سلسلة قواعد قرآنية / الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الحادية والعشرون : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين }

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا مرفأ جديد إلى حلقة جديدة من هذه السلسلة الموسومة بـ (قواعد قرآنية)، نعيش فيها مع قاعدة من القواعد المحكمة في أبواب التعامل مع الخالق سبحانه وتعالى والتعامل مع خلقه، هي قاعدة تمثل سفينةً من سفن النجاة، وركناً من أركان الحياة الاجتماعية، وهي ـ لمن اهتدى بهديها ـ علامة خير، وبرهان على سمو الهمة، ودليل على كمال العقل، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين (119)} [التوبة]

أيها الإخوة:
هذه القاعدة المحكمة جاءت تعقيباً على قصة جهاد طويل، وبلاء كبير في خدمة الدين، والذب عن حياضه، قام به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه رضي الله عنهم، وذلك في خاتمة سورة التوبة ـ التي هي من آخر ما نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى:
{ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} [التوبة].
والمعنى: أن هؤلاء الذين تاب الله عليهم ـ النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه والثلاثة الذين خلفوا ـ هم أئمة الصادقين، فاقتدوا بهم.

وأنت ـ أيها المبارك ـ إذا تأملتَ مجيء هذه القاعدة القرآنية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } بعد هذه الآيات، أدركتَ أن الصدق أعمّ من أن يختصر في الصدق في الأقوال! بل هو الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال، التي كان يتمثلها نبينا - صلى الله عليه وسلم - في حياته كلها، قبل البعثة وبعدها.
ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - صادق اللهجة، عف اللسان، أميناً وفيًّا حافظاً للعهود قبل بعثته، عرف بالصادق الأمين، وكان ذلك سبباً في إسلام بعض عقلاء المشركين، الذين كان قائلهم يقول: لم يكن هذا الرجل يكذب على الناس أفتراه يكذب على الله؟!

أيها الإخوة:
كثيرٌ من الناس حينما يسمع هذه القاعدة القرآنية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } لا ينصرف ذهنه إلا للصدق في الأقوال، وهذا في الحقيقة تقصير في فهم هذه القاعدة، وإلا لو تأمل الإنسان سياقها لعلم أنها تشمل جميع الأقوال والأفعال والأحوال كما تقدم.

يا أهل القرآن:
إن للصدق آثاراً حميدة، وعوائد جليلة ، وهو دليل على رجحان العقل، وحسن السيرة، ونقاء السريرة.
ولو لم يكن للصدق من آثار إلا سلامته من رجس الكذب، ومخالفة المروءة، والتشبه بالمنافقين، فضلاً عما يكسبه الصدق من عزة، وشجاعة، تورثه كرامة، وعزة نفس، وهيبةَ جناب، ومن تأمل في قصة الثلاثة الذين خلفوا أدرك حلاوة الصدق ومرارة الكذب ولو بعد حين.
ومن تأمل في الآيات الواردة في مدح الصدق والثناء على أهله وجدَ عجبا عجاباً!
ولو أخذتُ في سرد الآيات الواردة فيه سرداً فقط لانقضى وقت الحلقة قبل أن تنقضي الآيات، ولكن حسبنا أن نشير إلى جملة من الآثار التي دلّ عليها القرآن للصدق وأهله في الدنيا والآخرة:

1- فالصادق سائر على درب الأنبياء والرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ الذين أثنى الله عليهم في غير ما آية بالصدق في الوعد والحديث.

2- والصادق معانٌ ومنصورٌ، ويسخر الله له من يدافع عنه من حيث لا يتوقع، بل قد يكون المدافع خصماً من خصومه، تأمل في قوله سبحانه:
{ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)}[يوسف].

3- والصادق يسير في طريق لاحب إلى الجنة، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم :
« عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا » [أخرجه الشيخان]، وقد قال الله عز وجل ـ مبيناً صفات أهل الجنة: { الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)} [آل عمران].

4- وأهل الصدق هم الناجون يوم العرض الأكبر على ربهم، كما قال تعالى:
{ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (119)} [المائدة].

5- والصادقون هم أهلٌ لمغفرة الله وما أعده لهم من الأجر والثواب العظيم، قال سبحانه وتعالى:
{ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)} [الأحزاب].

وبعد هذا.. فإن من المحزن والمؤلم أن يرى المسلم الخرق الصارخ ـ في واقع المسلمين ـ لما دلّت عليه هذه القاعدة القرآنية المحكمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}!
فكم هم الذين يكذبون في حديثهم؟
وكم هم الذين يخلفون مواعيدهم؟
وكم هم أولئك الذين ينقضون عهودهم؟
أليس في المسلمين من يتعاطى الرشوة ويخون بذلك ما اؤتمن عليه من أداء وظيفته؟
أليس في المسلمين من لا يبالي بتزوير العقود، والأوراق الرسمية؟
وغير ذلك من صور التزوير؟
لقد شوّه هؤلاء ـ وللأسف - بأفعالهم وجهَ الإسلام المشرق، الذي ما قام إلا على الصدق.
وإنك لتعجب من مسلم يقرأ هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } ومع ذلك يمارس كثير من المسلمين الكذب مع وفرة النصوص الشرعية التي تأمر بالصدق وتنهى عن الكذب!

ليت هؤلاء يتأملون هذا الموقف، الذي حدّث به أبو سفيان قبل أن يسلم، حينما كان في أرض الشام،
" إذ جيء بكتاب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل، فقال هرقل: هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
قالوا: نعم،
قال: فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل، فأجلسنا بين يديه،
فقال: أيكم أقرب نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟
فقلت: أنا، فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي، ثم دعا بترجمانه،
فقال له: قل لهم: إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه،
فقال أبو سفيان: وايم الله لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت" [رواه الشيخان].

فتأمل ـ أيها المؤمن ـ كيف حاذر هذا الرجل الذي كان مشركاً يومئذ من الكذب، لأنه يراه عاراً وسُبةً لا تليق بالرجل الذي يعرف جلالة الصدق، وقبح الكذب؟! إنها مروءة العربي، الذي كان يعد الكذب من أقبح الأخلاق!
ولهذا لما سئل ابن معين عن الإمام الشافعي قال: دعنا، والله لو كان الكذب حلالاً لمنعته مروءته أن يكذب [لسان الميزان:5/416].
وجاء في ترجمة الحافظ إسحاق بن الحسن الحربي أن الإمام إبراهيم الحربي سئل عنه، فقال: ثقة، ولو أن الكذب حلال ما كذب إسحاق [تاريخ بغداد:6/382].
وكان إبراهيم الحربي يقول في الإمام المحدث هارون الحمال: لو أن الكذب حلال لتركه هارون تنزهاً [تاريخ بغداد:14/22، وفي النص خلل، صحح من تذكرة الحفاظ:2/478].
ولله درُّ الإمامِ الأوزاعي: أنه قال: والله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت.

فأين من هذا أولئك الذين استمرؤوا الكذب، بل وامتهنوه، ولم يكتفوا بهذا بل روّجوا شيئاً من عادات الكفار في الكذب، كما هو الحال فيما يسمى بكذبة إبريل، ويزعم بعضهم أن تلك كذبة بيضاء، وما علموا أن الكذب كله أسود، إلا ما استثناه الشرع المطهر.
ويقال: لو لم يكن من خسارة يجنيها هؤلاء الذين يكذبون إلا أنهم يتخلفون بكذبهم هذا عن ركب المؤمنين الصادقين، الذين عناهم الله بهذه القاعدة القرآنية المحكمة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين }.
ما أحرانا معشر الآباء والمربين، أن نربي أجيالنا على هذا الخلق العظيم، وبغض الكذب، وأن نكون لهم قدوات حية يرونها بأعينهم.

يقول الأستاذ الأديب الكبير محمد كرد علي: "لو عَمَدنا إلى الصدق نجعله شعارنا الباطنَ والظاهر في عامة أحوالنا، لوفرنا على أنفسنا وعلى من يحتفون بنا وعلى القائمين بالأمر فينا أوقاتاً وأموالاً ولغواً وباطلاً، ولعشنا وأبناءنا سعداء لا نقلق ونَرَوّع، ممتعين بما نجني، مباركاً لنا فيما نأخذ ونعطي، ولعشنا في ظل الشرف، وتذوقنا معنى الإنسانية، ونَعِمْنا بالقناعة، وعَمّنا الرضى" [أقوالنا وأفعالنا:178].

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الثانية والعشرون : { إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين }​


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه حلقة جديدة من حلقات هذه السلسة المباركة إن شاء الله (قواعد قرآنية)، نعيش فيها مع قاعدة من القواعد المحكمة في أبواب التعامل مع الخالق سبحانه وتعالى والتعامل مع خلقه، هي قاعدة وملاذٌ لمن تواجه أعمالهم بعدم التقدير، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
{ ...إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين (90)} [يوسف].

وهذه القاعدة جاءت في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام، وذلك حين دخل عليه إخوته فقالوا كما ورد في القرآن الكريم:
{ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [يوسف].

أيها الإخوة:
ما أكثر ما نحفظ تعريف التقوى، بل قد يحفظ بعضنا عدة تعاريف لها وللصبر، ويحفظ تقسيمات الصبر، ثم يفشل أحدنا، أو يقع منه تقصير ظاهر في تطبيق هذه المعاني الشرعية كما ينبغي عند وجود المتقضي لها.
ولستُ أعني بذلك العصمة من الذنب، فذلك غير مراد قطعًا، وإنما أقصد أننا نخفق أحيانًا -إلا من رحم الله ـ في تحقيق التقوى أو الصبر إذا جد الجد، وجاء موجبهما.

كلنا أيها الإخوة يحفظ أن التقوى هي فعل أوامر الله، واجتناب نواهيه.
وكلنا يدرك أن ذلك يحتاج إلى صبر ومصابرة، وحبس للنفس على مراد الله ورسوله، ولكن الشأن في النجاح في تطبيق هذين المعنيين العظيمين في أوانهما.

ولنا أن نتساءل أيها الإخوة هنا عن سر الجمع بين التقوى والصبر في هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
والجواب:
أن ذلك والله أعلم لأن أثر التقوى في فعل المأمور، وأما الصبر فأثره في الأغلب في ترك المنهي (جامع الرسائل لابن تيمية [1/38].).

أيها القراء الأكارم:
إن لهذه القاعدة القرآنية الجليلة تطبيقاتٍ كثيرة في حياة المؤمن، بل وفيما يقرأه المسلم في كتاب ربه، ومن ذلك:

1ـ ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية: تعليقًا على هذه القاعدة { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } في سورة يوسف صلى الله عليه وسلم:
"ثم إن يوسف ابتلي بعد أن ظُلِمَ بمن يدعوه إلى الفاحشة، ويراوده عليها، ويستعين عليه بمن يعينه على ذلك، فاستعصم واختار السجن على الفاحشة، وآثر عذاب الدنيا على سخط الله، فكان مظلومًا من جهة من أحبه لهواه، وغرضِه الفاسد... ثم تكلم على محنته مع إخوته، وكيف أنه تعرض لنوعين من الأذى فقابلهما بالتقوى والصبر:
أما الأذى الأول:
فهو ظلم إخوته له، الذين أخرجوه من انطلاق الحرية إلى رق العبودية الباطلة بغير اختياره.
وأما الأذى الثاني:
فهو ما تعرض له من ظلم امرأة العزيز، التي ألجأته إلى أن اختار أن يكون محبوسًا مسجونًا باختياره.

ثم فرق الشيخ:
بين صبره على أذى إخوته، وصبره على أذى امرأة العزيز، وقرر أن صبره على الأذى الذي لحقه من امرأة العزيز أعظم من صبره على أذى إخوته؛ لأن صبره على أذى إخوته كان من باب الصبر على المصائب التي لا يكاد يسلم منها أحد، وأما صبره على أذى امرأة العزيز فكان اختياريًا؛ واقترن به التقوى، ولهذا قال يوسف: { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }.

ثم قال شيخ الإسلام ـ مبينًا اطراد هذه القاعدة القرآنية ـ: { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } :
"وهكذا إذا أوذي المؤمن على إيمانه، وطلب منه الكفر أو الفسوق أو العصيان ـوإن لم يفعل أوذي وعوقب ـ اختار الأذى والعقوبة على فراق دينه: إما الحبس وإما الخروج من بلده، كما جرى للمهاجرين حين اختاروا فراق الأوطان على فراق الدين، وكانوا يعذبون ويؤذون.

وقد أوذي النبي صلى الله عليه وسلم بأنواع من الأذى فكان يصبر عليها صبرًا اختياريًا، فإنه إنما يُؤذى لئلا يفعل ما يفعله باختياره، وكان هذا أعظم من صبر يوسف؛ لأن يوسف إنما طلب منه الفاحشة، وإنما عوقب ـإذا لم يفعل ـ بالحبس، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طلب منهم الكفر، وإذا لم يفعلوا طلبت عقوبتهم بالقتل فما دونه، وأهون ما عوقب به الحبس... إلى أن قال:
فكان ما حصل للمؤمنين من الأذى والمصائب هو باختيارهم طاعة لله ورسوله لم يكن من المصائب السماوية التي تجري بدون اختيار العبد من جنس حبس يوسف لا من جنس التفريق بينه وبين أبيه وهذا أشرف النوعين وأهلها اعظم بدرجة وإن كان صاحب المصائب يثاب على صبره ورضاه وتكفر عنه الذنوب بمصائبه" (مجموع الفتاوى [10/121- 123] بتصرف واختصار).

2ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية: { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }:
تربيةُ النفس على التقوى والصبر على ما يسمى بعشق الصور، الذي أفسد قلوب فئام من الناس، بسبب تعلق قلوبهم بتلك الصور، سواء كانت صورًا حية، أم ثابتة.
ولقد عظمت الفتنة بهذه الصور في عصرنا هذا، الذي لم تعرف الدنيا عصرًا أعظم منه في انتشار الصورة، والاحتراف في تصويرها، والتفنن في تغيير ملامحها، وتَيّسر الوصول إلى الصور المحرمة منها وغير المحرمة، عن طريق الإنترنت، والجوال، وغيرها من الوسائل.

فعلى المؤمن الناصح لنفسه أن يتقي ربه، وأن يجاهد نفسه في البعد عن هذا المرتع الوخيم ـأعني تقليب النظر في الصور المحرمةـ وأن يوقن أن ما يقذفه الله في قلبه من الإيمان والنور والراحة والطمأنينة سيكون أضعاف ما يجده من لذة عابرة بتلك الصور، ومن أراد أن يعرف مفاسد هذا الباب ـأعني عشق الصورـ فليقرأ أواخر كتاب العلامة ابن القيم: (الجواب الكافي) فقد أجاد وأفاد.

وليتذكر المبتلى بالعشق "أنه إذا عف عن المحرمات نظرًا وقولًا وعملًا، وكتم ذلك، فلم يتكلم به حتى لا يكون في ذلك كلامٌ محرم: إما شكوى إلى المخلوق، وإما إظهار فاحشة، وإما نوعُ طلبٍ للمعشوق، وصَبَرَ على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى ما في قلبه من ألم العشق، كما يصبر المصاب عن ألم المصيبة، فإن هذا يكون ممن اتقى الله وصبر، و { مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }" (مجموع الفتاوى [10/ 133] بتصرف واختصار).

3 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية العظيمة: { إِنّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } أن الإنسان قد يبتلى بحُساد يحسدونه على ما آتاه الله من فضله، وقد يجد من آثار هذا الحسد ألوانًا من الأذى القولي أو الفعلي، كما وقع لأحد ابني آدم حين حسد أخاه؛ لأن الله تقبل قربانه ولم يتقبل قربان أخيه، وكما وقع ليوسف مع إخوته، وقد يقع هذا منالمرأة مع ضرتها، أو من الزميل مع زميله في العمل.

وهذا النوع من الحسد، يقع غالبًا بين المتشاركين في رئاسة أو مال أو عمل إذا أخذ بعضهم قسطًا من ذلك وفات الآخر؛ ويكون بين النظراء؛ لكراهة أحدهما أن يفضل الآخر عليه (ينظر: مجموع الفتاوى [10/ 125-126].).

فعلى من ابتلي بذلك أن يتذكر هذه القاعدة القرآنية: { إِنّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }، وليتذكر ـ أيضًا ـ قوله تعالى: { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } [آل عمران:120].

4 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية العظيمة:
ما تكرر الحديث عنه في سورة آل عمران في ثلاثة مواضع، كلها جاءت بلفظ: { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا }.الأول والثاني منهما في ثنايا الحديث عن غزوة أحد، ففي الموضع الأول يقول سبحانه وتعالى:
{ ... وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)} [آل عمران]،
وفي الموضع الثاني يقول سبحانه وتعالى:
{ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِين (125)} [آل عمران].
والموضع الثالث: في أواخر سورة آل عمران ـ في سياق الحديث عن شيء من المنهج القرآني في التعامل مع أذى الأعداء من المشركين وأهل الكتاب ـ فقال سبحانه وتعالى:
{ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)} [آل عمران].

وهذه مواضع جديرة بالتأمل والتدبر، وأحرف هذه الحلقات لا تساعد على التوسع فيها، فأوصي بالرجوع إليها وتدبرها، وتأملها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يتبع
 

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الثالثة والعشرون : { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا ظل من ظلال حلقات هذا الكتاب نتفيأه عند قاعدة من القواعد القرآنية التي حفل بها كتاب ربنا عز وجل، تلكم القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } [البقرة:189].

وهذه القاعدة القرآنية جاءت ضمن سياق الحديث عن عادة من عادات أهل الجاهلية، الذين إذا أحرموا، لم يدخلوا البيوت من أبوابها، تعبدًا بذلك، وظنًا أنه بر، فأخبر الله أنه ليس ببر؛ لأن الله تعالى، لم يشرعه لهم، كما ثبت سبب هذا النزول في الصحيحين من حديث البراء رضي الله عنه.

قال تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)} [البقرة].

ولئن كان سبب النزول الذي عالج ذلك الخطأ من أجلى وأظهر الصور التي عالجتها هذه القاعدة، فإن ثمة تطبيقات أخرى واسعة لهذه القاعدة القرآنية الجليلة { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }، تظهر لمن تتبع كلام العلماء عنها، أو في تطبيقاتهم العملية لها، ومن ذلك:

1ـ عبادة الله تعالى، فإنها الطريق الموصل إلى الله عز وجل، ومن أراد أن يصل إلى الله، فعليه أن يسلك الطريق الموصل إليه سبحانه وتعالى، ولا يكون ذلك إلا بواسطة الطريق الذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله:
"فالوصول إلى الله وإلى رضوانه بدونه محال، وطلب الهدى من غيره هو عين الضلال، وكيف يوصل إلى الله من غير الطريق التي جعلها هو سبحانه موصلة إليه؟ ودالة لمن سلك فيها عليه؟ بعث رسوله بها مناديًا، وأقامه على أعلامها داعيًا، وإليها هاديًا، فالباب عن السالك في غيرها مسدود، وهو عن طريق هداه وسعادته مصدود، بل كلما ازداد كدحًا واجتهادًا: ازداد من الله طردًا وإبعادًا" (مقدمة كتابه (تهذيب السنن [1/3]).
ويؤكد ذلك العلامة السعدي رحمه الله، في تعليقه على هذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها: { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } فيقول: "وكل من تعبد بعبادة لم يشرعها الله ولا رسوله، فهو متعبد ببدعة، وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها لما فيه من السهولة عليهم، التي هي قاعدة من قواعد الشرع" (تفسير السعدي: [88]، وقد نبه على اطراد هذه القاعدة: شيخنا محمد العثيمين رحمه الله في شرحه على البخاري.).

2 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } أنه:
"يؤخذ من عمومها اللفظي والمعنوي أن كل مطلوب من المطالب المهمة ينبغي أن يؤتى من بابه، وهو أقرب طريق ووسيلة يتوصل بها إليه، وذلك يقتضي معرفة الأسباب والوسائل معرفة تامة؛ ليسلك الأحسن منها والأقرب والأسهل، والأقرب نجاحًا، لا فرق بين الأمور العلمية والعملية، ولا بين الأمور الدينية والدنيوية، ولا بين الأمور المتعدية والقاصرة، وهذا من الحكمة" (تيسير اللطيف المنان [45].).

