقة هي بورتوفيق الواقعة في نطاق الجيش الثالث الموجود به مجموعة صاعقة مكلفة بواجبات في مقدمتها عمليات كوماندوز ضد قوات العدو في سيناء‏..‏ قائد المجموعة المقدم أركان حرب صالح فضل والرجل بحكم خبرته ومسئوليته وطبيعة عمل رجاله في الصاعقة‏..‏ كان عليه أن يتعرف علي طبيعة المانع المائي باعتباره طريقه في دخول سيناء والخروج منها‏..‏ ولهذا ذهب إلي المقدم صفوت الجمال رئيس مكتب مخابرات السويس لأجل التعرف علي جداول المد والجزر ومواعيدها وكل ما هو متوافر من معلومات لدي مكتب المخابرات العسكرية الذي له رجال استطلاع خلف خطوط العدو في سيناء‏...‏
المقدم صالح فضل قائد مجموعة الصاعقة عرف أن المياه في أوقات المد سرعتها شديدة من الشمال إلي الجنوب وعندما ترتفع وقت المد تصل إلي حافة رصيف بورتوفيق وعندما تنخفض في الجزر تهبط لأقل من مترين‏.‏
قائد مجموعة الصاعقة مهتم بمعرفة كل معلومة مهما كانت بسيطة وصغيرة لأن عمليات الكوماندوز لا يترك شيء فيها للمصادفات‏..‏ وهناك عملية قادمة علي نقطة لسان بورتوفيق ردا علي العربدة التي تقوم بها هذه النقطة وضربها لمركب صغير في ميناء بورتوفيق خلال شهر مارس‏1969...‏
الفريق عبدالقادر حسن قائد الجيش الثالث ومساعده اللواء عبدالمنعم واصل استدعيا المقدم صالح فضل قائد مجموعة الصاعقة العاملة في نطاق الجيش الثالث‏..‏ والأمر لم يستغرق وقتا‏..‏ وقرار المهمة عملية تأديب للنقطة الإسرائيلية القوية وبدأ الاستعداد‏...‏
قيادة مجموعة الصاعقة تولت مهمة تحديد أنسب توقيت للعملية ووجدوا الوقت الأنسب والأفضل للتنفيذ ما بين السابعة والتاسعة مساء وهو الوقت الميت لشدة واتجاه التيار المائي وفيه تتلاشي سرعة التيار ما بين الشمال والجنوب والجنوب والشمال وأيضا وجدوا فيه أعلي ارتفاع للمد‏...‏
الهدف لسان بورتوفيق الموجود عليه نقطة قوية من نقاط خط بارليف والصهاينة ثقتهم بالغة في استحالة الوصول لهذه النقطة القوية المحاطة بالمياه من ثلاثة اتجاهات‏..‏ غربا قناة السويس وجنوبا خليج السويس وشرقا الملاحات وهي أرض رخوة مليئة بالمياه وأشبه بالبحيرات ومستحيل السير فيها أو التقدم من خلالها‏..‏ ولسان بورتوفيق مسطح بري مرتبط بسيناء من جهة الشمال من خلال مدق‏..‏ والنقطة القوية مكونة من ثلاثة ملاجئ تخرج منها مزاغل تستخدمها المدفعية ويوجد داخل النقطة أربع دبابات تستخدم في أعمال دفاعية داخل سيناء وتستخدم في أعمال هجومية بالصعود إلي مصاطب لتضرب بورتوفيق أو الشاطئ الغربي للقناة‏...‏
جاء وقت اختيار المقاتلين للعملية المنتظرة وكانت مشكلة لأن كتائب الصاعقة الثلاث‏43‏ و‏33‏ و‏53‏ التابعة للمجموعة‏..‏ كل كتيبة تريد أن تنفرد بتنفيذ العملية وكل الضباط يفضلون مواجهة الموت لدرجة أن الضباط رفضوا نزول إجازاتهم الشهرية خوفا من أن يتم الاختيار وأي منهم في إجازة‏...‏
الكل يريد قتال الصهاينة في نقطة لسان بورتوفيق الحصينة لأنها من خط بارليف ولكونها أصعب نقاطه وأكثرها تحصينا بحكم موقعها المحاط بالمياه من ثلاث جهات‏.‏
كل الضباط وكل الصف والجنود يريدون نيل هذا الشرف والاشتراك في عملية الإغارة علي أصعب نقطة قوية وتدمير أسلحتها وقتل وإصابة قواتها وقبل كل هذه الأمور العودة بأسير صهيوني‏!‏
ماذا حدث؟
هذا ما سنعرفه الأسبوع المقبل بإذن الله‏.‏
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

**‏ وجدت نفسي الأسبوع الماضي مشتاقا لأيام رائعة عظيمة عشناها‏..‏ وهي عظيمة ورائعة وجميلة رغم الموت الذي يطل برأسه علينا في كل لحظة منها‏..‏ عظيمة ورائعة بالرجولة والشهامة والشجاعة والفداء والانتماء التي عليها شباب ورجال من أبناء الوطن آمنوا بربهم وحملوا أرواحهم علي أيديهم حبا وعشقا وفداء لتراب الوطن‏...‏
تكلمت عن عملية فدائية علي نقطة قوية في خط بارليف بل أقوي نقطة قوية فيه وهي لسان بورتوفيق وقوتها تكمن في موقعها الذي يجعل الهجوم عليها مستحيلا لأنها لسان أرض محاطة بالمياه من ثلاث جهات ولأنها النقطة الأقوي فكان مطلوبا احتلالها وتدميرها‏..‏ وما إن ظهرت في الأفق ملامح مهمة فدائية ضد العدو إلا وكل مقاتلي الصاعقة الموجودين في المنطقة يريدون الاشتراك فيها‏..‏ وهذا ما توقفت عنده في الأسبوع الماضي‏...‏
المقدم أركان حرب صالح فضل قائد مجموعة الصاعقة تسلم المهمة من قائد الجيش الثالث الفريق عبدالقادر حسن ومساعده اللواء عبدالمنعم واصل‏..‏ وما إن تسلم قائد مجموعة الصاعقة المهمة حتي بدأ عملية الاستطلاع لأجل تذليل جميع العقبات المنتظر مواجهتها‏..‏
شدة التيار في تلك المنطقة بمدخل القناة مشكلة ولابد من معرفة الوقت الميت لشدة اتجاه التيار‏..‏ أي الوقت الذي تتلاشي فيه الشدة مع الاتجاه‏..‏ وبالاستطلاع والملاحظة والاستشارة تم تحديد ومعرفة الوقت الأنسب وبالاستطلاع والملاحظة والدراسة تم التعرف علي وقت أقصي مد وفيه تكون المياه في أعلي منسوب لها وقت العملية وبعد الانتهاء من عمليات الاستطلاع تم وضع خطة اقتحام القناة لأجل تدمير نقطة قوية وإحداث أكبر خسائر ممكنة بها والعودة بأسير منها‏..‏
منطقة الهجوم تحتل مواجهة مع العدو قدرها‏200‏ متر تقريبا‏..‏وعرض القناة فيها في حدود الـ‏220‏ مترا‏..‏ ولأجل تشتيت فكر الصهاينة عن معرفة المجهود الرئيسي للقوة المصرية المهاجمة تقرر تنفيذ الهجوم بعدد من القوارب‏..‏ كل قارب يحمل جماعة صاعقة معها اكتفاؤها الذاتي من السلاح والذخائر والمعدات وفقا لتخصصها وكل مجموعة معها‏(‏ بنجالور‏)‏ وهو عبارة عن ماسورة مليئة بالمتفجرات وتستخدم بطريقة معينة في فتح الثغرات بحقول الألغام وسوف تستخدم لفتح ثغرات في الساتر الترابي المليء بالألغام‏.‏
الخطة بعد الانتهاء من وضعها تم عرضها علي قائد الجيش وبعد مناقشتها تمت الموافقة وبها دخلت العملية قيد التنفيذ والمتبقي مسألة وقت لاختيار وتدريب المجموعة التي ستنفذ المهمة والحقيقة أن المشكلة لم تكن في وقت التدريب أو استيعاب الخطة أو القدرة علي تدمير هذه النقطة القوية‏..‏ المشكلة كانت تختار من وتترك من وأنت أمام مقاتلين في ثلاث كتائب صاعقة كل واحد منهم يري أنه الأحق في الذهاب إلي مهمة الموت المنتظرة‏..‏
الرجال‏..‏ رجال الصاعقة في الكتائب الثلاث‏43‏ و‏33‏ و‏53..‏ كل مقاتل في كل كتيبة ينتظر لحظة مثل هذه لأجل الثأر‏..‏ لأجل شرف وعزة وكرامة‏..‏ لأجل أن يعرف هذا العدو مرة الحقيقة‏..‏ حقيقة المقاتل المصري وهذه فرصة عمر تحمل معها المجد لمن ينال شرف المشاركة في عملية مثل هذه‏..‏