3 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } إغلاقها لباب الحيل على الأحكام الشرعية، إلا فيما أذن فيه الشرع؛ ذلك أن المتحايل على الشريعة لم يأت الأمر من بابه، فخالف بذلك ما دلت عليه هذه القاعدة المحكمة.

يقول ابن القيم رحمه الله مبينًا شناعة فعل هؤلاء المتحايلين، الذين تفننوا في هذا الباب:
"فاستبيحت بحيلهم الفروج، وأخذت بها الأموال من أربابها فأعطيت لغير أهلها، وعطلت بها الواجبات، وضيعت بها الحقوق، وعجّت الفروج والأموال والحقوق إلى ربها عجيجًا، وضجت مما حل بها إليه ضجيجًا، ولا يختلف المسلمون أن تعليم هذه الحيل حرام، والإفتاء بها حرام، والشهادة على مضمونها حرام، والحكم بها مع العلم بحالها حرام" (إعلام الموقعين عن رب العالمين [373/3])انتهى.
فإذا تبين ذلك، فقارن ـأيها المستمع الكريم ـ كم هم الذين وقعوا في هذا المرتع الوخيم؟! ممن نصبوا أنفسهم للإفتاء في بعض المنابر الإعلامية، أو في بعض المواقع، وساعدهم على ذلك تراكض كثير من الناس في هذا الباب، وأدنى نظرة في الواقع، تبين أن الأمر جلل، والله المستعان.

4 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية: { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }:
في باب طلب العلم شرعيًا كان أم غير شرعي، وكذلك في طلب الرزق، فإن "كل من سلك طريقًا وعمل عملًا، وأتاه من أبوابه وطرقه الموصلة إليه، فلا بد أن يفلح وينجح ويصل به إلى غايته، كما قال تعالى: { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }، وكلما عظم المطلوب تأكد هذا الأمر، وتعين البحث التام عن أمثل وأقوم الطرق الموصلة إليه" (القواعد الحسان: [3]).
وما أجمل ما قاله قيس بن الخطيم:
إذا ما أتيت العزّ من غير بابه * ضللتَ، وإن تقصد من الباب تهتد​
(جمهرة الأمثال للعسكري [89]).

5 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية: { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }:
هو الحديث مع الناس، فإن الآية ترشد إلى أن المؤمن عليه أن يسلك الطريقة المناسبة في الحديث، فيعرف الموضوع المناسب الذي يحسن طرقُه، والوقت الملائم، ويعرف طبيعة الشخص أو الناس الذين يتحدث إليهم، فإن لكل مقام مقالًا، ولكل مجال جدالًا، ولكل حادثة مقامًا.
وعلى هذا فإذا أراد الإنسان أن يخاطب شخصًا كبير المنزلة في العلم أو الشرف، فلا يليق أن يخاطبه بما يخاطب سائر الناس؛ والحكمة في هذا هي المدار، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا.

6 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية: { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا }:
ما أشار إليه ابن الجوزي في كتابه الماتع (صيد الخاطر) حيث يقول رحمه الله:
"شكا لي رجل من بغضه لزوجته ثم قال: ما أقدر على فراقها لأمور: منها كثرة دينها علي، وصبري قليل، ولا أكاد أسلم من فلتات لساني في الشكوى، وفي كلمات تعلم بغضي لها.
فقلت له: هذا لا ينفع وإنما تؤتى البيوت من أبوابها، فينبغي أن تخلو بنفسك، فتعلم أنها إنما سلطت عليك بذنوبك، فتبالغ في الاعتذار والتوبة، فأما الضجر والأذى لها فما ينفع، كما قال الحسن البصري عن الحجاج بن يوسف: عقوبة من الله لكم، فلا تقابلوا عقوبته بالسيف، وقابلوها بالاستغفار.
واعلم أنك في مقام مبتلى، ولك أجر بالصبر وعسى أن تكرهوا شيئًا، وهو خير لكم، فعامل الله سبحانه بالصبر على ما قضى، واسأله الفرج، فإذا جمعت بين الاستغفار وبين التوبة من الذنوب، والصبر على القضاء، وسؤال الفرج، حصلت ثلاثة فنون من العبادة تثاب على كل منها، ولا تُضَيّع الزمان بشيء لا ينفع، ولا تحتل ظانًا منك أنك تدفع ما قدر... وأما أذاك للمرأة فلا وجه له، لأنها مسلطة فليكن شغلك بغير هذا.
وقد روي عن بعض السلف أن رجلًا شتمه فوضع خده على الأرض وقال: اللهم اغفر لي الذنب الذي سَلّطَتَ هذا به علي" (صيد الخاطر: [303].) انتهى كلام ابن الجوزي رحمه الله.

والغرض الذي أردتُ منه ذكر هذه القصة: أن هذا الإمام الواعظ استخدم هذه القاعدة القرآنية { وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } في علاج مشكلة هذا الرجل الاجتماعية، وما أكثر هذا النوع من المشاكل، لكن ما أقل من يستعمل قواعد القرآن، وهداياته في علاج مشاكل الناس الاجتماعية، إما تقصيرًا في فهم هداياته، أو قصورًا في ذلك، والواجب علينا أن ننطلق في إصلاح مشاكلنا كلها مهما تنوعت من كتاب ربنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن نعتقد ذلك يقينًا؛ لأن الله تعالى يقول: { إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْ‌آنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء:9] في كل شيء: في أمر العقائد، وأحكام الحلال والحرام، والقضايا الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، ولكن الشأن فينا نحن، وفي تقصيرنا في تطلب حل مشاكلنا من كتاب ربنا تعالى.

نسأل الله تعالى أن يعيننا على فهم كتابه، والاهتداء بهديه، والاستنارة بنوره، وإلى لقاء جديد بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يتبع

 


كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة


الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الرابعة والعشرون : { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }​



الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا ظل من ظلال حلقات هذا السلسلة المباركة؛ لنتوقف قليلًا عند قاعدة من القواعد القرآنية التي حفل بها كتاب ربنا عز وجل، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [العنكبوت:69].

وهذه الآية الكريمة جاءت في ختام سورة العنكبوت، والتي افتتحت بقوله تعالى:
{ الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)} [العنكبوت].
وكأن ختام سورة العنكبوت بهذه القاعدة القرآنية:
{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)}
هو جواب عن التساؤل الذي قد يطرحه المؤمن ـ وهو يقرأ صدر سورة العنكبوت التي ذكرنا مطلعها آنفًا ـ تلك الكلمات العظيمة ـ التي تقرر حقيقة شرعية وسنة إلهية ـ في طريق الدعوة إلى الله تعالى، وذلك السؤال هو: ما المخرج من تلك الفتن التي حدثتنا عنها أول سورة العنكبوت؟! فيأتي الجواب في آخر السورة، في هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } فلا بد من الجهاد ـ بمعناه العام ـ ولا بد من الإخلاص، عندها تأتي الهداية، ويتحقق التوفيق بإذن الله.

ولا بد لكل من أراد أن يسلك طريقًا أن يتصور صعوباته؛ ليكون على بينة من أمره، وهكذا هو طريق الدعوة إلى الله، فلم ولن يكون مفروشًا بالورود والرياحين، بل هو طريق "تعب فيه آدم, وناح لأجله نوح, ورمى في النار الخليل, وأضجع للذبح إسماعيل, وبيع يوسف بثمن بخس, ولبث في السجن بضع سنين" (الفوائد: (42)). أتدري لماذا أيها القارئ الكريم؟
لأن "الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا. وهم لا يتركون لهذه الدعوى، حتى يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم، كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به وهذا هو أصل الكلمة اللغوي وله دلالته وظله وإيحاؤه وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب" (في ظلال القرآن).

"فيا من نصبت نفسك للدعوة، وأقمت نفسك مقام الرسل الدعاة الهداة تحمَّل كلَّ ما يلاقيك من المحن بقلب ثابت، وجأش رابط، ولا تزعزعنَّك الكروب؛ فإنها مربِّية الرجال، ومهذِّبة الأخلاق، ومكوِّنة النفوس.
وإن رجلًا لم تعركه الحوادث، ولم تجرِّبه البلايا لا يكون رجل إصلاح ولا داعي خَلْقٍ إلى حقٍّ؛ فوطِّن النفس على تحمُّل المكروه، وابذل كل ما تستطيع من قوة ومال يهدك الله طريقًا رشدًا، ويصلح بك جماعات بل أممًا { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }" (الكلمة للمنفلوطي، نقلًا عن مقالات لكبار كتاب العربية للدكتور محمد الحمد ـ وفقه الله ـ (1 / 213)).

أيها القراء الكرام:
وإذا تبينت صلة هذه القاعدة القرآنية المذكورة في آخر سورة العنكبوت: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } بأول السورة، فإن دلالات هذه القاعدة في ميدان الدعوة كبيرة ومتسعة جدًا، وهي تدل بوضوح على أن من رام الهداية والتوفيق وهو يسير في طريق الدعوة فليحقق ذينك الأصلين الكبيرين اللذين دلّت عليهما هذه القاعدة:

1 ـ أما الأصل الأول:
فهو بذل الجهد والمجاهدة في الوصول إلى الغرض الذي ينشده الإنسان في طريقه إلى الله تعالى.

2 ـ والأصل الثاني هو:
الإخلاص لله، لقوله-: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا } فليس جهادهم من أجل نصرة ذات، ولا جماعة على حساب أخرى، وليس من أجل لعاعة من الدنيا، أو ركض وراء كرسي أو منصب، بل هو جهادٌ في ذات الله تعالى.

وإنما نُبّه على هذا الأصل ـوهو الإخلاص- مع كونه شرطًا في كل عمل، فإن السر -والله أعلم- لأن من الدعاة من قد يدفعه القيام بالدعوة، أو بأي عمل نافع، الرغبة في الشهرة التي نالها الداعية الفلاني، أو يدفعه نيل ثراء ناله المتحدث الفلاني.. فجاء التنبيه على هذا الأصل الأصيل في كل عمل صالح.

وثمة سرٌّ آخر -والله أعلم- في التنبيه على هذا الأصل، وهو: أن الإنسان قد يبدأ مخلصًا، ثم لا يلبث أن تنطفئ حرارة الإخلاص في نفسه كلما لاح أمام ناظريه شيء من حظوظ النفس، والأثرة، أو التطلع إلى جاه، والرغبة في العلو والافتخار، أو الانتصار.

"والعلل الناشئة عن فقدان الإخلاص كثيرة، وهي إذا استفحلت استأصلت الإيمان، وإذا قلّت تركت به ثُلمًا شتى، ينفذ منها الشيطان" (خلق المسلم للغزالي: (66))، لذا ليس غريبًا أن يأتي التوكيد على هذا الأصل الأصيل في هذا المقام العظيم: مقام الجهاد والمجاهدة.

وإذا تقرر أن السورة مكية ـ على القول الصحيح من أقوال المفسرين ـ وهو الذي لم تجب فيه بعدُ شعيرة الجهاد بمعناه الخاص ـ وهو قتال المشركين لإعلاء كلمة الله فإن ثمة معنى كبيرًا تشير إليه هذه القاعدة: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }، وهو أن من أبلغ صور الجهاد: الصبر على الفتن بنوعيها: فتن السراء وفتن الضراء، والتي أشارت أوائل سورة العنكبوت إلى شيءٍ منها.

أيها المتأمل الكريم:
وهذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } دلت على شيءٍ آخر، كما يقول ابن القيم: "وهو أن أكمل الناس هدايةً أعظمهم جهادًا، وأفرض الجهاد جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطل من الجهاد... إلى أن قال:: ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر إلا من جاهد هذه الأعداء باطنًا، فمن نُصِرَ عليها نُصِرَ على عدوه، ومن نصرتْ عليه نُصِرَ عليه عدوُه" (الفوائد: (59)).

وفي كلمات الأعلام من سلف هذه الأمة، والتابعين لهم بإحسان ما يوسع دلالة هذه القاعدة:
فهذا الجنيد: يقول ـ في تعليقه على هذه القاعدة القرآنية: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }ـ:
والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة؛ لنهدينهم سبل الإخلاص.
ولأهل العلم نصيب من هذه القاعدة، يقول أحمد بن أبي الحواري: حدثني عباس بن أحمد ـ في قوله تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } قال: الذين يعملون بما يعلمون، نهديهم إلى ما لا يعلمون.
وهذا الذي ذكره هذا العالم الجليل هو معنى ما روي في الأثر: من علم بما عمل، ورّثه الله علم ما لم يعمل، وشاهد هذا في كتاب الله: { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17)} [محمد].
وكان عمر بن عبدالعزيز: يقول: "جهلنا بما علمنا تركنا العمل بما علمنا ولو عملنا بما علمنا لفتح الله على قلوبنا وغلق ما لا تهتدي إليه آمالنا (درء التعارض 4/358).

وفي واقع المسلمين أحوال تحتاج إلى استشعار معنى هذه القاعدة القرآنية: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }:
فمن له والدان كبيران مريضان، بحاجة أن يستشعر هذه القاعدة..
ومن سلك طريق طلب العلم، فطال عليه بعض الشيء بحاجة أن يتأمل معاني هذه القاعدة..
ومن فرّغ جزءً من وقته لتربية النشء، والشباب، أو لتعليم أبناء وبنات المسلمين كتابَ الله عز وجل -وقد دبّ عليه الفتور- هو بحاجة ماسّة ليتدبر هذه القاعدة..

وبالجملة، فكلُّ من نصب نفسه لعمل صالح، سواء كان قاصرًا أم متعديًا، فعليه أن يتدبر هذه القاعدة كثيرًا، فإنها بلسمٍ شافٍ في طريق السائرين إلى ربهم، ويوشك المؤمن أن ينسى كلَّ ما واجهه من تعب ونصب، إذا وضع قدمه على أول عتبة من عتابات الجنة، جعلني الله وإياكم -ووالدينا وذرياتنا- من أهلها، ومن الدعاة إلى دخولها.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الخامسة والعشرون : { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا }


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا مرتع خصب، وروضة غناء، نتفيأ في ظلالها معنىً من معاني كلام الله عز وجل، ومع قاعدة من القواعد التي تتصل بفقه السنن الإلهية في الأمم والمجتمعات، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
{ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا } [الإسراء:59].

وقد تنوعت عبارات المفسرين في بيان المراد بهذه الآيات التي يرسلها ربنا تعالى، فمن قائل: هو الموت المتفشي الذي يكون بسب وباء أو مرض، ومن قائل: هي معجزات الرسل جعلها الله تعالى تخويفا للمكذبين، وثالث يقول: آيات الانتقام تخويفًا من المعاصي.

وهذا الإمام ابن خزيمة: يبوب على أحاديث الكسوف بقوله: باب ذكر الخبر الدال على أن كسوفهما تخويف من الله لعباده، قال الله عز وجل: { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا } (صحيح ابن خزيمة:2/309).

وكل هذه العبارات ـ في تنوعها ـ تشير إلى أن الآيات لا يمكن حصرها في شيء واحد، وما ذكره السلف رحمهم الله إنما هو عبارة عن أمثلة لهذه الآيات، وليس مرادهم بذلك حصر الآيات في نوع واحد منها، وهذه هي عادة السلف في أمثال هذه المواضع عندما يفسرونها.

والمهم هنا ـ أيها الفضلاء ـ أن يتأمل المؤمن والمؤمنة كثيرًا في الحكمة من إرسال هذه الآيات ألا وهي التخويف، أي: حتى يكون الإنسان خائفًا وجلًا من عقوبة قد تنزل به.

يقول قتادة: في بيان معنى هذه القاعدة القرآنية: { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا } "إن الله يخوف الناس بما شاء من آية لعلهم يعتبرون، أو يذكرون، أو يرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود، فقال: يأيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه" (تفسير الطبري.).

وروى ابن أبي شيبة: في مصنفه من طريق صفية بنت أبي عبيد قالت: زلزلت الأرض على عهد عمر حتى اصطفقت السرر، فوافق ذلك عبد الله بن عمر وهو يصلي، فلم يدر، قال: فخطب عمر الناس وقال: لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم.

وهذا التوارد في كلمات السلف في بيان معنى هذه الآية يؤكد أن السبب الأكبر في إرسال الآيات: هو تخويف العباد، وترهيبهم مما يقع منهم من ذنوب ومعاصٍ، لعلهم يرجعون إلى ربهم الذي أرسل لهم هذه الآيات والنذر، وإن لم يرجعو فإن هذه علامة قسوة في القلب -عياذًا بالله تعالى- كما قال تعالى:
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)} [الأنعام].

وكما قال ربنا عز وجل: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)} [المؤمنون]. فإن قلتَ: ما الجواب عما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال - لما سمع بخسف -: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا! (شرح مشكل الآثار (9/6)).
فالجواب أن مراد ابن مسعود رضي الله عنه كما بينه الإمام الطحاوي: "أنا كنا نعدها بركة؛ لأنا نخاف بها فنزداد إيمانًا وعملًا، فيكون ذلك لنا بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا ولا تعملون معها عملًا، يكون لكم به بركة، ولم يكن ما قال عبد الله س عندنا مخالفًا لما جاء به كتاب الله عز وجل من قول الله عز وجل: { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا } أي: تخويفًا لكم بها لكي تزدادوا عملا،وإيمانا فيعود ذلك لكم بركة" (شرح مشكل الآثار (9/6)).

أيها القارئ الفطن:
ومع وضوح هذا المعنى الذي دلت عليه هذه القاعدة القرآنية: { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا }، ومع ظهوره، إلا أن من المؤسف جدًا أن يقرأ الإنسان أو يسمع بعض كتاب الصحف، أو المتحدثين على بعض المنابر الإعلامية من يسخرون أو يهوّنون من هذه المعاني الشرعية الظاهرة، ويريدون أن يختصروا الأسباب في وقوع الزلازل أو الفيضانات، أو الأعاصير ونحوها من الآيات العظام في أسباب مادة محضة، وهذا غلط عظيم!

ونحن لا ننكر أن لزلزلة الأرض أسبابًا جيولوجية معروفة، وللفضيانات أسبابها، وللأعاصير أسبابها المادية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: من الذي أمر الأرض أن تتحرك وتضطرب؟ ومن الذي أذن للماء أن يزيد عن قدره المعتاد في بعض المناطق؟ ومن الذي أمر الرياح أن تتحرك بتلك السرعة العظيمة؟ أليس الله؟ أليس الذي أرسلها يريد من عباده أن يتضرعوا له، ويستكينوا له لعله يصرف عنهم هذه الآيات؟!

ولا أدري! ألم يتأمل هؤلاء دلالة هذه القاعدة من الناحية اللغوية؟ فإنها جاءت بأسلوب الحصر: { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا }، فهي في قوة الحصر الذي دلّ عليه قوله تعالى: { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ } [آل عمران:62] ، وهي فقوة الحصر الذي دلّ عليه قوله تعالى: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)} [هود]، ونحوها من الآيات.

ثم ماذا يصنع هؤلاء الذين يهوّنون من شأن هذه الآيات - شعروا أم لم يشعروا قصدوا أم لم يقصدوا - بمثل تلك التفسيرات المادية الباردة، ماذا يصنعون بما رواه البخاري ومسلم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح، قال:
« اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشرما فيها وشر ما أرسلت به »
قالت: وإذا تخيلت السماء ـوهي سحابه فيها رعد وبرق يخيل إليه أنها ماطرةـ تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سري عنه، فعرفت ذلك في وجهه،
قالت عائشة: فسألته؟
فقال: « لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: { فَلَمَّا رَ‌أَوْهُ عَارِ‌ضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَـٰذَا عَارِ‌ضٌ مُّمْطِرُ‌نَا }» [الأحقاف من الآية:24]، ( أخرجه الشيخان.).