استقر الرأي وصدر القرار والشرف والمجد والعزة راحوا إلي صاحب النصيب‏..‏ ذهبوا إلي الكتيبة‏43‏ صاعقة التي سيتم اختيار أربع فصائل منها للقيام بعملية لسان بورتوفيق‏..‏
التنافس رهيب بين ضباط الكتيبة لأجل نيل هذا الشرف وبالفعل تم التكليف والفصائل الأربع انتقلت إلي منطقة المسخرة بصحراء حلوان وفيها تم بناء موقع هيكلي مطابق لموقع لسان بورتوفيق فيما عدا القناة ووقتها عرفت القوة أن الهدف هو نقطة لسان بورتوفيق‏..‏
بعد شهر تدريب لهذه القوة المنعزلة تماما عن الدنيا‏..‏ عادت الفصائل الأربع إلي موقعها علي الجبهة‏..‏ ومن بين مجموعة الضباط الذين تم اختيارهم للمهمة‏..‏ ملازم أول اسمه معتز الشرقاوي وبالتأكيد أنه فخور باختياره والمؤكد أنه لم يكن يعلم أن القدر اختاره واختيارات القدر بالغة الدقة ولا مجال للحظوظ فيها‏!.‏ تم تكليف الضابط الشاب معتز الشرقاوي بمهمة العودة بأسير أيا كانت الظروف والمهمة إلي جانب مهامه الأخري في التعامل مع ما هو موجود داخل هذه النقطة القوية‏!.‏
الضباط المكلفون بالعملية ذهبوا إلي الكتيبة‏90‏ مظلات المتمركزة ببورتوفيق في مواجهة النقطة القوية ويتذكر الملازم أول معتز الشرقاوي هذه الزيارة ويومها استقبلهم الملازم أول سليمان الحضري الذي قام بتحديد كل نقطة نيران النقطة القوية علي الطبيعة للضباط لأجل أن يضعوها في حساباتهم خلال عملية الهجوم ويحكي الملازم أول معتز الشرقاوي أن استطلاع النقطة القوية من الكتيبة‏90‏ مظلات والملاحظات والمعلومات التي شرحها الملازم أول سليمان الحضري‏..‏ طبعت في عقله صورة معينة لهذه النقطة القوية وكيف أن هذه الصورة هي نفسها التي وجدها علي الطبيعة‏..‏
كل مجموعة في قارب مرتبطة تماما ببعضها خلال فترة التدريب وبعد التدريب في النوم والأكل والمعيشة وكل مقاتل يعرف تماما إلي جانب مهمته مهمة الموجود أمامه والموجود خلفه لأجل ألا تتوقف مهمة نتيجة إصابة صاحبها‏..‏
وحرصت مجموعة الصاعقة علي أن تتم بعض هذه التدريبات في ميناء الأدبية علي مرأي ومسمع من الصهاينة الذين رفعوا درجة الاستعداد في أكثر من مرة بعد كل تدريب وعندما وجدوا أن المسألة تدريب لم يضعوا الأمر في الحسبان وهذا ما كانت القيادة تريده بالضبط‏!.‏ المهمة باختصار‏..‏ اقتحام‏..‏ ضرب‏..‏ عودة‏.‏
القوة‏14‏ مجموعة في‏14‏ قاربا والمطلوب دخول هذه القوة بالقوارب مدينة بورتوفيق دون لفت للأنظار وبعيدا عن عيون البوليس الدولي وعن كاميرات الأقمار الصناعية‏..‏
وجاء يوم‏9‏ يوليو‏1969..‏ يوم أجرأ عملية تأديب للعدو في هذه الفترة والمطلوب دخول المقاتلين بمعداتهم وقواربهم وأسلحتهم إلي بورتوفيق بعيدا عن العيون وحدث‏..‏ والقوة دخلت مكان الانطلاق واختبأت في بدرومات العمارات المميزة لهذه المنطقة إلي أن تجيء ساعة الصفر المحدد لها قبل آخر ضوء بنصف ساعة‏..‏
وكل عملية لها خطة خداع والمدفعية المصرية نفذت خطة خداع هذه العملية بعمليات قصف مدفعي بدأت يوم‏3‏ يوليو‏1969‏ والخداع أن تقوم المدفعية يوميا بالضرب لمدة ساعة من الرابعة وحتي الخامسة‏!.‏ بدأ الخداع يوم‏3‏ يوليو وما إن بدأ الضرب حتي لجأ العدو إلي المخابئ مع رفع درجة الاستعداد لوحداته داخل سيناء انتظارا لصد هجوم متوقع للمصريين وينتهي ضرب المدفعية في الخامسة ولا هجوم بعده ولا يحزنون‏..‏ ويتكرر ضرب المدفعية يوم‏4‏ يوليو ولا شيء بعدها ويوم‏5‏ يوليو ولا هجوم مصري ويوم‏6‏ يوليو ولا شيء وابتلع العدو الطعم خاصة أن الضرب تكرر يوم‏7‏ يوليو ويوم‏8‏ يوليو ولا هجوم مصري بعد المدفعية وابتلع العدو الطعم ويوم‏9‏ يوليو الأمر مختلف‏!.‏
في اليوم السابع لضرب المدفعية أي يوم‏9‏ يوليو يكون المد في أعلي نقاطه الساعة الخامسة مساء ولهذا بدأت المدفعية الضرب في الرابعة ظهرا ونزل الصهاينة إلي الخنادق وفي الخامسة إلا الربع بدأ نفخ القوارب وفي الخامسة إلا خمس دقائق نزلت القوارب إلي مياه القناة وكل قارب تم تزويده بموتور والـ‏14‏ قاربا عليها‏140‏ مقاتلا بقيادة النقيب سيد إسماعيل إمبابي‏..‏ وتم تشغيل الموتورات في لحظة واحدة وانطلقت تجاه البر الشرقي للقناة‏..‏ وصلت القوارب للشرق في دقيقتين والمدفعية المصرية مازالت تضرب النقطة القوية وما بعدها في سيناء‏..‏
وما إن صعد الرجال من المياه إلي الرمال حتي توقفت المدفعية وفي لحظات صعدت دبابة للعدو إلي مصطبتها وأصابت شظاياها أحد القوارب ولم تستوقف الإصابات أحدا‏.‏
المقاتلون المصريون في سباق مع الزمن لاختراق الساتر الترابي والوصول إلي النقطة القوية قبل أن يصل جنود العدو إلي مدافعهم ورشاشاتهم في نقاط نيران النقطة القوية ولو وصلوها فسيلحقون خسائر هائلة في القوة المهاجمة‏!.‏
الملازم أول معتز الشرقاوي يقود فصيلة يسار القوة المهاجمة وكل فصيلة مهمتها الأولي فتح ثغرة في حقل الألغام وفصيلته في مواجهة ملجأ للعدو به قرابة الـ‏30‏ فردا من العدو وفتحت فصيلته ثغرة في حقل ألغام الساتر الترابي واندفعت منها إلي عمق النقطة القوية‏..‏ وهو علي الساتر الترابي شاهد دبابة باتون‏m60‏ وتم ضربها بإصابة مباشرة من قذيفة‏rbj‏ وانفجرت ولم يخرج أحد من الدبابة‏..‏وبعد نزوله من الساتر الترابي إلي عمق النقطة القوية لمحوا دبابة قادمة من جهة اليسار وتم ضربها بقذيفة‏rbj‏ وخرج من الدبابة أول صهيوني وانضرب والثاني تقدم نحوه الملازم أول معتز الشرقاوي وقام بشل حركته وحمله علي كتفه بأسلوب تم التدريب عليه وصعد به الساتر الترابي وهبط في الجهة المطلة علي القناة وقام بتسليم الأسير إلي فرد المهندسين الموجود في القارب وطلب منه ربطه والتحفظ عليه لحين الانتهاء من العملية‏..‏فصيلة القطع بقيادة م‏.‏أ محمد عبدالحميد عبد ربه موجودة يسار القوة المهاجمة في اتجاه الشمال للتعامل مع أي تدخل بري لإنقاذ النقطة القوية وإلي جوارها فصيلة يقودها الملازم أول حامد إبراهيم جلفون وإلي يمينها فصيلة الملازم أول إبراهيم رءوف أبو سعدة وفي أقصي الجنوب جماعة صاعقة منفصلة مهمتها عزل وتدمير دشمة رشاش نصف بوصة يقودها المساعد حسني سلامة والرجل أسطورة شجاعة ووسط قوة الهجوم قائد المهمة النقيب سيد إمبابي ومعه ضابط المدفعية الملازم أول محمود سليمان‏.‏