ولا أدري كيف يجيب هؤلاء -هداهم الله- عن قوله تعالى في حق قوم نوح:
{ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25)} [نوح]؟
يقول ابن كثير: في بيان معنى قوله عز وجل: { مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ }: أي: من كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم: { أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا } أي: نقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار.

وأما ما يورده بعض الناس من قولهم:
هناك بلاد أشد معصية من تلك البلاد التي أصابها ذلك الزلزال، ويوجد دول أشد فجورًا من تلك التي ضربها ذاك الإعصار، فهذه الإيرادات لا ينبغي أن تورد أصلًا؛ لأنها كالاعتراض على حكمة الله تعالى في أفعاله وقضائه وقدره، فإن ربنا يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، والله يقضي بالحق، وربنا لا يُسأل عما يفعل، وله سبحانه وتعالى الحكمة البالغة، والعلم التام، ومن وراء الابتلاءات حكم وأسرار تعجز عقولنا عن الإحاطة بها، فضلًا عن إدراكها.

وبعد: فهل بعد هذا البيان والوضوح يستريب منصف في أهمية تدبر وتذكر هذه القاعدة القرآنية الكريمة: { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا }؟!
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الاعتبار والادكار، والاتعاظ بما نوعظ به، ونعوذ بالله من قسوة القلب التي تحول دون الفهم عن الله وعن رسوله، والحمد لله رب العالمين.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة السادسة والعشرون : { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا }

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية عظيمة الصلة بواقع الناس، وازدادت الحاجة إلى التنويه بها في هذا العصر الذي اتسعت فيه وسائل نقل الأخبار، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } [الحجرات:6].

وهذه القاعدة القرآنية الكريمة جاءت ضمن سياق الآداب العظيمة التي أدب الله بها عباده في سورة الحجرات، قال تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)} [الحجرات].

ولهذه الآية الكريمة سبب نزول توارد المفسرون على ذكره، وخلاصته أن الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه سيد بني المصطلق لما أسلم اتفق مع النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث له في وقت اتفقا عليه جابيًا يأخذ منه زكاة بني المصطلق، فخرج رسولُ رسولِ صلى الله عليه وسلم لكنه خاف فرجع في منتصف الطريق، فاستغرب الحارث بن ضرار تأخر رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وفي الوقت ذاته لما رجع الرسول إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا رسول الله! إن الحارث منعني الزكاة، وأراد قتلي"، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث إلى الحارث،
فالتقى البعث الذين بعثهم الرسول صلى الله عليه وسلم مع الحارث بن ضرار في الطريق، فقال لهم: إلى من بعثتم؟
قالوا: إليك!
قال: ولم؟
قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله! قال: لا والذي بعث محمدًا بالحق، ما رأيته بتة ولا أتاني..
فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال:
« منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟!»
قال: لا والذي بعثك بالحق، ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، خشيت أن تكون كانت سخطة من الله عز وجل ورسوله، قال فنزلت الحجرات:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }" انتهى الحديث مختصرًا، وقد رواه الإمام أحمد بسند لا بأس به، ويعضده الإجماع الذي حكاه ابن عبدالبر على أنها نزلت في هذه القصة.

وجاء في قراءة سبعيّة: { فَتَثبَتوا } وهذه القراءة تزيد الأمر وضوحًا، فهي تأمر عموم المؤمنين حين يسمعون خبرًا أن يتحققوا بأمرين:
الأول: التثبت من صحة الخبر.
الثاني: التبيّن من حقيقته.
فإن قلتَ: فهل بينهما فرقٌ؟
فالجواب: نعم، لأنه قد يثبت الخبر، ولكن لا يُدْرى ما وجهه!

ولعلنا نوضح ذلك بقصة وقعت فصولها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مسجده ليوصل زوجته صفية رضي الله عنها إلى بيتها، فرآه رجلان، فأسرعا المسير فقال:
« على رسلكما إنها صفية » (صحيح البخاري).

فلو نقل ناقل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمشي مع امرأة في سواد الليل لكان صادقًا، لكنه لم يتبين حقيقة الأمر، وهذا هو التبين.. وهذا مثال قد يواجهنا يوميًا: فقد يرى أحدنا شخصًا دخل بيته والناس متجهون إلى المساجد لأداء صلاتهم، فلو قيل: إن فلانًا دخل بيته والصلاة قد أقيمت، لكان ذلك القول صوابًا، لكن هل تبين سبب ذلك؟ وما يدريه؟! فقد يكون الرجل لتوه قدم من سفر، وقد جمَعَ جمْع تقديم فلم تجب عليه الصلاة أصلًا، أو لغير ذلك من الأعذار.

وهذا مثال آخر قد يواجهنا في شهر رمضان مثلًا:
قد يرى أحدنا شخصًا يشرب في نهار رمضان ماءً أو عصيرًا، أو يأكل طعامًا في النهار، فلو نقل ناقل أنه رأى فلانًا من الناس يأكل أو يشرب لكان صادقًا، ولكن هل تبين حقيقة الأمر؟ قد يكون الرجل مسافرًا وأفطر أول النهار فاستمر في فطره على قول طائفة من أهل العلم في إباحة ذلك، وقد يكون مريضًا، وقد يكون ناسيًا... الخ تلك الأعذار.

أيها القراء الكرام:
وفي هذه القاعدة القرآنية دلالات أخرى، منها:
1 ـ أن خبر العدل مقبول غير مردود، اللهم إلا إن لاحت قرائن تدل على وهمه وعدم ضبطه فإنه يرد.

2 ـ "أنه سبحانه لم يأمر بردِّ خبر الفاسق وتكذيبه ورد شهادته جملةً، وإنما أمر بالتبين، فإن قامت قرائن وأدلة من خارج تدل على صدقه عمل بدليل الصدق، ولو أخبر به من أخبر"(مدارج السالكين (1 / 360)).

3 ـ ومنها: أنها تضمنت ذم التسرع في إذاعة الأخبار التي يخشى من إذاعتها، ولقد عاب ربنا تبارك وتعالى هذا الصنف من الناس، كما في قوله عز وجل:
{ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [النساء:83]، وقال تعالى:
{ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ } [يونس:39] (ينظر: القواعد الحسان في تفسير القرآن (98)).

4 ـ أن في تعليل هذا الأدب بقوله: { أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } ما يوحي بخطورة التعجل في تلقي الأخبار عن كل أحدٍ، خصوصًا إذا ترتب على تصديق الخبر طعنٌ في أحد، أو بهتٌ له.

إذا تبين هذا المعنى، فإن من المؤسف أن يجد المسلم خرقًا واضحًا من قبل كثير من المسلمين لهذه القاعدة القرآنية المحكمة:
{ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا }، وازداد الأمر واتسع مع وسائل الاتصال المعاصرة كأجهزة الجوال والإنترنت وغيرها من الوسائل!

وأعظم من يكذب عليه من الناس في هذه الوسائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فكم نسبت إليه أحاديث، وقصص لا تصح عنه، بل بعضها كذب عليه، لا يصح أن ينسب لآحاد الناس فضلًا عن شخصه الشريف صلى الله عليه وسلم.

ويلي هذا الأمر في الخطورة التسرع في النقل عن العلماء، خصوصًا العلماء الذين ينتظر الناس كلمتهم، ويتتبعون أقوالهم، وكلُّ هذا محرم لا يجوز، وإذا كنا أمرنا في هذه القاعدة القرآنية: { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } أن نتحرى ونتثبت من الأخبار عمومًا، فإنها في حق النبي صلى الله عليه وسلم وحق ورثته أشد وأشد.
ومثل ذلك يقال: في النقل عما يصدر عن ولاة أمور المسلمين، وعن خواص المسلمين ممن يكون لنقل الكلام عنهم له أثره، فالواجب التثبت والتبين، قبل أن يندم الإنسان ولات ساعة مندم.

ولا يقتصر تطبيق هذه القاعدة القرآنية: { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } على ما سبق ذكره، بل هي قاعدة يحتاجها الزوجان، والآباء مع أبنائهم، والأبناء مع آبائهم.
ولله كم من بيت تقوضت أركانه بسبب الإخلال بهذه القاعدة القرآنية!

هذه رسالة قد تصل إلى جوال أحد الزوجين، فإن كانت من نصيب جوال الزوجة، واطلع الزوج عليها، سارع إلى الطلاق قبل أن يتثبت من حقيقة هذه الرسالة التي قد تكون رسالة طائشة جادة أو هازلة جاءت من مغرض أو على سبيل الخطأ!
وقل مثل ذلك: في حق رسالة طائشة جادة أو هازلة تصل إلى جوال الزوج، فتكتشفها الزوجة، فتتهم زوجها بخيانة أو غيرها، فتبادر إلى طلب الطلاق قبل أن تتثبت من حقيقة الحال!
ولو أن الزوجين أعملا هذه القاعدة القرآنية: { فَتَبَيَّنُوا } لما حصل هذا كلّه.

وإذا انتقلتَ إلى ميدان الصحافة أو غيرها من المنابر الإعلامية، وجدت عجبًا من خرق سياج هذا الأدب.. فكم من تحقيقات صحفية بنيت على خبر إما أصله كذب، أو ضُخّم وفُخّم حتى صُور للقراء على أن الأمر بتلك الضخامة والهول، وليس الأمر كما قيل!

والواجب على كل مؤمن معظم لكلام ربه أن يتقي ربه، وأن يتمثل هذا الأدب القرآني الذي أرشدت إليه هذه القاعدة القرآنية الكريمة: { فَتَبَيَّنُوا }.

جعلنا الله وإياكم من المتأدبين بأدب القرآن العاملين به، وإلى لقاء جديد بإذن الله، والحمد لله رب العالمين.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة السابعة والعشرون : { وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ }


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية عظيمة القدر؛ لعظيم أثرها في حياة العبد، وقوة صلتها بتلك المضغة التي بين النبيصلى الله عليه وسلم أن صلاحها صلاح لبقية الجسد، وفسادها فساد له، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } [فاطر:18].

التزكية في اللغة مصدر زكى الشيء يزكيه، وهي تطلق ويراد بها معنيان:
المعنى الأول: التطهير، ومنه قوله تعالى عن يحيى عليه السلام: { وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا (13)} [مريم]، فإن الله زكاه وطهر قلبه وفؤاده، وهذا تطهير معنوي، ويطلق على التطهير الحسي، يقال: زكيت الثوب إذا طهرته.

والمعنى الثاني: هو الزيادة، يقال زكى المال يزكوا إذا نمى.

وكلا المعنيين اللغويين مقصودان في الشرع، لأن تزكية النفس شاملة للأمرين: تطهيرها وتخليتها من الأدران والأوساخ الحسية والمعنوية، وتنميتها وتحليتها بالأوصاف الحميدة والفاضلة، فالزكاة باختصار تدور على أمرين: التخلية، والتحلية.

والمقصود بالتخلية: أي تطهير القلب من أدران الذنوب والمعاصي.

والمقصود بالتحلية: أي تحلية النفس بمكارم الأخلاق، وطيب الشمائل، وهما عمليتان تسيران جنبًا إلى جنب. فالمؤمن مطالب "بالتنقِّي من العيوب، كالرياء والكبر، والكذب والغش، والمكر والخداع والنفاق، ونحو ذلك من الأخلاق الرذيلة، ومطالب بالتحلَّى بالأخلاق الجميلة، من الصدق، والإخلاص، والتواضع، ولين الجانب، والنصح للعباد، وسلامة الصدر من الحقد والحسد وغيرهما من مساوئ الأخلاق، فإن تزكيته يعود نفعها إليه، ويصل مقصودها إليه، ليس يضيع من عمله شيء" [تفسير السعدي: [687]].

وعلى هذا المعنى جاءت الآيات القرآنية بالأمر بتزكية النفس وتهذيبها، كقوله تعالى:
{ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ (14) وَذَكَرَ‌ اسْمَ رَ‌بِّهِ فَصَلَّىٰ (15)} [الأعلى]، وقال سبحانه:
{ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)} [الشمس]. وكما في هذه القاعدة القرآنية التي نحن بصددها: { وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ }.

وهذه الآية جاءت في سورة فاطر ضمن السياق التالي، قال تعالى:
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18)} [فاطر].

قال العلامة ابن عاشور رحمه الله: "وجملة { وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } تذييلٌ جار مجرى المثل، وذكر التذييل عقب المذيل يؤذن بأن ما تضمنه المذيَّل داخل في التذييل بادىء ذي بدء مثل دخول سبب العام في عمومه من أول وهلة دون أن يُخص العام به، فالمعنى: أن الذين خَشُوا ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة هم ممّن تزكى فانتفعوا بتزكيتهم، فالمعنى: إنما ينتفع بالنذارة الذين يخشون ربهم بالغيب فأولئك تزكوا بها ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه.
والمقصود من القصر في قوله: { فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } أن قبولهم النذارة كان لفائدة أنفسهم، ففيه تعريض بأن الذين لم يعبأوا بنذارته تركوا تزكية أنفسهم بها فكان تركهم ضراً على أنفسهم [التحرير والتنوير [43/12]].

معشر القراء الكرام:
إن من تأمل نصوص القرآن وجد عناية عظيمة بمسألة تزكية النفوس:

فهذا خليل الرحمن حينما دعا بأن يبعث من ذريته رسولًا، ذكر من جملة التعليلات: تزكية الناس الذين سيدعوهم، فقال تعالى:
{ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)} [البقرة].

وربنا تعالى يذكر عباده بمنته عليهم، حين استجاب دعوة خليله إبراهيم، وأن من أعظم وظائفه هي تزكية نفوسهم، فقال تعالى:
{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)} [آل عمران]، وقال تعالى:
{ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين (2)} [الجمعة].

ولما دعا نبي الله موسى فرعون اختصر له دعوته في جملتين كما قال عز وجل:
{ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)} [النازعات].

ومن تأمل سورة الشمس، أدرك عظيم هذه الغاية، وخطورة هذه العبادة الجليلة، فإن الله تعالى أقسم أحد عشر قسمًا متتابعًا على أن فلاح النفس لا يكون إلا بتزكيتها! ولا يوجد في القرآن نظير لهذا أعني تتابع أحد عشر قسمًا على مُقْسَمٍ واحد وهو بلا ريب دليل واضح، وبرهان ساطع على خطورة هذا الموضوع.

أيها المتأمل!
إن منطوق هذه القاعدة القرآنية: { وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } يدل بوضوح أن أعظم أثر لهذه التزكية هو أثرها على نفسي المتزكي، ومفهومها يتضمن تهديدًا: أنك إن لم تتزكَ يا عبدالله، فإن أعظم متضرر بإهمال التزكية هو أنت.

ولئن كانت هذه القاعدة تعني كل مسلم يسمعها، فإن حظ الداعيةِ وطالبِ العلم منها أعظم وأوفر، لأن الأنظار إليه أسرع، والخطأ منه أوقع، والنقد عليه أشد، ودعوته يجب أن تكون بحاله قبل مقاله.

ولعظيم منزلة تزكية النفس في الدين، كان الأئمة والعلماء المصنفون في العقائد يؤكدون على هذا الأمر بعبارات مختلفة، منها ما ذكره شيخ الإسلام ابنُ تيميه رحمه الله جملةً من الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنّةِ ومن ذلك قولُه: "يأمرون بالصبر عند البلاء والشكرِ عند الرخاء،ويدعون إلى مكارمِ الأخلاق ومحاسن الأعمالِ، ويعتقدون معنى قولِه صلى الله عليه وسلم:
« أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهُم خلقاُ » ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها" انتهى.

وإنما نص أئمة الدين على ذلك؛ لأن هناك تلازمًا وثيقًا بين السلوك والاعتقاد: فالسلوك الظاهرُ مرتبطٌ بالاعتقادِ الباطن، فأيُّ انحرافٍِ في الأخلاقِ إنما هو من نقص الإيمان الباطن، قال ابنُ تيميه رحمه الله "إذا نقصت الأعمالُ الظاهرةُ الواجبةُ، كانَ ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان، فلاُ يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب، أن تُعدم الأعمالُ الظاهرةُ الواجبةُ" [ينظر: مجموع الفتاوى [7/582]، [616]، [621]].

ويقول الشاطبيُّ رحمه الله: "الأعمالُ الظاهرةُ في الشرع دليلٌ على ما في الباطن فإذا كان الظاهرُ منخرمًا أو مستقيمًا حكم على الباطن بذلك" [الموافقات [1/233]].

فالسلوكُ والاعتقادُ متلازمان، كذلك فإن من الأخلاقِ والسلوك ما هو من شُعَبِ الإيمان.
ولهذا لما ظن بعض الناس ومنهم بعض طلاب العلم أن أمر التزكية سهلٌ أو يسير أو من شأن الوعاظ فحسب يقال ذلك إما بلسان الحال أو بلسان المقال وُجِدَت صورٌ كثيرة من التناقضات والفصام النكد بين العلم والعمل!

إن سؤالًا يتبادر إلى الذهن ونحن نتحدث عن هذه القاعدة القرآنية: { وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } كيف نزكي نفوسنا؟
والجواب عن هذا يطول جدًا، لكنني أشير باختصار إلى أهم وسائل تزكية النفس، فمن ذلك:

1- توحيد الله تعالى، وقوة التعلق به.
2- ملازمة قراءة القرآن، وتدبره.
3- كثرة الذكر عمومًا.
4- المحافظة على الصلاة المفروضة، وقيام الليل ولو قليلًا.
5- لزوم محاسبة النفس بين الفينة والأخرى.
6- حضور الآخرة في قلب العبد.
7- تذكر الموت، وزيارة القبور.
8- قراءة سير الصالحين.

وفي مقابل هذا فإن العاقل من يتنبه لسد المنافذ التي قد تفسد عليه أثر تلك الوسائل؛ لأن القلب الذي يتلقى الوسائل والعوائق موضع واحد لا يمكن انفصاله.

إذن لا يكفي أن يأتي الإنسان بالوسائل بل لا بد من الانتباه إلى العوائق، مثل: النظر إلى المحرمات، أو سماع المحرمات، اطلاق اللسان فيما لا يعني فضلًا عما حرم الله تعالى.

اللهم إنا نسألك وندعوك بما دعاك به نبيك محمد صلى الله عليه وسلم:
« اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها » [صحيح مسلم [ح 2722]].

وإلى لقاء جديد بإذن الله، والحمد لله رب العالمين.

يتبع​
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الثامنة والعشرون : { وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ }


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية عظيمة الصلة بواقع الناس، وازدادت الحاجة إلى التنويه بها في هذا العصر الذي اتسعت فيه وسائل نقل الأخبار، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ } [الأعراف:85].

وهذه القاعدة القرآنية الكريمة تكررت ثلاث مرات في كتاب الله عز وجل، كلها في قصة شعيب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
ومن المعلوم للقراء الكرام أن من جملة الأمور التي وعظ بها شعيبٌ قومَه: مسألة التطفيف في الكيل والميزان، حيث كان هذا فاشيًا فيهم، ومنتشرًا بينهم.
وهذا مثال ـمن جملة أمثلة كثيرةـ تدل على شمول دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لجميع مناحي الحياة، وأنهم كما يدعون إلى أصل الأصول وهو التوحيد فهم يدعون إلى تصحيح جميع المخالفات الشرعية مهما ظنّ بعض الناس بساطتها، إذ لا يتحقق كمال العبودية لله تعالى إلا بأن تكون أمور الدين والدنيا خاضعةً لسلطان الشرع.

وأنت أيها المؤمن إذا تأملت هذه القاعدة القرآنية: { وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ } [الأعراف:85] وجدتها جاءت بعد عموم النهي عن نقص المكيال والميزان، فهو عموم بعد خصوص، ليشمل جميع ما يمكن بخسه من القليل والكثير، والجليل والحقير.