القارب الذي ضربته الدبابة في بداية الهجوم لم تكن إصابته مباشرة والشظايا هي التي ثقبت القارب وهي التي أصابت خمسة مقاتلين بجروح والمشكلة أنهم لم يشعروا بحجم الإصابة ولا بالدم الذي ينزف والشهيد الوحيد في هذه العملية هو الرقيب مجند عبدالحليم جاءه الموت بسبب النزف وهو لا يعرف والمصابون الأربعة تم إنقاذهم بعدما أوقفوا نزفهم‏!.‏
بعد‏40‏ دقيقة من بداية العملية النقطة الأقوي في خط برليف سقطت ورجال الصاعقة يركبونها ويدمرون كل أسلحتها وذخائرها وأعطوا قائدهم تمام تنفيذ المهمة‏...‏
القوة المصرية تجوب النقطة القوية أو أقوي نقاط خط بارليف القوية تمشيطا لكل سنتيمتر فيها ولم تتركها إلا تنفيذا لأمر التحرك والرجوع إلي غرب القناة بعدما تم تنفيذ المهمة بنجاح والنقطة القوية انهارت بعد تدمير ملاجئها وضرب أربع دبابات وقتل وإصابة‏43‏ صهيونيا وفقا لما أعلنته قيادة العدو فيما بعد‏..‏
عملية التأديب المصرية لنقطة صهيونية قوية استمرت‏45‏ دقيقة وحصلنا بعدها علي أسيرين وفقدنا شهيدا وجرح منا أربعة‏..‏
بعد هذه العملية عرف الصهاينة يقينا أن المقاتل المصري ليس له حل وأي حل يمكن أن يكون مع مقاتلين لا يخافون الموت‏!.‏
فعلا‏..‏ إنهم خير أجناد الأرض‏!.‏
تحية إلي جيش مصر العربي في الأمس وفي اليوم وفي كل يوم‏...‏
يا حبيبتي يا مصر‏..‏
وللحديث بقية مادام في العمر بقية
 
رد: مقالات الكاتب الكبير ابراهيم حجازي

**‏ عملية الإغارة علي لسان بورتوفيق يوم‏9‏ يوليو والتي تحدثت عنها الأسبوع الماضي والذي قبله‏..‏ توقفت أمامها لأنها في الواقع غير مسبوقة وهذا واقع تجاهله خبراء العسكرية في العالم لأن هذه المعركة لم تكن مجرد عملية عسكرية إنما هي نموذج جديد فريد جريء غير مسبوق في عمليات الإغارة المتعارف عليها في العلوم العسكرية‏!.‏ لماذا؟‏.‏
لأن مثل هذه العمليات الخاصة أساسها المفاجأة‏..‏ مفاجأة العدو لتكبيده أكبر خسائر في أقل وقت بأقل خسائر للقوة المهاجمة‏..‏ لذلك تجري ليلا وتتم في صمت بلا تحضيرات مدفعية أو دبابات وبدون استخدام لمواصلات تنبه العدو‏..‏ وهذا كله لم يحدث في عملية لسان بورتوفيق التي تمت نهارا وسبقها ضرب مدفعية واستخدمت فيها قوارب مزدوة بموتورات ضجيجها مسموع‏..‏ وليس سرا القول إن الخبير الروسي المرافق لقائد الجيش الثالث اعترض شكلا وموضوعا علي قرار العملية عند عرضه علي قائد الجيش الثالث ووصفه بأنه عملية انتحار للقوة المهاجمة التي لن يبقي منها رجل واحد علي قيد الحياة بما يعني أن الـ‏140‏ مقاتلا مصريا لن يبقي منهم واحد علي قيد الحياة‏!.‏ المهم أن قائد الجيش الثالث وافق علي القيام بالعملية كما رأتها قيادة الصاعقة وتمت ونجحت بإبهار وخسائر العدو كما أعلن هو‏43‏ قتيلا وجريحا وجوز أسري وهو أعلن أنهم‏43‏ ما بين قتيل وجريح والحقيقة أن الـ‏43‏ قتلوا وهم يعرفون يقينا هذا مثلما نعرف نحن تماما ذلك دون الدخول في تفاصيل‏!.‏
الهجوم نهارا لا ليلا وصخبا لا صمتا‏..‏ فكرة النقيب أحمد شوقي الحفني قائد الكتيبة‏43‏ صاعقة التي شرفت بإسناد هذه العملية لها وما إن بدأ استطلاع النقطة القوية والطرق المؤدية لها وجدوها لسانا من اليابس شبه جزيرة يطل جنوبا علي خليج السويس وغربا علي القناة وشرقا علي البركة المسحورة وهي مساحة هائلة مغمورة بالمياه الجوفية ويستحيل السير فيها وهذا اللسان البري مرتبط باليابس شمالا بسيناء‏...‏