قال العلامة الطاهر ابن عاشور رحمه الله:
"وما جاء في هذا التّشريع هو أصل من أصول رواج المعاملة بين الأمّة؛ لأنّ المعاملات تعتمد الثّقة المتبادَلة بين الأمّة، وإنَّما تحصل بشيوع الأمانة فيها، فإذا حصل ذلك نشط النّاس للتّعامل فالمُنتج يزداد إنتاجًا وعَرْضًا في الأسواق، والطَّالبُ من تاجر أو مُستهلك يُقبِل على الأسواق آمِنًا لا يخشى غبنًا ولا خديعة ولا خِلابة، فتتوفّر السّلع في الأمّة، وتستغني عن اجتلاب أقواتها وحاجياتها وتحسينياتها، فيقوم نَماء المدينة والحضارة على أساس متين، ويَعيش النّاس في رخاء وتحابب وتآخ، وبضد ذلك يختلّ حال الأمّة بمقدار تفشي ضدّ ذلك" [التحرير والتنوير [451/5]] ا.هـ.

وقال بعض المفسرين ـ مبينًا سعة مدلول هذه القاعدة ـ:
"وهو عامّ في كل حق ثبت لأحد أن لا يهضم، وفي كل ملك أن لا يغصب عليه مالكه ولا يتحيف منه، ولا يتصرف فيه إلا بإذنه تصرفًا شرعيًا" [تفسير الكشاف [337/3]].

أيها القراء الأكارم:
إذا تبين سعة مدلول هذه القاعدة، وأن من أخص ما يدخل فيها بخس الحقوق المالية، فإنه دلالتها تتسع لتشمل كلّ حق حسي أو معنوي ثبت لأحدٍ من الناس.
أما الحقوق الحسية فكثيرة، منها -ما سبقت الإشارة إليه- كالحق الثابت للإنسان كالبيت والأرض والكتاب والشهادة الدراسية، ونحو ذلك.
وأما الحقوق المعنوية، فأكثر من أن تحصر، ولو أردنا أن نستعرض ما يمكن أن تشمله هذه القاعدة لطال المقام، ولكن يمكن القول: إن هذه القاعدة القرآنية: { وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ } كما هي قاعدة في أبواب المعاملات، فهي بعمومها قاعدة من قواعد الإنصاف مع الغير.

والقرآن مليء بتقرير هذا المعنى -أعني الإنصاف- وعدم بخس الناس حقوقهم، تأمل مثلًا قول الله تعالى:
{ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [المائدة:8] فتصور! ربك يأمرك أن تنصف عدوك، وألا يحملك بغضه على غمط حقه، أفتظن أن دينًا يأمرك بالإنصاف مع عدوك، لا يأمرك بالإنصاف مع أخيك المسلم؟! اللهم لا!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله معلقًا على هذه الآية:
"فنهى أن يحمل المؤمنين بغضهم للكفّار على ألّا يعدلوا، فكيف إذا كان البغض لفاسق أو مبتدع أو متأوّل من أهلالإيمان؟ فهو أولى أن يجب عليه ألّا يحمله ذلك على ألّا يعدل على مؤمن وإن كان ظالما له" [الفتاوى].

وفي واقع المسلمين ما يندى له الجبين من بخس للحقوق، وإجحاف وقلة الإنصاف، حتى أدى ذلك إلى قطيعة وتدابر، وصدق المتنبي يوم قال:
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة * بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم​

وهذا إمام دار الهجرة مالك بن أنس: يعلن شكواه قديمًا من هذه الآفة، فيقول: "ليس في الناس شيء أقل من الإنصاف".
علّق ابن رشد على هذه الكلمة فقال: قال مالك هذا لما اختبره من أخلاق الناس. وفائدة الأخبار به التنبيه على الذم له لينتهي الناس عنه فيعرف لكل ذي حق حقه [البيان والتحصيل [18/306]].

ولنعد إلى واقعنا أيها القراء الأكارم:
يختلف أحدنا مع شخص آخر من أصدقائه، أو مع أحد من أهل الفضل والخير، فإذا غضب عليه أطاح به، ونسي جميع حسناته، وجميع فضائله، وإذا تكلم عنه تكلم عليه بما لا يتكلم به أشد الناس عداوة والعياذ بالله!
وقُلْ مثل ذلك في تعاملنا مع زلة العالم، أو خطأ الداعية، الذين عرف عنهم جميعًا تلمس الخير، والرغبة في الوصول إلى الحق، ولكن لم يوفق في هذه المرة أو تلك، فتجد بعض الناس ينسى أو ينسف تاريخه وبلاءه وجهاده ونفعه للإسلام وأهله، بسبب خطأ لم يحتمله ذلك المتكلم أو الناقد، مع أنه قد يكون معذورًا!
ولنفترض أنه غير معذور، فما هكذا تورد الإبل، وما هكذا يربينا القرآن! بل إن هذه القاعدة القرآنية التي نحن بصدد الحديث عنها: { وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ } تؤكد ضرورة الإنصاف، وعدم بخس الناس حقوقهم.

أيها القارئ اللبيب!
وثمة صورةٌ أخرى تتكرر يوميًا تقريبًا يغيب فيها الإنصاف، وهي أن بعض الكتاب والمتحدثين حينما ينتقد جهازًا حكوميًا، أو مسؤولًا عن أحد الوزارات، يحصل منه إجحاف وبخس للجوانب المشرقة في هذا الجهاز أو ذاك، ويبدأ الكاتب أو المتحدث بسبب النفسية التي دخل بها لا يتحدث إلا من زاوية الأخطاء، ناسيًا أو متناسيًا النظر من زاوية الصواب والحسنات الكثيرة التي وُفق لها ذاك المرفق الحكومي، أو ذلك الشخص المسؤول!
وما هكذا يربي القرآن أهله، بل القرآن يربيهم على هذا المعنى العظيم الذي دلّت عليه هذه القاعدة المحكمة: { وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ }.

وتلوح ههنا صورة مؤلمة في مجتمعنا، تقع من بعض الكفلاء الذين يبخسون حقوق خدمهم أو عمالهم حقوقهم، فيؤخرون رواتبهم، وربما حرموهم من إجازتهم المستحقة لهم، أو ضربوهم بغير حق، في سلسلة مؤلمة من أنواع الظلم والبخس! أفلا يتقي الله هؤلاء؟!
{ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)}؟! [المطففين]
ألا يخشون أن يُسَلّطَ عليهم بسبب ظلمهم لمن تحت أيديهم وبخسهم حقوق خدمهم وعمالهم؟!
ألا يخشون من عقوبات دنيوية قبل الأخروية تصيبهم بما صنعوا؟!

وختامًا:
قد يقع البخس أحيانًا في تقييم الكتب أو المقالات على النحو الذي أشرنا إليه آنفًا، ولعل من أسباب غلبة البخس على بعض النقاد في هذه المقامات، أن الناقد يقرأ بنية تصيد الأخطاء والعيوب، لا بقصد التقييم المنصف، وإبراز الصواب من الخطأ، عندها يتضخم الخطأ، ويغيب الصواب، والله المستعان.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف من أنفسنا.. والإنصاف لغيرنا،وأن يجعلنا من المتأدبين بأدب القرآن العاملين به، وإلى لقاء جديد بإذن الله، والحمد لله رب العالمين.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة التاسعة والعشرون : { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ }


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فأحيي الإخوة القراء ، بتحية أهل الجنة يوم يلقونه: فسلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم أما بعد:
فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية عظيمة الصلة بواقع الناس، وازدادت الحاجة إلى التنويه بها في هذا العصر الذي اتسعت فيه وسائل نقل الأخبار، وكثر فيها تكالب الأعداء بصنفيهم: المعلن والخفي، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ } [النساء:45].

ولكي تفهم هذه القاعدة جيدًا، فلا بد من ذكر السياق الذي وردت فيه في سورة النساء، يقول تعالى:
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)} [النساء].

وهذا كما هو ظاهر: "ذم لمن { أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ } وفي ضمنه تحذير عباده عن الاغترار بهم، والوقوع في أشراكهم، فأخبر أنهم في أنفسهم { يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ } أي: يحبونها محبة عظيمة ويؤثرونها إيثار من يبذل المال الكثير في طلب ما يحبه. فيؤثرون الضلال على الهدى، والكفر على الإيمان، والشقاء على السعادة، ومع هذا { يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ } فهم حريصون على إضلالكم غاية الحرص، باذلون جهدهم في ذلك.

ولكن لما كان الله ولي عباده المؤمنين وناصرهم، بيَّن لهم ما اشتملوا عليه من الضلال والإضلال، ولهذا قال:
{ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا } أي: يتولى أحوال عباده ويلطف بهم في جميع أمورهم، وييسر لهم ما به سعادتهم وفلاحهم،
{ وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا } ينصرهم على أعدائهم ويبين لهم ما يحذرون منهم ويعينهم عليهم. فولايته تعالى فيها حصول الخير، ونصره فيه زوال الشر، ثم بين كيفية ضلالهم وعنادهم وإيثارهم الباطل على الحق فقال:
{ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا } أي: اليهود وهم علماء الضلال منهم { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ }... الخ تلك الجرائم التي تلطخوا بها.

أيها القارئ الفطن:
هؤلاء العلماء الضُلّال من أهل الكتاب صنف من أصناف الأعداء الذين حذرنا الله منهم، وإذا كان الله عز وجل يخبرنا هذا الخبر الصادق في هذه القاعدة القرآنية: { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ } فحري بنا أن نتأمل جيدًا فيمن وصفهم ربنا بأنهم أعداء لنا، فليس أصدق من الله قيلًا، ولا أصدق من الله حديثًا.

وعلى رأس أولئك الأعداء:
1 ـ عدو الله إبليس، الذي لم يأت تحذير من عدو كما جاء من التحذير منه، فكم في القرآن من وصفه بأنه عدو مبين؟ بل إن من أبلغ الآيات وضوحًا في بيان حقيقته وما يجب أن يكون موقفنا منه، هو قوله تعالى:
{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)} [فاطر]!
وقد جاء التعجب الصريح، والذم القبيح لمن قلب عداوة إبليس إلى ولاية، كما في قوله سبحانه:
{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)} [الكهف]؟!

2 ـ الكفار المحاربون لنا، ومن كان في حكمهم ممن يريد تبديل ديننا، أو طمس معالم شريعتنا، قال تعالى -في سياق آيات صلاة الخوف من سورة النساء-:
{ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101)} [النساء].
قال أهل العلم: "والمعنى أن العداوة الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين وازدادت عداوتهم وبسبب شدة العداوة أقدموا على محاربتكم وقصد إتلافكم إن قدروا فإن طالت صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم" [ينظر: تفسير الرازي (19/11)].

وفي سورة الممتحنة ما يجلي هذا النوع من الأعداء، يقول تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)} [الممتحنة].
فهذا النوع من الكفار حرم الله علينا مودتهم، وموالاتهم، وعلل القرآن هذا بقوله عز وجل :
{ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ...} الآيات .

ومن كمال الشريعة أنها فرقت بين أنواع الكفار، فقال الله تعالى في نفس سورة الممتحنة -التي حذرنا ربنا فيها من موالاة الصنف السابق-:
{ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9)} [الممتحنة].

3 ـ والصنف الثالث الذين نص القرآن على عداوتهم، بل وشدتها هم المنافقون، الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وتتجلى شدة عداوة هذا الصنف في أمور:

أولًا: أنه لم يوصف في القرآن كله من فاتحته إلى خاتمته شخص أو فئة بأنه "العدو" معرفًا بـ(أل) إلا المنافقون، قال تعالى:
{ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)} [المنافقون].

ثانيًا: لم يأت تفصيل في القرآن والسنة لصفات طائفةٍ أو مذهب كما جاء في حق المنافقين، وتأمل أوائل سورة البقرة يكشف لك هذا المعنى بوضوح.
يقول ابن القيم رحمه الله:
"وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر.
وذكر طوائف العالم الثلاثة فى أول سورة البقرة:
المؤمنين والكفار والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية؛ لكثرتهم، وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدًا؛ لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة.
يخرجون عداوته في كل قالب، يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد!
فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه!
وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه!
وكم من علم له قد طمسوه!
وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه!
وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها!
وكم عمّوا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها!
فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون ، { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12)}[البقرة]، [مدارج السالكين [347/1]] انتهى.

إذا تبين هذا، اتضح لنا أهمية تأمل هذه القاعدة القرآنية: { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ }، وأن لا تخدعنا عن معرفة حقائق أعدائنا ظروف استثنائية، أو أحوال خاصة، فإن الذي أخبرنا بهؤلاء الأعداء هو الله الذي خلقهم وخلقنا، ويعلم ما تكنه صدور العالمين أجمعين، قال سبحانه :
{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10)} [العنكبوت]؟،وقال عز وجل :
{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [الملك]؟!

اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
وإلى حلقة جديدة من حلقات هذه السلسلة بإذن الله، والحمد لله رب العالمين.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الثلاثون : { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية، وقاعدة إيمانية، تمتد جذورها في قلوب الموحدين، في غابر الزمان وحاضره، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } [الطلاق:3] والمعنى:
أن من توكل على ربه ومولاه في أمر دينه ودنياه، بأن يعتمد على الله في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، وفعل ما أمر به من الأسباب، مع كمال الثقة بتسهيل ذلك، وتيسيره { فَهُوَ حَسْبُهُ } أي: كافيه الأمر الذي توكل عليه به [ينظر: تفسير السعدي: [869]].

أيها القراء الكرام:
إن هذه القاعدة القرآنية: { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } جاءت في سياق الحديث عن آيات الطلاق في سورة الطلاق، لبيان جملة من المبشرات التي تنتظر من طبق شرع الله في أمر الطلاق، فقال تعالى:
{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)} [الطلاق].

وأما مناسبة مجيء هذا المعنى بعد ذكر هذه الأحكام المتعلقة بالطلاق، فلعل السر ـوالله أعلم ـ هو تضمنها للتحذير والتطمين!
أما التحذير، فهو متجه لكل واحد من الزوجين اللذين قد تسول له نفسه مجاوزة حدود الله تعالى في أمر الطلاق، سواء فيما يتعلق بالعدة، أو النفقة، أو غير ذلك، خصوصًا وأن النفوس حال الطلاق قد تكون مشحونةً، وغير منضبطةٍ في تصرفاتها، وقد تتصرف بما تمليه حالة الغضب، بلا تجرد ولا إنصاف!
وأما تضمن هذه القاعدة للتطمين، فهي لمن صدق مع الله في تطبيق شرع ربه في أمر الطلاق، وأنه وإن كيد به أو له، فإن الله معه، وناصره، وحافظ حقه، ودافع كيد من يريد به كيداً، والله أعلم بمراده.

ومع أن هذه القاعدة وردت في سياق آيات الطلاق ـكما أسلفتُ ـ إلا أن معناها أعم وأشمل من أن يختصر في هذا الموضوع، وآيات القرآن الكريم طافحة بالحديث عن التوكل، وفضله، والثناء على أهله، وأثره على حياة العبد، وقبل الإشارة المجملة إلى ذلك، يحسن التذكير بأن النصوص دلّت على أن من كمال التوكلِ فعلَ الأسباب، وهذا بين ظاهرٌ، لكن نبه عليه؛ لأن بعض الناس قد يظن خطأ أن التوكل يعني تعطيل الأسباب، وهذا غلط بيّن، ومن تأمل قصة موسى عليه السلام لما واجه البحر، وقصة مريم عليها السلام لما ولدت، وغيرهم من الأولياء والصالحين، يجد أنهم جميعًا أمروا بفعل أدنى سبب، فموسى أمر بضرب الحجر، ومريم أمرت بهز الجذع، وما أحسن ما قيل:
"الالتفاتُ إلى الأسباب بالكلية شركٌ منافٍ للتوحيد، وإنكار أن تكون أسبابًا بالكلية قدح في الشرع والحكمة، والإعراضُ عنها ـمع العلم بكونها أسبابًا نقصان في العقل ـ وتنزيلها منازلها ومدافعة بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، هو محض العبودية والمعرفة وإثبات التوحيد والشرع والقدر والحكمة" [المصدر السابق [1/244] بتصرف].

معشر القراء الفضلاء:
إنّ التّوكّل على اللّه عزّ وجلّ مطلوب في كلّ شئون الحياة، بيد أنّ هناك مواطن كثيرة ورد فيها الحضّ على التّوكّل والأمر به للمصطفى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين!

فيا أيها المؤمن :
1- إن طلبت النّصر والفرج فتوكّل عليه:
{ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)} [آل عمران].

2- إذا أعرضتَ عن أعدائك فليكن رفيقك التّوكّل:
{ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)} [النساء].

3- إذا أعرضَ عنك الخلقُ، فتوكّل على ربك:
{ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } [التوبة:129].

4- إذا تلي القرآن عليك، أو تلوته فاستند على التّوكّل:
{ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)} [الأنفال].

5- إذا طلبت الصّلح والإصلاح بين قوم لا تتوسّل إلى ذلك إلّا بالتّوكّل:
{ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } [الأنفال:61].

6- إذا وصلت قوافل القضاء فاستقبلها بالتّوكّل:
{ قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)} [التوبة].

7- وإذا نصبت الأعداء حبالات المكر فادخل أنت في أرض التّوكّل:
{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ } [يونس:71].

8- وإذا عرفت أنّ مرجع الكلّ إلى اللّه وتقدير الكلّ فيها للّه فوطّن نفسك على فرش التّوكّل:
{ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } [هود:123].

9- وإذا علمت أنّ اللّه هو الواحد على الحقيقة، فلا يكن اتّكالك إلّا عليه:
{ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (30)} [الرعد].

10- وإذا كانت الهداية من اللّه، فاستقبلها بالشّكر والتّوكّل:
{ وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)} [إبراهيم].

11- وإذا خشيت بأس أعداء اللّه والشّيطان والغدّار فلا تلتجئ إلّا إلى باب اللّه:
{ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99)} [النحل].

12- وإذا أردت أن يكون اللّه وكيلك في كلّ حال، فتمسّك بالتّوكّل في كلّ حال:
{ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)} [النساء].

13- وإذا أردت أن يكون الفردوس الأعلى منزلك فانزل في مقام التّوكّل:
{ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42)} [النحل].

14- وإن شئت أن تنال محبّة اللّه فانزل أوّلا في مقام التّوكّل:
{ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)} [آل عمران].

15- وإذا أردت أن يكون اللّه لك، وتكون للّه خالصا فعليك بالتّوكّل:
{ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } [الطلاق:3]،
{ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)} [النمل]
[جميع ما تقدم من [1 – 15] من كلام الإمام اللغوي المفسر الفيروز آباديّ:، في كتابه: بصائر ذوي التمييز (2/313-315)].

وقبل أن نختم حديثنا عن هذه القاعدة القرآنية: { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } أود أن أنبه إلى ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله من أن كثيرًا من المتوكلين يكون مغبونًا في توكله!
وبيان ذلك كما يقول رحمه الله: "أنك ترى بعض الناس يصرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله، مع أنه يمكنه نيلها بأيسر شيء، وفي المقابل ينسى أو يغفل عن تفريغ قلبه للتوكل في: زيادة الإيمان، والعلم، ونصرة الدين، والتأثير في العالم خيرًا، فهذا توكل العاجز القاصر الهمة، كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء، أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف، أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين، وقمع المبتدعين، وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين" [ينظر: المصدر السابق [2/225] بتصرف] انتهى.

وههنا ملحظ مهم يستفاد من كلامه رحمه الله، وهو: أن الواحد منا ـفي حال نشاطه وقوة إيمانه ـ قد يقع منه نسيان وغفلة عن التوكل على الله، اعتمادًا على ما في القلب من قوة ونشاط، وهذا غلط ينبغي التنبه إليه، والحذر منه، ومن تأمل في أدعية النبي صلى الله عليه وسلم وجده دائم الافتقار إلى ربه، ضارعًا إلى ربه أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، حتى ربى أمته على هذا المعنى في شيءٍ قد يظنه البعض بسيطًا أو سهلًا، وهو أن يقولوا: "لا حول ولا قوة إلا بالله" عند سماع المؤذن في الحيعلتين! [أخرجه الشيخان : البخاري ح [588] ومسلم ح [385]، ولم أشأ أن أستشهد بالحديث الذي رواه أبو داود وابن حبان وغيرهما: من حديث عبدالرحمن بن أبي بكرة أنه قال لأَبِيهِ : يَا أَبَةِ إِنِّى أَسْمَعُكَ تَدْعُو كُلَّ غَدَاةٍ اللَّهُمَّ عَافِنِى فِى بَدَنِى اللَّهُمَّ عَافِنِى فِى سَمْعِى اللَّهُمَّ عَافِنِى فِى بَصَرِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ تُعِيدُهَا ثَلاَثًا حِينَ تُصْبِحُ وَثَلاَثًا حِينَ تُمْسِى. فَقَالَ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو بِهِنَّ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ. قَالَ عَبَّاسٌ فِيهِ وَتَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ تُعِيدُهَا ثَلاَثًا حِينَ تُصْبِحُ وَثَلاَثًا حِينَ تُمْسِى فَتَدْعُو بِهِنَّ فَأُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلاَ تَكِلْنِى إِلَى نَفْسِى طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِى شَأْنِى كُلَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ »؛ لأن إسناده ضعيف، وينظر في تخريجه: مسند أبي داود الطيالسي [2/200] ح [909]، [910] ، والله أعلم].

وقد أجمع العلماء على أن التوفيق، ألّا يكل اللّه العبد إلى نفسه، وأن الخذلان كل الخذلان أن يخلي بينه وبين نفسه!

اللهم إنا نبرأ من كل حول وقوة إلا من حولك وقوتك، اللهم إنا نعوذ بك أن نوكل إلى أنفسنا طرفة، وإلى هنا أضع القلم، وإلى أن ألقاكم في حلقة قادمة بإذن الله.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الحادية والثلاثون : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ }


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا مرفأ جديد مع قاعدة قرآنية، وإيمانية، وثيقة الصلة بواقع الناس الاجتماعي، بل وبأخص تلك العلاقات الاجتماعية، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [النساء: 19].

وهذه القاعدة القرآنية المحكمة جاءت ضمن سياق توجيه رباني عظيم، يقول الله تعالى فيه:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)} [النساء].

ومما يعين على فهم هذه القاعدة، أن نُذَكِّرَ بسبب نزول هذه الآية الكريمة، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ب قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضُهم تزوجها، وإن شاءوا زَوَّجُوها، وإن شاؤوا لم يُزَوِّجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك (البخاري (4303)).

يقول العلامة ابن العربي المالكي رحمه الله:
"وحقيقة "عشر" في اللغة العربية الكمال والتمام، ومنه: العشيرة، فإنه بذلك كمل أمرهم، وصح استبدادهم عن غيرهم، وعشرةٌ تمام العقد في العدد، فأمر الله سبحانه الأزواج إذا عقدوا على النساء أن يكون أَدَمَةُ ما بينهم وصحبتهم على التمام والكمال، فإنه أهدأ للنفس، وأقر للعين، وأهنأ للعيش، وهذا واجب على الزوج، ومن سقوط العشرة تنشأ المخالعة، وبها يقع الشقاق، فيصير الزوج في شق، وهو سبب الخلع" (أحكام القرآن 2/363 بتصرف يسير).

ويقول العلامة الجصاص الحنفي: معلقاً على هذه القاعدة { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ }:
هو "أمر للأزواج بعشرة نسائهم بالمعروف، ومن المعروف: أن يوفيها حقها من المهر، والنفقة، والقَسْمِ، وترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراضِ عنها والميل إلى غيرها، وترك العبوس والقطوب في وجهها بغير ذنب" (أحكام القرآن للجصاص 3/47) اهـ.

إن من تأمل وتدبر دلالات هذه القاعدة العظيمة: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } أدرك أن هذا القرآن هو حقاً كلام الله عز وجل، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن هذه القاعدة رقم قصر كلماتها ـ وهي كما ترى ـ كلمتان، اشتملت على معانٍ عظيمة، يطول شرحها، وما حديثنا عنها في هذه الحلقة إلا إضاءة وإشارة فحسب.

الوجه الثاني: أن الله تعالى ردّ أمر المعاشرة إلى العرف، ولم يحدده بشيء معين؛ لاختلاف الأعراف والعادات بين البلدان كما هو معروف وظاهر، ولاختلاف مكانة الأزواج من الناحية المالية والاجتماعية، إلى غير ذلك من صور التفاوت التي هي من سنن الله في خلقه.

وليست هذه هي القضية الوحيدة التي يَرُدُّ الشرعُ فيها أمور التعامل إلى العرف، بل جاء ذلك في مواضع كثيرة، من ألصقها بما نحن بصدد الحديث عنه، قوله تعالى: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [البقرة: 228]، فكما أن القاعدة التي نحن بصددها: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } تأمر الأزواج بمعاشرة أزواجهم بالمعروف، فإن هذه الآية: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } تأمر كلا الطرفين بذلك.ويقول سبحانه:
{ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } [البقرة: 229]. ويقول جل شأنه:
{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } [البقرة: 231].

وفي شأن النفقة على المرضع والمرتضع يقول الله عز وجل: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [البقرة: 233] إذ ليست نفقة الغني كنفقة الفقير، ولا نفقة الموسر كالمعسر.

أيها القراء الكرام:
ولعظيم موقع هذه المعاني التي دلت عليها هذه القاعدة القرآنية: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } أكّد النبي ج هذه الحقوق في أعظم مجمع عرفته الدنيا في ذلك الوقت.. حين خطب الناس في يوم عرفة فقال:
" فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ( مسلم (1218)).

والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً، والمقصود التنبيه على عظيم موقع هذه القاعدة الشرعية، والتي يتألم المؤمن من كثرة ما يرى من هتك لحرمتها، وعدم مراعاة لحدودها! فترى بعض الرجال لا يحسن إلا حفظ وترديد الآيات والحقوق التي تخصه، ولا يتحدث عن النصوص التي تؤكد حقوق زوجته، فويل للمطففين.

وفي المقابل فإن على الزوجة أن تتقي الله عز وجل في زوجها، وأن تقوم بحقوقه قدر الطاقة، وأن لا يحملها تقصير زوجها في حقها على مقابلة ذلك بالتقصير في حقه، وعليها أن تصبر وتحتسب.

وليتدبر كلٌ من الزوجين ما قصّه الله تعالى في سورة الطلاق من أحكام وتوجيهات عظيمة، فإن الله تعالى ـ لما ذكر أحكاماً متنوعة في تلك السورة ـ عقّبَ على كل حكم بذكر فوائد التقوى التي هي سبب كل خير، فقال سبحانه ـ:
{ ... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)} [الطلاق]، وقال عز وجل:
{ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4)} [الطلاق: 4]، وقال تقدس اسمه:
{ ... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)}[الطلاق]؛
ولعل السر في تتابع هذه التعقيبات: أن أحوال الطلاق والفراق ـ مع وجود الحمل والإرضاع أو بقاء العدة ـ قد تحمل أحد الطرفين على التقصير والبغي، ونحو ذلك من التجاوزات، فجاءت هذه التعقيبات الإلهية لتبشر المتقين، ولتحذير المجانفين للتقوى، بأن أضداد هذه الوعود الإلهية ستحصل إن أنتم فرطتم في تطبيق شرع الله، ويوضح هذا المعنى ختم السورة بهذه الآية المخوفة:
{ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا ( 8 ) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10)}[الطلاق].

ولقد كان سلف هذه الأئمة يفقهون حقاً معاني هذه النصوص العظيمة، ومن ذلك هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ }، فهذا حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنه، يقول ـ كما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ـ "إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله تعالى يقول: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وما أحب أن أستنطف ـ أي: أستوفي ـ جميع حقي عليها؛ لأن الله تعالى يقول: { ... وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ...(228)} [البقرة]. (مصنف ابن أبي شيبة 10/210 رقم (19608).).

وقال يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي: أتيت محمد ابن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية ـ وهو نوع نفيس من الطيب ـ فقلت: ما هذا؟
قال: إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني بالطيب، وإنهن يشتهين مناما نشتهيه منهن (ذكرها القرطبي في تفسيره 6/160).

وبعد.. معشر القراء الفضلاء:
هذه هي نظرة الإسلام العميقة للعلاقة الزوجية، اختصرتها هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ }، وكذلك: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } فهي علاقة قائمة على المعاشرة بالمعروف، وعلى الصبر على ما قد يبدر من الطرفين من تقصير، فإن كانت العلاقة غير قابلة للاستمرار فيأتي الأمر بالتسريح بالمعروف ـ أيضاً ـ الذي يحفظ حق الكرامة لكلا الطرفين؛ كلُّ هذا ـ أيها المستمعون ـ يجعل المؤمن يفخر ويحمد الله على هدايته وانتمائه لهذه الشريعة العظيمة الكاملة من كل وجه، وينظر بعين المقت لتلك الأقلام الدنسة، والدعوات الخبيثة التي تجرئ المرأة ـ إذا رأت من زوجها ما تكره ـ أو توحي للرجل ـ إذا رأى من زوجته ما يكره ـ أن ينحرف قلبه قليلاً عن مساره الشرعي ليقيم علاقةً محرمةً مع هذه أو ذاك!!

اللهم كما هديتنا لهذه الشريعة فارزقنا العمل بها، والثبات عليها حتى نلقاك، والحمد لله رب العالمين.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الثانية والثلاثون : { وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ }



الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا لقاء جديد مع قاعدة قرآنية، تربوية إيمانية، وثيقة الصلة بالواقع الذي تعيشه الأمة اليوم بالذات، وهي تعيش هذه التغيرات المتسارعة، والتي خالها البعض خارجةً عن سنن الله تعالى، وليس الأمر كذلك، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ } [الحج:47].

وهذه القاعدة الكريمة جاءت في سياق تهديد الكفار الذين قابلوا الدعوة إلى الإسلام بالتكذيب والجحود، والاستهزاء والسخرية، قال تعالى:
{ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48)} [الحج].

فقوله عز وجل: { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ...} معطوف على قوله تعالى: { وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ } والمعنى: أن هؤلاء الكفار يقولون: " لو كان محمد صادقاً في وعيده لعُجَّلَ لنا وعيدُه، فكانوا يسألونه التعجيل بنزول العذاب استهزاء، كما حكى الله عنهم في قوله سبحانه: { وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)} [الأنفال]، وفي قوله سبحانه:
{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (28)} [السجدة] فذكر ذلك في هذه الآية بمناسبة قوله عز وجل: { فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ } الآية"،
وحكي: { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ } بصيغة المضارع للإشارة إلى تكريرهم ذلك تجديدا منهم للاستهزاء وتوركا على المسلمين "(التحرير والتنوير 17/210).

ثم جاء التعقيب على هذه المقالة الآثمة، بهذه القاعدة التي تسكب اليقين والطمأنينة في نفس النبي ج ونفوسِ أتباعه من المؤمنين المضطهدين، الذين امتلأت آذانهم من استهزاء هؤلاء الكفار، فقال الله ـ وهو أصدق من وعد وأصدق من وفّى ـ: { وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ }.

وإذا تقرر أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن هذه القاعدة القرآنية: { وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ } لا تختص بهذا المعنى الذي وردت الآية في سياقه ـ وهو تعذيب الكفار ـ بل هي عامة في كل ما وعد الله به، إذ لا مكره لربنا جل وعلا، ولا راد لأمره ومشيئته، ولكن الشأن في تحقق العباد بفعل الأسباب المتعلقة بما وعد الله به ـ كما سيأتي بعد قليل ـ.

كما أن هذه القاعدة القرآنية: { وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ } دلّت على معنى يُقَرّرُ بعض اللغويين خلافه، وهو أنه اشتهر عند كثيرين أن الوعد خاص بالخير، والوعيد متعلق بالشر، وينشدون في هذا البيتين المشهورين:

ولا يرهب ابن العم والجار سطوتي * ولا انثنى عن سطوة المتهدد
فإني وإن أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي​

وهذه القاعدة التي نحن بصددها تخالف هذا الإطلاق، يقول العلامة الشنقيطي رحمه الله ـ بعد أن ذكر عدة شواهد تؤكد خطأ هذا الإطلاق ـ: "ومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى:
{ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72)} [الحج] فإنه قال في هذه الآية في النار: { وَعَدَهَا اللَّهُ } بصيغة الثلاثي الذي مصدره الوعد، ولم يقل أوعدها، وما ذكر في هذه الآية، من أن ما وعد به الكفار من العذاب واقع لا محالة، وأنه لا يخلف وعده بذلك، جاء مبينا في غير هذا الموضع... ثم ذكر جملة من الشواهد، ثم قال: وبالتحقيق الذي ذكرنا: تعلم أن الوعد يطلق في الخير والشر كما بينا ".

ولنعد ـ أيها القراء الأكارم ـ إلى هدايات هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ }، فإنه إذا تقرر عمومها في الخير والشر، فإنها ـ بلا ريب ـ من أعظم ما يجدد الفأل في نفوس أهل الإسلام، في الثبات على دينهم ومنهجهم الحق، بل وتزيدهم يقيناً بما عليه أهل الكفر والملل الباطلة من ضلال وانحراف، وبيان هذا: أن المؤمن لا يزال يرى إما بعين البصر أو البصيرة صدق ما وعد به أولياءه في الدنيا، كيف لا؟! وهو يقرأ نماذج مشرقة في كتاب الله عز وجل؟!

ألسنا ـ يا أهل القرآن ـ نقرأ قول ربنا عز وجل ـ في سورة آل عمران في سياق الحديث عن غزوة أحد ـ:
{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ }[آل عمران: 152]؟

أين نحن عن فواتح سورة الروم التي يقول الله تعالى فيها:
{ الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)} .
وهذه الآيات من سورة الروم، تشير إلى سبب كبير في ضعف اليقين تجاه الوعود الربانية، ألا وهو: التعلق بالدنيا، والركون إليها، ولهذا فإنك لو تأملتَ لوجدت أن أضعف الناس يقيناً بموعود الله هم أهل الدنيا، الراكنين إليها، وأقواهم يقيناً هم العلماء الربانيون، وأهل الآخرة، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.

ولا يشكل على هذا ما يمر على القارئ من آيات قد يفهم منها أن فيها نوعاً من التردد في تصديق وعد الله، أو الشك في ذلك، كقوله تعالى:
{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)} [البقرة]، وكقوله عز وجل:
{ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)} [يوسف]، فإن هذه الآيات إنما تحكي حالةً عارضة تمر بالإنسان ـ بسبب ضعفه حيناً، وبسبب استعجاله أحياناً ـ وليست حالةً دائمةً، وإذا كان الشك في موعود الله لا يصح أن ينسب إلى آحاد المؤمنين، فهو من الأنبياء والمرسلين أبعد وأبعد، ولكن ـ ولحكمة بالغة ـ جاءت هذه الآيات لتطمئن المؤمنين من هذه الأمة أن حالات اليأس التي قد تعرض للعبد مجرد عرْض بسبب شدة وطأة أهل الباطل، أو تسلط الكفار، فإنها لا تؤثر على إيمانه، ولا تقدح فيه صدقه وتصديقه؛ ولهذا ـ والله تعالى أعلم ـ يأتي مثل هذا التثبيت في بعض الأحوال التي تعترض نفوس أهل الإيمان فترة نزول الوحي، كقوله تعالى:
{ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)} إلى قوله تعالى: { وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)} [إبراهيم].

والمؤمن ليس من شأنه أن يقترح أجلاً لإهلاك الكفار، أو موعداً نصرة الإسلام، أو غيرِ ذلك من الوعود التي يقرأها في النصوص الشرعية، ولكن من شأنه أن يسعى في نصرة دينه بما يستطيع، وأن لا يظل ينتظر مضي السنن، فإن الله لم يتعبدنا بهذا، وعليه أن يفتش في مقدار تحققه بالشروط التي ربطت بها تلك الوعود، فإذا قرأ ـ مثلاً ـ قول الله عز وجل:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }[محمد: 7] فعليه هنا أن يفتش عن أسباب النصر التي أمر الله بها هل تحققت فيه فرداً أو في الأمة على سبيل المجموع؛ ليدرك الجواب على هذا السؤال: لماذا لا تنتصر الأمة على أعدائها؟!

ولو ذهب الإنسان إلى تعداد الآيات الموضحة لهذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ } لطال به المقام، ولكن حسبنا ما ذكر، ولعلنا نختم حلقتنا بهذه اللطيفة المتصلة بهذه القاعدة: ذلك أن هذه القاعدة تضمنت تمدّح الله بهذا، وثناءه على نفسه، ويتضح لك هذا المعنى إذا قرأت ما حكاه الله تعالى عن إبليس ـ وهو يخطب في حزبه وأوليائه في جهنم ـ حيث يقول: { إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } [إبراهيم:22] ،
فسبحان مَنْ تمدح بالكمال وهو أهلٌ له، وسبحان من وعد فأوفى، ومن أوفى بعهده من الله؟
وإلى لقاء قاعدة أخرى بإذن الله،والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يتبع​
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الثالثة والثلاثون : { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا }


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية، وضوابط شرعية في مسألة حدث ولا زال يحدث فيها الخلل، بسبب القصور أو التقصير في تلمس الهدي القرآني في تطبيق تلكم القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
{ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا }[القصص: 77].

وهذه القاعدة القرآنية المحكمة جاءت في أثناء قصة قارون، الذي غرّه ماله، وغرته نفسه الأمارة بالسوء، فقال ـ لما قيل له كما جاء في القرآن الكريم:
{ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)}[القصص]، قال ـ والعياذ بالله ـ قولة المستكبر ـ: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي }[القصص: 78].

والشاهد ـ أيها القراء الكرام ـ:
أن هذه القاعدة هي ميزان عظيم في التعامل مع المال، الذي هو مما استخلف الله العباد عليه، ولهذا سيسألهم يوم القيامة عنه سؤالين: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ كما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه (جامع الترمذي (2417) وإسناده حسن، وفي الباب عن ابن مسعود رضي الله عنه وفي سنده ضعف.).

أيها القارئ المبارك:
إن من أعظم مزايا هذا الدين ومحاسنه، أنه دين يدعو إلى التوازن في كل شيء، بغير إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء، في أمر الدين أو الدنيا، وهذا ما تقرره هذه القاعدة بوضوح وجلاء: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا }، ولو تأملنا هذه الآية لوجدنا ترتيب الكلام فيها كأنه عقد نُظِمَ كأحسن ما يكون النظم، فهي قد اشتملت على أربعة وصايا عظيمة، أحوج الناس إليها ـ في هذا المقام ـ هم أرباب الأموال، فلنتأملها جميعاً:

الأولى: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ } فإن الآخرة هي المستقبل الذي يجب على كل عاقل أن يسعى للنجاة فيها، وأن يجعل حاضره من الدنيا تمهيدًا لها، وأن يجعل سعيه في حياته غراسًا ليوم الحصاد.
وقارون قد حصل عنده من وسائل الغرس في الآخرة ما ليس عند أكثر الناس، فأمره الله أن يبتغي أن يعمل فيها بأعمال يرجو فيها ما عند اللّه، وأن يتصدق ولا يقتصر على مجرد نيل الشهوات، وتحصيل اللذات.