قائد كتيبة الصاعقة بعد الانتهاء من عمليات الاستطلاع ليس أمامه إلا الهجوم علي الموقع من الغرب وأمامه قناة السويس وبعد اجتيازها عليه المرور من رصيف مليء بشبكة مواسير وشبكة أسلاك شائكة وهذه مسألة القيام بها ليلا غاية في الصعوبة ولابد أن تتم نهارا‏..‏ ومن هناك كانت فكرة تنفيذ الإغارة نهارا ومادامت ستكون في النهار فإن عنصر المفاجأة لا وجود له‏!.‏
طيب‏..‏ كيف نهاجم نهارا موقعا حصينا؟‏.‏ مسألة مستحيلة وهلاك محقق لأن الذي يهاجم يكون في وضع حركة ولا شيء يحتمي فيه من نيران عدو متمركز في موقع دفاعي محصن بنقاط نيران في دشم تغطي كل شبر أرض في مواجهتها‏!.‏
الحل يحتاج إلي شجاعة فائقة وقلوب لم تسمع يوما عن خوف‏..‏ يحتاج إلي رجال يحملون أرواحهم علي أيديهم عن عقيدة يؤمنون بها‏..‏ يحتاج إلي فكر وتدبير وخداع‏..‏ يحتاج إلي خير أجناد الأرض‏..‏ يحتاج إلي من لا يعرفون المستحيل ولا أحد غيرهم المصريين‏...‏
إذن الغارة الصامتة ليلا مستحيلة مع هذه النقطة القوية المحاطة بالمياه من ثلاث جهات والمتصلة بسيناء من الجهة الرابعة‏(‏ الشمال‏)‏ والإغارة ليلا مستحيلة لأن خليج السويس جنوبا والبركة المسحورة شرقا وسيناء شمالا‏..‏ هي ثلاث جهات صعب جدا جدا عمليات الإغارة منها والمتبقي قناة السويس غربا‏,‏ وبعد اجتياز مياهها هناك رصيف كله أسلاك شائكة ومواسير ممتدة في كل اتجاه ومستحيل المرور منها ليلا بدون إضاءة وبهذا لابد أن تكون الإغارة في الضوء وهذا ما جعل رجال الصاعقة يجعلونها غارة صاخبة لا عنصر مفاجأة فيها وهذا خطر‏..‏ ما لم يكن هناك مكر وخداع ودهاء‏..‏ وهذا ما حدث‏!.‏
اخترعوا نظرية توقيع الجزاء الجماعي علي النقاط القوية في بارليف الواقعة في مواجهة الجيش الثالث‏..‏ وذلك بتحضيرات مدفعية يوميا عليها خلال فترة زمنية معينة وأظنها كانت من الرابعة حتي الخامسة بعد الظهر يوميا‏!.‏ كل النقاط القوية تنضرب بالمدفعية في وقت واحد ويوميا والضرب لا يعقبه شيء وهذا ما أوقع العدو في حيرة تم تفسيرها من وجهة نظرهم بعد كام يوم‏..‏ علي أنها عمليات قصف يقوم بها المصريون لرفع روحهم المعنوية ظنا منهم أن لدوي المدافع علاقة بالروح المعنوية‏!.‏
الصهاينة قناعتهم أن المصريين يائسون والدليل ذاك القصف المدفعي الذي لا طائل منه‏..‏ بينما الوضع مختلف جذريا غرب القناة وكل حركة بل كل همسة لها هدف‏..‏ وبعدما تأكد رجال الصاعقة من أن قصف المدفعية يجبر العدو علي الدخول في الملاجئ وهذا معناه أنه بالإمكان إجبار العدو علي البقاء في الملاجئ إلي أن تعبر القوارب الـ‏14‏ القناة وتصل إلي جهة الشرق وبهذا ضمنا عدم تعرض القوة لأي قصف عليها وهي في المياه والعدو لم يقصف لأنه في الملاجئ وهو في الملاجئ لأن المدفعية المصرية تضرب عليه من الغرب من مسافة ثلاثة وأربعة كيلومترات والمدفعية ستوقف الضرب بمجرد عبور القوة للقناة‏..‏ وتوقف المدفعية يعني خروج العدو من ملاجئه ونحن لا نريد خروجه الآن لأن قوة الإغارة بعد اجتياز القناة أمامها فتح ثغرات في حقول الألغام بالساتر الترابي وبعدها ستهاجم النقطة القوية ولابد أن يتم هذا قبل خروج العدو من ملاجئه‏!.‏ طيب كيف؟‏.‏