وأما الوصية الثانية: فهي { وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا }:
"والنهي في { وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ } على سبيل الإباحة، فالنسيان هنا كناية عن الترك، والمعنى: لا نلومك على أن تأخذ نصيبك من الدنيا أي الذي لا يأتي على نصيب الآخرة، وهذا احتراس في الموعظة خشية نفور الموعوظ من موعظة الواعظ؛ لأنهم لما قالوا لقارون { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة } أوهموا أن يترك حظوظ الدنيا فلا يستعمل ماله إلا في القربات، قال قتادة رحمه الله: نصيب الدنيا هو الحلال كله!
وبذلك تكون هذه الآية مثالاً لاستعمال صيغة النهي لمعنى الإباحة، و{ مِنَ } للتبغيض، والمراد بالدنيا نعيمها. فالمعنى: نصيبك الذي هو بعض نعيم الدنيا"(التحرير والتنوير (20 / 108) بتصرف واختصار).
وههنا سؤال قد يطرحه بعض الناس: وهو أن الإنسان جُبِلَ فطرةً على حب المال، والتعلق بشيء مما لا بد له منه في هذه الدنيا، فكيف أمر أن لا ينسى نصيبه، وهو أمرٌ شبه المستحيل، بل المتوقع أن يقال: ولا تنس نصيبك من الآخرة!
فالجواب ـ والله تعالى أعلم بمراده ـ: أن هذه الآية جاءت لضبط التوازن ـ كما أسلفنا ـ في التعامل مع زينة الدنيا، ومن ذلك: المال، فقد يسمع أحدُ التجار أو الأثرياء مثل هذه الموعظة فيظن أن القصد أن يتخلى عن كلّ شيء من نعيم الدنيا ولو كان مباحاً، فيقال له: وإن أمرت بأن يكون جل همك الآخرة، فلسنا نطلب منك ترك ما أباح الله تعالى، بل المطلوب العدل، وإعطاء كل ذي حقٍّ حقه.
ولهذا كان من بديع تفسير الإمام مالك لهذه الآية أن قال: هو الأكل والشرب من غير إسراف، فهو يشير بهذا إلى ما ذكرناه آنفاً، والعلم عند الله.
ولقد وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من بعض الصحابة رضي الله عنهم خلل في فهم حقيقة الزهد والتعبد، فإنهم لما سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فكأنهم تقالّوها،
فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر!
قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً،
وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر!
وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
" أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله أني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني "(البخاري (4776)).
وبهذا المنهج المتوازن المبني على الكتاب والسنة كان أئمة الإسلام، وعلماء الملة يردون على ما أحدثه بعض الزهادة والعُباد من ألوان من التزهد التي تجافي هذا الهدي النبوي العظيم.(ومن أكثر من رأيتهم يردون على هؤلاء: ابن الجوزي في عدد من كتبه، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم رحمة الله على الجميع).
وذكر بعض أهل العلم ملمحاً لطيفاً في توجيه معنى قوله: { وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } وهو أن الله عز وجل "أراد أن يجعل الدنيا شيئاً هيّناً مُعرَّضاً للنسيان والإهمال، فهو يُذكِّرنا بها، ويحثُّنا على أن نأخذ منها بنصيب، فأنا لا أقول لك: لا تنسَ الشيء الفلاني إلا إذا كنتُ أعلم أنه عُرْضَة للنسيان، وهذا جانب من جوانب الوسطية والاعتدال في الإسلام"،والله أعلم بمراده (أشار إليه الشيخ الشعراوي في تفسيره).

أما ثالث هذه الوصايا التي اشتملت عليها هذه القاعدة القرآنية، فهي: { وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ }، وهذا يتفق تماماً مع العقل والشرع، قال الله تعالى:
{ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)}[الرحمن]؟
"والإحسان داخل في عموم ابتغاء الدار الآخرة ولكنه ذكر هنا ليبني عليه الاحتجاج بقوله { كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ }، والكاف للتشبيه، أي: كإحسان الله إليك"(التحرير والتنوير (20 / 108)).
وهذه الآية فيها من التعليل والحض ما هو ظاهر، وهي كقول الله تعالى:
{ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)}[النور]
فكما تحب أن يعفو الله عنك، فاعف عن عباده، وهنا: كما تحب أن يحسن إليك ربك، ويدوم إحسانه، فلا تقع إحسانك عن خلقه، وإلا فالله غني عن العالمين.

ورابع هذه الوصايا في هذه القاعدة القرآنية: { وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }.
"وعطف { وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ } للتحذير من خلط الإحسان بالفساد فإن الفساد ضد الإحسان، فالأمر بالإحسان يقتضي النهي عن الفساد، وإنما نص عليه؛ لأنه لما تعددت موارد الإحسان والإساءة فقد يغيب عن الذهن أن الإساءة إلى شيء مع الإحسان إلى أشياء يعتبر غير إحسان!
وجملة: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } علة للنهي عن الإفساد؛ لأن العمل الذي لا يحبه الله لا يجوز لعباده عمله"(التحرير والتنوير (20 / 109) بتصرف واختصار).

أيها القراء الكرام:
وبعد هذا التطواف السريع في ظلال هذه القاعدة القرآنية الجليلة: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } يتبين لنا بوضوح أن هذا القرآن ـ كما قال منزله سبحانه:
{ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [الإسراء: 9]، وأنه ما من قضية يحتاجها الناس إلا وحكمها في كتاب الله، كما قال الإمام الشافعي، ولكن أين المتدبرون؟ والناهلون من هذا المعين الذي لا ينضب؟!

اللهم إنا نسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك الرضاء بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين،
وإلى لقاء جديد في الحلقة القادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الرابعة والثلاثون : { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ }



الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية عقدية، نزلت قبل أربعة عشر قرناً، ولا تزال معانيها تتجدد لأهل الإسلام في كل زمان؛ تلكم القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } [البقرة: 120].

ولا يخفى أن هذه القاعدة المحكمة جاءت في سورة البقرة، تلك السورة التي تحدثت بتفصيل عن حقيقة أهل الكتاب، واليهود بشكل أخص ـ لكونهم يسكنون المدينة ـ.
ونزول هذه الآية الكريمة ـ كما أشار إليه جمع من المفسرين ـ جاء عقب مرحلةٍ من محاولات النبي صلى الله عليه وسلم لتأليف اليهود، لعلهم يستجيبون، وينقادون لدين الإسلام، فجاء هذا الخبر القاطع لكل محاولات التأليف التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يمارسها معهم.

يقول شيخ المفسرين ـ ابن جرير الطبري رحمه الله ـ:
"وليست اليهود ـ يا محمد ـ ولا النصارى براضية عنك أبداً، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق، فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الألفة والدين القيم، ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتباع ملتهم، لأن اليهودية ضد النصرانية، والنصرانية ضد اليهودية، ولا تجتمع النصرانية واليهودية في شخص واحد في حال واحدة، واليهود والنصارى لا تجتمع على الرضا بك، إلا أن تكون يهودياً نصرانياً، وذلك مما لا يكون منك أبداً، لأنك شخص واحد، ولن يجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة، وإذا لم يكن إلى اجتماعهما فيك في وقت واحد سبيل، لم يكن لك إلى إرضاء الفريقين سبيل، وإذا لم يكن لك إلى ذلك سبيل، فالزم هدى الله الذي لجميع الخلق إلى الألفة عليه سبيل"(تفسير الطبري: 2/484) انتهى.

فتأمل ما تضمنته تتمة هذه القاعدة من وعيد عظيم لمن اتبع أهواءهم، ولمن هذا الوعيد العظيم؟! لمحمد صلى الله عليه وسلم! مع أنه لا يمكن أن يقع منه شيء من ذلك بعصمة الله له، قال تعالى في تتمة هذه القاعدة المحكمة:
{ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)} [البقرة].

وتأمل ـ أيها المؤمن ـ كيف قسّم الله تعالى الأمر ـ في هذا الأصل العظيم ـ إلى قسمين: هدىً وهوىً، فالهدى هو هدى الله، وليس وراء ذلك إلا اتباع الهوى: { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ }، يقول ابن جرير: في تتمة تعليقه على هذه الآية:
"يعني جل ثناؤه بقوله: { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ }، يا محمد، هوى هؤلاء اليهود والنصارى - فيما يرضيهم عنك - من تهود وتنصر، فصرت من ذلك إلى إرضائهم، ووافقت فيه محبتهم - من بعد الذي جاءك من العلم بضلالتهم وكفرهم بربهم، ومن بعد الذي اقتصصت عليك من نبئهم في هذه السورة - ما لك من الله من ولي = يعني بذلك: ليس لك يا محمد من ولي يلي أمرك، وقيم يقوم به ولا نصير، ينصرك من الله، فيدفع عنك ما ينزل بك من عقوبته، ويمنعك من ذلك، إن أحل بك ذلك ربك"(تفسير الطبري: 2/484).
فإذا كان هذا الكلام موجهاً للنبي صلى الله عليه وسلم، فمن الناس بعده؟!

وهذه القاعدة المحكمة قالها الذي يعلم السرّ وأخفى، والذي لا يخفى عليه شيءٌ من أحوال خلقه، لا حاضراً ولا مستقبلاً، فالذي قال هذا الكلام، هو الذي قال: { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [الملك]؟!.

وقد أحسن العلامة السيد محمد رشيد رضا رحمه الله ـ حين لخص القواعد التي اشتملت عليها سورة البقرة ـ فجعل من جملة هذه القواعد هذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } فقال رحمه الله، عن هذه الآية إنها:
"آية للنبي صلى الله عليه وسلم كاشفة عن حال أهل الملتين في عصره، ولا تزال مطردة في أمته من بعده، وقد اغتر زعماء بعض الشعوب الإسلامية فحاولوا إرضاء بعض الدول بما دون اتباع ملتهم من الكفر فلم يرضوا عنهم، ولو اتبعوا ملتهم لاشترطوا أن يتبعوهم في فهمها وصور العمل بها، حتى لا يبقى لهم أدنى استقلال في دينهم ولا في أنفسهم"(تفسير المنار: 1/95.) انتهى.

ومع وضوح هذا النص القرآني المحكم، فإنك لتتألم ـ أيها المؤمن ـ من تشكيك بعض المسلمين بهذه الحقيقة، وهذا التشكيك يأخذ صوراً شتى، تبدأ من التشكيك في كون هؤلاء كفاراً أصلاً! وتنتهي عند المطالبة بالتماهي والاندماج التام معهم، في مسخ واضح لأصل من الأصول الكبار، ألا وهو الولاء والبراء!
ولم يفرق هؤلاء بين ما يصلح أن يؤخذ منهم، ويستفاد منه في أمور الدنيا، وبين اعتزاز المؤمن بدينه، وتمايزه بعقيدته! وليس الحديث عن هذه الطوام التي لا يقولها عاقل قرأ التاريخ، فضلاً عمن عقل عن الله ورسوله قولهما.
وإن المؤمن ـ وهو يسمع أمثال هذه الكلمات الفجّة ـ ليتساءل عن هؤلاء الكتاب الذين يحملون أسماء إسلامية: ألم يسمع هؤلاء قول الله عز وجل:
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)} [البقرة]؟.وأين هم من قولَ الله تعالى:
{ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } [البقرة: 109]؟!
ألم يتأملوا قوله عز وجل عن سائر الكفار:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)}[آل عمران]؟!
هذه شهادة من الله على أعدائنا بما يريدون منا، وما يحاولونه من صدنا عن ديننا، فهل بعد هذه الشهادة من شهادة؟ قال تعالى :
{ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)}(فصلت)؟!

أيها القراء النجباء:
إن هذه القاعدة المحكمة: { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } وما جاء في معناها من الآيات التي ذكرتُ بعضها خَبَرٌ، والخبر لا ينسخ، لأن نسخه يستلزم أن يكون المخبر بهذا كاذباً، وهذا لو كان في حق آحاد فضلاء الناس لكان من أعظم القدح فيه، فكيف إذا كان المتكلم به هو الله العليم الخبير؟!
ولو أردنا أن نقلب صفحات التاريخ؛ لوجدنا الجواب الذي يزيد المؤمن يقيناً بهذه القاعدة المحكمة!
فمن الذي سمّ الشاة التي وجد النبي صلى الله عليه وسلم أثرها حتى لقي ربه؟!
ومن الذي قتل الفاروق رضي الله عنه؟
ومن الذي سَمَّ جملة من الخلفاء المسلمين الذين كان لهم أثر في ضعف شوكة اليهود أو النصارى؟!

أيها الإخوة الفضلاء:
لقد غرّ بعض هؤلاء المتحدثين ـ بما ذكرناه آنفاً ـ كونهم يتعاملون مع بعض الأفراد من اليهود والنصارى فلا يجدون منهم إلا تعاملاً جيداً ـ كما يقولون ـ وهذا قد يقع، ولكنه لا يمكن أبداً أن يكون قاضياً على هذا الخبر المحكم من كلام ربنا، ذلك أن العلاقة الفردية قد يشوبها من المصالح، أو تكون حالات استثنائية، فإذا جدّ الجدّ، ظهرت أخلاقهم على الحقيقة، ومن له أدنى بصر أو بصيرة أدرك ما فعلته الحروب الصليبية التي غزت بلاد الشام قبل وبعد صلاح الدين! وما فعله إخوانهم وأبناؤهم في فلسطين وأفغانستان والعراق،وما حرب غزة الأخيرة إلا أكبر شاهد، ولا ينكره إلا من طمس الله بصيرته ـ عياذاً بالله ـ!

نسأل الله تعالى أن يثبتنا على دينه الذي ارتضاه لنا، وأن يعيذنا من الحور بعد الكور، وإلى لقاء جديد في الحلقة القادمة إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الخامسة والثلاثون : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية إيمانية، لها صلة عظيمة بعبادة من أعظم العبادات، ألا وهي عبادة الدعاء: تلكم القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)}[البقرة].

وهذه القاعدة المتعلقة بالدعاء جاءت تعقيباً على جملةٍ من آيات الصيام، فهلمّ ـ أيها القارئ الكريم ـ لنقف على شيء من هدايات هذه القاعدة القرآنية:
1 ـ القرآن اشتمل على أربعة عشر سؤالاً، وكلها تبدأ بـ { يَسْأَلُونَكَ } ثم يأتي الجواب بـ { قُلْ } إلا في آية واحدة { فَقُلْ } في سورة طه، إلا هذا الموضع الوحيد، فإنه بدأ بهذه الجملة الشرطية: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي }، وجاء جواب الشرط من دون الفعل: قل، بل قال: { فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }، فكأن هذا الفاصل مع قصره (قل) كأنه يطيل القرب بين الداعي وربه، فجاء الجواب بدون واسطة: { فَإِنِّي قَرِيبٌ } تنبيها على شدة قرب العبد من ربه في مقام الدعاء!. وهو من أبلغ ما يكون في الجواب عن سبب النزول ـ لو صحّ ـ حينما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: "أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟".
2 ـ تأمل في قوله تعالى : { عِبَادي } فكم في هذا اللفظ من الرافة بالعباد، حيث أضافهم إلى نفسه العليّة سبحانه وبحمده، فأين الداعون؟ وأين الطارقون لأبواب فضله؟!
3 ـ وفي قوله سبحانه: { فَإِنِّي قَرِيبٌ } : إثبات قربه من عباده جل وعلا، وهو قرب خاص بمن يعبده ويدعوه، وهو ـ والله ـ من أعظم ما يدفع المؤمن للنشاط في دعاء ملاه.
4 ـ في قوله عز وجل: { أُجِيبُ } ما يدل على قدرة الله وكمال سمعه سبحانه، وهذا ما لا يقدر عليه أي أحد إلا هو سبحانه!

أيها الإخوة:
إن أي ملك من ملوك الدنيا ـ ولله المثل الأعلى ـ مهما أوتي من القوة والسلطان لا يمكنه أن ينفذ كل ما يطلب منه؛ لأنه مخلوق عاجز، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه المرض والموتَ، فضلاً عن غيره، فتبارك الله القوي العزيز، الرحيم الرحمن.

5 ـ مع قوله تعالى: { إِذَا دَعَانِ } ففيها إشارة إلى أن من شرط إجابة الدعاء أن يكون الداعي حاضر القلب حينما يدعو ربه، وصادقاً في دعوة مولاه، بحيث يكون مخلصاً مشعراً نفسه بالافتقار إلى ربه، ومشعراً نفسه بكرم الله، وجوده (ينظر: مفاتيح الغيب 5/84، وتفسير القرآن الكريم للعثيمين 1/345).
6 ـ ومن هدايات هذه القاعدة ودلالتها: أن الله تعالى يجيب دعوة الداع إذا دعاه؛ ولا يلزم من ذلك أن يجيب مسألته؛ لأنه تعالى قد يؤخر إجابة المسألة ليزداد الداعي تضرعاً إلى الله، وإلحاحاً في الدعاء؛ فيقوى بذلك إيمانه، ويزداد ثوابه؛ أو يدخره له يوم القيامة؛ أو يدفع عنه من السوء ما هو أعظم فائدة للداعي؛ وهذا هو السر - والله أعلم - في قوله تعالى: { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ }(تفسير القرآن الكريم للعثيمين 1/345).
7 ـ وتاج هذه اللطائف المتصلة بهذه القاعدة من قواعد العبادة: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } أنك تلحظ فيها سراً من أسرار عظمة هذا الدين، وهو التوحيد، فهذا ربك ـ أيها المؤمن ـ وهو ملك الملوك، القهار الجبار، الذي لا يشبه ملكه ملك، ولا سلطانه سلطان ـ لا تحتاج إذا أردتَ دعاءه إلى مواعيد، ولا إلى أذونات، ولا شيء من ذلك، إنما هو رفع اليدين، مع قلب صادق، وتسأل حاجتك، كما بكر بن عبدالله المزني ـ أحد سادات التابعين ـ: "من مثلك يا ابن آدم! خلي بينك وبين المحراب تدخل منه إذا شئت على ربك، وليس بينك وبينه حجاب ولا ترجمان"(حلية الأولياء 2/229)، فيا لها من نعمة لا يعرف قدرها إلا الموفق، وإلا الذي يرى ما وقع فيه كثير من جهال المسلمين من التوسل بالأولياء والصالحين، أو ظنهم أن الدعاء لا يقبل إلا من طريق الولي الفلاني أو السيد الفلاني!!

أيها الإخوة:
وإذا تبين وقعُ هذه القاعدة ـ { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } ـ فإننا سندرك أن الحرمان الحقيقي للعبد حينما يحرم طرق الباب، وأن تنسيه نفسه هذا السبيل العظيم! كما قال أبو حازم لأنا من أن أمنع الدعاء، أخوف مني من أن أمنع الاجابة (حلية الأولياء 3/241، 7/288).

ويقول ابن القيم رحمه الله: "وقد أجمع العارفون أن التوفيق أن لا يكللك الله إلى نفسك, وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك, فاذا كان كل خير فأصله التوفيق, وهو بيد الله لا بيد العبد, فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة اليه، فمتى أعطى العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له, ومتى أضلّه عن المفتاح بقي باب الخير مرتجا دونه، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني لا أحمل هم الإجابة, ولكني أحمل هم الدعاء, فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه.
وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم, والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك,..., وما أتي من أتي إلا من قبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء, ولا ظفر من ظفر ـ بمشيئة الله وعونه ـ إلا بقيامه بالشكر، وصدق الافتقار والدعاء" (الفوائد: (181)) انتهى.

ومن المعاني المهمة التي ينبغي أن يستحضرها العبد ـ وهو في مقام الدعاء ـ ما أشار إليه الإمام أبو سليمان الخطابي: ـ وهو يتحدث عن الحكمة من مشروعية الدعاء ـ فيقول: "وقد قضى الله ـ سبحانه ـ أن يكون العبد ممتحناً ومستعملاً، ومعلقاً بين الرجاء والخوف ـ اللذين هما مدرجتا العبودية ـ ليستخرج منه بذلك الوظائف المضروبة عليه، التي هي سمة كل عبد، ونِصْبةُ كل مربوب مُدَبّرٍ"(شأن الدعاء: (9-10)).

أيها القارئ الفطن:
ومن هدايات هذه القاعدة ـ المتعلقة بسياقها ـ: استحباب الدعاء عند الفطر في رمضان وغيره، وهذا ما يدل عليه ظاهر القرآن، وفعل السلف، وفي السنة المرفوعة أحاديث لا تخلو من مقال، ولكن ها أنت ترى ظاهر القرآن يعضدها، ووجه الدلالة من الآيات على هذا المعنى: أن الله تعالى ذكر هذه الآية ـ آية الدعاء ـ بُعَيْد آيات الصيام وقبيل آية إباحة الرفث في ليل الصيام، قال ابن كثير:: "وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى اجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر"(تفسير ابن كثير (1 / 273)) انتهى.

فما أجمل العبد وهو يظهر فقره وعبوديته بدعاء مولاه، والانكسار بين يدي خالقه ورازقه، ومَنْ ناصيته بيده!
وما أسعده حينما يهتبل أوقات الإجابة ليناجي ربه، ويسأله من واسع فضله في خيري الدنيا والآخرة!

نسأل الله تعالى أن يرزقنا صدق اللجأ إليه، والانطراح بن يديه، وكمال التضرع له، وقوة التوكل عليه، وأن لا يخيب رجاءنا فيه، ولا يردنا خائبين بسبب ذنوبنا وتقصيرنا.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة السادسة والثلاثون : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }


الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية، وقاعدة شرعية من أعظم القواعد الشرعية التي يفزع إليها العلماء في فتاواهم، تلكم القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [التغابن: 16].
وهذه القاعدة القرآنية المحكمة جاءت في سورة التغابن، وفي تدبر سياقها ما يحسن إيراده هنا، خاصةً وأن هذه القاعدة بدأت بالفاء التي يسميها بعض العلماء: الفاء الفصيحة، أو فاء التفريع، فما بعدها فرعٌ عما قبلها، ذلك أن الله جل وعلا قال قبل هذه القاعدة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)}[التغابن] ثم جاء التعقيب بعد هذا بقوله سبحانه وتعالى:
{ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)}[التغابن].

"أي: إذا علمتم هذا، فاتقوا الله فيما يجب من التقوى في معاملة الأولاد والأزواج ومصارِف في الأموال، فلا يصدّكم حب ذلك والشغل به عن الواجبات، ولا يخرجكم الغضب ونحوه عن حدّ العدل المأمور به، ولا حُبُّ المال عن أداء حقوق الأموال وعن طلبها من وجوه الحلال، فالأمر بالتقوى شامل للتحذير المتقدم وللترغيب في العفو كما تقدم ولما عدا ذلك... ولما كانت التقوى ـ في شأن المذكورات وغيرها ـ قد يعرض لصاحبها التقصير في إقامتها حرصاً على إرضاء شهوة النفس ـ في كثير من أحوال تلك الأشياء ـ زيد تأكيد الأمر بالتقوى بقوله: { مَا اسْتَطَعْتُمْ }، و{ مَا } مصدرية ظرفية، أي مدة استطاعتكم؛ ليعم الأزمان كلها، ويعم الأحوال تبعاً لعموم الأزمان ويعم الاستطاعات، فلا يتخلوا عن التقوى في شيء من الأزمان. وجعلت الأزمان ظرفاً للاستطاعة لئلا يقصروا بالتفريط في شيء يستطيعونه فيما أمروا بالتقوى في شأنه ما لم يخرج عن حدّ الاستطاعة إلى حدّ المشقة، فليس في قوله: { مَا اسْتَطَعْتُمْ } تخفيف ولا تشديد، ولكنه عَدل وإنصافٌ، ففيه ما عليهم وفيه ما لهم"(التحرير والتنوير 28/258 باختصار يسير).

أيها الإخوة:
وبعد هذا العرض المجمل لمعنى القاعدة، يتبين أن هذا القدر من التقوى هو الواجب على العبد فعله ـ وهو تقوى الله ما استطاع ـ، أما التقوى التي يستحقها الله تعالى، فهي التي جاءت في قوله عز وجل:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)} [آل عمران]، وهي التي فسرها جمع من السلف بقوله: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر (ينظر: تفسير السعدي: (141))، وبهذا الجمع يتبين أنه لا يصح قول من قال: إن هذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } ناسخة لآية آل عمران: { اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ }.

أيها القراء الكرام:
إن هذه القاعدة القرآنية المحكمة تدل بوضوح على أن كل واجب عجز عنه المكلف، فإنه يسقط عنه، وأنه إذا قدر على بعض المأمور، وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "(البخاري ح (6858) ومسلم ح (1337)).
فدخل تحت هذه القاعدة الشرعية من الفروع، ما لا يدخل تحت الحصر كما يقول غير واحدٍ من أهل العلم (تفسير السعدي: (141)).

ولعلنا ـ معشر القراء ـ نأخذ بعض الأمثلة التي تجلي هذا القاعدة:
1. ولعل أحرى الأمثلة هو ذلك الموقف الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول كلمته الجامعة الآنفة الذكر: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ": فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
" أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا،
فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟! فسكت، حتى قالها ثلاثا،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو قلت: نعم لوجبت! ولما استطعتم! ثم قال: ذروني ما تركتكم! فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافِهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ".

2. ومن تطبيقات هذه القاعدة ـ أيها الإخوة الكرام ـ أنه: "إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك، امتثالا لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانه وتعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }، وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة، قال الله تعالى:
{ يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ...(219)} [البقرة]. حرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما"(قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/110)).

3. أن الواجب عند إرادة الصلاة: التطهر بالماء، فإن عدم أو تعذر استعماله، فإن الإنسان ينتقل إلى التيمم ـ كما هو معلوم ـ.

4. أن صلاة الفريضة الأصل فيها أن يؤديها المصلي قائماً، فإن عجز صلى جالساً، وإلا صلى قاعداً، كما دلّ على ذلك عمران بن حصين رضي الله عنهما، ويدخل في ذلك جميع شروط الصلاة وأركانها وواجباتها.

5. وفي الصيام يجب على المسلم أن يمسك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإن كان الصيام يشق عليه افطر وانتقل إلى الإطعام.

6. وفي الحج، فإن مبنى هذا الركنِ كلّه على هذا الأصل العظيم: الاستطاعة، كما قال سبحانه وتعالى:
{ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)}[آل عمران] وكما سبق في حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

7. ومن فروع هذه القاعدة في مناسك الحج: أن من لم يجد مكاناً في منى أو مزدلفة سكن حيث تيسر له، وقل مثل فيمن عجز عن الرمي لأي سبب معتبر شرعاً، ولعل الحج من أكثر أركان الإسلام فروعاً تطبيقيةً لهذه القاعدة العظيمة.

8. ومن تطبيقات هذه القاعدة العظيمة: في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن المكلف يجب عليه أنه ينكر باليد إذا قدر عليه، فإن عجز فباللسان، وإلا فبالقلب، كما دل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المخرج في الصحيح (صحيح مسلم (49)).

9. وفي باب النفقات: فإن من عليه نفقةٌ واجبة، وعجز عن جميعها، بدأ بزوجته، فرقيقه، فالولد، فالوالدين، فالأقرب ثم الأقرب. وكذلك زكاة الفطر.

10. ومن تطبيقات هذه القاعدة العظيمة: مسائل الولايات والوظائف الدينية والدنيوية كلُّها - صغارُها وكبارُها – داخلة تحت هذه القاعدة العظيمة، فكل ولاية يجب فيها تولية الأصلح الذي يحصل بتوليته مقصود الولاية، فإن تعذرت كلها، وجب فيها تولية الأمثل فالأمثل، وقد سبق حديث مفصّل ـ في حلقة سابقة من حلقات هذا البرنامج ـ عند الكلام على قاعدة: { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)} [القصص](وهي القاعدة السابعة عشرة).

وبما سبق من أمثلة يتجلى لنا عظيم موقع هذه القاعدة من هذا الشرع المطهر، الذي مبناه على اليسر والسعة،
فنسأل الله تعالى الذي هدانا لهذا الدين القويم، أن يثبتنا عليه حتى نلقاه، وأن يرزقنا الفقه في دينه، والبصيرة فيه، والحمد لله رب العالمين.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة السابعة والثلاثون : { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }


الحمد لله،وصلى الله وسلم على عبده ورسوله ومصطفاه، أما بعد:
فهذه حلقة جديدة مع قاعدة قرآنية، وكلمات جامعة، تضمنتها تلك القاعدة التي تمثل أصلاً من أصول الوصايا القرآنية، تلكم القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }[هود: 112](ينظر: فتاوى ابن تيمية 20/112).

وهذه القاعدة القرآنية المحكمة جاءت في سورة هود، تلك السورة العظيمة التي بيَّن الله فيها سبيل الحق والباطل، ثم ذكر فيها مصير هؤلاء وأولئك، ونماذج تاريخية من واقع الرسل مع أقوامهم، ثم ختمت تلك القصص كلها بقول الله عز وجل:
{ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)} - إلى قوله سبحانه وتعالى-:
{ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)} [هود].

والمتأمل في هذه السورة العظيمة يلحظ فيها بجلاء كثرة الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم سواء بضمير الخطاب في عشرات المواضع ـ وهو أكثرها ـ أو بغير ضمير الخطاب، ومنها: هذا الموضع الذي نحن بصدد الحديث عنه في هذه القاعدة المحكمة: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير }، ولنا مع هذه القاعدة عدة وقفات:

الوقفة الأولى: ما حقيقة الاستقامة؟ وما سر هذا الأمر الصريح له ولأتباعه بلزوم الاستقامة؟
أما حقيقة الاستقامة، فإن كلمات السلف من الصحابة ومن بعدهم تدور على معنى واحد في الجملة، ألا وهو أن الاستقامة: "هي سلوكُ الصِّراط المستقيم، وهو الدِّينُ القيِّم من غير تعريج عنه يَمنةً ولا يَسرةً، ويشمل ذلك فعلَ الطَّاعات كلّها، الظاهرة والباطنة، وتركَ المنهيات كُلِّها كذلك، فصارت هذه الوصيةُ جامعةً لخصال الدِّين كُلِّها" (جامع العلوم والحكم: شرح الحديث (21) حديث سفيان بن عبدالله).

وأما عن سر هذا الأمر الصريح للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه بالاستقامة، فإن الجواب عن هذا يطول جداً، لكن من أجلى ما يوضح ذلك: أن يعلم المؤمن أن أعظم غرض يريده الشيطان من بني آدم هو إضلالهم عن طريق الاستقامة، ألم يقل عدو الله كما ورد في القرآن الكريم: { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)}[الأعراف]؟! ولهذا أمرنا أن نكرر في اليوم والليلة 17 مرة على أقل تقدير قوله تعالى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)}[الفاتحة]، فاللهم اهدنا صراط المستقيم، وثبتنا عليه يا رب العالمين.

الوقفة الثانية مع هذه القاعدة المحكمة { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }:
فهذا الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة هو أمرٌ بالثبات على الاستقامة، ولغيره أمر بها وبالثبات عليها، يقول ابن عطية رحمه الله: "أَمْرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالاستقامة ـ وهو عليها ـ إنما هو أمر بالدوام والثبوت، وهذا كما تأمر إنساناً بالمشي والأكل ونحوه، وهو ملتبس به"(المحرر الوجيز (3 / 225))، ويوضح كلام ابن عطية هذا ما سبقت الإشارة من تكرار الدعاء في الفاتحة: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }.

ويوضح هذا أن القرآن الكريم مليء بالأمر بهذا الأصل العظيم أو الثناء على أهله في مواضع متنوعة، وبأكثر من أسلوب، ومن ذلك:
1 . ما جاء في سورة الشورى ـ التي تحدثت عن الشرائع السابقة واتفاقها في جملة من الأصول ـ فقال سبحانه وتعالى:
{ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ... (13)}إلى أن قال: { فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ... (15)}[الشورى].
2 . ومن ذلك ـ أيضاً ـ أن الله تعالى أمر بهذا الأصل غير واحد من الأنبياء والمرسلين ـ عليهم الصلاة والسلام ـ فقد قال لموسى وهارون:
{ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89)}[يونس]،
بل لقد امتنّ الله بهذا الأصل على جميع الأنبياء والمرسلين، فإنه عز وجل لما ذكر عدداً كبيرا من الرسل ـ في سورة الأنعام ـ قال:
{ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ...(88)}[الأنعام].
3 . وفي صدر سورة فصلت ملحظ مهم في ترسيخ معنى هذه القاعدة، فإن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:
{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6)... الآيات}
وفي نفس السورة يبشر الله عباده المستقيمين على دينه بأعظم بشارة تتمناها نفس ، فقال سبحانه وتعالى:
{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)}.

واستعراض الآيات الواردة في الاستقامة نصاً أو معنى ليس مقصوداً لنا هنا، وإنما الغرض التنبيه على ذلك.

الوقفة الثالثة، مع هذه القاعدة المحكمة { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }:
إن من تأمل هذا الأمر الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم تبين له عظم وخطورة هذا الأمر ـ أعني الاستقامة والثبات على الدين ـ كيف، وهما اللتان أقضتا مضاجع الصالحين؟!

روى البيهقي في "الشعب" عن أبي عبدالرحمن السلمي قال: سمعت أبا علي السري يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام! فقلت: يا رسول الله! روي عنك أنك قلت: "شيبتني هود"؟
فقال: "نعم"
فقلت له: ما الذي شيبك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟!
فقال: "لا، ولكن قوله: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }"(شعب الإيمان 4/82).
وهذه الرؤيا ـ كما لا يخفى ـ هي كغيرها لا يعتمد عليها في الأحكام الشرعية، ولا في تصحيح أو تضعيف الأحاديث، ومنها: الحديث المشهور: " شيبتني هود وأخواتها "(أخرجه الترمذي وغيره ح (3297)، وينظر: العلل لابن أبي حاتم رقم (1826)، ولصديقنا د.سعيد الرقيب الغامدي بحث مفصل في بيان طرق وعلل هذا الحديث منشور على موقع ملتقى أهل الحديث) فإنه حديث مضطرب الإسناد، كما بين ذلك جمع من الحفاظ كالترمذي والدارقطني وابن حجر رحمهم الله جميعاً، وإنما الغرض هنا الاستئناس بهذه الرؤيا على عظيم موقع هذا الأمر الإلهي من نفس النبي صلى الله عليه وسلم.

الوقفة الرابعة مع هذه القاعدة المحكمة { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }:
أن الإنسان مهما بلغ من التقوى والإيمان، فهو بحاجة ماسة إلى التذكير بما يثبته، ويزيد استقامته، ولو كان مستغنياً عن ذلك؛ لكان نبينا صلى الله عليه وسلم أولى الناس بهذا، يقول ابن تيمية رحمه الله: "وإنما غاية الكرامة لزوم الاستقامة، فلم يكرم الله عبداً بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه، ويزيده مما يقربه إليه ويرفع به درجته"(مجموع الفتاوى: (11 / 298)).

الوقفة الخامسة مع هذه القاعدة المحكمة { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }:
أن يعلم المؤمن أن أعظم مدارج الاستقامة هي استقامة القلب، فإن استقامته ستؤثر على بقية الجوارح ـ ولا بد ـ قال ابن رجب رحمه الله: "فأصلُ الاستقامةِ استقامةُ القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصِّديق وغيرُه قولَه عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } بأنَّهم لم يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلبُ على معرفةِ الله، وعلى خشيته، وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكُّلِ عليه، والإعراض عما سواه ... استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعته، فإنَّ القلبَ هو ملكُ الأعضاء، وهي جنودهُ، فإذا استقامَ الملك، استقامت جنودُه ورعاياه (كما في الحديث المتفق عليه: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ")،... وأعظم ما يُراعى استقامتُه بعدَ القلبِ مِنَ الجوارح اللسانُ، فإنَّه ترجمانُ القلب والمعبِّرُ عنه"(جامع العلوم والحكم: شرح الحديث (21) حديث سفيان بن عبدالله رضي الله عنه) "ومن استقام على هذا الصراط حصل له سعادة الدنيا والآخرة، واستقام سيره على الصراط يوم القيامة، ومن خرج عنه فهو إما مغضوب عليه، وهو من يعرف طريق الهدى ولا يتبعه كاليهود، أو ضال عن طريق الهدى كالنصارى ونحوهم من المشركين"(فتح الباري لابن رجب (4 / 500)).

نسأل الله تعالى أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يجعلنا ممن استقام ظاهره وباطنه على ما يحبه ويرضاه، وأن يثبتنا على الإسلام والسنة حتى نلقاه، والحمد لله رب العالمين.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الثامنة والثلاثون : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }​


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فهذا لقاء آخر على ضفاف بحر هذه القواعد القرآنية المحكمة، نقف فيه مع قاعدة قرآنية، وكلمات جامعة، تضمنتها تلك القاعدة التي تمثل أصلاً من أصول العدل، والجزاء والحساب، تلكم القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 )} [الزلزلة]
(ينظر: القواعد الحسان للسعدي: (141)، والتحرير والتنوير 30/436 حيث قال: " وهذه الآية معدودة من جوامع الكلم ").

وهذه القاعدة القرآنية المحكمة جاءت في سورة الزلزلة، والتي تتحدث عن شيء من أهوال ذلك اليوم العظيم، الذين تشيب لهوله الولدان، فتختم السورة بهذه القاعدة ـ التي نحن بصدد الحديث عنها ـ وتأتي مصدرة بفاء التفريع، فقال سبحانه: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } تفريعاً على قوله: { .. لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6)} ليتيقن المحسنون بكمال رحمة الله، والمسيئون بكمال عدله سبحانه وتعالى!

أيها القراء المعظمون لكتاب ربكم:
إن من أعظم ما يجلي كون هذه الآية من جوامع المعاني، ومن قواعد القرآن المحكمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ كما في الصحيحين ـ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر أقسام الخيل وأنها ثلاثة، وفصّل ذلك بتفصيل طويل، ثم سئل صلى الله عليه وسلم عن الحمر ـ وهي جمع حمار ـ فقال:
" ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }"(البخاري (2242) ومسلم (987).).

ومعنى جوابه صلى الله عليه وسلم: " أنها آية منفردة في عموم الخير والشر ولا أعلم آية أعم منها؛ لأنها تعم كل خير وكل شر " (التمهيد 4/219).

وعلى هذا الفهم العام لهذه الآية الكريمة، سار الصحابة رضي الله عنهم في فهمهم الذي تعلموه من النبي صلى الله عليه وسلم،ومن ذلك:
1 ـ أن عائشة رضي الله عنها جاءها سائل فسأل! فأمرت له بتمرة، فقال لها قائل: يا أم المؤمنين إنكم لتصدقون بالتمرة؟
قالت: نعم والله! إن الخلق كثير ولا يشبعه إلا الله، أوليس فيها مثاقيل ذر كثيرة؟!

2 ـ وعنها رضي الله عنها أن سائلاً جاءها، فقالت لجاريتها: أطعميه! فوجدت تمرة، فقالت: أعطيه إياها، فإن فيها مثاقيل ذر إن تقبلت!

3 ـ وروي أن عمرَ رضي الله عنه، فقد أتاه مسكين ـ وفي يده عنقود من عنب ـ فناوله منه حبة وقال: فيه مثاقيل ذر كثيرة!

وقد روي نحو هذا عن أبي ذر، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين (ينظر في هذه الآثار كلها: الدر المنثور 15/593).
وإذا كان هذا المعنى في باب احتساب النفقة، فثمة معنى آخر يتفطن له أرباب القلوب الحيّة، وهو: الخوف من تبعة السيئات، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن الحارث بن سويد أنه قرأ :
{ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا } حتى بلغ { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ } قال: إن هذا الإحصاء شديد (الدر المنثور 15/591).

أيها القراء الفضلاء:
وفي السنة الصحيحة من الأمثال والقصص ما يبين بجلاء معنى هذه القاعدة العظيمة: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } ولعلي أكتفي في هذا المقام بهذين الحديثين اللذين لن تتضح الصورة إلا بهما جميعاً:

أما الحديث الأول فهو قوله صلى الله عليه وسلم ـ كما في صحيح مسلم ـ:
" بينما كلب يطيف بركية ـ أي بئر ـ قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها ـ وهو خفها ـ فاستقت له به، فسقته إياه فغفر لها به "(مسلم (2245)).
وأما الحديث الآخر، فهو الحديث المتفق عليه، الذي يخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة دخلت النار في هرة، ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت هزلاً (البخاري (3140)، ومسلم (2619) واللفظ له).