المصريون فكروا في المدافع ذاتية الحركة‏..‏ وهي مدافع علي شاسيهات دبابات وتتحرك في أي مكان وتوفر المناورة والضرب المباشر‏..‏ وهنا جاء دور المدافع ذاتية الحركة التي تبدأ قصف العدو بمجرد وصول القوة للشاطئ الآخر وبعد توقف ضرب المدفعية غير المباشر‏..‏ وبذلك بقي العدو في الملاجئ وتوفرت لقوة الإغارة فرصة العمل بدون تدخل للعدو الذي فوجئ بأن المصريين فوق رأسه ويركبون النقطة القوية في عز النهار‏!‏
النقيب أحمد شوقي قائد الكتيبة‏43‏ صاعقة مع رجاله الذين اختيروا لعملية الإغارة يتدربون في موقع هيكلي بدون ذخيرة وبعد التأكد من إتقان كل مقاتل لمهمته في الوقت المحدد والمكان المستهدف أعطي تمام الاستعداد للمقدم صالح فضل قائد مجموعة الصاعقة الذي يتابع ويراجع ويصحح كل الخطوات‏..‏ ليبدأ التدريب علي الإغارة بالذخيرة الحية بداية من فتح ثغرات الألغام ونهاية بتدمير ملاجئ العدو ومخازن ذخيرته ومعداته وآلياته‏,‏ وأجريت بروفة نهائية حضرها قائد الجيش وبعد انتهائها صدر قرار تنفيذ مهمة تأديب أقوي نقطة قوية في خط بارليف بغرض تدميرها وإلحاق أكبر خسائر بها وهو ما حدث يوم‏9‏ يوليو‏1969‏ قبل آخر ضوء عندما قام‏140‏ مقاتلا من الصاعقة بعملية إغارة صاخبة واضحة معلنة انتهت باحتلال النقطة القوية لمدة تقترب من الساعة وتدمير خمس دبابات وقتل‏43‏ من العدو والعودة بجوز أسري وإنزال العلم الإسرائيلي من فوق الموقع ورفع العلم المصري والعودة بوثائق وأسلحة خفيفة‏...‏
وأتوقف هنا لألقي الضوء علي مجموعة من مجموعات الإغارة وهي جماعة الصاعقة التي قادها المساعد حسني سلامة والذي أشرت إليه من قبل في عبارة سريعة بأنه أسطورة شجاعة‏..‏ أتوقف اليوم لأحكي بالتفصيل المهمة التي كانت موكلة إليه وكيفية تنفيذه هو ورجاله لها‏...‏
مجموعة القطع اليميني بقيادة المساعد حسني سلامة مهمتها جنوب النقطة القوية المطلة علي خليج السويس وفيها دشمة مدفع‏155‏ مم ذاتي الحركة ودشمة رشاش نصف بوصة والعدو يتباهي بالمدفع ذاتي الحركة الذي يطلق الصهاينة عليه لقب قناص الاقتصاد المصري لأنه يضرب أي باخرة تحاول الاقتراب ودخول الميناء‏..‏ أما الرشاش نصف البوصة فهو مصدر إزعاج لا يتوقف‏...‏
المهمة الخاصة بمجموعة حسني سلامة تدمير المدفع والرشاش وتأمين قوة الإغارة من أي محاولة تدخل من جهة الخليج إلي أن تنتهي العملية كلها لتكون هذه المجموعة هي آخر من يترك النقطة القوية وآخر قارب يغادر الشرق في طريق العودة للغرب‏..‏ ماذا حدث؟‏.‏
بعد وصول قارب هذه المجموعة إلي الشرق‏..‏ بدأ العمل بفتح حقل ألغام بواسطة البنجالور وهي ماسورة مليئة بالمتفجرات ويتم تفجيرها بطريقة معينة والمتفجرات تفجر أي ألغام وتفتح الثغرة المطلوبة وفق وضع التفجير‏..‏ المهم أن المساعد حسني سلامة ومقاتليه فتحوا الثغرة واتجهوا إلي هدفهم وهو أقصي جنوب النقطة القوية حيث المدفع الذاتي الحركة المتباهي بنفسه والذي كان ضاربه قد وصل إليه وأطلق علي الرجال طلقة واحدة ولم تخرج الثانية لأن قذيفة‏r.b.j‏ عاجلته وبعدها قنبلتان من القنابل المضادة للدبابات وانفجرت الدشمة بمدفعها بالضارب الصهيوني وزيادة في التأكيد تم التعامل معها بقاذفات اللهب لزيادة الاطمئنان علي عدم وجود أحياء والدشمة التي تدمرت انحرقت كمان‏..‏ والذي حدث للمدفع الفتوة ذاتي الحركة تم مع الرشاش نصف البوصة الخفيف‏..‏ انضرب وتدمر وانحرقت دشمته‏!.‏