وقد عقّب الإمام الكبير محمد بن شهاب الزهري ـ بعد روى حديث الهرة ـ: "ذلك لئلا يتكل رجل، ولا ييأس رجل"، وهذا هو الشاهد الذي ينبغي أن نتأمله ههنا: فتأمل ـ أيها المؤمن ـ كيف جاء هذان الحديثان ليفسرا لنا عملياً هذه القاعدة: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } فتلك المرأة التي لم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها عابدة! أو صائمة! بل لم يذكرها إلا بالبغاء! ومع هذا فقد نفعها هذا العمل! وأي عملٍ هو؟ إنه سقي حيوان من أنجس الحيوانات (الكلب)! ولكن الرب الرحيم الكريم لا تضيع عنده حسنة، بل كما قال سبحانه وتعالى:
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)}[النساء].

وفي الحديث الثاني: لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم سبباً أدخلها النار غير حبسها لحيوان صغير لا يؤبه له!
كل هذا ليتحقق المؤمن معنى هذه القاعدة المحكمة: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }، وبه يتبين دقة كلام الإمام الزهري: حين علق على هذا الحديث بقوله الآنف الذكر: "ذلك لئلا يتكل رجل، ولا ييأس رجل".

إن من أعظم توفيق الله تعالى لعبده أن يعظّم الله، ومن أظهر صور تعظيم الرب جل وعلا: تعظيم أمره ونهيه، وإجلال الله عز وجل وتوقيره، فلا يحقرن صغيرةً من الذنوب مهما صغر الذنب في عينه؛ لأن الذي عُصي هو الله عز وجل، كما قال بلال بن سعد رحمه الله: " لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر من عصيت "(الزهد للإمام أحمد: (384)).

وتأمل مقولة الإمام الجليل عون بن عبدالله: حينما قرأ قوله تعالى:
{ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)}[الكهف] ـ
قال: ـ: "ضج ـ والله ـ القوم من الصغار قبل الكبار" (التمهيد 2/84)، فمن كان قلبه حياً تأثر بأي معصية، كالثوب الأبيض الذي يؤثر فيه أي دنس، وإلا فإن العبد إذا لم يجد للذنوب أثراً ـ وإن كانت من الصغائر ـ فليتفقد قلبه، فإنه على شفا خطر! ولابن الجوزي: كلمات نفيسة في هذا الموضوع في كتابه: "صيد الخاطر".*

ولهذا لما قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا! ـ تعنى قصيرة ـ فقال:
« لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته » رواه أبو داود والترمذي وصححه (أبو داود (4877)، الترمذي (2502)).

وأما عدم زهد المؤمن في أي عمل صالح ـ وإن ظنّه صغيراً ـ فلأنه لا يدري ما العمل الذي يدخله الجنة؟! قال صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه ـ:
" لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق "(مسلم (2626)).

ولما سأل أبو برزة رضي الله عنه نبينا صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! علمني شيئا أنتفع به! قال:
" اعزل الأذى عن طريق المسلمين "(مسلم (2618)).

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة "(مسلم (1914)).

فتأمل ـ يا عبدالله ـ كم يحتقر كثير من الناس أمثال هذه الأعمال اليسيرة!
كم نمر في يومنا بغصن؟ أو بحجر؟ أو زجاجة منكسرة؟ فربما تكاسلنا عن إزالتها كسلاً في أمثال هذه الأعمال التي هي من أسباب دخول الجنة، وأرشد إليها بعض أصحابه!

ولو أردتَ أن تفتش في حياتنا اليومية لو جدت فيها عشرات الأمثلة من الأعمال اليسيرة، التي لو جمعت لشكلت سيلاً من الحسنات، دمعة يتم تمسحها، أو جوعة فقير تسدها، أو مساعدة عاجز، أو ابتسامة في وجه مسلم، في عدد من الأعمال لا يمكن حصرها، فما أحرانا ـ معشر الإخوة ـ أن نكون سباقين إلى كل خير، وإن دق في أعيننا، متذكرين هذه القاعدة العظيمة:
{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }.

نسأل الله تعالى أن يضاعف لنا الحسنات، وأن يتجاوز عن السيئات، وأن ييسر لنا الخير، ويعيذنا من موارد الشر، والحمد لله رب العالمين.

يتبع
 
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة التاسعة والثلاثون : { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ }


الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا لقاء جديد مع قاعدة من قواعد تربية النفس، وتوجيه علاقتها مع الله عز وجل، تلكم القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ( 7 ) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ( 8 )}[الشرح](قال العلامة النحرير الطاهر ابن عاشور: ـ كما في التحرير والتنوير 30/368 ـ: "وهذه الآية من جوامع الكلم القرآنية لما احتوت عليه من كثرة المعاني").

وهذه القاعدة ـ كما لا يخفى ـ جزء من سورة الشرح، وقد بدئت بحرف الفاء المرتبط بالجملة الشرطية، وهذه الفاء هي فاء التفريع، أي أن ما بعدها فرع عما قبلها، فلننظر فيما قبلها، يقول الله عز وجل:
{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ( 8 )} .

وغني عن القول أن هذه السورة العظيمة ـ سورة الشرح ـ "احتوت على ذكرِ عنايةِ الله تعالى لرسوله بلطف الله له, وإزالةِ الغمّ والحرجِ عنه، وتيسير ما عسر عليه، وتشريفِ قدره؛ لِيُنَفِّسَ عنه؛ فمضمونُها شبيهٌ بأنه حجةٌ على مضمون سورة الضحى؛ تثبيتاً له بتذكيره سالف عنايته به, وإنارة سبيل الحق, وترفيع الدرجة؛ ليعلم أن الذي ابتدأه بنعمته ما كان لِيقطع عنه فضله، وكان ذلك بطريقة التقرير بماض يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم" (التحرير والتنوير 30/359).

فإذا اتضح تبين موقع هذه القاعدة التي نتحدث عنها: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } والتي يأمر الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم إذا انتهى من طاعة أو عملٍ ما أن ينصب ويبدأ في عمل أو طاعة أخرى، وأن يرغب إلى ربه في الدعاء والعبادة، والتضرع والتبتل، لأن حياة المسلم الحق كلها لله، فليس فيها مجال لسفاسف الأمور، بل إن اللهو الذي تبيحه الشريعة لأصناف من الناس كالنساء والصبيان، أو في بعض الأوقات كالأعياد والأفراح؛ فإن من أعظم مقاصد ذلك أن يعيش أن يستجم الإنسان ـ والاستجمام للجد مرة ثانيةً من الشغل النافع ـ وأن يعيش العبودية لله في جميع أحواله، فهو يعيشها في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، وفي الحضر والسفر، وفي الضحك والبكاء، ليتمثل حقاً قول الله تعالى:
{ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الأنعام: 162]،
متأسياً ـ قدر الطاقة بالثلة المباركة من أنبياء الله ورسله ـ الذين أثنى الله عليهم بقوله عز وجل:
{ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)}[الأنبياء].

قال ابن القيم رحمه الله: "وأما الرغبة في الله، وإرادةُ وجهه، والشوقُ إلى لقائه، فهي رأس مال العبد، وملاكُ أمره، وقوامُ حياته الطيبة، وأصلُ سعادته وفلاحه ونعيمه، وقرةُ عينه، ولذلك خلق، وبه أُمِرَ، وبذلك أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولا صلاح للقلب ولا نعيم إلا بأن تكون رغبته إلى الله عز وجل وحده، فيكون هو وحده مرغوبه ومطلوبه ومراده، كما قال الله تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}[الشرح]" (روضة المحبين (405)).

أيها القراء الكرام:
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه القاعدة: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } معنى عظيم، وهو أصل من الأصول التي تدل على أن الإسلام يكره من أبنائه أن يكونوا فارغين من أي عمل ديني أو دنيوي! وبهذا نطقت الآثار عن السلف الصالح رحمهم الله:
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: إني لأمقت أن أرى الرجل فارغاً لا في عمل دنيا ولا آخرة (المعجم الكبير 9/102)، وسبب مقت ابن مسعود رضي الله عنه لهذا النوع من الناس؛ لأن "قعود الرجل فارغاً من غير شغل، أو اشتغاله بما لا يعينه في دينه أو دنياه من سفه الرأي، وسخافة العقل، واستيلاء الغفلة" (الكشاف 4/777).

ولقد دلّ القرآن على أن هذا النوع من الناس الفارغين ـ وإن شئت فسمهم البطالين ـ ليسوا أهلاً لطاعة أوامرهم، بل تنبغي مجانبتهم؛ لئلا يُعدوا بطبعهم الرديء، كما قال تعالى: { ... وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)} [الكهف]، يقول العلامة السعدي رحمه الله: "ودلت الآية، على أن الذي ينبغي أن يطاع، ويكون إماماً للناس، من امتلأ قلبه بمحبة الله، وفاض ذلك على لسانه، فلهج بذكر الله، واتبع مراضي ربه، فقدمها على هواه، فحفظ بذلك ما حفظ من وقته، وصلحت أحواله، واستقامت أفعاله، ودعا الناس إلى ما من الله به عليه، فحقيق بذلك، أن يتبع ويجعل إماماً" (تفسير السعدي: (475)).

أيها الإخوة المؤمنون:
ومن هدايات هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } أنها تربي في المؤمن سرعة إنجاز الأمور ـ ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ـ وعدمِ إحالة إنجازها إلى وقت الفراغ، فإن ذلك الأساليب التي يخدع بها بعض الناس نفسه، ويبرر بها عجزه، وإن من عجز عن امتلاك يومه فهو عن امتلاك غده أعجز!

قال بعض الصالحين: "كان الصديقون يستحيون من الله أن يكونوا اليوم على مثل حالهم بالأمس"
علق ابن رجب: على هذا فقال: "يشير إلى أنهم كانوا لا يرضون كل يوم إلا بالزيادة من عمل الخير، ويستحيون من فقد ذلك و يعدونه خسراناً" (لطائف المعارف: (321))، ومن جميل ما قيل في هذا المعنى ذينك البيتين السائرين:

إذا هجع النوام أسبلت عبرتي * وأنشدت بيتاً فهو من أحسن الشعر
أليس من الخسران أنَّ ليالياً * تمر بلا شيء وتحسب من عمر​

ومن الحكم السائرة: لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد! وهي حكمة صحيحة يشهد القرآن بصحتها، وقد روي عن الإمام أحمد: أنه قال: إن التأخير له آفات! وصدق:، والشواهد على هذا كثيرة:
ـ فمن الناس من يكون عليه التزامات شرعية بينه وبين الله، كقضاء الصيام، أو أداء فرض الحج ـ مثلاً ـ فتراه يسوّف ويماطل، حتى يتضايق عليه الوقت في الصيام، أو يفجأه الموت قبل أن يحج! ولئن كان هذا قبيحاً ومذموماً في حقوق الله، فهو في حقوق الخلق ـ المبنية على المشاحة ـ أشد وأعظم، وكم ندم من كانت عليهم ديون حين تساهلوا في تسديدها وهي قليلة، فتراكمت عليهم، فعجزوا عنها، وصاروا بين ملاحقة الغرماء، والركض وراء الناس وإراقة ماء الوجه للاستدانة من جديد، أو للأخذ من الزكاة!! فهل من معتبر؟!

ـ ومن آثار مخالفة هذه القاعدة: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ }: أن بعض الناس لا يهتبل ولا يستغل الفرص التي تسنح في طلب العلم، وتحصيله، فإذا انفرط عليه العمر، وتقضى الزمن، ندم على أنه لم يكن قد حصل شيئاً من العلم ينفعه في حياته وبعد مماته!

وقل مثل ذلك: في تفريط كثير من الناس ـ وخصوصاً الشباب والفتيات ـ في التوبة، والإنابة، والرغبة إلى الله، بحجة أنهم إذا كبروا تابوا، وهذا لعمر الله من تلبيس إبليس!

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله * وأنك لم ترصد بما كان أرصدا
وقوله تعالى ـ في هذه القاعدة التي هي مدار حديثنا ـ: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } أبلغ، وأعظم حادٍ إلى العمل، والجد في استثمار الزمن قبل الندم.
وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.

يتبع
 
التعديل الأخير:
كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الأربعون: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ }


الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية، وكلمةٍ جامعة، وهي من أعظم قواعد الشرائع السماوية كلها، والتي لا يشذ عنها شيء، تلكم القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ }[النحل: 90].

وهذه القاعدة القرآنية المحكمة من أعظم القواعد الشرعية، والتي يدخل تحتها من الفروع ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وتتفق عليها جميع الشرائع السماوية؛ ذلك أن الشرائع كلها من لدن حكيم عليم، قال سبحانه وتعالى:
{ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)} [الأنعام]
قال أهل العلم: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام.
ومَرَدُّ معرفة العدل من الجور إلى أدلة الشريعة المطهرة، ونصوصها المفصلة.

يقول الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله: "العدل حصن يلجأ إليه كل خائف، وذلك أنك ترى الظالم وغير الظالم إذا رأى من يريد ظلمه، دعا إلى العدل وأنكر الظلم حينئذ وذمه، ولا ترى أحداً يذم العدل، فمن كان العدل في طبعه فهو ساكن في ذلك الحصن الحصين" (الأخلاق والسير: (162)).

وقال العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله: "والعدل مما تواطأت على حسنه الشرائع الإلهية، والعقول الحكيمة، وتمدَّح بادعاء القيام به عظماءُ الأمم، وسجلوا تمدُّحهم على نقوش الهياكل من كلدانية، ومصرية، وهندية.

وحسن العدل بمعزل عن هوى يغلب عليها في قضية خاصة، أو في مبدأ خاص تنتفع فيه بما يخالف العدل بدافع إحدى القوتين: الشاهية والغاضبة" (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام،ص: (186)).

ويقول ابن تيمية رحمه الله: "إن جماع الحسنات: العدل، وجماع السيئات: الظلم" (مجموع الفتاوى (1/86)).
وقال الماورديّ: "إنّ ممّا تصلح به حال الدّنيا قاعدة العدل الشّامل، الّذي يدعو إلى الألفة، ويبعث على الطّاعة، وتعمر به البلاد، وتنمو به الأموال، ويكبر معه النّسل، ويأمن به السّلطان، وليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور؛ لأنّه ليس يقف على حدّ، ولا ينتهي إلى غاية، ولكلّ جزء منه قسط من الفساد حتّى يستكمل" (أدب الدنيا والدين للماوردي (141)).

أيها القارئ الكريم:
إن هذا المعنى الشرعي العظيم ـ وهو العدل ـ الذين نتفيأ ظلال الحديث عنه من وحي هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } لهو معنى تعشقه النفوس الكريمة، والفطر السوية، ولله! كم كان تحقيقه سبباً في خيرات عظيمة، ومنح كثيرة؟! والعكس صحيح، وكم كان تحقيق هذا العدل سبباً في إسلام أناس ما حثهم على الإسلام إلا تحقيق هذا الأصل الكبير: العدل، وإليكم هذا الموقف الذي يبين شيئاً من آثار العدل في نفوس الخصوم قبل الأصدقاء:

روى ابن عساكر في تاريخ دمشق (42 / 487) من طريق الشعبي قال:
وجد علي بن أبي طالب درعه عند رجل نصراني، فأقبل به إلى شريح يخاصمه ـ وشريح هذا أحد أشهر القضاة في عهد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ـ قال: فجاء علي حتى جلس إلى جنب شريح،
فقال له علي: يا شريح! لو كان خصمي مسلماً ما جلست إلا معه، ولكنه نصراني! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كنتم وإياهم في طريق فاضطروهم إلى مضايقه، وصغروا بهم كما صغر الله تعالى بهم، من غير أن تطغوا، ثم قال علي: هذا الدرع درعي،لم أبع ولم أهب!
فقال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟
فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب،
فالتفت شريح إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين! هل من بيّنة؟
قال: فضحك علي وقال: أصاب شريح! ما لي بينة، فقضى بها للنصراني!
قال: فمشى خُطىً ثم رجع، فقال النصراني: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء! أميرُ المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه؟ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الدرع والله درعك، يا أمير المؤمنين، أتبعتُ الجيش ـ وأنت منطلق إلى صفين ـ فخرجتْ من بعيرك الأوْرق،
فقال: أما إذا أسلمت فهي لك، وحمله على فرس،
فقال الشعبي: فأخبرني من رآه يقاتل الخوارج مع علي يوم النهروان.

فتأمل يا عبدالله! كيف أثّر هذا الموقف العجيب من الرجل الأول في الدولة آنذاك في إسلامه، بل والانضمام إلى جيوشه التي تقاتل الخوارج المارقين، وليست هذه فضيلة إقامة العدل في مثل هذه المواقف، بل إن الإمام العادل أحدُ السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه.

وفي الموقف مَلْحظٌ آخر: ألا وهو أن هذا القاضي لم يكن ليجرؤ على مثل هذا الحكم لولا أنه وجد ما يسنده ويقوي جانبه في إصدار مثل هذا الحكم على خليفة المسلمين آنذاك، من الخليفة نفسه، ومتى شعر القاضي أنه لا يستطيع أن يحكم بالعدل الذي يراه، فعلى القضاء السلام.

وهذا الموقف ـ أيضاً ـ يبرز جانباً من جوانب عظمة هذا الدين في العدل مع الخصوم والأعداء، فلم يمنع شريحاً كون الخصم نصرانياً أن يقضي له، وهذا تطبيق عملي لقوله تعالى:
{ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى }[المائدة: 8].

أيها الإخوة الكرام:
وتمتد ظلال هذه القاعدة العظيمة { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } لتشمل جميع شؤون الحياة، فمن ذلك:
ـ العدل مع الزوجات: وهذا من الأمور المحكمات في باب العلاقة الزوجية، وهو أظهر من أن يفصل فيه، إلا أن الذي أرى أنه من المهم التوكيد عليه: هو تذكير الإخوة المعددين، بأن يتقوا الله في العدل بين زوجاتهم، وأن يحذروا من آثار عدمه السيئة في الحياة قبل الممات: وذلك فيما يقع بين الأولاد غير الأشقاء من نزاعات وخلافات، حتى يكونوا شماتة للآخرين، وأما في الآخرة فهو أعظم وأشد، وعليهم أن يتأملوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته التسع، ففيها الغناء والعبرة.

ومن صور تطبيقات هذه القاعدة: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ }:
ـ العدل مع الأولاد: ذلك أن على الوالدين أن يعدلوا بينهم، وأن يتجنبوا تفضيل بعضهم على بعض، سواء في الأمور المعنوية كالحب والحنان والعطف ونحو ذلك، أو في الأمور المادية كالهدايا والهبات، ونحوها.

ـ العدل والإنصاف في إصدار الأقوال، وتقييم الآخرين: قال تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)} [النساء] ، وقال عز وجل:
{ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا }[الأنعام: 152].
وهذا باب واسع جداً، يدخل فيه الكلام على الأفراد، والجماعات، والفرق، والكتب، والمقالات، وغير ذلك.

وما أجمل ما قاله ابن القيم في نونيته:

وتحل بالإنصاف أفخر حلة * زِيْنَتْ بها الأعطاف والكتفان​

أيها الإخوة:
ومن صور العدل التي دلّت عليها هذه القاعدة: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ }:
ـ العدل في العبادة: بحيث لا يتجاوز بها صاحبها العدل، ويتعدى الحد، ولا يقصّر في أدائها على الوجه الشرعي.

ـ العدل في النفقات: قال تعالى:
{ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)} [الإسراء]، وقال سبحانه وتعالى مثنياً على عباد الرحمن:
{ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)}[الفرقان]،
وكان من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم العظيمة: " وأسألك القصد في الفقر والغنى "(سنن النسائي (3/54) ح (1305)، وصححه ابن حبان ح (1971)).

وبالجملة ـ أيها الكرام ـ: فمن تأمل أوامر الله تعالى وجدها وسطاً بين خلقين ذميمين: تفريط وإفراط، وهذا هو معنى هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ }.
وإلى هنا ينتهي ما أردت ذكره من إشارات عابرة حول معاني هذه القاعدة القرآنية الكريمة.

وإلى لقاء قادم في حلقة جديدة بإذن الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.

يتبع
 
عودة
أعلى