المجموعة أنجزت مهمتها وأجهزت علي أطقم المدفع والرشاش والمنطقة مؤمنة تماما والقوة انتقلت لوضع التعامل مع أي قوات للعدو قادمة من الخليج‏...‏
المساعد حسني سلامة عنده مهمة أخري في رأسه وهي علم العدو الذي يرفرف علي صاري عال يراه كل من في السويس‏...‏
الصاري المرفوع عليه العلم ربما تكون المنطقة المحيطة به ملغمة‏..‏ لهذا لجأ حسني سلامة إلي حيلة للوصول إلي العلم دون أن يدخل المنطقة‏!.‏ حبل طويل في نهايته زاوية حديد ثقيلة وقام بقذفها تجاه أعلي الصاري فالتف الحبل بسبب تقل الزاوية الجديد‏..‏ التف حول أعلي الصاري المصنوع من الخشب الزان وتم جذبه ليسقط ومعه العلم وينزعه حسني سلامة المتبقي عليه أن يرفع علم مصر علي النقطة القوية والاختيار محدد من مدة‏...‏
إنها الماسورة التي تعتلي صهريج المياه المعدني المرتفع عن الأرض‏20‏ مترا‏..‏ بسرعة صعد حسني سلامة واعتلي الصهريج وأدخل حرف العلم المصري في الماسورة لتبدأ رفرفته قبل السادسة من بعد ظهر يوم‏9‏ وليستمر مكانه عاليا مرفرفا لمدة ثلاثة أيام لأن الكتيبة‏90‏ مظلات المتمركزة في بورتوفيق تضرب أي محاولة اقتراب صهيوني من صهريج المياه‏..‏ وفي اليوم الرابع نسف العدو صهريج المياه كله لأجل إنزال العلم المصري‏...‏
هذا ما حدث من مجموعة صاعقة تضم‏10‏ مقاتلين ويقودها مساعد‏..‏ فما بالنا بما أحدثته بقية المجموعات التسع في أقوي نقطة قوية بخط بارليف القوي‏!.‏
بعد عملية لسان بورتوفيق‏..‏ عادت فصائل الصاعقة الأربع إلي مقر الكتيبة‏43‏ صاعقة في بير عديب حيث مكان تمركزها‏.‏ أما مهامها القتالية المكلفة بها مع كتائب الصاعقة الأخري‏..‏ فكلها داخل سيناء وكلها تستهدف العدو الذي اكتشف أن نهاره ليل وليله نهار وأن الأرض التي احتلها لم تحمه من الموت بل جاءت له بالموت الذي أصبح ينتظره في أي لحظة وبأي مكان‏...‏
يبدو أن عملية لسان بورتوفيق فتحت شهية الكتيبة‏43‏ صاعقة‏...‏
بعد ثلاثة أشهر تقريبا من أغرب وأجرأ إغارة علي أقوي نقطة قوية‏..‏ تم أجرأ وأشجع كمين للعدو‏...‏
كمين وسط قواته وفي وضح النهار والشمس في وسط السماء والطريق الآمن المؤمن انشقت الأرض عنه وخرجت من بطنها مجموعة صاعقة بقيادة الملازم أول معتز الشرقاوي أحد أبطال لسان بورتوفيق واعترضوا سيارة للعدو ونسفوها وقتلوا الرتبة الكبيرة ومرافقيها وعادوا جميعا بدون خدش إلي غرب القناة‏...‏ وكل ذلك نهارا جهارا والشمس في منتصف السماء وقوات العدو الصهيوني في كل مكان‏!.‏
كيف حدث هذا؟‏.‏ هذا ما سنعرفه الأسبوع المقبل بإذن الله‏.‏
تحية إلي جيش مصر في الأمس واليوم وكل يوم‏...‏
تعيشي يا مصر‏..‏ يا حبيبتي يا مصر‏...‏
وللحديث بقية مادام في العمر بقية​
 
عودة
أعلى